Полный текст (2 351 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(ولو لم يكن الوجود مقصودًا بالأمر لما استقام قرينة للإيجاد) أي مقرونة للإيجاد. فعيله بمعني مفعولة أي لما استقام الأمر قرينة للإيجاد لأنه حينئذ يكون تعليل ما ليس بعلة وذلك لا يجوز خصوصًا من الحكيم الذي لا يسفه. كما لا يجوز أن تقول: سقيته فأشبعته، أو أطعمته فأرويته؛ لأن الفاء في مثل هذا الكلام إنما تدخل في حكم ما سبق، لأن العرب تقول: سقاه فأرواه، وأطعمه فأشبعه أي حكما للسقي والإطعام. ولهذا قال علماؤنا- ﵏ في الحديث: [إن رسول الله صلي الله عليه وسلم سها فسجد] يكون وجود السجود حكما للسهو فلا يجب بالعمد فكذلك هاهنا كون الشيء لو لم يصلح أن يكون أثرًا للأمر لا يستقيم القران به، ثم الإيضاح في وجه التمسك بهذه الآية علي أن الأمر للوجوب هو أن الله تعالى جعل أمره لشيء علة لوجود ذلك الشيء، فكان أمره للمكلف بشيء
стр. 212
من العبادات وغيرها يجب أن يكون كذلك. يعني لو أراد وجود المأمور به من المكلف يأمره به فيوجد المأمور به ضرورة، كما في هذه الآية أخبر انه لو أراد وجود شيء من العالم يأمره بوجود فيوجد، وفي حق المكلف أيًا وجد امر الله تعالى بإتيان المأمور به، فكان علي ذلك النسق ينبغي أن يوجد المأمور به من المكلف من غير اختيار من المكلف كما في إيجاد شيء من العالم أنه يوجد ذلك الشيء من غير اختيار منه بمجرد الأمر. إلا أنا لو قلنا ذلك يلزم الجبر علي المكلف ويسقط الاختيار، وللعبد اختيار في إتيان الطاعة والمعصية لتحقيق الابتلاء.
قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فعدلنا لذلك من الوجود إلي الوجوب لا إلي الندب والإباحة؛ لما ان الوجوب أكثر إفضاء إلي الوجود من الندب والإباحة. أعني لما لم يكن الوجود مرادًا من الأمر الوارد علي المكلف لضرورة نفي الخبر منه اضطررنا إلي أن نحمل ذلك الأمر إلي الشيء الذي هو أقرب للوجود وأكثر إفضاء إليه وهو الوجوب، وكذلك في الآية الثانية، فالمراد من القيام الوجود كما في قولهم: الأعراض قائمة بالأعيان، فقد نسب القيام أي الوجود إلي الأمر، فعلم بهذا أن الأمر علة الوجود، ثم العدول من الوجود إلي الوجوب للمعني الذي ذكرناه آنفًا.
стр. 213
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الله تعالى حذر المخالفين عن أمر ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والحذر إنما يجب عند وجوب المأمور به؛ لأنه لو لم يكن واجبا لم يكن الحذر واجبًا؛ لأن حد غير الواجب هو أن لا يكون العقاب علي تقدير الترك.
(وكذلك دلالة الإجماع حجة) يعني أن الإجماع في مثل صورة المتنازع يدل علي ثبوت المدعي هاهنا، وهو أن العقلاء أجمعوا عند إرادة فعل من شخص لم يكن في وسعهم أن يطلبوا إلا بلفظ الأمر وهذا في المخلوقين، فالإجماع علي ذلك هناك دليل علي أن الأمر الصادر من الشارع أيضًا يدل علي الوجوب. بل كان هذا أولي في اقتضاء الوجوب من أمر المخلوقين؛ لأن الله تعالى مفترض الطاعة علي الإطلاق، وهو المراد بالإجماع فيما ادعينا؛ لأن المسألة ليست بمجمع عليها، إلا أن دلالة الإجماع مثل الإجماع؛ لأن الدلالة تعمل عمل الصريح عند عدم الصريح بخلافه، فلذلك أطلق عليه اسم الإجماع فيما سبق.
стр. 214
وكان هذا نظير ما قال علماؤنا- ﵏: إن سؤر الكلب نجس بدلالة الإجماع يعني أن الإجماع منعقد علي وجوب غسل الإناء من سؤره، فدل ذلك علي نجاسة سؤره بالإجماع، فكذلك هاهنا لم يكن في وسعه أن يطلبه إلا بلفظ الأمر.
فإن قبل: بل كان في وسعه أن يقول: أوجبت عليك أن تفعل كذا.
قلنا: إنه أمر معني أيضًا؛ لأن تقديره: أوجبت عليك لأني أمرتك بكذا، فكان قوله ذلك إخبارًا عن الأمر، فيكون الوجوب بالأمر، وهذا لأن قوله: افعل. فعل فعل الضرب في الزمان الماضي، فالمطول والمختصر بمنزلة الاسمين المترادفين.
(كسائر العبارات) أي في الأسامي، مثل: رجل، وجدار، وإبل، وفرس وغير ذلك، ولا يلزم الأسماء المشتركة؛ لأنها علي خلاف الأصل، فصار معني المضي للماضي حقًا لازمًا لا يتغير عما وضع له إلا بدليل كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وهذا القول منهم في الجنة عبر عنه بعبارة الماضي لتحققه، وكونه كائنًا لا محالة فكأنه قد تحقق ومضى.
стр. 215
وكذلك قوله تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا﴾ وقوله: ل ﴿وسيق الذين اتقوا﴾ وغيرها.
وقوله: (ألا تري أن الأمر فعل معتمد) يتصل بقوله: فيكون حقا لازما به؛ يعني أن الأمر متعمد لازمه ائتمر أي الائتمار حكم لفعل الأمر، فيثبت الائتمار عند ثبوت الأمر كأحكام سائر العلل لا يتصور حكم العلة إلا واجبا بالعلة تراخي عنها بمانع أم اتصل بها. كذا في "التقويم".
أو نقول: وكان من حق الأمر أن يوجد المأمور به ضرورة وجود الأمر؛ لأنه فعل متعد ولا يوجد الفعل المتعدي إلا والمفعول موجود كالكسر مع الانكسار، فإن الانكسار بمنزلة المفعول له؛ لأنه أثر ذلك الفعل وهذا في الفعل المتعدي المضاف إلي المفعول ثابت متحقق حيث لا يوجد الفعل غلا والمفعول موجود كما نقول: الله تعالى خالق العالم إذا اتصل أثر الخلق بالعالم، ولا
стр. 216
نقول: الله تعالى خالق العالم في الأزل؛ لأن ذلك يؤدي علي قدم العالم، بل نقول: الله تعالى خالق في الأزل من غير إضافة، الله تعالى خالق في الأل من غير إضافة، وفي الإضافة لابد من وجود العلقة بينهما، فكذا فيما نحن فيه، نقول: الله تعالى في الأزل آمر ناه، ولا نقول: في الأزل آمر يد وناهيه؛ لأنه لم يكن زيد فيه، وإنما نقول: آمر زيدًا إذا اتصل أثر الأمر بزيد، وإذا ثبت هذا فنقول: كلامنا في الأوامر المضاف إلي المأمورين؛ لأنا نتكلم في الأوامر إلا والمأمور به موجود؛ لأنه متعد لازمه ائتمر، لكن لو قلناه علي وفاق ما ذكرناه من الفعل المتعدي ومطاوعه يلزم الجبر ويذهب الاستبعاد والاختيار، فالجبر منتف بالضرورة، والاستبعاد واقع بالعلم القطعي، والاختبار لنا ثابت ضرورة، ولما كان كذلك أقيم الوجوب علينا مقام وجود المأمور به؛ لئلا يلزم الجبر ويتعطل الفعل المتعدي المضاف إلينا، فقضيته الأمر لغة أن يثبت إلا بالامتثال؛ لأن الامتثال وهو الائتمار لازم الأمر كالانكسار لازم الكسر فكما لا وجود للكسر بدون الانكسار فكذلك لا وجود للأمر بدون الائتمار لغة.
فإن قلت: لا نسلم أن الائتمار لازم الأمر خاصة كالانكسار للكسر، بل له لازم آخر وهو العصيان.
ألا تري أنه كما يصح أن يقال: أمرته فائتمر، كذلك يصح أن يقال: أمرته فعصى. علم بهذا أن الائتمار ليس نظير الانكسار لغة في خصوصية اللزوم.
стр. 217
قلت: بل هما أي الانكسار والائتمان نظيران لغة في خصوصية اللزوم لفعليهما المتعديين إلا أنه صح أيضا أمرته فعصي لضرورة بقاء اختيار المكلف.
أعني أن صحة ذلك إنما نشأت من قبل بقاء اختيار المأمور، ولو لم يكن له اختيار لوجد الائتمار ضرورة وجود الأمر كوجود الانكسار ضرورة وجود الكسر، وهذا لأن لازم المشتق منه الائتمار لا العصيان، فكان الائتمار نظير الانكسار لا العصيان، فلذلك كان إلحاق الائتمار بالانكسار أولي من إلحاق العصيان بالانكسار، وهذا واضح بحمد الله تعالى.
(وإن كان ضروريًا) أى وإن كان الاختيار ضروريًا، وهذا ليس بتناقض؛ لأن المراد به أن هذا الوصف اختياري، وهذا ليس بتناقض؛ لأن المراد به أن هذا الوصف اختياري، والعبد في كون هذا الفعل اختياريًا له مضطر؛ لأنه ليس في يده دفع الاختيار عن نفسه فكان مضطرًا فيه إلا أن اختيار أحد الضدين علي الآخر نوع تصرف واختيار منه، فينتفي به الجبر.
(فنقل حكم الوجود) أي حكم الأمر وهو وجود الائتمار لغة علي ما بينا إلي الوجوب لا أن الحكم شيء آخر، والوجود شيء آخر، بل هوهو، كقولنا: علم الطب أى علم هو الطب يعني فنقل حكم وجود الائتمار إلى
стр. 218
الوجوب لا إلى شيء آخر؛ لأن الوجوب يفضي إلي الوجود في الغالب؛ لأن العقل والديانة يحملانه علي ذلك؛ لأن العقل لا يجوز الوقوع في العقوبة بخلاف الندب والإباحة؛ لأنهما لا يفضيان إلي الوجود إفضاء الوجوب ولو وجب التوقف في حكم الأمر لوجب في النهي؛ لأن التوقف في الأمر لكونه مستعملا لمعان مختلفة علي ما ذكر في أول هذا الباب.
وهذا المعني موجود في النهي؛ لأن النهي استعمل أيضًا لمعان مختلفة منها: نهي تحريم، وهو الظاهر كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾، وقوله: ﴿لا تَاكُلُوا الرِّبَا﴾.
ونهي تنزيه كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ نهي كراهة كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، ونهي شفقة كالنهي عن المشي في
стр. 219
نعل واحد، واتخاذ الدواب كراسي، وكالاستنجاء علي الجدار.
ونهي ندب كالنهي عن الاستنجاء في الحوض الذي يشرب منه، (فيصير حكمهما) وهو التوقف (واحدًا وهو باطل) إذ حكم أحد الضدين حكمهما واحدا؛ هذا غير مسلم لأن المفارقة بين الوقف في الأمر وبين الوقف في النهي ثابتة، فكيف يصير حكمهما واحدا؟ وهذا لأنه لو توقف في النهي حصل به المقصود وهو الانتهاء ولا يحصل المقصود بالتوقف في الأمر.
فعلم بهذا أن المفارقة بين الوقفين ثابتة، فكيف يثبت اتحاد حكمهما مع وجود مثل هذه المفارقة التي هي بين النفي والإثبات؟
قلت: لا يحصل المقصود بالتوقف في الانتهاء أيضًا وهذا لأن المقصود
стр. 220
إنما يحصل إذا توقف علي الوجه الذي نهي عنه لا علي خلافه. بيان ذلك أن أحدا لو لم يأكل الربا لكن اعتقد إباحته صار كافرا وإن امتنع عن أكله لما انه لم ينته علي الوجه الذي نهاه الشارع، فإن هذا النهي يقتضي وجوب الانتهاء فعلا واعتقادًا وهو لم ينته كذلك.
فعلم بهذا أنه لم يحصل المقصود بالتوقف في النهي أيضًا كما لا يحصل بالتوقف في الأمر.
فإن قلت: لو ثبت في الأمر والنهي صيرورة حكمهما واحدا بسبب اتحاد التوقف لوجب أن يكون صيرورة حكمهما واحدا أيضًا بسبب اتحاد الوجوب؛ لأنا أجمعنا واتفقنا علي أن حكم كل واحد منهما الوجوب غير أن في الأمر وجوب الائتمار وفي النهي وجوب الانتهاء، وبهذا لا يقع الفرق؛ لأن مثل هذا أيضًا موجود في التوقف؛ لأن التوقف في الأمر توقف الائتمار وفي النهي توقف الانتهاء؟
قلت: ليس كذلك؛ لأنا نقول في الأمر وجوب الائتمار الذي هو مقتض وجود الفعل، وفي النهي وجوب الانتهاء الذي هو مقتض عدم الفعل، فكيف يكون المقتضي للوجود مع المقتضي للعدم بابا واحدًا وهما علي طرفي نقيض.
وأما التوقف الذي قلت فهو عبارة عن عدم الفعل فهو شامل للتوقف في الائتمار وفي الانتهاء، فكان التوقف فيهما جميعًا شيئًا واحدا، فصح قوله: "فيصير حكمهما واحدا".
стр. 221
(يبطل الحقائق كلها)؛ لأنا لو اعتبرنا ما قاله الواقفية أدي ذلك إلي تعطيل النصوص وأحكام الشرع. بيانه هو أن من النصوص ما يحتمل النسخ والخصوص والمجاز فلو اعتبرنا وصف الاحتمال في حق إيجاب التوقف يؤدي إلي هذا، وهذا مما لا وجه له.
وكان الأستاذ الكبير شمس الدين الكردي- ﵀ يقول في هذا المقام: أنا الشخص الذي كنت أمس بلا شك وشبهة، وإن كان في قدرة الله تعالى إعدامي وخلقه مثلي بعيني وسني، ومع ذلك لا يشك أحد في كوني أنا ذلك الشخص الموجود في الأمس، وكذلك قولهم: جاء زيد، ورأيت فلانا، وكلمت فلانا يفهم منه ما وضع هذه الألفاظ له، وإن كان يحتمل غير ذلك إلا انه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر، وكذلك العقلاء لا يحترزون عن الجلوس تحت المسقف واحتمال السقوط ثابت، إلا أنه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر ذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ وغير ذلك من الآيات يعلم يقينا أن رافع القواعد إبراهيم
стр. 222
وإسماعيل ﵉، فلو اعتبر مجرد الاحتمال لوجب التوقف في الكل وذلك باطل بالاتفاق.
ألا تري أنا لا ندعي أن الأمر محكم في موجبه هذا يحتمل غيره، فبقولنا هذا وفينا موجب الاحتمال حيث لم نقل إنه محكم (لأن اسم الحقيقة لا يتردد بين النفي والإثبات) يعني مما ينفي عما وضع له مرة ويثبت أخري، بل يثبت أبدا لما وضع له يعني لا يسقط عن المسمي أبدًا كاسم الأسد لا ينفى عن الهيكل المخصوص أبدًا، وغير متردد بين النفي والإثبات بخلاف الأسد إذا قيل للإنسان الشجاع يثبت مرة بطريق المجاز وينفى عنه بطريق الحقيقة.
[الأمر بعد الحظر]
(استدلالًا بأصله) يعني أن مطلق الأمر للوجوب في الأصل، وكذلك صيغته أيضًا مستعملة في الإيجاب لما ذكرنا أنه لا قصور في الصيغة فيتناول
стр. 223
على ما يحتمله من طلب الفعل وهو الوجوب.
(ومنهم من قال بالندب) فنظير الندب بعد الحظر قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا
стр. 224
الْبَيْعَ﴾ ثم قال: ﴿﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قيل: ابتغاء فضل الله طلب الرزق.
(لكن ذلك عندنا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾) أي وصيد ما علمتم لا أن الإباحية ثبتت بقولة: ﴿فاصطادوا﴾ ابتداء لوروده بعد الحظر.
ألا تري أن الأمر بقتل المرتد، والأمر بالرجم، والأمر بقتل قاطع الطريق جاءت بعد الحظر وهي للإيجاب.
وفي قوله تعالى: ﴿فاصطادوا﴾ قام الدليل علي أنه ليس للإيجاب وهو الإجماع، ومن حيث العقل أيضًا، وهو أن الاصطياد شرع حقا للعبد، ولو وجب لصار حقا عليه، فيعود الأمر علي موضوعه بالنقض وذلك باطل.
ومن هذا الأصل الاختلاف في الموجب يعني أن لفظ الأمر خاص وله موجب خاص، ثم اختلفوا بعد ذلك أن موجبه علي الخصوص أو على العموم.
стр. 225
[باب موجب الأمر في معنى العموم والتكرار]
والفرق بين العموم والتكرار هو في قوله: طلق امرأتي، فإن العموم في ذلك أن يطلقها ثلاث تطليقات بدفعة واحدة، لأن العموم عبارة عن الشمول، والشمول فيه هو أن يملك ثلاث تطليقات بدفعة واحدة،
التكرار هو أن يطلقها واحدة بعد واحدة.
(قال بعضهم: صيغة الأمر توجب العموم والتكرار).
(وقال بعضهم: لا بل تحتمله) والفرق بين الموجب والمحتمل: أن
стр. 226
الموجب أصل موضوع الكلام حتى
يراد ذلك من غير قرينة والمحتمل لا يراد به غير قرينة، كما في قولهم: جاءني زيد، فموجبه مجئ زيد ومحتمله مجئ خبره أو نائبه أو غلامه، وذلك إنما يثبت عند قرينة دالة عليه وهي أن يقال ذلك عند شهرة مجئ خبره أو نائبه، وكذلك جميع أسماء الحقائق فما وضع له الألفاظ موجب لها وما أريد من المجاز فهو محتمل فيحتاج إلي قرينة دالة عليه إلا إذا صارت الحقيقة مهجورة فحينئذ تصير الحقيقة بمنزلة المجاز،
стр. 227
والمجاز بمنزلة الحقيقة. يعني لا يفهم بذلك اللفظ حقيقته إلا بقرينة.
(وعند الشافعي يحتمل الثلاث والمثني) حتى أن الثلاث والمثنى يقع بالنية ولا يحتاج في وقوع الواحدة موجبة والمثنى والثلاث محتملة.
(أن لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بالمصدر)؛ لأن معنى قوله: طلقي نفسك؛ افعلي فعل التطليق علي نفسك (واسم الفعل) أي المصدر، إطلاق اسم الفعل علي المصدر حائز كما ذكره في "المفصل" بقوله: وربما سماه الفعل أي سمى سيبوبه المصدر الفعل.
(فوجب القول بعمومه كسائر ألفاظ العموم) - يعني- إن إرادة التكرار في الأمر بمنزلة إرادة العموم من اللفظ العام فكما أن موجب العام العموم حتى يقوم الدليل علي الخصوص، فكذلك هاهنا موجب الأمر التكرار حتى يقوم الدليل علي أن المراد به المرة لا المرات، واعتبروا أيضًا الأمر بالنهي فكما أن النهي يوجب إعدام المنهي عنه عاما فكذلك الأمر يوجب إيجاده عاماً حتى
стр. 228
يقوم دليل الخصوص وذلك يوجب التكرار.
(وجه قول الشافعي ما ذكرنا) وهو قوله: إن لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بالمصدر؛ (غير أن المصدر اسم نكرة في موضع الإثبات فأوجب الخصوص علي احتمال العموم)، فالخصوص باعتبار أن المصدر اسم لجنس الفعل، فيصلح أن يكون اسم الجنس متناولا لأنواعه، فوقعه نكرة في موضع الإثبات غير مانع لاحتماله العموم والتكرار.
ألا تري إلي قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ فقد وصف الثبور بالكثرة مع أنه وقع نكرة في موضع الإثبات.
علم أن المصدر محتمل للكثرة والتكرار، وإن كان في موضع الإثبات وهو نكرة باعتبار أنه مصدر.
ألا تري أنك لو قلت: رأيت رجلًا كثيرًا لا يصح، وإنما صح هاهنا باعتبار
стр. 229
أنه مصدر، وهو محتمل للتكرار والعموم، ثم إنما جعلنا الواحد موجبا والزائد عليه محتملا: لأن الأمر لطلب الفعل، وطلب الفعل يفتقر إلي واحد بحيث لا يتحقق ولا يوجد بدونه، فكان الواحد هو المتيقن من كل وجه فلذلك كان هو أولى بكونه موجبًا.
وأما ما زاد عليه فصالح لأن يكون مرادا باعتبار أن المصدر اسم لجنس الفعل، ولكن غير مفتقر إليه في وجود الفعل، فلذلك كان هو أولى لأن يكون محتملا، وحاصلة أن الشافعي يحتج بمثل ما احتج به الأولون ولكن علي وجه يتبين به الفرق بين الأمر والنهي ويثبت به الاحتمال دون الإيجاب، وذلك أن قوله: افعل. يقتضي مصدرا علي سبيل التنكير أي افعل فعلا، وكذلك في طلق أي طلق طلاقا.
أما اقتضاؤه المصدر، فلأن الفعل مركب من الزمان والمصدر، ولأن كل فعل مشتق من مصدره فلابد من إدراج المشتق منه عنه ذكر المشتق.
أما اقتضاؤه التنكير؛ لأن ثبوته بطريق الحاجة إلي تصحيح الكلام وبالمنكر يحصل هذا المقصود، فأثبتناه لكونه متيقنا؛ لأن النكرة في موضع الإثبات تقع علي الواحد كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ لكن احتمال العدد والتكرار باق بدليل استقامة قران العدد والتكرار به علي وجه التفسير في قوله: طلقها ثنتين أو ثلاثا، فلو لم يكن اللفظ محتملًا للعدد لما استقام تفسيره بخلاف النهي، فإن صيغة النهي عن الفعل تقتضي أيضًا مصدرًا علي سبيل التنكير أي لا تفعل فعلا، ولكن النكرة في النفي تعم،
стр. 230
فلذلك كان العموم في موضع النفي موجبا وفي الأمر محتملا.
(وجه القول الثالث الاستدلال بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة).
أما الكتاب: فما ذكره في الكتاب.
وأما السنة: فمثل قوله ﵇: "الوضوء من كل دم سائل" وكذلك قوله- ﵇: "إنما الوضوء علي من نام مضطجعًا".
قال الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي- ﵀: والصحيح عندي أن هذا ليس بمذهب علمائنا، فإن من قال لامرأته: إذا دخلت الدار
стр. 231
فأنت طالق لم تطلق بهذا اللفظ غلا مرة وغن تكرر منها الدخول، ولم تطلق إلا واحدة وإن نوى أكثر من ذلك، وهذا لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط، وهذه الصيغة لا تحتمل العدد بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط، وهذه الصيغة لا تحتمل العدد والتكرار عند التنجيز، فكذلك عند التعليق بالشرط إذا وجد الشرط، وإنما يحكي هذا الكلام عن الشافعي، فإنه أوجب التيمم لكل صلاة، واستدل بقوله تعالى:
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾.
وقال: ظاهر هذا الشرط يوجب الطهارة عند القيام إلي كل صلاة. غير أن النبي- ﵇ لما صلي صلوات بوضوء واحد ترك هذا في الطهارة بالماء لقيام الدليل، وبقي حكم التيمم علي ما اقتضاه أصل الكلام وهذا سهو، فالمراد بقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي وأنتم محدثون. عليه اتفق أهل التفسير، وباعتبار إضمار هذا السبب يستوي حكم الطهارة بالماء والتيمم، وهذا الجواب عما يستدلون به من العبادات والعقوبات فإن تكررها ليس بمطلق صيغة الأمر ولا بتكرار الشرط، بل بتجدد السبب الذي جعله الشرع سببا موجبًا له، ففي قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أمر
стр. 232
بالأداء، وبيان للسبب الموجب، وهو دلوك الشمس، فقد جعل الشرع ذلك الوقت سببا موجبا للصلاة إظهارا لفضيلة ذلك الوقت بمنزلة قول القائل: أد الثمن للشراء والنفقة لنكاح. يفهم منه الأمر بالأداء والإشارة إلي السبب الموجب لما طولب بأدائه.
فعلم بهذا كله أن تكرر وجوب الصلاة بسبب نكرر سببها لا باعتبار أن الأمر أو التعليق بالشرط يقتضي التكرار.
فلو لم يحتمل اللفظ لما أشكل عليه. يعني لو لم يكن الموجب هو التكرار لما أشكل عليه؛ لأن المفهوم من الألفاظ موجبتها خصوصا عند قيام الدليل علي أن التكرار غير مراد؛ لأن فيه حرجًا عظيمًا، وإنما أشكل عليه لكونه موجبا له فسأل كي يتضح الأمر عليه لاحتمال أن الموجب ليس بمراد، وعن هذا خرج الجواب عما يقال فيه: إن كان اللفظ يوجب التكرار لما أشكل عليه وهو من أهل اللسان؟
قلنا: إنما سأل ليعرف أن الموجب مراد أو أن غير موجبه مراد يعارض؛ لأن فيه حرجًا، فلهذا سأل لا أن يكون موجبه غير هذا.
стр. 233
فإن قيل: ما فائدة إعادة هذا الاحتجاج بحديث الأقرع بن حابس بعد ما أقام الدليل علي مدعي كل واحد من الفرق الثلاث؟
قلنا: هذا احتجاج للفرق الثلاث علينا، فإنا ننكر احتمال التكرار، والفرق كلهم قائلون بالاحتمال، فإن الذي يدعي الوجوب يدعي الاحتمال لا محالة، والذي يدعي الوجوب في المعلق بالشرط يدعي الاحتمال أيضًا، والشافعي قائل بالاحتمال صريحًا، فقام الدليل للكل علي زعمهم علي إبطال مذهبنا وهو أنه غير محتمل وإن لم يكن دليلًا للكل علي إثبات مذهبهم.
فإن قيل: فعلي هذا ينبغي ألا يذكر الاستدلال بحديث الأقرع في وجه قول الشافعي؛ لأن الاستدلال الثاني به عين الاستدلال للأول به؛ لأنه في كلا
стр. 234
الموضعين يستدل به علي أن التكرار محتمل الأمر.
قلنا: لا كذلك، بل الاستدلال الأول غير الاستدلال الثاني، فإن الشافعي ثمة استدل به علي أن الأمر غير موجب للتكرار، فإنه لو كان موجبًا له لما سأل عنه، وفي الثاني احتج كلهم به علي إثبات الاحتمال، فجاز أن يكون الشيء ... غير موجب للتكرار وغير محتمل له أيضًا إلي إثبات أنه محتمل للتكرار وإن لم يكن موجبًا له.
(وهما اسمان فردان) أي الطلاق والتطليق، (وبين الفرد والعدد تناف)؛ لأن العدد مركب من فردين أو أفراد، والفرد غير مركب، (فكما لا يحتمل العدد معني الفرد لم يحتمل الفرد معني العدد)؛ لأن أحد الضدين لا يتناول الضد الآخر في الاحتمال.
(فالبعض منه) أي الذي أقله فرد حقيقة وحكمًا، ولما كان هو فردًا حقيقة وحكمًا وقع أمره علي الواحدة بدون النية.
وأما إذا كان فردًا حكما إنما يقع أمره علي الثلاث عند النية لقصوره في وصف الفردية عن الأول من حيث الحقيقة.
стр. 235
(ألا ترى أنك إذا عددت الأجناس) أي من التصرفات الشرعية تقول: النكاح، والطلاق، والعتاق، والوكالة، والمضاربة، وغيرها يقع الطلاق بمجموعة مقابلة تلك الأفراد في عد الأجناس؛ فلذلك كان الطلاق بأجزائه واحدًا.
فأما بين الأقل والكل فعدد محض ليس بفرد حقيقة ولا حكمًا، فلذلك لم تعمل نية الثنتين أصلًا في الأمر بالطلاق؛ لأن الثنتين من الطلاق ليست بفرد حقيقة ولا حكمًا، فلم يكن لذلك من
محتملات الكلام أصلًا فلم تعمل النية.
стр. 236
(وكذلك سائر أسماء الأجناس إذا كانت فردًا صيغة) كالماء والطعام إذا حلف لا يشرب ماءً ولا يأكل طعامًا، (أو دلالة) كما في قوله: والله لا أتزوج النساء (أنه يقع علي الأقل ويحتمل الكل).
فأما قدر من الأقدار المتخللة كمن أو منين من الماء أو الطعام إذا نوى ذلك لم تعمل نيته لخلو المنوي عن صفة الفردية صورة ومعني فلا تعمل النية؛ لأن النية وضعت لتعيين بعض ما احتمله اللفظ، فلما لم يحتمله لفظه ذلك لم تعمل نيته.
وقوله: (وبني آدم) في اقتضاء الجنسية بمنزلة العبيد؛ لأن العبيد محلي بالألف واللام والتي هي للجنس والإضافة هاهنا قائمة مقام الألف واللام؛ لأن معني قولهم: لا أكلم بني آدم، ومعني قولهم: لا أكلم الناس أو الآدميين، واحد، وإنما لم يذكر فيه الألف واللام؛ لأن الألف واللام في الإضافة المعنوية تتعاقبان.
(إن ذلك يقع علي الأقل) حتى إنه يحنث بتزوج امرأة واحدة وبشراء عبد واحد، وفي الطعام يحنث بأكل أدني ما يتناوله اسم الطعام.
стр. 237
(ويحتمل الكل) أي كل النساء في العالم وكل العبيد في العالم، وكل بني آدم وكل الثياب في العالم حتى إذا نوى الكل في يمينه لا يحنث أبدا؛ لأنه لا يتصور تزوج جميع نساء العالم ولا شراء كل العبيد في العالم.
وكذلك لو قال: إن تزوجت النساء، أو اشتريت العبيد، أو كلمت الناس يحنث بالواحد عند الإطلاق، إلا أن يكون المراد الجميع فحينئذ لا يحنث قط ويدين في القضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه.
كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀ في "أصول الفقه" في فصل ألفاظ العموم.
فإن قلت: ففي قوله: إن تزوجت النساء، أو إن اشتريت العبيد، أو إن كلمت الناس، أو لا أشرب ماء، أو الماء ينبغي ألا تنعقد يمينه عند إرادته الجميع علي قول أبي حنيفة ومحمد- كما في مسالة الكوز، وهي قوله: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم فامرأته طالق، وليس في الكوز ماء لم يحنث؛ لأن من شرط انعقاد اليمين وبقائها التصور؛ لأن
стр. 238
اليمين إنما تعقد للبر فلابد من تصور البر ليمكن إيجابه، وشرب الماء المعدوم غير متصور فلذلك لم تنعقد اليمين، فكذلك هاهنا تزوج جميع نساء العالم، أو اشتراء جميع عبيد العالم، أو شرب جميع المياه في العالم غير متصور للواحد، فينبغي أن لا تنعقد يمينه، وأن تلغو إرادته الجميع لعدم تصورها، فتبقي يمينه هذه خالية عن النية فعند ذلك يقع الواحد علي ما ذكرت.
قلت: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما\ أن نيته هاهنا صادفت حقيقة كلامه، والحقيقة حقيق بأن تراد، فبعد ذلك لم يعتبر التصور وعدم التصور بخلاف مسألة الكوز، فإن يمينه هناك لم تصادف حقيقة كلامه؛ لأنه لا حقيقة لشرب الماء المعدوم كلامه من الأصل.
والثاني- إن لكلامه هنا محملًا متصور البر وهو الحمل علي الأقل، فصح يمينه كذلك لتصوره، فبعد ذلك عند إرادته الجميع لا تلغي يمينه بعد صحتها ولأنه لا يتفاوت الحكم بين أن تصح يمينه أو لا تصح؛ لأن علي تقدير الصحة لا يحنث أيضًا لما أن نيته الجميع صادفت حقيقة كلامه فلا يحنث في يمينه؛ لأنه بر في يمينه حيث لم يتزوج جميع نساء العالم، ولم يشتر جميع العبيد في العالم كما هو نيته.
وأما في مسالة الكوز فليس ليمينه محل آخر متصور الوجود حتى تنعقد يمينه باعتباره، فلذلك لغت يمينه من الأصل ولم ينعقد؛ لأنا إذا بقيناه جمعا لغا حرف العهد أصلا يعني اجتمع هاهنا شيئان متعارضان: صيغة الجمع.
стр. 239
وحرف العهد، فاعتبار صيغة الجمع يلغي حرف العهد؛ لأنه لا معهود في صيغ الجموع؛ لأن الجمع ما وضع لعدد معين بل هو شائع كاسم النكرة، واعتبار الجنس يخالف اعتبار الجمع، والأصل في التعارض الجمع ثم الترجيح ثم التهاتر، وهاهنا لا يمكن القول بالملخص فوجب الجمع بينهما؛ لأن المصير إلي الترجيح يوجب إهدار أحدهما لا محالة فكان الجمع أولي، وفيما قلنا جمع بينهما أي عمل بالدليلين؛ لأنا إذا جعلناه للجنس حصل العمل بحرف العهد؛ لأنه يتناول المعهود من ذلك الجنس بخلاف معني الجمع فإنه لم يوجد جمع معهود من الجموع أولي من غيره، فلذلك جعلناه للجنس؛ لأن كل جنس معهود، وفيه معني الجمع أيضًا؛ لأن في الجنس أفرادا إما تحقيقًا وإما تقديرًا، فاكن المصير إلي الجنس أولي.
فإن قلت: لا نسلم أن جمعا من الجموع لم يوجد أنه أولي من غيره، بل وجد وهو الثلاث بدليل وجوب الصرف إليه عن عراء لفظ الجمع عن حرف العريف، فلما كانت أولوية الثلاث عن غيره كان هو أولي من غيره، فصلح أن يكون هو معهودا في الجموع فيصرف إليه مع الألف واللام أيضًا لكونه معهودا.
قلت: لا كذلك، فإن عند ذلك يلزم إلغاء حرف التعريف لاستواء الحكم مع وجود حرف التعريف وعدمه حينئذ، ولأن تعينه عند عدم حرف التعريف
стр. 240
لا باعتبار أن ذلك الجمع جمع معهود، بل باعتبار أن ذلك الجمع أول الجموع الذي لا يزاحمه غيره، فكان متيقنا فكان الصرف إليه باعتبار أنه متيقن لا باعتبار أنه معهود.
أو نقول: إن معني الجمع مراعي في الجنس من وجه وليس في الجمع معني الجنس أصلًا؛ وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معني الجمع فيه موجودا وهو الثلاث فصاعدًا فيصير معني الجمع مراعي من كل وجه.
وأما إذا أريد به الجمع لا يراعي فيه معني الجنس أصلًا؛ لأن الجنس ما يتناول الواحد ويحتمل الكل، وهذا المعني غير موجود في الجمع؛ لأنه لا يكون الواحد فيه مرادا بطريق الأصالة فلا يكون معني الجنس علي هذا التقدير موجود أصلًا؛ لأن الموصوف لا يبقي موصوفا بدون صفته، وعن هذا خرج الجواب لسؤال من سأل بقولهم: فإن قيل: العمل بالجمع يوجب العمل بالجنس أيضًا من وجه وهو أنه إذا أريد بالجمع الثلاث فصاعدًا كان الجنس الأدنى وهو الواحد مرادًا.
قلنا: إن الواحد لما لم يرد هناك بطريق الأصالة صار كأنه لم يرد أصلًا خصوصًا عل أصل أبي حنيفة- ﵁ وهو المذهب المنصور أن الرجل إذا قال لامرأته: طلقي نفسك واحدة، فطلقت نفسها ثلاثا لم يقع شيء عند أبي حنيفة- ﵁ لهذا المعني؛ لأنها أتت بغير ما فوض إليها.
стр. 241
وقوله: (فكان الجنس أولي) إلي آخره.
فإن قيل: يشكل علي ذلك صرف الأيام إلي عشرة أيام عند أبس حنيفة- ﵀ وإلي أيام الأسبوع.
عندهما فيمن حلف لا يكلمه الأيام حيث لم يصرف هاهنا إلي الجنس، بل إلي الجموع علي حسب ما اختلفوا فيه
قلت: جواب هذا مذكور في أول " النهاية" مشبعًا فينظر هناك
وقوله: (فصار هذا وسائر أسماء الجنس سواء) أي فصار هذا الجنس وهو صيغة الجمع مع حرف الجنس الذي ليس علي صيغة الجمع مع حرف الجنس كالمرأة سواء.
(وإنما أشكل علي الأقرع؛ لأنه اعتبر ذلك بسائر العبادات) أي اعتبر
стр. 242
الحج بالصوم والصلاة وغيرهما، فأشكل عليه يعني أن سائر العبادات متعلقة بأسباب تتكرر بتكررها، فأشكل عليه أن الحج ملحق بسائر العبادات فيحتمل أنه يتكرر لتعلقه بما يتكرر وهو أشهر الحج، ويحتمل انه لا يتكرر لتعلقه بما لا يتكرر وهو البيت فأشكل عليه لهذا المعني؛ لا أن الصيغة تحتمل التكرار (وعلي هذا يخرج أن كل اسم فاعل دل علي المصدر لغة) أي فيما إذا لم يكن لقبًا لشخص فغن هناك لا يدل اسم الفاعل علي المصدر اسم جنس يتناول الواحد ويحتمل الكل كما في سائر الأجناس والكل هاهنا أي (في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ غير مراد بالإجماع فصار الواحد مرادًا)؛ لأن ما بين الواحد والكل عدد محض واللفظ الفرد لا يحتمل العدد المحض لما بينهما من التنافي، فإذن صار المراد السرقة الواحدة بهذة الآية من كل سارق فلا يجوز أن يراد بهذه الآية اليد اليسري بالسرقة الثالثة؛ لأن المراد بالأيدي الأيمان. يؤيده قراءة من قرأ: "فاقطعوا أيمانهما" فورودها علي صيغة الجمع من قبيل قوله تعالى:
стр. 243
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فإن قيل: هذا الأصل الذي أصلتموه في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾
منقوض في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ فإن كل الزاني غير مراد بالإجماع، فكان الواحد مرادا فيجب ألا يكون ما بين الكل والواحد مرادًا لما أن اسم الفاعل يدل علي الصدر وهو اسم جنس فلا يتناول العدد ومع ذلك يجب علي كل واحد منهما حد بعدد ما يوجد.
قلنا: ليس هذا من قبيل اقتضاء الجنس العدد، بل هو من قبيل تكرر الحكم بتكرر السبب عند قبول المحل ذلك التكرر؛ لأنه لما وجد زنا من شخص فجلد، ثم لو زنا تجدد السبب فيجلد أيضًا لتجدد السبب واحتمال المحل ذلك الحكم بخلاف السرقة، فإن المراد من الأيدي الأيمان وليس كل واحد من الأشخاص إلا يمين واحدة فبعد ذلك لم يبق المحل ينبغي أن لا يجب علي السارق في المرة الثانية شيء سوي التعزيز وليس كذلك بل
стр. 244
يقطع رجله اليسرى في المرة الثانية بالإجماع
قلت: ذاك بالإجماع الذي ذكرته وهذا من قضية الدليل الظاهر ألا يقطع في الثانية شيء من السارق، كما قلنا: أنه لا يجب في الثالثة بظاهر اسم الأيدي بقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ كما هو قول الشافعي؛ لأن في المرة الثانية لا تقطع يده اليسري بالإجماع ومع بقاء المنصوص لا يجوز العدول عنه إلي غيره، فلو كان النص متناولًا لليد اليسرى لما جاز قطع الرجل مع بقاء اليد.
علم بهذا أن المراد من الأيدي الأيمان لا اليد اليمني مع اليسرى.
إلي هذا أشار في "المبسوط".
(وموجب الأمر علي ما فسرنا وهو الوجوب يتنوع نوعين):
أحدهما- في صفة قائمة في الموجب، والثاني- في صفة قائمة في غير الموجب.
ثم الأول يتنوع نوعين: أداء وقضاء، وهذه صفة راجعة إلي نفس الموجب.
وكذلك الثاني يتنوع نوعين أيضًا: وغير مؤقتة.
стр. 245
باب يلقب ببيان صفة حكم الأمر
(فالأداء علي ثلاثة أنواع)، فوجه الانحصار ظاهر؛ لأن الأداء لا يخلو إما أن كان كاملًا أو قاصرًا أو مختلطًا. وقوله: (أداء محض) احتراز عن أداء فيه شائبة القضاء كما في اللاحق، وقوله: (كامل) احتراز عن أداء لمنفرد؛ لأن الأداء الكامل هو الأداء بالجماعة.
(وقد يدخل في الأداء قيم آخر، وهو النفل)، حتى يصح أن يقال: أدى النفل، فكان النفل داخلًا في قسم الأداء، وإنما ذكر هذا لرد صورة نقض ترد علي ما ذكره من حد الأداء، أن (الأداء اسم لتسليم نفس الأمر الواجب بالأمر.
стр. 246
بأن يقال: ينتقض هذا بقولهم: أدي النفل، فإن الأداء يستعمل في النفل، مع أنه ليس بتسليم نفس الواجب بالأمر، بل هو مندوب إليه لا مأمور به؛ لما ذكرنا أن حقيقة الأمر في الإيجاب.
فقال في جوابه: هذا قسم آخر، وذاك قسم آخر، فكان الأداء بعد الأنواع الثلاثة علي قسمين:
أحدهما: تسليم نفس الواجب بالأمر.
والثاني: تسليم عين ما ندب إليه، فلم يكن هذا نقض بل كان هذا قسمًا آخر غير القسم الأول، فأحد القسمين لا يكون نقضًا للقسم الآخر.
(فأما القضاء فلا يحتمل هذا الوصف)، يعني لا يحتمل النفل وصف القضاء، فلا يدخل القضاء في النفل؛ لأن القضاء يعتمد بوجوب الأداء، والنفل ليس بواجب بالإجماع.
فأما ذا شرع في النفل ثم قطع يجب القضاء؛ لأن ذلك مثل ما وجب أداؤه بالشروع.
وقوله: (قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَات﴾ هذا يتصل بقوله: "والأداء اسم لتسليم نفس الواجب بالأمر"؛ لبيان أن الذي ذكرته من تفسير الأداء أنه اسم لتسليم نفس الواجب صحيح يؤيده قوله تعالى:
стр. 247
﴿إنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَات﴾؛لأن أداء الأمانة لا يقع لا علي عين الشيء ونفياه لا علي مثله، فلذلك استعمل لفظ الأداء في حق الأمانة.
ولهذا ذكر الأمم شمس الأئمة السرخسي- ﵀ هذه الآية متصلًا بما ذكره من تفسير الأداء، وذكر في "التقويم" وأنه في تسليم أعيانها إلي أربابها ولا قضاء الأمانات.
ثم لما أدي الواجب في وقته من الصلاة سمي أداء، فأعطي للواجب الذي في ذمة المكلف حكم العين كما في أداء عين الأمانة؛ إما لأنه ليس في وسع المكلف عند شدة رعايته في تسليم عين الواجب إلا هذا، فلما أداه في وقته كان مراعيًا حقه بأقصى رعايته في تسليم الواجب فكان أداء، أو لما سمي الله تعالى للذي أوجَب علي الآدميين أمانة في قوله تعالى: ﴿إنَّا عَرَضَنْاَ الأَمَاَنَةَ عَلَي السَّمَوَات وًالأَرْضِ وَاَلْجبِالِ فَأَبيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ﴾ كان تسليمه لشدة الرعاية الذي هو أداؤه في الوقت بمنزلة تسليم عين الأمانة فكان أداء، وإذا قصر في رعاية كمال التسليم حتى فات الوقت كان بمنزلة الخيانة في الأمانة فكان قضاءً؛ لأنه إذا خان في الأمانة يجب الضمان، وأداء الضمان إنما يكون قضاءً حقيقة لا أداء.
стр. 248
(وقد تدخل إحدى العبارتين في قسم العبارة الأخرى).
أما استعمال لفظ القضاء في الأداء مجازًا فلما فيه من إسقاط الواجب، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيتْمُ مَّنَاسِكَكُمْ﴾.
وأما استعمال لفظ الأداء في القضاء مجازًا فلما فيه من التسليم كما في قولهم: أدى الدين أي قضي، لأن الديوان تقضي بأمثالها لا بأعيانها، فكان حقيقة القضاء لاء.
لأن القضاء لفظ متسع) -بكسر السين- لأن الاتساع لازم- فراخ شدن- ليس له صيغة اسم المفعول، وإنما قال: إنه يستعمل في معني نفسه وفي معني اسم المفعول، وإنما قال: إنه متسع؛ لأنه يستعمل في معني نفسه وفي معني الأداء استعمالًا غالبًا كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضيَتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ أي أديتم، وكذلك في قوله تعالى: ﴿﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾، وكذلك في قوله ﵇: "وما فاتكم فاقضوا". والمراد
стр. 249
منها الأداء، فعلم بهذا أن لفظ القضاء لفظ متسع يستعمل في الأداء استعمالًا ظاهرًا، وإنما ذكر لفظ الاتساع هاهنا لمقابلة ما لفظ الأداء، فإن استعمال الأداء مكان القضاء تضيق حتى لم يذكر في معني القضاء، فإنه يستعمل في معني الأداء استعمالًا ظاهرًا، وهذا لأن معنى القضاء لغة: الإلزام، والإتمام، والإحكام، والإسقاط، وهذه المعاني موجودة في الأداء، فجاز استعمال القضاء في الأداء حتي يجوز بنية الأداء في الأصح، دل عليه ما ذكره محمد- ﵀ في رجل اشتبه عليه شهر رمضان فتحرى فوقع تحريه علي شهر أنه رمضان، فصامه ثم تبين بعد مضي ذلك الشهر أنه غير رمضان، قال: إن كان قبل رمضان لا يجوز؛ لأن الأداء قبل السبب لا يجوز، وإن كان بعد رمضان يجوز، وإن كان بعد رمضان يجوز، وهذا قضاء بنية الأداء. كذا في " فتاوي قاضي خان".
(وقد يستعمل الأداء في القضاء مقيدًا) حيث يصرح بالدين، فيقال:
стр. 250
أدى ما عليه من الدين، فإذا قرنه بالدين علم أن المراد منه القضاء، لضرورة أن أداء الدين بحقيقته لا يتصور، لأن الأداء: اسم لتسليم نفس الواجب، والدين وصف في الذمة يظهر أثره عند المطالبة، وما أداه المديون عين وليس بوصف، فلم يكن ما سلمه عين ما هو في ذمته.
فعلم بهذا أن الأداء الذي استعمل فيه لم يكن علي حقيقته، بل كان هو بمعني القضاء الذي هو اسم لتسليم مثل الواجب، علي معني أن المديون لما سلم الدراهم إلي ري الدين وجب في ذمته دين للمديون بسبب أخذه الدراهم من المديون، ثم التقي ما في ذمة المديون، ثم التقي ما في ذمة المديون الأول وما في ذمة المديون الثاني وهو رب الدين قصاصًا لعدم الفائدة في الأخذ ثم التسليم ثانيًا، فكان هو تسليم مثل الواجب بهذا الطريق لا محالة فكان قضاء بحقيقته. إلا إنه استعمل الأداء مجازًا لالتقائهما في معني إسقاط الواجب؛ لأن كلا من القضاء والأداء متضمن إسقاط الواجب من الذمة، وعن هذا قالوا: إن آخر الدينين يكون قضاء عن الأول.
وأما إذا لم يصرح بقران الدين عن استعمال الأداء يحمل الأداء حينئذ علي حقيقته وهي تسليم نفس الواجب، كما لو قيل: أدي ما عليه من وجوب الصلاة والصوم. يراد به أنه أداهما في وقتهما، وكذلك في أداء الأمانات والغصوب يحمل الأداء على حقيقته.
следующие страницы →