Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
معارضة خالصة: وهي المعارضة في الحكم مع بقاء الدليل على إثبات الحكم على خلاف مايقتضيه الدليل المعارض، فيحتاج المعلل إلى الترجيح.
وأما المعارضة على سبيل المناقضة: فهي مايعارض في الأول في الحكم على وجه ينقض الدليل الأول كما هو حكم المناقضة الخالصة، والذي نحن فيه من قبيل ذلك، فإن حكم البيع وهو الملك يسقط على سبيل المناقضة كأن البيع انتقض لا أن الدليل وهو البيع باق مع وجود مايسقطه.
وقوله: (هذا لأن ذلك) أي: لأن البقاء (بمنزلة أعراض تحدث) يعني أن الحكم فيما يحتمل البقاء بعد الوجود بمنزلة أعراض تحدث؛ إذ العرض لا يبقى وقتين، فكان البقاء في الزمان الثاني لا يكون للبقاء في الزمان الثالث، وهو يقرر ما قلنا: إن الموجب لحكم لا يوجب بقاءه، وإنما قال: "بمنزلة أعراض" ولم يقل: " لأن ذلك أعراض تحدث "؛ لما أن الأعراض حقيقة إنما تطلق في الإصطلاح على المعاني التي تقوم في الأعيان كالسواد، والبياض، والحركة، والسكون.
وأما البقاء في العين الباقي فمعنى راجع إلى ذات العين، إلا أن ذلك معنى أيضا يقوم بالعين الباقي فكان بمنزلة العرض الذي هو غير راجع إلى ذات العين بل مغاير له من كل وجه.
(فلا يصح أن يكون وجود شيء علة لوجود غيره) وهو البقاء الذي
стр. 1647
هو العرض.
(ألا ترى عدم الملك لا يمنع الملك) ولوكان الموجب للعدم موجبا للعدم أيضا في ثاني الحال لما صح تملكه في ثاني الحال، وكذلك في عكسه (إن وجود الملك لا يمنع الزوال)، ولو كان الموجب للوجود موجبا للبقاء في الزمان الثاني لمنع الموجب للزوال عن إزالته.
(إنما صح لما ذكرنا) وهو ان الدليل الموجب لحكم لا يوجب بقاءه؛ وهذا لأن النسخ إنما صح في حال البقاء لا في حال الثبوت؛ لأن النسخ رفع والرفع إنما يرد على الثابت لا على حال الثبوت.
(لم تحتمل النسخ لبقائها) أي لبقاء دلائل الشرع (بدليل موجب) أي موجب للبقاء؛ لأن إزالة البقاء إنما تكون بالنسخ، وشرط صحة النسخ بقاء النبي ﵇، وثبت ختم النبوة بنبينا ﵇ بالدليل القطعي، وهو
стр. 1648
قوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)
فثبت أن بقاء دلائل الشرع كان بدليل قطعي موجب للبقاء، فلم يكن ذلك علينا حجة؛ لأن كلامنا في موجود لم يقم فيه دليل يوجب بقاءه كما في براءة الذمة عن الدين، وبقاء ثبوت الملك للشفيع الذي يطلب الشفعة بملك مافي يده.
(وكذلك الأمر المطلق في حياة النبي ﵇ أي الأمر المطلق في حياة النبي ﵇ في بقائه نظير حياة المفقود من هذا الوجه، إلا أن الفرق بينهما أن المفقود لم يجعل حيا في مال قريبه الذي مات؛ لأن الدليل لم يوجد
стр. 1649
في حق حياته في الحال بخلاف النص وقت حياة النبي ﵇ للحكم قطعا.
وإن احتمل النسخ مالم يعلم الناسخ؛ لأن الإبتلاء أصل في الأحكام الشرعية، والتكليف كان ثابتا بالنص، ومالم يعلم انتساخه بالدليل القطعي لم يرتفع التكليف عن المكلف بخلاف مال القريب المفقود؛ فإنه لم يكن ملكا له فلا يكون له أيضا ملكا باحتمال بقاء حياته، فكانا على طرفي نقيض.
وكذلك الأمر المطلق- إلى قوله: (يحتمل التوقيت) فإنه لو ورد الأمر من الشارع بقوله: فإن شرعية هذا الأمر إلى سنة أو سنتين بتبين مدة شرعية لكان جائزا.
ألا ترى أنه جاء التوقيت مجملا كما في قوله تعالى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) أي: القتل والسبي.
وكذلك قوله تعالى (وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ) إلى قوله (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) أي: مخرجا بالرجم أو بالجلد، بخلاف البيع والشراء؛ لأنه لا يجوز التوقيت فيه لا مجملاً ولا مفسرًا.
стр. 1650
(وكذلك حكم الطهارة وحكم الحدث لا يحتمل التوقيت)، فكان نظير الملك بالشراء، فإنه لا يجوز في الشراء أن يقول: اشتريت هذا العبد إلى سنة أو إلى سنتين، وكذلك في الطهارة لايجوز أن يقول: جعلت طهارتي هذه إلى وقت الظهر أو نحوه.
(إنه صحيح) أي إن شراءه صحيح (على اختلاف الأصلين).
أما على أصلنا (فلأن قول كل واحد منهما لا يعدو قائلة فلو لم يجز البيع لعدا قائله) وهو البائع؛ لأن قول كل واحد منهما حجة في حق نفسه، فإقرار المشتري بأنه حر لايظهر في حق البائع ولا يقال: إنه لو جاز لعدا قائله، وصار قول البائع: إنه عبد حجة على المشتري؛ حيث نفذ البيع ووجب على المشتري الثمن؛ لأنا نقول ليس كذلك، لأنه إنما يكون كذلك أن لو بقى العبد ملكا للمشتري بل إنه حر، فعلم أن قول البائع لم يظهر في حقه.
وقال الإمام شمس الأئمة ﵀: الشاهد بعتق العبد على مولاه إذا اشتراه صح الشراء ولزمة الثمن؛ لأن ما أخبر به الشاهد لكونه محتملا لم
стр. 1651
يصر حجة على مولى العبد حتى جاز له الاعتياض عنه بالبيع من غيره، فيجوز له الإعتياض عنه بالبيع من الشاهد، وإن كان زعم الشاهد معتبرا في حق الشاهد، حتى إنه يعتق كما اشتراه لا من جهة المشتري؛ حتى لا يكون ولاؤه له.
وقوله: (فصار حجه على خصمه) وهو المشتري حيث يثبت رقبته في حق المشتري ثم يعتق.
وقوله: (لأن من الغايات ما تدخل) أي في حكم المغيا، نحو قوله
стр. 1652
تعالى: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) فإن المسجد الأقصى دخل تحت الإسراء، وكذلك قوله تعالى: (وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، وقول من قال: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، والكلام مسوق لحفظ القرآن كله فكان داخلا.
(ومنها ما لا تدخل) نحو قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) وقوله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)
(لأن الشك أمر حادث فلا يثبت بغير علة) يعني أن كل حادث يفتقر إلى السبب، والشك حادث فلا يثبت بغير سبب، وما قاله زفر لا يصلح سببا للشك، لأن مايدخل من الغايات في المغيا دخل بدليل، ومالا يدخل لا يدخل بدليل، فلا يصلح هذا متعارضا في غسل المرافق؛ لأن في غسل المرافق التعارض غير موجود؛ لأن شرط التعارض إتحاد المحل كما في سؤر الحمار فوقع التعارض هناك ولم يكن الترجيح فوقع التعارض من هناك ولم يكن الترجيح فوقع الشك ولا كذلك ههنا، (ولأنه يقال له: أتعلم أن هذا من أي القسمين؟)
стр. 1653
وقال الإمام شمس الأئمة ﵀: قلنا له: هل تعلم أن هذا المتنازع فيه من أحد النوعين بدليل، فإن قال: أعلم ذلك، قلنا: فإذن عليك ألا تشك فيه بل تلحقه بما هو من نوعه بدليل، وإن قال: لا أعلم ذلك.
قلنا له: قد اعترفت بالجهل، فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما جهلته عن تقصير منك في طلبه، وذلك لا يكون حجة أصلا، وإن كان مما لا يمكن الوقوف عليه بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه، ولكن هذا العذر لا يصير حجة لك على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عند دليل إلحاقه بأحد النوعين، فعرفنا أن حاصل كلامه احتجاج بلا دليل.
(وهذا ليس بتعليل لا ظاهرا) أي طردا (ولا باطنا) أي مؤثرا (ولا رجوعا إلى أصل) أي ليس له مقيس عليه، وقيل: لا ظاهرًا أي لا قياساً
стр. 1654
جليًا ولا باطنًا أي لا قياسا خفيا، وهو المسمى بالإستحسان، فالقياس متنوع إلى هذين النوعين، فما كان خارجا عنها لا يكون قياسا.
وقوله: (ولا رجوعا إلى الأصل)؛ لأنه قال: كما إذا مسه وهو يبول فجعل نفس مس الذكر مقيسا، وجعل مس الذكر مع وصف آخر مقيسا عليه وهو الأصل، وبذلك الوصف يقع الفرق بين الأصل والفرع فلم يبق إلا قياس مس الذكر بمس الذكر، فصار كأنه قال: مس الذكر فينقض طهارته كما إذا مس الذكر وهذا باطل.
(وكذلك) هذا التقرير في قولهم (لا يجوز التكفير بتحرير المكاتب كما إذا أدى بعض بدل الكتابة)؛ لأن بهذا الوصف وهو أداء بعض البدل وقع الفرق بين المتنازع وبينه، فلم يبق إلا قوله: لا يجوز التكفير بتحرير المكاتب؛ لأنه مكاتب وهو معنى قول المصنف ﵀ (فلا يبقى إلا
стр. 1655
الدعوى).
وأما الاحتجاج بوصف (مختلف فيه فمثل قولهم فيمن ملك أخاه) أنه لا يعتق؛ (لأنه شخص يصح التكفير بإعتاقه فلا يعتق كابن العم).
قلنا: هذا وصف مختلف فيه فلا يصح الاحتجاج به على الخصم، فإن التكفير بتحرير الأب يصح ومع ذلك يعتق عندنا، وفي الأخ ماقال من صحة التكفير بتحريره لا نقول كذلك فإن عنده صحة التحرير بعدما ملكه، فإن عنده الأخ لا يعتق بالملك؛ فلذلك يصح تكفيره بالإعتاق باختياره.
стр. 1656
وعندنا لا يصح اعتاقه بهذا الوصف، فإنه يعتق قبل أن يعتقه كما ملكه جبرا بدون اختيار المشتري، وكون الوصف مختلفا فيه وهو أنه جعل صحة التكفير بإعتاقه وصف عدم العتق بالملك، فكان فيه إشارة إلى أن عدم صحة التكفير بالإعتاق علة إثبات العتق بالملك، وعندنا في العتق بالملك لا يحتاج إلى هذا الوصف، فكان وصف العتق بالملك مختلفا فيه.
وكذلك في المسألة الثانية جعل صحة التكفير بالإعتاق علة فساد الكتابة، فكان فيه إشارة إلى أن الكتابة إنما تصح إذا لم يصح التكفير بإعتاقه، وعندنا لا يشترط لصحة عقد الكتابة عدم صحة التكفير بالإعتاق، بل يصح عقد الكتابة مع أن التكفير صحيح بإعتاقه ...
(فكان شرطا لجواز الصلاة كالثلاث) أي ثلاث آيات عندهما شرط جواز الصلاة، فيجب أن يكون سبع آيات وهي الفاتحة شرط جواز الصلاة
стр. 1657
أيضًا؛ لما أن بين الثلاث والسبع مناسبة وتعلقا في مشروع من العبادات وهو صوم المتعة، فإن المتمتع أو القارن إذا لم يجد الهدي صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
(ولأن الثلاث أحد عددي مدة المسح) إلى آخره. بهذا التعليل يحتج الشافعي على أبي يوسف ومحمد ﵏ ويقول: الثلاث أحد عددي مدة المسح، فلا تصح به الصلاة كالواحدة. يعني أجمعنا واتفقنا معا أن الآية الواحدة لا تجوز بها الصلاة، فيجب ألا تجوز الصلاة بثلاث آيات أيضا؛ لما أن بين عدد الثلاث والواحدة مناسبة وتعلقا في مشروع من العبادات وهو مدة المسح، فإن مدة مسح المسافر ثلاثة أيام ومدة مسح المقيم يوم واحد، فكان حكم الثلاث كحكم الواحدة، فلما لم تجز بالواحدة وجب ألا تجوز بالثلاث، (ولأن الثلاث أو الآية) إلى آخره. يحتج بهذا التعليل الشافعي
стр. 1658
على أبي حنيفة ﵁ على معنى أن كلا من ثلاث آيات أو آية واحدة ودون الآية ناقص عن السبع في العدد، فكان بينهما مناسبة من حيث النقصان عن عدد السبع، فكان بينهما مناسبة من حيث النقصان عن عدد السبع، فلما لم تجز بما دون الآية بالإتفاق وجب ألا تجوز أيضا بثلاث آيات أو آية واحدة.
(ولأن هذه عبادة) والإشارة إلى الصلاة، يعني ينبغي أن يكون لها سبع آيات وهي الفاتحة من أركان الصلاة، كما أن سبعة أشواط من الطواف من أركان الحج.
стр. 1659
(لأن لا دليل بمنزلة لا رجل في الدار، وهذا لا يحتمل) يعني أن قوله: لا رجل في الدار يدل على نفي الرجل في الدار، وكذلك في نظائره أن قوله: "لادليل" يدل على انتفاء الدليل على ما هو موضوع النفي، فيستحيل أن يدل قوله: "لا دليل" على وجود الدليل؛ إذ لو دل ذلك عليه لدل قوله: لا رجل في الدار على وجود الرجل فيها إذ لا فرق بينهما، وفي ذلك إبطال الحقائق وإبطال الوضع.
فإن قلت: ليس المراد من قلهم: "أن لادليل" حجة للنافي أن يدل قولهم: لا دليل على وجود، بل المراد منه أن النافي لا يحتاج إلى إقامة الدليل على ما أدعاه من النفي، فيثبت النفي بدون إقامة الدليل عليه فلما ثبت ما ادعاه بدون إقامة الدليل عليه كان هو بمنزلة الدليل.
وهذا لأن الدليل إنما يحتاج إليه لإثبات المدعي فلما ثبت مدعاه بهذا القدر سماه دليلا، ثم إنما لا يحتاج النافي إلى إقامة الدليل لكونه متمسكا بالأصل وهو عدم الدليل الموجب أو المانع ووجوب التمسك بالأصل إلى أن يظهر الدليل المغير طريق في الشرع.
стр. 1660
ولهذا جعل الشارع البينة في جانب المدعي لا في جانب المنكر؛ لأنه متمسك بالأصل وهو أنه لا حق للغير في ذمته ولا في يده، وذلك حجة له على خصمه في الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل، وهذا مؤيد بالنص في أقوى المناظرة وهو إثبات التوحيد خيث علمنا الله تعالى الإحتجاج فيه بلا دليل علي نفي الشرك بقوله: (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) قلت: لا يصح هذا التأويل منهم أيضا؛ لأن النفي من النافي دعوى شيء وهو أمر وجودي فلا بد له من دليل وجودي عليه.
والدليل عليه قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ
стр. 1661
نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فقد علم الله تعالى رسوله مطالبة النافي بإقامة البرهان وهو اسم للدليل الوجودي، وذلك تنصيص على أن قولهم: "لا دليل" لا يكون حجه.
وأما ما قالوا من مسألة المدعي والمنكر فهو دليلنا، فإن الشارع لم يجعل مجرد إنكار المدعي عليه حجه له على المدعي بوجه ما، حتى إنه بعدما حضر مرة وجحد وطلب المدعي من القاضي إحضاره مرة أخرى أحضره القاضي، وإذا طلب المدعي أن يكفله بنفسه أو بالعين الذي فيه الدعوى أجبره القاضي على ذلك، وإذا طلب يمينه حلفه على ذلك، فلو كان " لا دليل " حجة للنافي على خصمه أو بمنزلة الحجة له لم يبق للمدعي عليه سبيل بعد إنكاره.
فأما جعل الشرعه القول في المنكر، فذلك باعتبار دليل من حيث الظاهر وهو أن المدعي به عين في يده واليد دليل الملك ظاهرا، أو دين في ذمته وذمته بريئة ظاهرا، ومع هذا قوله: لا يكون حجمه على خصمه وإن حلف حتى لا يصير المدعي مقضيا عليه بشيء فإنه لو أتى ببينة بعد تحليف المدعي عليه جاز للقاضي أن يقضي له، ولكنه لا يعترض له ما لم يأت بحجة يثبت بها الحق عليه.
وأما ما ذكروا من النص فإن الله تعالى عالم بالأشياء كلها لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا يخفي عليه خافية فإخباره أنه لا برهان لمن يدعي الشرك حصل
стр. 1662
لنا علم اليقين بأنه لا دليل على الشرك بوجه، فكان هو بمنزلة قوله تعالى: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية.
ثم نقول لهذا القائل: قولك: " لا دليل " شيء نقوله عن علم أو لا عن علم؟ فإن زعمت أنك تقوله عن علم فالعلم الذي يحدث للمرء لا يكون إلا بدليل، وإن زعمت أنك تقوله لا عن علم فقد نهيت عن ذلك، قال الله تعالى: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) وقال: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطوا بِعِلْمِهِ) الآية، فما يكون مذموما منهيا عنه نصا كيف يصلح أن يكون حجة على الغير؟ إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة ﵀.
(ولا يلزم ما ذكر محمد ﵀) إلى آخره لما قال محمد: لا خمس في العنبر.
قيل له: لم قال: لأنه بمنزلة السمك؟ قيل له: وما بال السمك لم يجب فيه الخمس؟ قال لأنه بمنزلة الماء، وهو إشارة إلى مؤثر، فإن الأصل في
стр. 1663
خمس الغنائم، وإنما يجب فيما يصاب مما كان أصله في يد العدو ووقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب فيكون في معنى الغنيمة.
والمستخرج من البحار لم يكن في يد العدو قط؛ لأن قهر الماء يمنع قهر آخر على ذلك الموضع، ثم القياس ألا يجب الخمس في شيء، وإنما يجب الخمس في بعض الأموال بالأثر، فبين أن ما لم يرد فيه الأثر يؤخذ بالقياس، فكان هذا احتجاجا بالقياس، إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة ﵀.
فعلم بهذا أن ما ذكره محمد ﵀ احتجاج بالقياس لا احتجاج بلا دليل.
فإن قلت: لو نظرنا إلى ما ذكرته كان احتجاجا بالدليل، ولو نظرنا إلى قوله: "ولم يرد فيه آثر " كان احتجاجا بلا دليل، فلم رجحت جانب ما يدل على الدليل على جانب ما يدل على غير الدليل؟
стр. 1664
وقوله: (ولهذا صح هذا النوع من صاحب الشرع)، فالمراد بصاحب الشرع الله تعالى لا النبي ﵇، قلت: ترجيحا لجانب الموجود على المعدوم؛ لأن القياس موجود في الحال، والأثر الذي يوجب الخمس غير موجود في الحال، فلا يجوز ترك الدليل الشرعي الذي يوجب الععمل في الحال لأجل دليل معدوم يحتمل أن يوجد في ثاني الحال.
بدليل قوله تعالى (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) وكذلك قوله: (إذ لا يجري عليه السهو ولا يوصف بالعجز) دليل على ما قلت، لأن النبي ﵇ يجري عليه السهو.
وأولى الدليل فيه قوله: (فأما البشر) ألى آخره، فإنه دليل قاطع على ماقلت؛ لأن النبي ﵇ بشر، ومن ادعى أنه يعرف كل شيء نسب إلى السفه أو العته، وكيف يتمكن أحد من هذه الدعوى مع قوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا).
وإذا علمنا يقينا أن المحتج بلا دليل لم يبلغه جميع أنواع العلم عرفنا أن
стр. 1665
استدلاله بما لم يبلغه على الخصم باطل، ولهذا صح هذا النوع من الاحتجاج فيما نص الله تعالى عليه؛ لأن الله تعالى عالم بالأشياء كلها قال الله تعالى: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية.
стр. 1666
باب حكم العلة
لما ذكر ركن القياس وما يتعلق به شرع في بيان حكم القياس؛ لأن حكم الشيء أثر ذلك الشيء، والأثر أبدا يعقب المؤثر، (وقد ذكرنا أن التعدية حكم لازم عندنا) أي في بيان النوع الثالث من شروط القياس والتعليل للأقسام الثلاثة الأول، وهي: إثبات الموجب أو وصفه، وإثبات الشرط أو وصفه، وإثبات الحكم أو وصفه.
стр. 1667
فإن قلت: هذا الذى ذكره يؤدي إلى سد باب القياس؛ لأن القياس شرعا إنما يجري فى هذه الأشياء الثلاثة، ولما لم يجز فى هذه الأشياء لم يبق موضع شرعي يجري فيه القياس، فحينئذ كان هذا قولا بأنه لا يجري القياس شرعا فى شيء من المواضع مع أن الأقيسة جرت في هذه المواضع.
أما فى إثبات الموجب بالقياس فهو فيمن شرع في صلاة التطوع أو في صوم التطوع يلزمه الإتمام، ولو أفسد يجب عليه قضاؤه عندنا خلافا للشافعى.
وقد قال فيه مشايخنا بالقياس، وقالوا: أن الشارع باشر فيه فعل قربة مقصودة فيجب عليه إتمامه ويلزمه القضاء بالإفساد كمن أحرم لحج التطوع.
وأما في إثبات الشرط بالقياس فقد قال مشايخنا في وجوب الوضوء في الفصد أو الحجامة: إنه خارج نجس وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير فكان كالخارج من السبيلين.
стр. 1668
وأما في إثبات الحكم بالقياس فقد قال مشايخنا- ﵏ في جواز دفع القيم فى الزكاة: إنه ملك الفقير ملا متقوما بنية الزكاة فيجوز. كما لو أدى بعيرا عن خمس من الإبل، فعلم بهذا أن الأقيسة تجرى فى هذه المواضع.
قلت: هذا الذي أوردته من النظائر هى نظائر القسم الرابع ولا كلام فى صحته، وإنما الكلام فى القياس فى هذه المواضع ما إذا قال فيه بالرأي من نفسه من غير أن يكون له أصل يقيس عليه ما وقع فيه النزاع بعلة جامعة بينهما.
وأما إذا كان لما وقع فيه النزاع معنى معلوم يجمعهما فيقيس المعلل عليه بشرائطه المذكورة كان قياسا صحيحا جائزا سواء كان ذلك في إثبات الموجب أو وصفه، أو في إثبات الشرط أو وصفه، أو في إثبات الحكم أو وصفه لوجود ما يصح فيه القياس على ما يجيء فى آخر هذا الباب بقوله: ((وإنما أنكرنا هذه الجملة إذا لم يوجد له فى الشريعة أصل)) إلى آخره.
(إنما يجب الكلام فيه) أي في إثبات الموجب (بإشارة النص أو دلالته أواقتضائه).
стр. 1669
فإن قلت: لو ثبت الموجب بهذه الأشياء كان الحكم الموجب فيه قطعيا لما أن الحكم الثابت بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه قطعي على ما مر في باب وجوه الوقوف على أحكام النظم، والكلام هنا في القياس لا في الإشارة والدلالة والاقتضاء، وقد ذكرت نظير جريان القياس في الموجب بدون أن يثبت بإشارة النص وأختيها فكيف حصر ثبوت الموجب بهذه الأشياء الثلاثة مع ثبوته بالقياس؟
قلت: الحكم الثابت بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه هنا غير الحكم الثابت بتلك الأشياء الثلاثة في باب وجوه الوقوف على أحكام النظم، فإن الأحكام ثبتت هناك بمحض إشارة النص أو دلالته أو اقتضائه من كل وجه من غير شائبة غموض فيه، بل ثبتت بتلك الأشياء صريحا.
وأما ههنا فيثبت الموجب أو الشرط أو الحكم بنوع إشارة النص أو نوع دلالته أو نوع اقتضائه لا مطلقا.
ألا ترى أنه كيف أثبت موجب حرمة النسيئة بدلالة النص التي فيها غموض وخفاء لا يدركه بعض الفقهاء مع أن الحكم الثابت بدلالة النص هو ما يدركه الفقيه وغير الفقيه لوضوحه وإنارته.
وأما ما ذكرته من نظير إثبات الموجب بالقياس فأصله مستند إلى النص
стр. 1670
وهو قوله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، ولأن الحكم الذي ثبت هنا بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه ذلك النص هو النص الذي كان ثبوته غير قطعي بدلالة ما أورده من النظائر، بخلاف الأحكام الثابتة بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه في باب وجوه الوقوف.
ألا ترى أن الإمام شمس الأئمة- ﵀ ذكر عبارة النص هنا أيضا مع تلك الثلاثة فقال: وإنما طريق إثبات الرجوع إلى النص أو دلالته أو إشارته أو مقتضاه- إلى أن قال -: وإنما أثبت أبو حنيفة ﵀ ذلك أي أن الوتر بمنزلة الفريضة بالنص المروي فيه وهو قوله ﵇: ((إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر)).
ثم قال: فكذلك طريق إثبات كون الجنس علة الرجوع إلى النص ودلالته.
وهو أنه قد ثبت بالنص حرمة الفضل الخالي عن العوض إذا كان مشروطا بالعقد، وباشتراط الأجل يتوهم فضل مال خال عن المقابلة باعتبار صفة الحلول فى أحد الجانبين، ولم يسقط اعتباره بالنص؛ لكونه حاصلا بصنع العباد بخلاف صفة الجودة فإنها يسقط اعتبارها بالحديث وهذا ليس
стр. 1671
في معناه فلا يلحق به، وبما أورده شمس الأئمة- ﵀ من هذا الكلام هنا يعلم ما ذكرته من المعنيين:
وهو أن الدلالة التي ذكرت هنا ليست كدلالة النص التي مر ذكرها في الوضوح.
والثاني: إن المراد من النص النص الذي هو غير قطعي في إيجاب الحكم.
وقوله: (بما ذكرنا) إشارة إلى قوله: ((بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه)) ثم ذكر في (مسألة الجنس) بالدلالة (محرما بما ذكرنا من العلة) أي إذا كان القدر والجنس موجودين تثبت حرمة حقيقة الفضل، فكذلك في مسألتنا ينبغي أن تثبت بدلالته حرمة شبهة الفضل وهو فضل النقد على النسيئة.
فإن قيل: الفضل من حيث النقدية فضل من حيث الوصف فيجعل عفوًا
стр. 1672
كالفضل من حيث الجودة.
قلنا: بلى لكن حصل فضل النقدية بصنعنا فيمكن الاحتراز عنه.
أما الفضل من حيث الجودة فضل حصل بصنع الله تعالى من غير واسطة فعل العباد فلا يمكن الاحتراز عنه فيجعل عفوا؛ لأنا لو اعتبرنا صفة الجودة لا يمكن المساواة في الكيل.
(وقد وجدنا في النسيئة) أي في عقد النسيئة بالنقد (شبهة الفضل وهو الحلول المضاف إلى صنع العباد) وهو النقد، وقد وجدنا شبهة العلة، وذلك لأن علة الربا القدر مع الجنس وبالقدر مع الجنس تثبت المماثلة صورة ومعنى.
وهو المراد بقوله ﵇: ((مثلا بمثل)) فبوجود أحد هذين الوصفين تثبت المماثلة، إلا إن المدلول في عقد النسيئة بالنقد غير ثابت؛ لأن المماثلة لم توجد على الكمال وهو المراد بالنص، فكان عند وجود أحدهما وجود شبهة العلة فتثبت حرمة شبهة الفضل ضرورة.
ولا يقال بأن حقيقة الفضل لا تحرم عند وجود أحد الوصفين فلا تحرم الشبهة بدلالة النص؛ لأننا نقول هذا الذي ذكرته نوع دلالة على الحل وما ذكرناه نوع دلالة على الحرمة فرجحنا جانب الحرمة بالنص، ولأن فيما ذكرنا رعاية المناسبة بين العلة وحكمها؛ إذ إثبات أحد جزئي الحكم الذى هو مناسب لأحد جزئي العلة من المناسبة. بيان ذلك بتمامه مذكور في
стр. 1673
((الوافي))
(فأثبتناه بدلالة النص)؛ لأن النص يدل على ثبوت الحكم عند وجود العلة، وقد وجدت العلة على ما ذكرنا من التفسير فكان ثابتا بدلالة النص.
стр. 1674
(وأما صفة السبب) أي صفة الموجب (فمثل صفة السوم في الأنعام أيشترط للزكاة أم لا؟) فعند مالك لا يشترط، وعندنا يشترط، وهو يتمسك بظاهر إطلاق قوله ﵇: ((في خمس من الإبل شاة (). ونحن نتمسك بما روى عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﵇ قال: ((ليس في الحوامل والعوامل صدقة)).
(ومثل صفة الحل في الوطء لإثبات حرمة المصاهرة) عندنا ليس بشرط وعند الشافعي شرط فإنه يتمسك بقوله ﵇: ((الحرام لا يحرم
стр. 1675
الحلال)).
ونحن نتمسك بقوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) فالنكاح للوطء حقيقة، فتكون الآية نصا في تحريم موطوءة الأب على الابن، فالتقييد يكون الوطء حلالا زيادة فلا تثبت هذه الزيادة بخبر الواحد ولا بالقياس.
(في صفة القتل الموجب للكفارة)، فعندنا صفة القتل الموجب للكفارة الخطأ لا غير، وعند الشافعي القتل مطلقا سواء كان عمدا أو خطأ، وهو يتمسك ههنا بدلالة النص ويقول: لما أجمعنا بوجوب الكفارة في القتل الخطأ مع قصوره في الجناية كان وجوب الكفارة في القتل العمد أولى لكماله في الجناية، ونحن نتمسك بقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، وبقوله ﵇: ((خمس من الكبائر لا كفارة فيهن -وذكر منها- القتل العمد)).
وكذلك مثل هذا التمسك من الجانبين في صفة اليمين الموجبة للكفارة، وهو يتمسك في وجوب الكفارة في الغموس بدلالة النص، ونحن نتمسك
стр. 1676
في عدم وجوبها بهذا الحديث
(ومثل صوم الاعتكاف) ففي الاعتكاف الواجب عند علمائنا الثلاثة ﵏ يشترط الصوم لصحة الاعتكاف، وعند الشافعي لا يشترط. هو يتمسك بما روى عن علي ﵁ أنه قال: (ليس على المعتكف صوم)
ونحن نتمسك بما روى عن ابن عباس وعائشة ﵃ أنهما قالا: ((لا اعتكاف الا بصوم))
وأما إذا كان الاعتكاف تطوعا ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة -رحمهما الله -: لا يكون الا بالصوم ولا يكون أقل من يوم لإطلاق الحديث، فكان الصوم للاعتكاف كالطهارة للصلاة.
стр. 1677
وفي ظاهر الرواية يجوز النفل من الاعتكاف من غير صوم؛ لأن مبنى النفل على المساهلة والمسامحة حتى تجوز صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام وراكبا مع القدرة على النزول وفي الواجب لا يجوز.
هذا كله من ((المبسوط)) وكذلك فى غيرها كل واحد من الطرفين يتمسك في مثل هذه الصور في تقرير مذهبه إما بالنص أو بإشارته أو بدلالته أو باقتضائه.
(ومثل الشهود في النكاح) فعند مالك لا يشترط وعند عامة العلماء يشترط.
(ومثل شرط النكاح لصحة الطلاق) فعند الشافعي شرط حتى إذا خالعها ثم طلقها فى العدة لا يقع عنده، وعندنا يقع، وكذلك النكاح ليس بشرط لصحة تعليق الطلاق بالنكاح عندنا، وعند الشافعي شرط صحة التعليق بالشرط النكاح.
стр. 1678
(فمثل اختلافهم في الركعة الواحدة) أى البتيراء؛ فإنها ليست بصلاة مشروعة عندنا، وعند الشافعي مشروعة.
(وفي صوم بعض اليوم) أي الصوم النفل ببعض اليوم مشروع أم لا؟ فعند الشافعي مشروع حتى صحت نيته بعد الزوال عنده.
стр. 1679
(وفي حرم المدينة) فعند الشافعي للمدينة حرم، وعندنا لا حرم لها حتى حل صيدها، وقطع أشجارها عندنا وعنده لا يحل، (فمثل الاختلاف في صفة الوتر) أنه سنة أو واجب؟ (وفي صفة الأضحية) أنها سنة أو واجبة؟
(وفي صفة حكم الرهن بعد اتفاقهم أنه وثيقة لجانب الاستيفاء)، فعندنا هو مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، وعند الشافعي هو أمانة ولا يسقط شيء من الدين بهلاكه.
(وكاختلافهم في كيفية وجوب المهر) فعندنا في عقد النكاح بغير تسمية
стр. 1680
المهر يجب مهر المثل بنفس العقد.
وعند الشافعي في أحد قوليه لا يجب المهر بنفس العقد، وإنما يجب المهر بالفرض بالتراضي أو بقضاء القاضي، وحتى إذا مات أحدهما قبل الدخول فلا مهر لها عنده، ومشايخهم يختلفون ف يما إذا دخل بها فأكثرهم على أنه يجب المهم بالدخول، ومنهم من يقول: لا يجب بالدخول أيضًا. والمسألتان الأخيرتان وهما مسألة الرهن والمهر في "المبسوط".
(ولا يلزم اختلاف الناس بالرأي في صوم يوم النحر).
قال الإمام شمس الأئمة- ﵀: قلنا: لأنا وجدنا أصلًا متفقا عليه في كون الصوم مشروعًا فيه وهو سائر الأيام فأمكن تعدية الحكم بتعليله على الفرع، ثم يبقى وراء ذلك الكلام في أن النهي الذي جاء لمعني في صفة هذا اليوم، وهو أنه يوم عيد عمله يكون في إفساد المشروع مع بقائه في الأصل
стр. 1681
مشروعًا، أو في رفع المشروع وانتساخه، وهذا لا نثبته بالرأي وإنما نثبته بدليل النص وهو الرجوع إلى موجب النهي أنه الانتهاء على وجه يبقى للمنتهي اختيار فيه كما قررنا.
(ألا ترى أنهم اختلفوا في التقابض في بيع الطعام بالطعام) إنما أطلق الطعام ليكون متناولًا للطعامين من جنس واحد أو من جنسين مختلفين، فالخلاف فيهما واحد. ذكر هذه المسألة في "المبسوط" في الباب الأول من كتاب البيوع بعد ستة وثلاثين ورقا فقال: وإذا اشترى طعامًا بطعام مثله وترك الذي اشترى ولم يقبضه حتى افترقا فلا باس به عندنا.
وعند الشافعي- ﵀ يبطل العقد، والتقابض في المجلس في بيع الطعام بالطعام ليس بشرط سواءً كان من جنسه أو من خلاف جنسه عندنا، وعند الشافعي شرط، فقال: إن العقد جمع بين البدلين لو قوبل كل واحد منهما بجنسه عينا يحرم التفاضل بينهما فيشترط فيه القبض في المجلس كبيع الذهب بالفضة.
وقلنا: إن القبض حكم العقد فلا يشترط اقترانه بالعقد كالملك، فإن
стр. 1682
الملك يجوز أن يتأخر عن حالة العقد بخيار الشرط أو نحوه.
(كما في سائر السلع)، فلما كان للذي ذكر من الدعوى أصل مقيس عليه، وله علة جامعة بينه وبين المقيس جاز القياس فكان هو حينئذ نظير القسم الرابع، فالمنصف- ﵀ ذكر نظير القسم الرابع في مسألة التقابض في بيع الطعام بالطعام.
والإمام شمس الأئمة- ﵀ ذكره في الاختلاف في مسح الرأس ف قال: وأما بيان القسم الرابع، فنحو الاختلاف في المسح بالرأس أنه هل يسن تثليثه؟ فإنه يوجد في الطهارة ما هو مسح ولا يكون التكرار فيه مسنونًا فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع المختلف فيه، ويوجد في أعضاء الطهارة ما يكون التكرار فيه مسنونًا بالاتفاق فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين.
ثم الكلام يقع بعد ذلك في الترجيح، وكذلك إذا وقع الاختلاف في اشتراط تعيين النية في الصوم، فإن هناك أصلًا متفقًا عليه يتأدى به الصوم بمطلق النية وهو النفل الذي هو عين مشروع في وقته فيمكن تعليل ذلك
стр. 1683
لتعدية الحكم به إلى الفرع، وهناك أصل في الصوم الذي هو فرض لا يتأدى إلا بتعيين النية وهو صوم القضاء فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين، ثم الكلام في الترجيح بعد ذلك.
(فاقتصرنا على الإشارة إلى الجمل) أي إلى هذه الجملة التي ذكرنا.
(وأما النوع الرابع) وهو النوع الرابع الذي ذكر في أول هذا الباب بقوله: والرابع هو تعدية حكم معلوم بسببه وشرطه بأوصاف معلومة.
(فعلى وجهين في حق الحكم)، وإنما انحصر على هذين الوجهين، لأن الحكم إذا تعلق بالمعنى فلا يخلو إما أن يكون المعني جليًا أو خفيًا، فإن كان جليًا سميناه قياسًا، وإن كان خفيا سميناه استحسانا، وهذا.
стр. 1684
باب بيان القياس والاستحسان
(وإنما الاستحسان عندنا أحد القياسيين)، وإنما قال ذلك ردًا لتشنيع من
стр. 1685
...............
следующие страницы →