Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
لا حاجة إلى هذا التفصيل يعني يشترط رأيها بلا تفصيل. قلنا حينئذ بموجب العلة، لأنا شرطنا رأيها أيضا لكنا أقمنا رأي الولي مقام رأيها.
(انتقض بالمجنونة) أي انتقض قول الخصم بالمجنونة، لأن حدوث رأيها غير مأيوس منه ومع هذا جاز تزويجها للولي، فعلم أن كل واحد منهما ليس بعلة للمنع عن الإنكاح.
(وأما المعدوم قبل الوجود فلا يحتمل أن يكون شرطا مانعا) يعني أن الولاية كانت ثابتة له عليها قبل الثيوبة فلا يصلح عدم رأيها شرطا مانعا لثبوت ولايته، إذ الولاية كانت ثابتة مع تحقق عدم رأيها ولم تكن مانعا ولم يحدث بعده شيء يصلح مانعا أو لا يصلح المعدوم دليلا معارضا قاطعا لولاية الأب، لأن المعدوم لا يصلح معارضا لما يوجد في الحال فكيف يصلح معارضا رافعا لما كان ثابتا معنى؟
قوله: (فلا يحتمل أن يكون شرطا مانعا) أي مانعا من إثبات الولاية ابتداء بأن بلغت الولاية إلى الجد بعد الأب والصغيرة ثيب.
(أو دليلا قاطعا) للولاية بعدما كانت ثابتة في حق الأب، لأن الحكم لا يسبق العلة.
стр. 1822
فإن قلت: ما جوابنا عما تعلق به الشافعي بأن النبي ﵇ قال: "الثيب تشاور". حيث علق هذا الحكم باسم مشتق من معنى وهو الثيوبة فيكون ذلك المعنى هو المعتبر في إثبات الحكم كما في الزاني والسارق في إيجاب الحد.
قلت: قال علماؤنا- ﵏: المراد به المبالغة، لأنه علق بما لا يتحقق إلا بعد البلوغ وهو المشاورة، وكونها أحق بنفسها إنما يتحقق في البالغة دون الصغيرة، ولئن ثبت أن الصغيرة مراده فالمراد المشورة على سبيل الندب دون الحتم كما أمر باستثمار أمهات البنات فقال: "واستأمروا النساء في أبصاع بناتهن" وكان ذلك بطريق الندب فهذا مثله. كذا في "المبسوط".
(وهذا الذي قلنا أمثلة ما يدخل في الفرع) يعني أن الذي قلنا من قوله: عقوبة متعلقة بالجماع فلا تجب بالأكل كحد الزنا "مما يصح منعه في الفرع لا في الأصل، فإن الحكم في الأصل كما ذكره الخصم فإن حد الزنا متعلق بالجماع لا غير.
стр. 1823
وأما في الفروع وهو كفارة الفطر فنحن نقول: لا نسلم أن كفارة الفطر متعلق بالجماع، بل بالفطر العمد الذي هو كامل في جنايته وكذلك في غيره، فإن حرمة بيع مطعوم بمطعوم مجازفة مسلم في الأصل وهو: بيع الصبرة بالصبرة. ممنوع في الفرع: وهو بيع التفاحة بالتفاحة، كذلك قوله: "ترجى مشورتها" مسلم في البالغة ممنوع في الصغيرة.
(وأما في القسم الآخر) الذي يذكر بعد هذا فإن المنع (في الأصل).
فنقول: (لا نسلم أن الاستنجاء طهارة مسح، وهما في طرفي نقيض) أي الغسل والمسح، فإن في أحدهما إكماله بالتكرار، وفي الآخر إكماله بنفي التكرار.
(يحقق عرضه) وهو التنقية (وفي الثاني يفسده) وهو أن التكرار يفسد المسح.
стр. 1824
(وهذا المعنى معدوم في هذا) أي استغراق الفرض محل نفسه معدوم في المسح، ثم النكتة الأولى لبيان أن الحكم هو المشروع في التكميل والثانية لإثبات سبب التكميل مشروعا في الأصل وهو الإطالة لا التكرار، (س) أي من قوله: لضرورة أن الفرض استغرق محله.
(لم نجده في الأصل) وهو القضاء، لأن التعيين بعد التعيين غير معتبر، (لم نجده في الفرع) وهو صوم رمضان، فإن التعيين هنا حاصل بتعيين الشرع، إذ المشروع في هذا الزمان صوم الفرض خاصة فغيره ليس بمشروع، فلا نجد حينئذ بدا من الرجوع إلى حرف المسألة، وهو أن نية التعيين هل
стр. 1825
يسقط اشتراطه بكون المشروع متعينًا في ذلك الزمان أم لا يسقط اعتباره؟
(فيقال) له: (في الأصل) أي في الثيب البالغة (عدم الرأي غير مانع) كما في الثيب البالغة المجنونة.
(ومثل قوله: ما يثبت مهرًا دينًا يثبت سلما كالمقدر) أراد به أن السلم في الحيوان جائز عنده غير جائز عندنا.
فقال: الحيوان يثبت دينًا مهرًا فيثبت دينا في السلم, كالمقدر لما ثبت دينا مهرًا ثبت دينًا سلما. أراد بالمقدر الكيلات والموزونات سوى الذهب والفضة, فإنا نقول: ما معنى قولكم: ((يثبت دينا ً في الذمة)) أتريدون أنه يثبت معلومًا بوصفه أم بقيمته؟
فإن قال بوصفه منعنا ذلك في الأصل وهو المهر, فقد قامت الدلالة لنا
стр. 1826
على أنه لا يشترط فيما يثبت في الذمة مهرًا أن يكون معلوم الوصف حتى لو قال: شاة أو عبد أو بقر يجوز.
(وإن قالوا): تعني به معلوم المالية و (القيمة). منعنا ذلك في الفرع فإن الحيوان بعد ذكر الأوصاف يتفاوت في المالية تفاوتًا فاحشًا, وإنما قال في الفرع, لأن الأصل وهو المهر معلوم بالقيمة عندنا, ولهذا إذا أتى الزوج بما سمى من الحيوان تجبر المرأة على القبول وإذا أتى بقيمته تجبر أيضًا.
فعلم أنه معلوم بالقيمة, فاما في الفرع وهو السلم فغير معلوم بالقيمة فإن القيمة غير معتبرة في المسلم فيه, ولهذا يجب عنده تسليم الحيوان في السلم ولا يجوز تسليم القيمة. علم بهذا أنه غير معلوم بالقيمة فصح المنع.
(وإن قال: لا حاجة لي إلى هذا. قلنا: بل إليه حاجة) , لأنه لابد من التسوية بين الأصل والفرع ليصح القياس, وهما متفاوتان: لأن أحدهما وهو المهر يحتمل جهالة الوصف لما ذكرنا من صحة المهر في نوع من الحيوان.
والثاني وهو السلم لا يحتمل جهالة الوصف فلابد من البيان ليصح القياس, لأن من شرط صحة القياس أن يكون الفرع نظير الأصل.
стр. 1827
(ومثله قولهم في بيع الطعام بالطعام) أي في اشتراط التقابض في المجلس قي بيع الطعام بالطعام إن العقد جمع بدلين يجري فيهما ربا الفضل (فيشترط التقابض كالأثمان).
فإنا نقول: أيش المراد من قولكم: ((فيشترط فيه التقابض)) هل هو التقابض لإزالة صفة الدينية أو لإثبات زيادة معنى الصيانة عن الربا وأحدهما يخالف الآخر؟ فلا بد من بيان هذا.
فإن قالوا: لمعنى الصيانة منعنا هذا الحكم في الأثمان فاشتراط التقابض هناك عندنا لإزالة صفة الدينياة, فإن النقود لا تتعين في العقود ما لم تقبض والدين بالدين حرام شرعًا.
وإن قالوا: لإزالة صفة الدينية لا يتمكنون من إثبات هذا الحكم في الفرع, فالطعام يتعين في العقد بالتعيين من غير قبض, فلا يجد بدا من الرجوع إلى حرف المسألة وهو بيان أن اشتراط القبض في الصرف ليس لإزالة صفة الدينية بل للصيانة عن معنى الربا أي على قول الشافعي بمنزلة المساواة في القدر.
стр. 1828
(قيل له: ماذا لا يجزئ وإنما سبق ذكر العتيق والأب وذلك لا يجزئ عندنا, فإن قال: وجب أن لا يجزئ عتقه قلنا به) , وبالفارسية: يعني كدامست كه روانيست, بدرستي ذكر عتيق وأب است كفارت روانيست وبس أكر بكويد كه أزاد شدن وى ز كفارت نيابت مي دارد بأن مي كويم جون بسبب عتق روانيست بسبب إعتاق رواست.
وقوله: (فإن قال: وجب أن لا يجزئ عتقه).
قلنا: لا يجوز عتقه عن الكفارة, لأن العتق ليس بفعل للمكفر بل هو أثر فعله في المحل, والواجب عليه فعل إختياري وهو التحرير, والتحرر ليس في وسعه, فيستحيل أن يكون هو فعله الغختياري فكيف يجوز عن الكفارة؟
(فإن قال: إعتاقه لم يوجد في الأصل) وهو الإرث لم يوجد منه صنع في الإرث, بل يعتق عليه من غير صنع منه, (ولم يقل به في الفرع)
стр. 1829
يعني أن الشافعي لم يقل بأن الابن يعتق الأب بالشراء, بل يقول: يسعى في تخليص أبيه عن الرق لا بطريق الإعتاق, لأن الشراء إثبات الملك والإعتاق إزالته, فيستحيل أن يكون إثبات الملك إزالة له, لكن لما ملك عتق من غير غعتاقه كما في الإرث.
إن عنيتم أنه لا تتأدى الكفارة بالعتق, فنحن نقول في الفرع: لا تتأدى الكفارة بالعتق, إذ الكفارة تتأدى بفعل منسوب إلى المكفر, والعتق وصف في المحل ثابت شرعًا.
وإن عنيتم الإعتاق فهذا غير موجود في الأصل, لأنه لا صنع للوارث في الإرث حتى يصير به معتقا, وعند هذا لا بد من الرجوع إلى حرف المسألة وهو: أن شراء القريب هل هو إعتاق بطريق أنه متمم علة العتق أو ليس
стр. 1830
بإعتاق وإنما يحصل العتق به حكما للملك؟ لا (لأن ذلك ليس بمال) بل للشبهة البدلية والحدود تسقط بالشبهات.
(وفساد الوضع) في المعلل بمنزلة فساد أداء الشهادة (وهو فرق النقض) فإن النقض إذا صح يبطل الاطراد بعد ثبوت صحة العلة ظاهرًا, وإذا كان فاسدًا في الأصل لا يشتغل بالاطراد كما أن أداء الشهادة إذا فسد لا يشتغل بالتعديل فكان فساد الوضع أقوى في دفع العلل من المناقضة, لأنه يمكن تدارك النقض في الجملة بأن يبين إن هذا يتراءى نقضًا وليس بنقض في الحقيقة, كما يتراءى أن الاستنجاء نقض فيما تقدم من التعليل في مسح الرأس.
فأما إذا فسد التعليل في الوضع لا يمكن تداركه فإندفع علة الخصم أصلًا (مثل التعليل لإيجاد الفرقة بإسلام أحد الزوجين) فإنه فاسد في الوضع كما ذكر في الكتاب.
(وكذلك القول ببقاء النكاح مع ارتداد أحدهما) فاسد: لما عرف أن
стр. 1831
المرتد ليس من أهل النكاح, فكان القول ببقاء النكاح مع الردة فاسدًا في أصل الوضع.
(الصرورة): بالصاد المهملة: هو الذي لم يحج حجة الإسلام.
وقال الشافعي: الصرورة إذا حج بنية النفل يقع عن الفرض, لأن فرض هذه العبادة يتأدى بمطلق النية فيتأدى بنية النفل أيضًا كالزكاة.
(قلنا: هذا فاسد وضعًا): لأنه بهذا الطريق رد المفسر إلى المجمل (وحمل المقيد على المطلق) , والأمر على العكس, فإن العلماء اختلفوا في حمل المطلق على المقيد, ولم يقل احد بحمل المقيد على المطلق, فالأول يحتمل الجواز في الجملة.
وأما الثاني فلا يحتمل الجواز أصلًا, وهذا لأن المطلق ساكت غير متعرض
стр. 1832
للصفات لا بالنفي ولا بالإثبات, فاحتمل أن تثبت فيه صفة زائدة بدليل فيراد به المقيد.
وأما عكسه فلا يجوز أصلا ً وهو أن يقال: إن المراد من المقيد هو المطلق, لأن فيه إلغاء صفة زائدة منصوصة فيلزم منه نسخ المنطوق بالمسكوت والموجود بالمعدوم, فكان فيه مخالفة وضع الشرع وهو حمل المقيد على المطلق.
وأما الجواب عن فصل الزكاة: فإن قدر الزكاة جزء من ذلك النصاب المعين فيخرج عن عهده الزكاة بالتصدق بجميع النصاب يتعين حق الفقير فيه لتعين ذلك النصاب لأداء الزكاة منه حتى لو حلك النصاب قبل التمكن من الأداء تسقط عنه الزكاة بالإجماع.
وأما في مسألة الحج, فالواجب في الذمة وفي الذمة سعة, فيجوز أن ينوى عن النفل فيما أدى من الحج ويقع عنه نفلا وإن كان هو في حق الصرورة لعدم التعين عليه فافترقا.
(ومثله التعليل بالطعم لتحريم الربا اعتبارًا بالنكاح) والجامع عزتهما فإن الطعم له عزة وخطر فيشترط لورود الملك عليه شرط زائد وهو المساواة اعتبارًا بالنكاح, لأن النكاح عزة وخطرًا لورود الملك على البضع فاشترط فيه شرط زائد وهو إحضار الشهود وغيره, وهذا فاسد في الوضع, لما قلنا إن القوام يتعلق بالطعم بخلاف النكاح فإن الحرمة في البضع أصل, لأن الحرية
стр. 1833
تنافي الاستيلاء إذ في الاستيلاء نوع رق مناف للحرية ويتوقف على ما لا يتوقف عليه غيره اعتبارًا للأصل.
(لأن الطعم يقع به القوام) فكان السبيل في مثله التوسعة لا التضييق, لأن البيع في الأصل ما شرع إلا للحاجة, ولهذا اختص بالمال الذي هو بذلة لحوائج الناس, فصفة الطعم تكون عبارة عن أعظم أسباب الحاجة إلى ذلك المال, لأن ما يتعلق به البقاء يحتاج إليه كل واحد, وذلك إنما يصلح علة لصحة العقد وتوسعة الأمر فيه لا للحرمة, لأن تأثير الحاجة في الإباحة كما في إباحة الميتة عند شدة الحاجة والضرورة.
وقوله: (فصلح للتحريم إلا بعارض) وهو النكاح عند وجود شرطه.
(ومثله قولهم في الجنون: أنه لما نافى الأداء نافى القضاء) يعني أن من جن في وقت صلاة كامل أو في يوم واحد في الصوم أنه لا يلزمه القضاء: لأن الخطاب ساقط عنه أصلًا, ووجوب القضاء يبتنى على وجوب الأداء بمنزلة ما لو جن أكثر من يوم وليلة في الصلاة أو استوعب الجنون الشهر في الصوم, ونحن نقول: هذا فاسد وضعا, لأن الحادث بالجنون عجز عن فهم
стр. 1834
الخطاب والائتمار بالأمر ولا أثر للجنون في إخراجه من أن يكون أهلا للعبادة, لأن ذلك يبتنى على كونه أهلا لثوابها والأهلية لثواب العبادة بكونه مؤمنًا والجنون لا يبطل إيمانه, ولهذا يرث المجنون قريبه المسلم, فكان سبب الوجوب متحققًا في حصه كما في النائم والمغمى عليه, والخطاب بالأداء ساقط عنه لعجزه عن فهم الخطاب.
وذلك لا ينفي صحة الأداء فرضا بمنزلة من لم يبلغه الخطاب فإنه بتأدى منه العبادة بصفة الفرضية كمن أسلم في دار الحرب ولم يبلغه فرضية الخطاب لا يكون مخاطبا بها, ومع ذلك إذا أداها كان فرضًا له.
ألا ترى انه لو جن بعد الشروع في الصوم بقى صائمًا, فكان التعليل بسقوط فعل الاداء عنه لعجزه عن فهم الخطاب على نفي سبب الوجوب في حقة أصلًا فاسدًا وضعًا مخالفًا للنص, وهو قوله ﵇: " ((من نام عن
стр. 1835
صلاة ...)) الحديث, ومخالفا للإجماع وهو في النائم والمغمى عليه والمسلم في دار الحرب وكونه أهلا لبقاء الصوم مع الجنون.
(ولا كلام في الحدود الفاصلة) أي لا نزاع فيها فإن الحد الفاصل من العسر واليسر والحرج والتخفيف ثابت بالنص والإجماع, أو معناه ليس كلامنا للتفرقة بين ما يصلح للحرج وبين ما لا يصلح, بل كلامنا في أن ما ليس فيه الحرج وهو القليل على الكثير بان يقال لما لم يجب قي صورة الكثير لم يجب في صورة القليل.
ألا ترى أنا أسقطنا بعذر الحيض قضاء الصلوات: لأنها تبتلى بالحيض في كل شهر عادة, والصلاة تلزمها في اليوم والليلة خمس مرات, فلو أوجبنا القضاء تضاعف الواجب في زمان الطهر وهو حرج عظيم, ولا يسقط بالحيض قضاء الصوم, لان فرضية الصوم في السنة في شهر واحد وأكثر الحيض في ذلك الشهر عشرة أيام, فإيجاب قضاء عشرة أيام في أحد عشر شهرا لا يكون فيه كثير حرج, ولا يؤدي إلى تضاعف الواجب في وقته.
стр. 1836
(والبياعات تخالف التبرعات) , هذا وجوب عن قياس الشافعي فإنه يقول: النقود تتعين في عقود المعاوضات, لأنها تتعين في التبرعات كالهبة والصدقة فتتعين في المعاوضات بمنزلة الحنطة وسائر السلع.
قلنا: هذا التعليل فاسد وضعا, فإن التبرعات مشروعة في الأصل للإيثار بالعين لا لايجاب شيء منها في الذمة, والمعاوضات لإيجاب البدل منها في الذمة إبتداء.
ألا ترى أن البيع في العرف إنما يكون بثمن يجب في الذمة ابتداء فكان اعتبار ما هو مشروع للإلزام في الذمة ابتداء بما هو مشروع في الأعيان لنقل الملك واليد من شخص إلى شخص في حكم التعيين فاسدًا في الوضع, وقوله: (هذه للإيثار) أي التبرعات لإيثار المتبرع به وهو عين على المتبرع عليه, فاقتضى ذلك تعين المتبرع به لا محالة.
(وهذه لالتزام الديون) أي البياعات شرعت في أصلها لالتزام الديون في الذمة.
стр. 1837
ألا ترى أن الأثمان تجب في الذمة في البياعات بدون الضرورة فإن كانت الدراهم في يده حاضرة وقد اشترى السلعة مطلقا يجب ثمن السلعة في ذمته بالاتفاق, ولا يتعين تلك الدراهم التي في يده الثمن.
علم بهذا أن البياعات أصلها في التزام الديون في الذمة.
(فبطلت وجوه المقاييس في ذلك جملة) أي القياس على الغضب والوديعة والتبرعات والوكالة باطل لوجوه المقاييس وهى القياس الظاهر, والقياس الظاهر والقياس الخفي الذي هو الإستحسان والقياس بالعلل الطردية والاخالة والعلل المؤثرة, لأنه لما كان فاسدًا في الوضع لا يتأتى فيه لا القياس ولا الاستحسان ولا غيرهما, لأن الكل يفتقر إلى صلاح الوصف وهو لا يكون صالحًا مع فساد الوضع فبطل جميع وجوه القياس.
وقوله: (وفي قدر الوظيفة) أما عندنا, فلأن الاستيعاب في التيمم ليس بشرط في رواية الحسن عن أبى حنيفة -رحمهما الله ... وأما عند الشافعي فلأن
стр. 1838
التيمم إلى الرسغ.
(وفي نفس الفعل) , فإن الوضوء غسل, والتيمم مسح.
(انتقض ذلك بغسل الثوب والبدن) فإن ذلك الغسل طهارة أيضًا ولم تشترط فيه النية.
(بأن الماء في هذا الباب عامل بطبعه) أي عامل للطهارة قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) والطهور هو: الطاهر بنفسه والمطهر لغيره وهو يعمل في التطهير عند الإستعمال من غير النية كالنار تعمل الإحراق من غير النية.
стр. 1839
(لأن مخرج النجاسة غير موضوف بالحدث) هذا لبيان ألا يقال: القياس غسل المخرج فغسل الأعضاء الأربعة كان بخلاف القياس.
فقال: القياس غسل كل البدن بعدما ثبت الحدث في البدن على ما نبين (فوجب غسل كله) كالجنابة والحيض النفاس (فلم يكن التعدي عن موضع الحدث إلا قياسًا).
والأصل في هذا أن الإنسان إذا اتصف بصفة وقامت تلك الصفة ببعض البدن كان جميع البدن متصفًا بتلك الصفة, كما يقال: فلان عالم سميع بصير وإن كان هو يسمع بأذنه ويعلم بقلبه ويبصر بعينه, وجعلت تلك المجال بمنزلة الآلة والحدث من هذا القبيل, فإذا خرج من موضع اتصف جميع البدن به يقال: إنه محدث.
فعلم بهذا أن تعدي الحدث من محل الحدث إلى جميع البدن لم يكن إلا بطريق القياس على كونه سيعًا وبصيرا وعالمًا على ما ذكرنا, كما أنه يقال هناك: فلان عالم وإن قيام العلم بقلبه, فكذلك يقال: فلان محدث وإن كان قيام الحدث على الحقيقة بمحل مخصوص, إلا أن الاختصار على الأعضاء الأربعة مع المقتضي بوجوب غسل جميع البدن بخلاف القياس.
стр. 1840
(وإنما نعني) وفي هذا نسخ بالنون وهو الظاهر، وبياء الغائب مع البناء على المفعول، وإنما يعبر عن التغيير على بناء المفعول، وإنما تغير على صيغة الفعل الماضي من التغير.
(بالنص الذي لا يعقل وصف محل الحدث من الطهارة إلى الخبث) أي الحدث أي هذه الأعضاء كانت طاهرة فاتصافها بكونها نجسة من غير قيام النجاسة بها حقيقة معنى لا يدرك بالعقل.
(والنية للفعل القائم بالماء لا للوصف القائم بالمحل) أي أن اشتراط النية ليصير الماء مطهرًا ويصير غسل هذه الأعضاء قربة؛ لأن الشرط عند الخصم نية رفع الحدث، ورفع الحدث يحصل بفعل الماء وهو يظهر بطبعه فلا حاجة إلى النية.
(ومسح الرأس ملحق بالغسل) هذا جواب عن قول من يقول: ينبغي أن تشترط النية في مسح الرأس؛ لأنه لا يعقل الرأس مطهرًا فصار كمسح التيمم في استدعائه النية.
стр. 1841
فأجاب عنه بقوله: إنه ملحق بالغسل لإقامته بالماء كما في الغسل، وبهذا خرج الجواب عن شبهة ترد على هذا القول وهي: أن التيمم قائم مقام الوضوء ينبغي على هذا أن لا تشترط النية في التيمم كما لا تشترط في حق الوضوء الذي كان التيمم نائبًا عنه. قلنا: لتيمم وإن كان نائبًا عن الوضوء لكن هويقام بالتراب لا بالماء، والتراب في أصله غير موضوع للتطهير، بل للتلويث، فمع نية التطهير كان قائمًا مقامه لا عند عرائه عن النية.
(ولا يجوز أن تشترط) أي النية (لتصير قربة) أي لا يجوز أن يكون الاختلاف لهذا؛ لأن النية ليصير التيمم قربة شرط بالإجماع ولا نزاع في هذا، ولكن النزاع أن الصلاة هل تفتر إلى كون الوضوء قربة؟
(فكانت حجة في موضع الضرورة) كما في البكارة والعيوب في الموضع الذي لا يطلع عليه الرجال.
стр. 1842
(وما يبتذل في العادة) كالماليات (إلا أن فيها ضرب شبهة) باعتبار نقصان عقل النساء لتوهم الضلال والنسيان بكثرة غفلتهن؛ ولهذا ضمت إحدى المرأتين إلى الأخرى لتكونا كرجل واحد في الشهادة أو فيها شبهة الدلية.
(فكان فوق ما يسقط بالشبهات) يعني أن النكاح مندو مسنون فيحتاط في إثباته، ولهذا يثبت مع الهزل والكره من غير الرضا فكان فوق ما يسقط بالشبهات وهو الحد.
ألا ترى أن الشاهد إذا رجع بعد القضاء قبل الإمضاء لا يحد ويسقط الحد وفي النكاح لا يبطل النكاح، وكذلك النكاح لا يفسد بالشروط بل يبطل الشروط، وذلك كله دليل على أن النكاح أسرع ثبوتًا من المال، فلما ثبت المال بشهادة النساء مع الرجال فلأن يثبت بها النكاح أولى، وفي بعض النسخ: "فكان فوق ما لا يسقط بالشبهات" أراد به الأموال، فإن حقوق العباد في الأموال لا تسقط بالشبهات.
стр. 1843
باب وجوه الانتقال
(الأول الانتقال من علة إلى علة أخرى لإثبات الأولى)
كان شيخي- ﵀ يقول: نظير هذا من القرآن قوله تعالى: (ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (١٦٨) إنَّمَا يَامُرُكُم بِالسُّوءِ والْفَحْشَاءِ وأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) حيث علل النهي عن اتباع خطوات الشيطان بأنه لكم عدو مبين وأثبت حكمة النهي به، ثم علل عداوته للمخاطبين بقوله: (إنَّمَا يَامُرُكُم بِالسُّوءِ والْفَحْشَاءِ) وكان يقول بالفارسية: همجنان كه در مستنبطات علت هست وعلت علت هست در منصوصات نيز علت هست وعلت علت هست.
بعد أز آن آيت را هم مي خواند
стр. 1844
كه قوله تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) حيث علل استواء السر والجهر عنده في أنه معلوم له بقوله: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ثم علل علمه بذات الصدور بقوله: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) يعني: سرًا را مي داند وجهرا را مي راند. بعدأزآن آنرا تعليل كرد بر اين كه او نداند آن خداي كه انرا أفريده است، وشرط أفريدن دانستن است.
وهذه الآية أيضا رد على المعتزلة في قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة لهم وهم لا يعلمون كيفية أفعالهم وكميتها في الحسن والقبح، وقدر ما يقطع من الزمان في تحصيل ذلك الفعل، فكيف يكونون خالقين لأفعالهم وشرط الخلق غير موجود؟
стр. 1845
وذكر في الكتاب نظير ما ذكره في (الصبي المودع إذا استهلك الوديعة لم يضمن) إلى آخره.
وذكر الإمام شمس الأئمة- ﵀ فقال: وكذلك إذا علل بقياس فقال خصمه: القياس عندي ليس بحجة، فاشتغل بإثبات كونه حجة بقول الصحابي، فيقولخصمه: قول الواحد من الصحابي عندي ليس بحجة، فاشتغل بإثبات كونه حجة بخبر الواحد، فيقول خصمه: خبر الواحد عندي ليس بحجة، فيحتج بالكتاب على أن خبر الواحد حجة، فإنه يكون طريقًا مستقيمًا ويكون هذا كله سعيًا في إثبات ما رام إثباته في الابتداء.
(وكذلك إذا ادعى حكما بوصف)، وهذا نظير الوجه الثاني.
(كالإجازة والبيع) فجواز الصرف إلى الكفارة بعد الإجازة ظاهر فإنه على ملك المؤاجر بعد عقد الإجارة، وأما بعد البيع فالمراد منه أن البيع لا
стр. 1846
يخرج العبد المبيع عن محلية الكفارة، فإن المتبايعين إذا تقايلًا فللبائع أن يكفر عن كفارته أو باع بشرط الخيار للبائع.
(فإن قال: عندي لا يمنع هذا العقد) أي لو قال الخصم: عندي عقد الكتابة لا يخرج الرقبة من الصلاحية للكفارة ولكن نقصان الرق الذي حصل من عقد الكتابة هو يخرج الرقبة من ذلك
فنقول: بهذه العلة يجب ألا يتمكن نقصان في الرق؛ لأن ما يمكن نقصانا في الرق لا يكون فيه احتمال الفسخ كالتدبير، فهذا إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى أيضا وهو نهاية في الحذافة.
وكذلك إن تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى فأراد إثباته بعلة أخرى وهذا هو الوجه الثالث وهذا صحيح أيضًا؛ لأنه ما ضمن بتعليله إثبات جميع الأحكام بالعلة الأولى، وإنما ضمن إثبات الحكم الذي زعم أن خصمه ينازعه فيه فإذا أظهر الخصم الموافقة فيه واحتاج إلى إثبات حكم آخر يكون له أن يثبت ذلك بعلة أخرى ولا يكون هذا انقطاعًا منه.
стр. 1847
وحاصله أنه إذا لم يتعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى كما في الوجه الثاني أو تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى وانتقل إلى العلة الأخرى كما في الوجه الثالث فإنه لا يكون انقطاعًا.
فكان قوله: (وإذا علل بوصف آخر) نظير الوجه الثالث يعني وإذا علل بوصف آخر لحكم آخر أي للحكم الثاني الذي أثبت ذلك الحكم في الوجه الثاني بالوصف الأول علل ذلك الحكم الثاني بالوصف الآخر غير الوصف الأول حين تعذر إثبات الحكم الثاني بالوصف الأول.
نحو أن يقول: يجب ألا يتمكن نقصان في الرق بعقد الكتابة؛ لأنا أجمعنا أن بعقد الكتابة عدم ثبوت العتق فلا يثبت من ضرورة ذلك نقصان في الرق؛ لأن الرق وصف غير متجز، فلو قلنا بنقصان الرق يلزم تجزيه وهو ليس بثابت بالإجماع، فأثبت عدم تمكن النقصان في الرق بوصف آخر حين تعذر إثباته بالوصف الأول وهو قوله: إن الكتابة عقد محتمل الفسخ بالإقالة إلى آخره. إلى هذا أشار الإمام المحقق شمس الأئمة ﵀.
стр. 1848
وقال الإمام مولانا حميد الدين- ﵀ نظير القسم الثالث من الانتقال بقولهم: ركن في الوضوء فيسن تثليثه كل واحد من الوصف والحكم فانتقل فقال: فرض في الوضوء فيسن تكراره فانتقل من العلة الأولى وهي الركن إلى العلة الثانية وهي الفرض، وانتقل من الحكم الأول وهو يسن تتليثه إلى حكم آخر وهو يسن تكراره.
ولكن في هذا ضرب غفلة؛ حيث لم يعلل على وجه لا يحتاج إلى الانتقال، لكن النظير الذي ذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀ الأمتن والأقوى يعرف ذلك بالتأمل.
ثم ذكر الإمام شمس الأئمة- ﵀ هنا وجوه الانتقال وهي أربعة:
أحدها: السكوت وهو اظهرها كما كان للعين عند إظهار الخليل صلوات الله عليه.
стр. 1849
والثاني: جحد ما يعلم ضرورة بطريق المشاهدة.
والثالث: المنع بعد التسليم.
والرابع: الانتقال إلى علة أخرى بإثبات الحكم الأول، والله أعلم.
стр. 1850
باب معرفة أقسام الأسباب والعلل والشروط
ذكر في الكتاب مناسبة إلحاق هذا الباب بما قبله بقوله: (فألحقناها بهذا الباب ليكون وسيلة إليه بعد إحكام طرق التعليل)، ولكن هذه المناسبة التي ذكرها تقتضي أن يقدم هذا الباب على باب القياس؛ لان الوسيلة مقدمة على المقصود، وقد ذكرنا جوابه وما يلحق به في الوافي.
стр. 1851
ثم اعلم: أن المراد من حق الله تعالى هو ما كانت منفعته عامة، ومن حق العباد ما كانت منفعته خاصة. هكذا نقل عن الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردي ﵀.
وقوله: (وعقوبات) سميت العقوبة عقوبة؛ لأنها تعقب الجنايات.
стр. 1852
(وهي ثلاثة أنواع): أي العبادات ثلاثة أنواع.
(فانقلب) أي الإقرار انقلب (ركنا في أحكام الدنيا والآخرة).
أما في أحكام الدنيا فظاهر وهو إنما نحكم بكونه مؤمنًا عند الناس ويعامل به معاملة المؤمنين في الدنيا إذا أقر بإيمانه.
وأما في أحكام الآخرة فقد ذكر في هذا الكتاب في باب بيان صفة الحسن للمأمور به: فمن صدق بقلبه وترك البيان من غير عذر لم يكن مؤمنًا أي عند الله تعالى أيضًا وهو مذهب الفقهاء، ومن لم يصادف وقتًا يتمكن فيه من البيان وكان مختارًا في التصديق كان مؤمنًا أي بالإجماع أن يحقق ذلك،
стр. 1853
وإنما كان هكذا لأن المصدق بالقلب عن اختيار يقر بلسانه لا محالة، فإذا لم يقر لم يكن مؤمنًا عند الفقهاء على ما ذكرنا هناك.
(وهو أصل في أحكام الدنيا أيضًا) أي الإقرار بالإيمان أصل الأحكام في الدنيا مع كونه دليلًا على الإيمان، ثم استدل على ركنيته بقوله: (حتى إذا أكره الكافر على الإيمان فآمن صح إيمانه) مع علمنا ظاهرًا بأنه لا تصديق في
стр. 1854
قلبه؛ لأن من آمن لقيام السيف على قفاه. كان هو دليلًا على عدم التصديق في قلبه، ومع ذلك حكم بإيمانه؛ لوجود أحد الركنين وهو الإقرار؛ لأن "الإسلام يعلو ولا يعلى" فلذلك جعلناه أصلًا في هذا، وكذلك هذه التفرقة بين الإيمان والردة في حق السكران فإن إيمانه يصح وردته لا تصح؛ لما قلنا بأن "الإسلام يعلو ولا يعلى"، ولأن فيه سعيًا في جعله مؤمنًا تكثيرًا لسواد المسلمين، فإنه يمنع بعد ذلك عن الكفر قهرًا وجبرًا، فربما يحمله ذلك على الإيمان بطريق الإخلاص، وفي الردة بقي على الأصل لهذين المعنيين لما أن الأداء في الردة دليل محض ليس بركن بدليل وجود الردة بدون أداء لفظ
стр. 1855
الردة، ولأن في جعلنا مسلمًا بمجرد إقراره طوعًا أو كرهًا حكمة أيضًا وهي رد طعن الكفار؛ لئلا يقولوا إنهم يقبلون من شاؤوا ولا يقبلون من شاؤوا، ومن كان لهم فيه نفع يقبلون وإلا لا يقبلون.
(وهي عماد الدين) ما خلت عنها الشريعة المسلمين، وهي تشمل الخدمة بظاهر الإنسان بالأفعال الدالة على التواضع والانقياد مع النظافة من جميع ما يتصل به وباطنه من النية والإخلاص والخضوع، فلذلك كانت هي اقوى من سائر العبادات.
(والأولى صارت بواسطة القبلة التي هي جماد، وهذه صارت قربة بواسطة الفقير الذي له ضرب استحقاق في المصرف)، ولما كانت واسطة الصلاة جمادًا كانت تلك الواسطة كأنها ليست بواسطة أصلًا؛ لأن وجود الشيء الذي لا اختيار له غير معتبر في كونه واسطة.
ألا ترى أن من حل قيد عبد فأبق لا يضمن الحال، ولو حل فم زق دهن
стр. 1856
فسال يضمن؛ لأن إباق العبد لما كان باختياره طع فعل الحال لوجود الواسطة المعتبرة بين حل الحال وبين هلاك العبد بالإباق، ولم يعتبر سيلات الدهن واسطة؛ لعدم اختياره فبقي التلف مضافًا إلى من حل فم الزق، فلما كانت الواسطة في الصلاة أقل كانت هي أقرب إلى الإيمان من غيرها.
(ثم الصوم قربة يتعلق بنعمة البدن) يعني أن الصوم يجب على العبد بطريق الرياضة للنفس؛ ليكون أصلح لعبادة الخالق كرياضة المركب ليصلح لركوب السلطان فكان (ملحقًا بالصلاة)؛ لأن العدو إذا قهر يصير منقادًا فيعبد الله تعالى على قطع العلائق وهي الشهوات المركبة فيه، فكان دون الصلاة؛ لأن كف النفس الشهوية عن مقتضياتها وهي شهوة البطن والفرج موجود في الصلاة وزيادة، وفي الصوم لا يوجد إلا هذا فكان دون الصلاة وملحقاتها.
(وهي دون الواسطتين الأوليين) أي النفس أدون وأحقر من الكعبة والفقير فإنهما معظمان، فكانت العبادة التي كانت واسطتها أدون من تينك الواسطتين أدون من تينك العبادتين؛ لما أحن حسن هذه العبادات بسبب هذه الوسائط، فلذلك أثر انحطاط رتبة الواسطة وعظمتها في انحطاط هذه العبادات وعظمتها.
أو لأن الواسطة في الصلاة والزكاة غير العابد وهي خارجة عنه، والنفس
стр. 1857
ليست بخارجة عن العابد، بل هي نفس العابد والشيء لا يكون واسطة لنفسه، فعلى هذا ينبغي أن يكون الصوم أفضل من الصلاة والزكاة، لكنه لما كان للرياضة على ما قلنا كان وسيلة لتكون النفس منقادة لسائر العبادات فكان بمنزلة التبع للصلاة والزكاة، وكل واحدة منهما أصل بنفسها؛ فلذلك كانت الصلاة والزكاة أقوى من الصوم (حتى صارت من جنس الجهاد) أي حتى صارت قربة الصوم من جنس الجهاد؛ لأن الصوم قهر النفس وهي عدو الله فكان قهره من جنس الجهاد. يؤيده قوله ﵇: "الجهاد جهادات، أحدهما أفضل من الآخر، وهو أن تجاهد نفسك وهواك".
وقوله: "حتى صارت من جنس الجهاد" متصل بقوله: "لا يصير قربة إلا بواسطة النفس"؛ لأن كونه قربة لما كان بواسطة النفس وهي أمارة بالسوء كان قهرها جهادًا.
(فكانت دون الصوم) أي عبادة الحج دون عبادة الصوم؛ لأن الصوم معقول حسنه؛ لأنه قهر عدو الله وهو مما يدرك العقل حسنه.
أما أفعال الحج فمما لا يدرك بالعقل حسنها، فكان ذلك دون الصوم من
стр. 1858
هذا الوجه. (كأنها وسيلة إليه) أي إلى الصوم؛ لأ الصوم هو: الامتناع عن الشهوات، والحج لا يحصل غالبًا إلا بهجر الأوطان للنفس ولا يجد الحاج أيضا ما يقضي به شهواته فيضعفه وينكسر به شهوته فكان حينئذ أقدر على قهر النفس الذي هو صوم، فلذلك كان الحج بمنزلة الوسيلة إليه.
(والعمرة سنة واجبة) أي مؤكدة.
بدليل ما ذكره شمس الأئمة- ﵀ بقوله: فالعمرة سنة قوية (تابعة للحج) كسنن الصلاة؛ لأن العمرة بعض أفعال الحج لا كلها فلم تكن مثل الحج بل تكون تبعًا.
(ثم الجهاد شرع لإعلاء الدين فرض في الأصل) هذا يقتضي كونه من فروض الأعيان؛ لأن إعلاء الدين فرض على كل مسلم، وإنما قلنا إنه شرع
стр. 1859
لإعلاء الدين؛ لأن الجهاد في الحقيقة تعذيب عباد الله وتخريب بلاد الله وهو ليس بحسن في نفسه، وإنما حسنت شرعيته لكونه متضمنًا لإعلاء كلمة الله فلذلك كان من الفروض.
(لكن الواسطة هاهنا هي المقصودة) يعني أن كفر الكافر هو المقصود بالإعدام؛ لأن فرضية الجهاد لكفر الكافر فإذا حصل هذا المقصود وهو الإعدام يسقط عمن لم يجاهد، (فلذلك صار من فروض الكفاية).
ألا ترى أن الجهاد عند النفير العام صار من فروض الأعيان باعتبار الأصل.
(والاعتكاف شرع لإدامة الصلاة على مقدار الإمكان) يعني أن العزيمة
стр. 1860
أن يشغل العبد مره بالعبادة وهي الصلاة؛ لأنها أشرف العبادات، وإنما قلنا إن العزيمة ذلك لتواتر النعم عليه كل ساعة وهي شرعت شكرًا للنعمة، إلا أن الله تعالى تفضل على عباده بإسقاطها في غير أوقاتها، وفي شرعية الاعتكاف أخذ بالعزيمة وهو إدامة الصلاة إما حقيقة بالاشتغال بالصلاة أو حكمًا؛ لأن المنتظر لللاه في الصلاة، وهومعنى قوله: "شرع لإدامة الصلاة على مقدار الإمكان" أي على قدرالوسع، فلذلك صح النذر به وإن لم يكن حسنه فرضًا عليه؛ لأن النذر بالاعتكاف نذر بالصلاة معنى؛ لأن التابع يعطى له حكم الأصل، (ولذلك اختص بالمساجد) وهذا يقرر ما ذكر من إدامة الصلاة؛ لأن المساجد هي المعدة لإقامة الصلاة.
(التي فيها معنى المؤنة صدقة الفطر)، وإنما لنا: أن فيها معنى المؤنة؛ لأنها تجب على الإنسان بسبب الغير، فاسم صدقة الفطر ينبئ عن كونها عبادة كصدقة التطوع فإنها عبادة بلا شبهة، وكذلك اشتراط النصاب مقدرًا بنصاب الزكاة يدل على كونها عبادة، وكذلك مصرفها أيضا وهو الفقير يدل على كونها عبادة، فلذلك جعل معنى العبادة فيها أصلًا، إلا أن فيها معنى المؤنة لما ذكرنا، فلذلك تجب على الصبي والمجنون الغنيين في مالها كالنفقة تجب
следующие страницы →