← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

مشروعًا، أو في رفع المشروع وانتساخه، وهذا لا نثبته بالرأي وإنما نثبته بدليل النص وهو الرجوع إلى موجب النهي أنه الانتهاء على وجه يبقى للمنتهي اختيار فيه كما قررنا. (ألا ترى أنهم اختلفوا في التقابض في بيع الطعام بالطعام) إنما أطلق الطعام ليكون متناولًا للطعامين من جنس واحد أو من جنسين مختلفين، فالخلاف فيهما واحد. ذكر هذه المسألة في "المبسوط" في الباب الأول من كتاب البيوع بعد ستة وثلاثين ورقا فقال: وإذا اشترى طعامًا بطعام مثله وترك الذي اشترى ولم يقبضه حتى افترقا فلا باس به عندنا. وعند الشافعي- ﵀ يبطل العقد، والتقابض في المجلس في بيع الطعام بالطعام ليس بشرط سواءً كان من جنسه أو من خلاف جنسه عندنا، وعند الشافعي شرط، فقال: إن العقد جمع بين البدلين لو قوبل كل واحد منهما بجنسه عينا يحرم التفاضل بينهما فيشترط فيه القبض في المجلس كبيع الذهب بالفضة. وقلنا: إن القبض حكم العقد فلا يشترط اقترانه بالعقد كالملك، فإن

стр. 1682

الملك يجوز أن يتأخر عن حالة العقد بخيار الشرط أو نحوه. (كما في سائر السلع)، فلما كان للذي ذكر من الدعوى أصل مقيس عليه، وله علة جامعة بينه وبين المقيس جاز القياس فكان هو حينئذ نظير القسم الرابع، فالمنصف- ﵀ ذكر نظير القسم الرابع في مسألة التقابض في بيع الطعام بالطعام. والإمام شمس الأئمة- ﵀ ذكره في الاختلاف في مسح الرأس ف قال: وأما بيان القسم الرابع، فنحو الاختلاف في المسح بالرأس أنه هل يسن تثليثه؟ فإنه يوجد في الطهارة ما هو مسح ولا يكون التكرار فيه مسنونًا فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع المختلف فيه، ويوجد في أعضاء الطهارة ما يكون التكرار فيه مسنونًا بالاتفاق فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين. ثم الكلام يقع بعد ذلك في الترجيح، وكذلك إذا وقع الاختلاف في اشتراط تعيين النية في الصوم، فإن هناك أصلًا متفقًا عليه يتأدى به الصوم بمطلق النية وهو النفل الذي هو عين مشروع في وقته فيمكن تعليل ذلك

стр. 1683

لتعدية الحكم به إلى الفرع، وهناك أصل في الصوم الذي هو فرض لا يتأدى إلا بتعيين النية وهو صوم القضاء فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين، ثم الكلام في الترجيح بعد ذلك. (فاقتصرنا على الإشارة إلى الجمل) أي إلى هذه الجملة التي ذكرنا. (وأما النوع الرابع) وهو النوع الرابع الذي ذكر في أول هذا الباب بقوله: والرابع هو تعدية حكم معلوم بسببه وشرطه بأوصاف معلومة. (فعلى وجهين في حق الحكم)، وإنما انحصر على هذين الوجهين، لأن الحكم إذا تعلق بالمعنى فلا يخلو إما أن يكون المعني جليًا أو خفيًا، فإن كان جليًا سميناه قياسًا، وإن كان خفيا سميناه استحسانا، وهذا.

стр. 1684

باب بيان القياس والاستحسان (وإنما الاستحسان عندنا أحد القياسيين)، وإنما قال ذلك ردًا لتشنيع من

стр. 1685

...............

стр. 1686

لا وقوف له على ما أراد بهذا اللفظ علماؤنا- ﵏، فقال إذا كان العمل بالاستحسان هو الأولى دون القياس كان القياس باطلًا في حق العمل بمقابلته، فبعد ذلك كيف يصح قولكم: القياس حجة؟ ورد هذا التشنيع بهذا فقال: "إن الاستحسان أحد القياسيين" لكن أحدهما أقوى من الآخر بقوة أثره، فالعمل بالأقوى لا يدل على أن الآخر ليس بحجة أصلًا. ألا ترى أن النصين إذا تعارضا وأحدهما أقوى لمعني فيه لكونه محكمًا أو مفسرًا فالعمل به أقوى، وهو لا يدل على أن الظاهر أو النص لا يكون حجة، ف كان عملنا في هذين القياسيين بمنزلته، فبطل تشنيع هذا المشنع، وتمام هذا يذكر ف ي آخر الباب. (لكنه سمي استحسانًا إشارة إلى أنه الوجه الأولى في العمل به، وأن العمل بالآخر جائز كما جاز العمل بالطرد وإن كان الأثر أولى منه)، وهذا الذي ذكرنا إنما يتحقق فيما إذا عارض الاستحسان قياسًا في مسألة واحدة كان العمل بالاستحسان أولى، كما يقال: التوضؤ بسؤر الهرة جائز، والترك أولى، والعلم بالعلل الطردية جائزة، وإن كان العمل بالعلل المؤثرة أولى. وهذا الذي ذكره هاهنا خلاف ما اختاره الإمام شمس الأئمة السرخسي

стр. 1687

- ﵀ في الظاهر فقال: وظن بعض المتأخرين من أصحابنا أن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس في موضع الاستحسان، وشبه ذلك بالطرد مع المؤثر، قال: العمل بالمؤثر أولى وإن كان العمل بالطرد جائز، ثم قال: قال- ﵁: وهذا وهم عندي، فإن اللفظ المذكور في الكتب في أكثر المسائل: إلا أنا ركنا هذا القياس والمتروك لا يجوز العمل به، وتارة يقول: إلا أني أستقبح ذلك، وما يجوز العمل به من الدليل شرعًا فاستقباحه يكون كفرًا. فعرفنا أن الصحيح ترك القياس أصلًا في الموضع الذي نأخذ بالاستحسان، وبه يتبين أن العمل بالاستحسان لا يكون مع قيام المعارضة، ولكن باعتبار سقوط الأضعف بالأقوى أصلًا. وقد قال في كتاب السرقة: إذا دخل جماعة البيت وجمعوا المتاع فحملوه على ظهر أحدهم فأخرجه وخرجوا معه في القياس القطع على الحمال خاصة، وفي الاستحسان يقطعون جميعًا. وقال في الحدود: إذا اختلف شهود الزنا في الزاويتين في بيت واحد في القياس لا يحد المشهود عليه، وفي الاستحسان يقام الحد، ومعلوم أن الحد يسقط بالشبهة. وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد- رحمهما الله- تصحح ردة الصبي

стр. 1688

استحسانًا، ومعلوم أن عند قيام دليل المعارضة ترجيح الموجب للإسلام، وإن كن هو أضعف كالمولود بين كافر ومسلمة، وكيف يستحسن الحكم بالردة مع بقاء دليل موجب للإسلام، فعرفنا أن القياس متروك أصلًا في الموضع الذي يعمل فيه بالاستحسان، وإنما سميناهما تعارض الدليلين باعتبار أصل الوضع في كل واحد من النوعين، لا أن بينهما معارضة في موضع واحد، وعن هذا قال بعضهم بالتوفيق بينهما. وأول ما ذكره فخر الإسلام- ﵀ فقال: لا تتعارض بين القياس والاستحسان في الحقيقة، لأن القياس أضعف والاستحسان أقوى، والأضعف لا يعارض الأقوى، فصار الأضعف بمنزلة المعدوم. ويجوز أن يكون المصنف- ﵀ أراد بما ذكر: "أن العمل بالقياس جائز" أي عند سلامته عن معارضة الاستحسان، وعنى بالجائز الواجب، لأن القياس إذا انفرد عن معارضة الاستحسان كان العمل بالقياس واجبًا، وعنى بقوله: إلا أنه مقدم على القياس عند وجودهما، وكذلك هذا في الطرد مع الأثر، إذا لم يعرض الأثر الطرد يجوز العمل بالطرد عند العجز كما يجوز باستصحاب الحال عند الضرورة.

стр. 1689

والدليل على أن المراد هذا ما ذكره بعد هذا بأسطر بقوله: فسقط حكم القياس بمعارضة الاستحسان. بقولة: ف صار هذا باطنًا ينعدم ذلك الظاهر. أي دليل القياس في مقابلته فسقط حكم الظاهر لعدمه، فلما كان دليل القياس منعدمًا وساقطًا في مقابلة دليل الاستحسان لم يكن معارضًا للاستحسان في الحقيقة، فكان العمل بالقياس متروكًا أصلًا، لا أن يكون جائزًا عند وجود دليل الاستحسان. وقوله: (وهو الاستصناع) والقياس يأبى جواز الاستصناع، لأن المستصنع فيه مبيع وهو معدوم وبيع المعدوم لا يجوز، ولو كان موجودًا غير مملوك للعاقد لم يجز بيعه، فإذا كان معدومًا أولى، ولكنا تركنا القياس لتعمل الناس فيه إلى آخر. كذا ذكره في "المبسوط". وصورته هي ما ذكر في "الوافي" رجل جاء إلى إنسان فقال له: اخرز لي خفًا من جلدك صفته كذا، وقدره كذا بكذا درهمًا، وسلم إليه الدراهم أولم يسلم فإنه يجوز للتعامل فيه.

стр. 1690

(وسمينا الذي قوى أثره استحسانًا)، لأنه هو الأولى بالعمل به، (وقدمنا الثاني) أي الاستحسان. (الجلاء) - بالفتح والمد- الأمر الجلي يقول منه: جلا لي الخبر أي وضح، وقول زهيرة: فإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو شهود أو جلاء ويريد الإقرار. كذا في الصحاح. وقوله: (والصفوة)، لأنه خالص عن شوب المحنة.

стр. 1691

(لعدمه) أي لعدم حكم القياس، لأن المغلوب في مقابلة الغالب معدوم. (وفي الاستحسان هو طاهر) أي سؤر سباع الطير (طاهر بدليل جواز الانتفاع به شرعًا) كالكلب للاصطياد والحراسة، ولو كان حرامًا الانتفاع بعينه لحرم الانتفاع بعينة بقوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس). (فأثبتنا حكمًا بين حكمين) أحد الحكمين كونه نجسًا لا بطرقي المجاورة والآخر كونه طاهرًا، فالحكم بين الحكمين (النجاسة (المجاورة، فتثبت صفة النجاسة في رطوبته) أي في رطوبة سؤر سباع البهائم.

стр. 1692

(والعظم طاهر بذاته خال عن مجاورة النجس)، لأن منقارهم عظم جاف ثم تأيد هذا بالعة المنصوص عليها في الهرة، فإن معني البلوي يتحقق في سؤر سباع الطير، لأنها تنقض من الهواء، ولا يمكن صون الأواني

стр. 1693

عنها خصوصًا في الصحاري. (مثاله) أي مثال القياس الذي عمل به علماؤنا- ﵏ وإنما ذكر جواز السجدة بالركوع قياسًا وعدم الجواز استحسانًا، لأن القياس الجلي يسمي قياسًا، وهو موجودًا هاهنا وهو جلي، لأنه قال: لما جاز السجود جاز

стр. 1694

الركوع، لأن كلًا منهما يعد تواضعًا بالانحناء وهذا ظاهر، لأنه إذا وجد المسمى جاء الاسم، وفي الاستحسان نوع خفاء، لأنه يحتاج فيه إلى أن يقال: إنه مأمور بالسجود دون الركوع، وكلل واحد منهما مخالف للآخر، فلا ينوب أحدهما عن الآخر كسجدة الصلاة، فلذلك سمي استحسانا. (أنه غير مشروع مستقلًا بنفسه)، لأن ذلك يجب عند وجود فعل العباد مع تلاوة أو سماع. (وبخلاف سجود الصلاة)، لأنه قربة مقصودة. (مع الفساد الظاهر)، وهو التمسك بالمجاز (أحق من الأثر الظاهر) أي من القوة الظاهرة للاستحسان (مع الفساد الباطن)، وهو جعل ما ليس بمقصود بمنزلة المقصود. (وهذا قسم عز وجوده) أي ترجيح القياس على الاستحسان مما يقل وجوده، ومن ذلك القليل أيضًا ما ذكره الإمام الزاهد نجم الدين النسفي- ﵀ في مجمع العلوم: لو قال رجل لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: ولدت وكذبها الزوج، فالقياس أن لا تصدق، وفي

стр. 1695

الاستحسان تصدق وبالقياس نأخذ. وفي "الجامع": أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فقضى القاضي بجلد مائة، فجلد ولم يكمل الجلد، فشهد شاهدان أنه محصن، ففي القياس يرجم وهو قولهما، وفي الاستحسان لا يرجم وبالقياس نأخذ. وذكر في كتاب الرهن والنكاح: إن الرهن بمهر المثل لا يكون رهنًا بالمتعة عند أبي يوسف-﵀ قياسًا وعند محمد- ﵀ وهو الاستحسان يكون رهنا، وبالقياس نأخذ إلى آخره. وذكر في رهن "الهداية": فإن أقام الرجلان كل واحد منهما البنية على رجل أنه رهنه عبده في يده وقبضه فهو باطل. هذا جواب القياس. وأما جواب الاستحسان فإنه يكون رهنًا لهما، فيجعل كأنهما ارتهناه معًا إذا جهل التاريخ بينهما، ثم قال: وهو وإن كان قياسًا، لكن محمدًا ﵀-

стр. 1696

أخذ به لقوته؛ (لأنه ينكر تسليم المبيع بما يدعيه المشترى ثمنًا)؛ لأن المشتري يدعي على البائع عند إحضار أقل الثمنين تسليم السلعة، والبائع ينكر. (وهذا حكم تعدي إلى الوارثين) أي إلى وارث البائع ووارث المشترى إذا اختلفا في الثمن قبل قبض المبيع يتحالفان كما إذا اختلف المورثان، (وإلى الإجارة) بأن اختلف المؤجر مع المستأجر في قدر الأجرة قبل استيفاء المعقود عليه وهو المنفعة فإنهما يتحالفان. (وما أشبه ذلك) وهو كل عقد اختلف في بدلة والمعقود عليه غير مسلم والتسليم فيه لا يجب إلا بعد تسليم البدل، كما في النكاح يعني إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر قبل الدخول، وكما إذا هلكت السلعة واختلفت بدلا بأن قبل العبد المبيع قبل القبض. (وإنما أنكر على أصحابنا بعض الناس). قال الإمام شمس الأئمة -رحمة الله-: وقد طعن بعض الفقهاء في

стр. 1697

تصنيف له على عبارة علمائنا في الكتب: إلا أنا تركنا القياس واستحسنا. وقال القائلون بالاستحسان يتركون العمل بالقياس الذي هو حجة شرعية، ويزعمون أنهم يستحسنون ذلك، وكيف يستحسن ترك الحجة والعمل بما ليس بحجة لاتباع هوى أوشهوة نفس؟! فإن كانوا يريدون ترك القياس الذي هو حجة فالحجة الشرعية حق وماذا بعد الحق إلا الضلال! وإن كانوا يريدون القياس الباطل شرعًا فالباطل مما لا يشتغل بذكره. فنقول: الاستحسان لغة: وجود الشيء حسنا أو طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به، كما قال الله تعالى: (فَبِشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ). وهو في لسان الفقهاء نوعان: العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع موكولًا إلى آرائنا، نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى (مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ) أوجب ذلك بحسب اليسار والعسر، وشرط أن يكون بالمعروف، فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي،

стр. 1698

وكذلك قوله تعالى: (وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وهو استحسان لا يخالفه أحد من الفقهاء. والنوع الآخر: هو الدليل الي يكون معارضًا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام النظر والتأمل، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة، وأن العمل به هو الواجب فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي يسبق إليه الوهم قبل التأمل. (والاستحسان أفصحهما وأقواهما). أما أفصحهما: فإن الاستحسان مزيد ثلاثي غير مضعف، وفي التضعيف نوع بشاعة من تكرير الحرف في الكلمة الواحدة، ولذلك أدغموه عند إمكان الإدغام لإزالة البشاعة، وهاهنا لا إمكان لتحلل الألف بين الحرفين المتجانسين، فبقيت الكلمة على بشاعته فكانت الكلمة التي لا تضعف فيها منها أفصح.

стр. 1699

وأما أقواهما: فلأن الاستحسان عبارة عن وجود الشيء حسنا، فإذا كان حسنا يجب اتباع الحسن. وأما قوله: "أحب" ينبئ عن المحبة والإيثار، وذلك لا يوجب كون ذلك حسنًا؛ لاحتمال أن يكون ما أحبه وآثره قبيحًا. ألا ترى أن الله تعالى قال في مذمة الكفار: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ). وحاصلة أن الاستحسان يدل على الحسن، والاستحباب يدل على المحبة، ولا شك أن الحسن يدل على زيادة فضيلة في الشيء الذي له حسن من المحبة التي تدل محبوب؛ إذ حسن ذلك الشيء نشأ من ذات ذلك الشيء، والمحبة نشأت من الغير، وما ينشأ من الذي ينشأ من الغير؛ لأن الأول يدل على أمر قار، والثاني يدل على أمر طارئ.

стр. 1700

باب معرفة أحوال المجتهدين ومنازلهم في الاجتهاد ذكر في الكتاب مناسبة الباب فأغنانا عن ذكرها، فالاجتهاد: بذل المجهود لنيل المقصود.

стр. 1701

(بمعانيه) أي من حيث اللغة (ووجوهه) التي قلنا، وهي: الخاص والعام إلى آخر الثمانين. (وعلم السنة بطرقها) وهي طرق الاتصال بنا من رسول الله ﵇ من الآحاد والشهرة والتواتر. (واختلف أهل المقالة الصحيحة) وهي المقالة التي قالها أصحابنا.

стр. 1702

يعني أنهم اتفقوا على أن المجتهد يخطئ ويصيب، فبعد ذلك اختلفوا في أنه

стр. 1703

يخطئ ويصيب ابتداء وانتهاء، أم يصيب في ابتداء اجتهاده ويخطئ انتهاءً؟ (لما كلفوا إصابة الحق) بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ)، لأنه لا يجوز أن يقال كلفوا غير إصابة الحق؛ لأن الله تعالى منزه عن تكليف الخطأ، فثبت أنهم مكلفون إصابة الحق، ولايصح ذلك إلا بتعدد الحقوق. (حتى تأدى الفرض) أي فرض التوجه. (كما صح ذلك عند اختلاف الرسل) أي في زمان واحد، كما في لوط مع إبراهيم ﵉، وعلى اختلاف الزمان كما في الخمر كانت حلالًا ثم صارت حرامًا في الزمان الثاني.

стр. 1704

(لأن دليل التعدد لم يوجب التفاوت) وهو قوله: "إن المجتهدين لما كلفوا" إلى آخره. (وبطلت الدعوة) أي دعوة المجتهد الناس إلي قوله، والدعوة واجبة قال الله تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ)، وقال تعالى: (ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ) والإنذار هو الدعوة إلى العلم والعمل. (وإذا اختص سليمان ﵇ بالفهم وهو إصابة الحق بالنظر كان الآخر خطأ)؛ لأن ما قضى به داود ﵇ كان بالرأي؛ إذ لو كان بالوحي

стр. 1705

لما حل لسليمان ﵇ الاعتراض في ذلك. فعلم أن كل واحد منهما اجتهد، والله تعالى خص سليمان ﵇ بفهم القضية ومن عليه، وكمال المنة في إصابته الحق الحقيقي، ويلزم من ذلك أن يكون الآخر خطأ؛ إذ لو كان من داود ﵇ ترك الأفضل لما وسع لسليمان ﵇ التعرض؛ لأن الاقتيات على رأي من هو أكبر لا يستحسن فضلًا على الأب النبي. (وقال ابن مسعود ﵁) في حديث المفوضة إلى آخره. ذكر في "المبسوط" في مسألة عقد النكاح بغير تسمية: وحجتنا في ذلك: "ما روي أن سائلا سأل ابن مسعود ﵁ عن هذا فجعل يردده شهرًا، ثم قال: أقول فيه بنفسي، فإن يك صوابا فمن الله ورسوله، وإن يك خطأ فمن ابن أم عبد- وفي رواية: فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه

стр. 1706

بريئان -أرى لها مهر مثل نسائها. لا وكس ولا شطط، فقام رجل يقال له معقل بن يسار أو معقل بن سنان، وأبو الجراح. فقالا: نشهد أن رسول الله ﵇ قضى في امرأة منا يقال لها بروع بمثل قضيتك هذه، فسر ابن مسعود بذلك سرورًا لم يسر قط مثله بعد إسلامه لما وافق قضاؤه قضاء رسول الله ﵇". فوجه التمسك بهذا الحديث ظاهر وهو أنه أثبت تصور الخطأ في الاجتهاد، فعلى قول أولئك لا يتصور الخطأ فيه.

стр. 1707

(أما السبب فلأنا قلنا: إن القياس تعدية) أي إبانه مثل الحكم المنصوص في الفرع، فلا يصلح أن يكون القياس مغيرا لحكم النص؛ لأن القياس خلف عن النص فيثبت على وفاق الأصل، والحكم الحق في الأصل غير متعدد بالإجماع. ألا ترى أن النصين إذا تعارضا في الحظر والإباحة أو الإيجاب والنفي لا يثبت النفي والإثبات والحظر والإباحة، بل الحكم أن يجب التوقف فيه إلى أن يثبت رجحان أحدهما إن أمكن أو يعرف التاريخ، وإن لم يثبت شيء من ذلك يتهاترا، وهذا حكم مجمع عليه، فإذا تعذر تعدد الحقوق في الأصول بطل القول بتعدد الحقوق في الفروع. والحكم يؤخذ من الأصل، فلما استحال احتمال الحظر والإباحة في الأصل استحال أن يثبت المتنافيان في الفرع، وهذا واضح بحمد الله تعالى وهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال!

стр. 1708

(وأما الاستدلال بنفس الحكم) فهو ما ذكر في المتن وهو ظاهر. وأما الجواب عن قولهم: "كما صح ذلك عند اختلاف الرسل ﵈ في زمان واحد" فقلنا: إن الشيء الواحد جاز أن يكون حرامًا لشخص حلالًا لشخص آخر. كأم المرأة حرام على الختن حلال لغيره، وكذلك سائر المحرمات من الأم والبنت وغيرهما، وكذا المال لمالكه حلال، ولغيره حرام، فكذلك يجوز أن تثبت الحرمة في حق أمة، والحل في حق أمة أخرى. وأما فيما نحن فيه فالأمة كلهم كشخص واحد فيستحيل أن يكون الفعل الواحد حرامًا عليهم حلالًا لهم أيضًا في ذلك الزمان؛ لأن الاستحالة إنما تثبت عند اتحاد الجهة والزمان والمحل فتعذر القول بتعدد الحقوق فيما نحن فيه. ألا ترى أنه لا يجوز أن يرد الوحي بأن يحرم نكاح المجوسية لمسلم

стр. 1709

ويحل له أيضًا، فإذا كان ذلك مستحيلًا بالوحي يستحيل أن يكون ثابتًا بالقياس؛ إذ هو مستنبط من النصوص وفرع له، ولا يجوز مخالفة الفرع الأصل، وأي مخالفة أقوى من هذا؟! وقوله: (وصحة التكليف تحصل بما قلنا) جواب عن قولهم: وجب القول بتعدده تحقيقا لشرط التكليف؛ إذ لو لم يكن كذلك يلزم تكليف ما ليس في الوسع". (إذا فرق القاضي بينهما نفذ الحكم وقد أخطأ السنة)؛ لأن السنة أن يفرق القاضي بينهما بعد الرابعة أو الخامسة من كل واحد منهما، وإنما نفذ حكمه باعتبار إقامة الأكثر مقام الكل، وهذا دليل شرعي في الجملة، وقضاء القاضي يجب صيانته عن البطلان، وإخطاؤه السنة دليل على أن المجتهد

стр. 1710

يخطيء في اجتهاده. (فمن علم منهم حال إمامه وهو مخالفه فسدت صلاته) ولو كان كل واحد منهم مصيبًا في اجتهاده لما فسدت صلاته كما لم تفسد صلاة من صلوا بجماعة في جوف الكعبة وإن كان المقتدي يخالف إمامه في التوجه إلى الجهة. (وأما قوله: إن المخطئ للقبلة لا يعيد صلاته) أي هذا دليل على أن

стр. 1711

المجتهد لا يخطئ. قلنا: ليس هذا دليلا على أن المجتهد لا يخطئ؛ لما أن المتحرى للقبلة لا يكلف إصابة حقيقة الكعبة؛ لأن إصابة حقيقة الكعبة لا يمكن إلا بالمشاهدة عيانًا أو بالإخبار جهتها أو يعلم ذلك بالنجوم، وقد انعدمت هذه المعاني في حق من اشتبهت عليه القبلة، ثم لم يبق دليل سوى التحرى، فكان المتحري قبلة له. ومن صلى متوجها إلى قبلته التي أمر بأن يوجه وجهه إليهما لا يعيد صلاته بعدما صلى كمن صلى متوجهًا إلى الكعبة عيانًا؛ وهذا لأن الأمر باستقبال الكعبة ابتلاء من الله تعالى في حق العباد؛ لأن الله تعالى يتعالى عن أن يكون ذا جهة وفعل المكلف يقع إلى جهة لا محالة، والكعبة غير مقصودة بعينها. ألا ترى أن عينها كانت ولم تكن قبلة. أعني حين كان التوجه إلى بيت المقدس، وعند اشتباه القبلة يصير غيرها قبلة على رجاء إصابتها عند الضرورة.

стр. 1712

ألا ترى أن غير جهتها يقينا يصير قبلة؛ كما في الحق الخائف عن العدو وفي حق المتنفل على الدابة، وإذا كان كذلك كان من يرجو إصابتها وقت التحري أن يكون جهة تحرية قبلة له أولى؛ لأن المقصود رضا الله تعالى وهو حاصل أينما توجه عند التحرى، وإلى هذا أشار قوله تعالى (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ). (في حق نفس العمل مصيب) أي في حق نفس التحري مصيب وهو بمنزلة الطلب في ابتداء الاجتهاد، والمجتهد في طلب الحق باجتهاده مصيب، وهو معنى قوله: (فثبت أن مسألة القبلة ومسألتنا سواء، حتى إذا أخطأ) أي أخطأ يقينا بأن استدبر الكعبة من إطلاق الخطأ في الحديث، وهو قوله ﵇ لعمرو بن العاص: "وإن أخطأت فلك .........................

стр. 1713

حسنة". وكذلك في قول ابن مسعود ﵁ حيث ذكر الخطأ مطلقًا من غير تقييد بالانتهاء، فكان شاملا للمقادير أجمع. (واحتج أصحابنا ﵏ أي على قولهم بأن المجتهد إذا أخطأ فإنه مصيب في ابتداء اجتهاده، ولكنه مخطئ انتهاء فيما طلبه بحديث عمرو بن العاص ﵁، فوجه التمسك به على مدعاهم هذا هو أن النبي ﵇ قال له: "وإن أخطأت فلك حسنة" والمخطئ ابتداءً وانتهاء غير مستحق للحسنة، واستحقاق الحسنة باعتبار أنه مصيب في الطلب.

стр. 1714

وقال في "التقويم": والأجرة لا يجب إلا بالعمل على سبيل الائتمار بأمر الآمر، فثبت أن المخطئ للحق عند الله مؤتمر بعمله بأمر الله، والائتمار بالأمر يكون صوابًا لا محالة. (وبقوله تعالى: (وكُلًا آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا) أخبر أنهما جميعًا أوتيا من الله حكمًا وعلمًا، والخطأ المحض لا يكون حكم الله تعالى، فثبت أن تأويله أنه حكم الله تعالى من حيث إنه صواب في حق العمل لولا الوحي بخلافه. (وقال عبد الله بن مسعود ﵁ للمسروق والأسود-)

стр. 1715

وذكر في (التقويم) علقمة مكان الأسود، وذكر في (المبسوط) جندبا مكان الأسود -فقال: وإذا أدرك الرجل مع الإمام في ركعة من المغرب فلما سلم الإمام قام يقضي. قال: يصلي ركعة ويقعد، وهذا استحسان، وفي القياس: يصلي ركعتين ثم يقعد، لأنه يقضي ما فاته فيقضي كما فاته، وتأيد هذا القياس بالسنة وهي قوله ﵇ (وما فاتكم فاقضوا) ووجه الاستحسان أن هذه الركعة ثانية هذا المسبوق، والقعدة بعد الركعة الثانية في صلاة المغرب سنة، وهذا لأن الثانية هي التالية للأولى والتالية للأولى في حقه هذه الركعة. وروي: أن جندبا ومسروقا ابتليا بهذا، فصلى جندب ركعتين ثم قعد، ومسروق ركعة، ثم قعد، ثم صلى ركعة أخرى فسألا ذلك ابن مسعود

стр. 1716

-﵁ فقال: كلاكما أصاب ولو كنت أنا لصنعت كما صنع مسروق. وتأويل قوله: كلاكما أصاب أي طريق الاجتهاد. فأما الحق فواحد غير متعدد، ثم ما يصلي المسبوق مع الإمام آخر صلاته حكما عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ في حكم القراءة والقنوت هو اخر صلاته وفي حكم القعدة هو أول صلاته إلى آخره ذكره في المبسوط في باب الحدث. (وأما قصة بدر؛ فقد عمل رسول الله ﵇ بإشارة أبي بكر ﵁ فكيف يكون خطأ) من النبي ﵇ في اجتهاده ولم يكن الاجتهاد من النبي ﵇، ومن عمل باجتهاد غيره لا يقال للعامل به أنه أخطأ في اجتهاده. وقال في "التقويم": إن رسول الله ﵇ عمل برأي أبي بكر

стр. 1717

رضي الله عنه ولا بد أن يقع عمل رسول الله ﵇ صوابا إذا أقر عليه، والله تعالى قد قرره عليه فقال تعالى (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا) وتأويل العتاب والله أعلم (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) ولكن لك كرامة خصصت بها رخصة (لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ) سبق بهذه الخصوصية لمسكم العذاب بحكم العزيمة على ما قاله عمر ﵁. والوجه الآخر (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) قبل الإثخان وقد أثخنت يوم بدر، فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء، ولكن كان الحكم في الأسرى المن أو القتل دون المفاداة، فلولا الكتاب السابق في اباحة الفداء لك لمسكم العذاب. (والمراد بالآية حكم العزيمة) وهو القتل. (لقولهم بوجوب الأصلح)؛ لأن الأصلح أن يكون اجتهاد كل مجتهد

стр. 1718

صوابا (وأن يلحق الولي بالنبي) هذا أثر قولهم أيضا بوجوب الأصلح في حق العصمة، فالولي كل مسلم صالح، فإنهم يلحقونه بالنبي في حق الإفضال والإنعام عليه. (والمتخار من العبارات عندنا أن يقال: إن المجتهد يخطئ ويصيب على تحقيق المراد به) معنى هذا أنا لا نقتصر على قولنا (يخطئ ويصيب) لاحتمال تأويل أنه يخطئ الأحق كما هو قول بعض المعتزلة، فقلنا يخطئ حقيقة كما هو الحق عند الله تعالى ليكون هذا خلافا للمعتزلة ظاهرا وباطنا، لأن قولنا (يخطئ ويصيب) مخالفة لهم ظاهرة. وقولنا (على تحقيق المراد به) مخالفة باطنا، وهذا أولى؛ لأن مخالفة المبتدع على كلا الوجهين واجب.

стр. 1719

(ويتصل بهذا الأصل مسألة تخصيص العلل)؛ لأن في جواز تخصيص العلل تصويب جميع المحتهدين كما هو مذهب المعتزلة على ما ذكر بعد هذا في الباب المتصل بهذا بقوله: لأن ذلك يؤدي الي تصويب كل مجتهد، ولما كان أصل كل من هذين البابين راجعا إلى أصل واحد فاسد للمعتزلة وهو القول بوجوب الأصلح كانت مسألة تخصيص العلة متصلة بهذا الأصل الذي قالته المعتزلة أن كل مجتهد مصيب لكونهما شعبتي أصل واحد، والله أعلم.

стр. 1720

باب فساد تخصيص المعلل اعلم أن المعنى من تخصيص العلة هو أن المعلل إذا جعل الوصف المعين علة للحكم المعلوم، ثم وجد ذلك الوصف بعينه ولم يوجب ذلك الحكم المعلوم. قال المعلل: خص ذلك الحكم من هذه العلة لمانع، فكانت العلة مخصوصا منها هذا الحكم.
следующие страницы →