← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

فسال يضمن؛ لأن إباق العبد لما كان باختياره طع فعل الحال لوجود الواسطة المعتبرة بين حل الحال وبين هلاك العبد بالإباق، ولم يعتبر سيلات الدهن واسطة؛ لعدم اختياره فبقي التلف مضافًا إلى من حل فم الزق، فلما كانت الواسطة في الصلاة أقل كانت هي أقرب إلى الإيمان من غيرها. (ثم الصوم قربة يتعلق بنعمة البدن) يعني أن الصوم يجب على العبد بطريق الرياضة للنفس؛ ليكون أصلح لعبادة الخالق كرياضة المركب ليصلح لركوب السلطان فكان (ملحقًا بالصلاة)؛ لأن العدو إذا قهر يصير منقادًا فيعبد الله تعالى على قطع العلائق وهي الشهوات المركبة فيه، فكان دون الصلاة؛ لأن كف النفس الشهوية عن مقتضياتها وهي شهوة البطن والفرج موجود في الصلاة وزيادة، وفي الصوم لا يوجد إلا هذا فكان دون الصلاة وملحقاتها. (وهي دون الواسطتين الأوليين) أي النفس أدون وأحقر من الكعبة والفقير فإنهما معظمان، فكانت العبادة التي كانت واسطتها أدون من تينك الواسطتين أدون من تينك العبادتين؛ لما أحن حسن هذه العبادات بسبب هذه الوسائط، فلذلك أثر انحطاط رتبة الواسطة وعظمتها في انحطاط هذه العبادات وعظمتها. أو لأن الواسطة في الصلاة والزكاة غير العابد وهي خارجة عنه، والنفس

стр. 1857

ليست بخارجة عن العابد، بل هي نفس العابد والشيء لا يكون واسطة لنفسه، فعلى هذا ينبغي أن يكون الصوم أفضل من الصلاة والزكاة، لكنه لما كان للرياضة على ما قلنا كان وسيلة لتكون النفس منقادة لسائر العبادات فكان بمنزلة التبع للصلاة والزكاة، وكل واحدة منهما أصل بنفسها؛ فلذلك كانت الصلاة والزكاة أقوى من الصوم (حتى صارت من جنس الجهاد) أي حتى صارت قربة الصوم من جنس الجهاد؛ لأن الصوم قهر النفس وهي عدو الله فكان قهره من جنس الجهاد. يؤيده قوله ﵇: "الجهاد جهادات، أحدهما أفضل من الآخر، وهو أن تجاهد نفسك وهواك". وقوله: "حتى صارت من جنس الجهاد" متصل بقوله: "لا يصير قربة إلا بواسطة النفس"؛ لأن كونه قربة لما كان بواسطة النفس وهي أمارة بالسوء كان قهرها جهادًا. (فكانت دون الصوم) أي عبادة الحج دون عبادة الصوم؛ لأن الصوم معقول حسنه؛ لأنه قهر عدو الله وهو مما يدرك العقل حسنه. أما أفعال الحج فمما لا يدرك بالعقل حسنها، فكان ذلك دون الصوم من

стр. 1858

هذا الوجه. (كأنها وسيلة إليه) أي إلى الصوم؛ لأ الصوم هو: الامتناع عن الشهوات، والحج لا يحصل غالبًا إلا بهجر الأوطان للنفس ولا يجد الحاج أيضا ما يقضي به شهواته فيضعفه وينكسر به شهوته فكان حينئذ أقدر على قهر النفس الذي هو صوم، فلذلك كان الحج بمنزلة الوسيلة إليه. (والعمرة سنة واجبة) أي مؤكدة. بدليل ما ذكره شمس الأئمة- ﵀ بقوله: فالعمرة سنة قوية (تابعة للحج) كسنن الصلاة؛ لأن العمرة بعض أفعال الحج لا كلها فلم تكن مثل الحج بل تكون تبعًا. (ثم الجهاد شرع لإعلاء الدين فرض في الأصل) هذا يقتضي كونه من فروض الأعيان؛ لأن إعلاء الدين فرض على كل مسلم، وإنما قلنا إنه شرع

стр. 1859

لإعلاء الدين؛ لأن الجهاد في الحقيقة تعذيب عباد الله وتخريب بلاد الله وهو ليس بحسن في نفسه، وإنما حسنت شرعيته لكونه متضمنًا لإعلاء كلمة الله فلذلك كان من الفروض. (لكن الواسطة هاهنا هي المقصودة) يعني أن كفر الكافر هو المقصود بالإعدام؛ لأن فرضية الجهاد لكفر الكافر فإذا حصل هذا المقصود وهو الإعدام يسقط عمن لم يجاهد، (فلذلك صار من فروض الكفاية). ألا ترى أن الجهاد عند النفير العام صار من فروض الأعيان باعتبار الأصل. (والاعتكاف شرع لإدامة الصلاة على مقدار الإمكان) يعني أن العزيمة

стр. 1860

أن يشغل العبد مره بالعبادة وهي الصلاة؛ لأنها أشرف العبادات، وإنما قلنا إن العزيمة ذلك لتواتر النعم عليه كل ساعة وهي شرعت شكرًا للنعمة، إلا أن الله تعالى تفضل على عباده بإسقاطها في غير أوقاتها، وفي شرعية الاعتكاف أخذ بالعزيمة وهو إدامة الصلاة إما حقيقة بالاشتغال بالصلاة أو حكمًا؛ لأن المنتظر لللاه في الصلاة، وهومعنى قوله: "شرع لإدامة الصلاة على مقدار الإمكان" أي على قدرالوسع، فلذلك صح النذر به وإن لم يكن حسنه فرضًا عليه؛ لأن النذر بالاعتكاف نذر بالصلاة معنى؛ لأن التابع يعطى له حكم الأصل، (ولذلك اختص بالمساجد) وهذا يقرر ما ذكر من إدامة الصلاة؛ لأن المساجد هي المعدة لإقامة الصلاة. (التي فيها معنى المؤنة صدقة الفطر)، وإنما لنا: أن فيها معنى المؤنة؛ لأنها تجب على الإنسان بسبب الغير، فاسم صدقة الفطر ينبئ عن كونها عبادة كصدقة التطوع فإنها عبادة بلا شبهة، وكذلك اشتراط النصاب مقدرًا بنصاب الزكاة يدل على كونها عبادة، وكذلك مصرفها أيضا وهو الفقير يدل على كونها عبادة، فلذلك جعل معنى العبادة فيها أصلًا، إلا أن فيها معنى المؤنة لما ذكرنا، فلذلك تجب على الصبي والمجنون الغنيين في مالها كالنفقة تجب

стр. 1861

في مالهما، وكذلك تجب عليهما نفقة ذي رحم محرم منها. (والمؤنة التي فيها معنى القربة هي العشر)، وإنما جعل المؤنة أصلًا؛ لأن سببه الأرض النامية والأرض هي الأصل في السبب فكانت المؤنة أصلا في العشر وقربة باعتبار الخارج من الأرض فتعلقه بالخارج كتعلق الزكاة بالنامي فلهذا يشبه الزكاة فلذلك كانت القربة فيه تبعًا. (والخراج مؤنة فيها معنى العقوبة؛ لأن سببه الاشتغال بالزراعة) وهي عمارة الدنيا والإعراض عن الجهاد وهو عادة الكفار، ولذلك استحق به الذل على ما قال ﵇ حين رأى آلات الحراثة في دار قوم: "ما دخل هذا في دار قوم إلا وقد ذل أهلها". وقال ﵇: "إذا تبايعتم العين واتبعتم أذناب البقر فقد ذللتم وظفر بكم العدو". فكان وجوب الخراج باعتبار الوصف عقوبة (لحفظ الأرض وإنزالها) يعني أن الخراج وجب ليحمي الإمام الأرض والإنزال وهما سواء

стр. 1862

في هذا المعنى. (فلذلك لا يبتدأ) وضع الخراج (على المسلم) لما فيه من معنى الذل والعقوبة، (ويجوز بقاؤه على المسلم) بأن أسلم الكافر أو اشترى أرض الخراج مسلم؛ لأن المؤنة فيه أصل والعقوبة باعتبار الوصف وهو الإعراض عن الجهاد بسبب الاشتغال بالزراعة. والمسلم ليس من أهل العقوبة ابتداء ولكن من أهلها بقاء كما في الحدود، فلذلك لم يجب الخراج على المسلم ابتداءً ولم يبطل بقاء، (فلكونه مترددًا بينهما لم يبتدأ) على المسلم (بالشك ولم يبطل أيضا بالشك) بقاء لما ذكرنا أن الإسلام لا ينافي صفة العقوبة بقاء بخلاف العشر إذا اشترى الكافر أرضًا عشرية لا يبقى عليه؛ لأن الكفر ينافي القربة ابتداء وبقاء من كل وجه أي لا يجامعه القربة بوجه من الوجوه، وهو الجواب عن قول محمد- ﵀. (وقال أبو يوسف: يجب تضعيفه)؛ لأن في العشر معنى القربة فلم

стр. 1863

يمكن إبقاؤه على الكافر فأحتجنا إلى التغيير، فالتضعيف أولى؛ لأن الشرع ورد به والتغيير ثبت بالضرورة وهو في التضعيف أقل من جعله خراجًا؛ لأن في الخراج تغيير الأصل والوصف، وفي التضعيف تغيير الوصف دون الأصل، فلذلك كان التضعيف أولى من الخراج، ولكنا نقول: إن تضعيف العشر على الكافر ثبت بخلاف القياس بإجماع الصحابة- رضون الله عليهم- وهو أن عمر- ﵁ وضع على نصارى بني تغلب وهم كانوا ذوي شوكة، وقيل: إنهم كانوا أربعين ألفا وكانوا قريبا من الروم، فقالوا: نحن نستنكف الجزية وفيها الدنية فتعطي ضعف ما يعطي المسلمون، فصالحهم عمر- ﵁ على ذلك لمصلحة رآها وسائر الكفار لا يساويهم؛ لأن الجزية تؤخذ من سائر الكفار دونهم بالإجماع، فلذلك لم يجز القول بتضعيف العشر على الكافر من غير بني تغلب إذا اشترى أرضًا عشرية، وهذا جواب عن قول أبي يوسف- ﵀.

стр. 1864

(وعن محمد- ﵀ روايتان في صرف العشر الباقي) أي الباقي على الكافر بعد شرائه الأرض العشرية، وإنما قال: "الباقي" لأنه لا يبتدأ به على الكافر فيكون عليه بقاء لا ابتداءً وهو قول محمد- ﵀ وقوله: "روايتان" أي في مصرف هذا العشر إحداهما يصرف إلى المقاتلة كالخراج لاعتبار معنى المؤنة الخالصة، وفي الأخرى يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأنه لما بقي باعتبار معنى المؤنة يبقى على ما كان مصروفًا إلى من كان مصروفًا إليه قبل هذا كالخراج في حق المسلم. (فلا يصار إليه مع إمكان الأصل) أي إلى تضعيف العشر وهو خلف عن الخراج مع إمكان الأصل وهو الخراج؛ إذ المصير إلى الخلف عند العجز عن الأصل وهو موجود في نصارى بني تغلب غير موجود في غيرهم فلذلك انقلب خراجًا. (وأما الحق القائم بنفسه فخمس الغنائم) ومعنى القيام بنفسه فيه هو

стр. 1865

أنه لم يوضع له سبب مقصود في وجوبه، والغنائم وان أصيبت بسبب الجهاد لكن الجهاد غير مشروع قصدًا لإصابة الغنائم، بل شرعيته مقصودًا لإعلاء كلمة الله تعالى وتثبت الغنيمة في ضمن إعلاء كلمة الله تعالى، فكانت هي خالصة لله تعالى بلا سبب في الحقيقة، وإليه وقعت الاشارة في قوله تعالى: (قل الأنفال لله)، فلذلك كانت هي حقًا قائمًا بنفسه بخلاف الصلاة والزكاة وغيرهما من المشروعات، فان لها أسبابًا موضوعة قصدًا. ثم الانفال كلها وإن كانت خالصة لله تعالى أعطى الله تعالى أربعة الأخماس للغانمين منة منه وفضلًا، واستبقى الخمس لنفسه بين من ذكر في القرآن فتولى السلطان اخذه وقسمته. (فلم يكن حقا لزمنا أداؤه له) أي فلم يكن الخمس.

стр. 1866

والدليل على أنه لا يجب على العبد أداؤه طاعة (جواز صرفه إلى الغانمين الذين استحقوا أربعة الأخماس) عند حاجتهم، ويجوز وضع خمس المعدن في الواجد مع أنه استحق أربعة الأخماس (بخلاف الزكوات والصدقات فإنها لا ترد إلى ملاكها بعد الأخد منهم) وإن كانوا محتاجين. ) لأنه على ما قلنا من التحقيق لم يصر من الأوساخ) يعني أن الخمس لما لم يجب على العبد أداؤه طاعة لم يصر من الأوساخ. ألا ترى أن الزكاة لما وجبت على العبد صارت من الأوساخ، ونعني بالأوساخ سرايةَ الذنوب إليها كسرايتها إلى الماء الذي استعمل في البدن على وجه القربة لم يحل شربه، فكذلك مال الزكاة لم يحل لبني هاشم لهذا المعنى لفضيلتهم، أما الخمس لما لم يكن بهذه المثابة لم يكن وسخًا فحل لبني هاشم. (فكانت أولى بالكرامة). يعني أن سبب استحقاق الخمس عندنا النصرة لا القرابة، وعبادة كالمطيع يستحق الكرامة بوعد الله تعالى فكان استحقاق الخمس بالنصرة أولى من استحقاقه بالقرابة، والمراد بالنصرة هنا

стр. 1867

اجتماعهم مع رسول الله ﵇ حين هجره الناس ودخولهم معه في الشعب، وإلى هذا أشار النبي ﵇ بقوله: "لن تزالوا معي وشبك بين أصابعه". ولذلك يصرف إلى نسائهم ورجالهم لوجود هذه النصرة منهم جميعًا. (ولأنها) أي ولأن النصرةَ (تخالف جنس القرابة فلم تصلح وصفًا لها) كما قلنا في باب الترجيح: إذا ماتت المرأة وتركت ابني عم أحدهما زوجها لا يترجح الزوج بالزوجية على الآخر في التعصيب؛ لأن الزوجية تخالف قرابة العمومة فلا تصلح وصفًا مرجحًا بخلاف ابن الأخ لأب وأم فإنه أحق بالتعصيب من ابن الأخ لأب؛ فإن الإخوة لأم من جنس الإخوة لأب من حيث الأخوة وإن لم توجب العصوبة، فلذلك صلحت مرجحة للأخوة في التعصيب، ولأن الزوجية علة الإرث بانفرادها فلا تصلح مرجحةً لما قلنا: إن ما يصلح علةً لا يصلح مرجحًا. (في أن الغنيمة تملك عند تمام الجهاد حكمًا)، وهذا بناء على ما ذكرنا أن الغنيمة كلها لله تعالى بناء على أن الجهاد حق الله تعالى خالصًا، وهي

стр. 1868

أصيبت بالجهاد فكانت له، فتملك عند تمام الجهاد، والجهاد إنما يتم حكمًا بالإحراز بدار الإسلام؛ لأنه حينئذ يتم قهر الأعداء؛ لأن المسلمين ماداموا في دارر الحرب يحتمل غلبة الكفار إياهم فلم يتم الجهاد حكمًا، فلو كانت الغنيمة كسائر حقوقنا لتم بأخذنا؛ لأنه استيلاء على ماهو المباح كالصيد وغيره، وحيث لم تصر لنا بالأخذ قصدًا علم أنها ليست لنا كسائر الحقوق. (ويبتنى عليه مسائل لا تحصى) فمنها: أن المدد إذا لحق الغزاة في دار الحرب شاركوهم لما أن الغزاة لم يملكوها. ومنها: أن قسمة الإمام الغنيمة في دار الحرب لا تجوز. ومنها: أن من مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في الغنيمة، ومن مات منهم بعد إخراجها إلى دار السلام فنصيبه لورثته. (وأما العقوبات الكاملة فمثل الحدود) فإنها شرعت زواجر عن

стр. 1869

ارتكاب أسبابها المحظورة حقًا لله تعالى خالصًا نحو جد الشرب والزنا والسرقة. (وأما القاصرة فنسميها أجزية) مثل حرمان الميراث بالقتل. وتسميتها أجزية؛ لأنها تثبت جزاء لفعله إلا أن الجزاء في وضعه لا يدل على كونه عقوبة؛ لأنه أعم من العقوبة، فالعقوبة ام لما يعقب الجناية من الجزاء فكان سببها الجناية فقط، والجزاء يتناولها وغيرها فلأجل قصوره سميناه أجزية، (ولذلك لا يثبت في حق الصبي) والمجنون عندنا أصلا؛ لأنها عقوبة. وأهلية العقوبة لا تسبق الخطاب (بخلاف الخاطئ) إذا كان عاقلًا بالغًا حيث يثبت في حقه الحرمان؛ لأنه مخاطب في نفسه ولكنه بسبب الخطأ عذر

стр. 1870

مع نوع تقصير في التحرز؛ لأنه لم يثبت ولم يتأن فناسب أن يلزمة الجزاء القاصر بسبب الجناية القاصرة، فالجزاء باعتبار ترك التاني، والقصور باعتبار عدم قصده فلم يجب القصاص؛ لأن ذلك جزاء كال فيقضي جناية كاملة، (والصبي لا يوصف بالتقصير الكامل والناقص) فلا يثبت في حقه ما يكون عقوبة قاصرة أو كاملة. (لأنه جزاء المباشرة) أي لأن حرمان الميراث إنما يثبت بطريق الجزاء لمباشرة القتل، والموجود من حافر البئر وأمثاله تسيب لا مباشرة. (والحقوق الدائرة) أي الدائرة بين العبادة والعقوبة وهي الكفارات؛ لأنها ما وجبت إلا جزاء على أسباب توجد من العباد، فسميت كفارة باعتبار أنها ستارة للذنب فمن هذا الوجه عقوبة، فإن العقوبة هي التي تعقب الذنب جزاء على ارتكاب المحظور.

стр. 1871

(فيها معنى العبادة في الأداء)؛ لأن الصوم والإعتاق والإطعام عبادات. ولم تجب مبتدأة حيث لم تجب على الإنسان من غير سابقة اليمين مع الحنث في كفارة اليمين وكذلك في غيرها. (وجهة العبادة فيها غالبة)؛ لأن كون سببها مترددًا بين كونه محظورًا ومباحًا وهو اليمين مع الحنث إذ القتل أوجب كون حكمه مترددًا بين كونه عبادة وعقوبة، فلما استوى كل واحد من السبب والحكم في التردد أوجب أداء موجبها بالعبادة المحضة من الصوم وغيره رجحان جانب العبادة. وكذلك وجوبها على الخاطئ والمكره دليل على كونها عبادة، وكذلك وجوبها بطريق الفتوى مفوضًا أداؤها إلى من وجبت عليه من غير أن تقام عليه كرها ومن غير أن يفوض استيفاؤها إلى الأئمة على كونها عبادة؛ لما أن الشرع ما فوض إقامة شيء من العقوبات إلى المرء على نفسه. وكذلك وجوبها على حانث لم يأثم في حنثها دليل على رجحان جانب العبادة، وذلك مثل من حلف لا يكلم هذا الكافر فأسلم ذلك الكافر فكلمه تجب الكفارة من غير أن توجد منه جناية؛ لأن الواجب عليه في هذه الحالة أن يكلمه؛ إذ هجران المؤمن غير مشرروع، وكذلك عدم التدخل في الكفارة دليل على رجحان جانب العبادة.

стр. 1872

وقوله: (عندنا) احتراز عن قول الشافعي، فإن جانب العبادة عنده لم يترجح حتى أوجب في القتل العمد واليمين الغموس، فلما ترجح جانب العبادة فيهما عندنا (راعينا فيها صفة الفعل) من كون ذلك الفعل له مباحًا من وجه ومحظورًا من وجه (فلم نوجب على القاتل عمدًا وصاحب الغموس)؛ لأنهما لا يصلحان سببًا لهذا الجزاء؛ لأن فعلهما كبيرة محضة. (وقلنا: لا يجب على المسبب الذي قلنا) أي من الحافز وغيره؛ لأن كفارة القتل واجبة على القاتل الذي حصل قتله منه مع وصف الإباحة، وهؤلاء مسببون لا قاتلون (والشافعي- ﵀ جعلها ضمان المتلف) في الأصل (وذلك غلط)؛ لأن ضمان المتلف في الأصل إنما يجب بطريق الجبران، وذلك لا يتحقق فيما يخلص لله تعالى؛ لأن الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه الخسران حتى تقع الحاجة إلى الجبران (بخلاف الدية)، فإنها بدل

стр. 1873

عن المحل وهي حق العبد وضمان المتلف بالإجماع، فلذلك وجبت على المسبب والصبي. (وكذلك الكفارات كلها) بعني جهة العبادة راجحة في جميع الكفارات أي ما ذكرنا من التقرير في كفارة اليمين والقتل متحقق في غيرها من الكفارات، ولهذا لا تجب على الكافر. هذا لإيضاح أن في الكفارة جهة العبادة راجحة، لأن الكافر ليس بأهل لشيء فيه معنى العبادة. وقوله: (ما خلا كفارة الفطر) متصل بقوله: "وجهة العبادة فيها غالبة" فإن في كفارة الفطر جهة العقوبة غالبة؛ لأن سببها في الحقيقة لا يتردد بين الحظر والإباحة بل جناية محضة في حق الله تعالى وهو الإفطار الكامل في جنايته، لكن الصوم لما لم يكن مسلما بتمامه إلى الله تعالى كان فيه ضرب من القصور، فبالنظر إلى هذا كانت الجناية قاصرة واحتمل الفطر شبهة الإباحة، فقلنا: تجب عقوبة، وتؤدى عبارة اعتبارًا لتلك الجهة. وقوله: (حتى تسقط بالشبهة) متصل بقوله: "فإنها عقوبة" (وقلنا: تسقط باعتراض الحيض والمرض) يعني أن المرأة إذا أصبحت صائمة في رمضان ثم أكلت أو شربت عمدًا فوجبت عليها الكفارة، ثم حاضت في ذلك اليوم تسقط عنها ما وجب عليها من الكفارة، وكذلك المرض في حق الرجل والمرأة.

стр. 1874

(وتسقط بالسفر الحادث إذا اعترض الفطر على السفر) وإنما فيد باعتراض الفطر على السفر احترازا عما لو اعترض الفطر على المقيم ثم سافر في ذلك اليوم، حيث لا تسقط عنه الكفارة بخلاف الحيض والمرض على ما يجئ في العوارض إن شاء الله تعالى. (وتسقط بشبهة القضاء) أي قضاء القاضي يعني إن رأى هلال رمضان وحده فشهد عند القاضي فرد القاضي شهادته فإنه يجب عليه صوم ذلك اليوم بالإجماع؛ لأنه متيقن في رؤية هلال رمضان، ومع ذلك لو أفطر متعمدًا لا تجب عليه الكفارة لشبهة قضاء القاضي بأن هذا اليوم من شعبان. وقوله: (وظاهر السنة) أراد به قوله ﵇: "صومكم يوم تصومون".

стр. 1875

وكذلك قال أبو حنيفة- ﵀: إذا نوى الصوم من النهار ثم أفطر لا كفارة عليه. لظاهر قوله ﵇: "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل". (لشبهة في الرؤية) يعني يحتمل أنه أخطأ في رؤية الهلال صار ذلك الاحتمال شبهة في حق وجوب الصوم عليه قطعًا، فلم تجب الكفارة بالأكل في ذلك اليوم متعمدًا لذلك. (فإنه ألحقها بسائر الكفارات) أي كما أن سائر الكفارات وهي كفارة اليمين والظهار والقتل الخطأ لا تسقط بالشبهة اعتبارًا لرجحان جانب العبادة، فكذلك كفارة الفطر، إلا أنا أثبتنا ما قلنا أي أن جهة العقوبة راجحة في كفارة الفطر (استدلالًا بقول النبي ﵇: "من أفطر في رمضان متعمدًا فعليه ما على المظاهر").

стр. 1876

واستدلالًا أيضًا بخير الأعرابي حيث قال: هلكت وأهلكت، فلما ظهر رجحان معنى العقوبة فيها من هذا الوجه جعلنا وجوبها بطريق العقوبة، فقلنا: إنها تندرئ بالشبهات حتى لا تجب على من أفطر بعدما أبصر هلال رمضان وحده للشبهة الثابتة بظاهر قوله ﵇: "صومكم يوم تصومون" أو بصورة قضاء القاضي بكون اليوم من شعبان. كذا قاله الإمام شمس الأئمة- ﵀. (ولإجماعهم أنها لا تجب على الخاطئ) ولو كانت بمنزلة سائر الكفارات لوجبت عليه كما وجبت على الخاطئ في القتل وعلى الحانث خطأ في اليمين. (لكنه لما لم يكن حقا مسلمًا تامًا)؛ لأن تمام الصوم بالليل، فتكون الجناية قاصرة فأوجبنا جزاءها بالوصفين عقوبة وجوبًا نظرًا إلى سببه، وعبادة أداء حتى تؤدي بالعبادات المحضة ويفتى بها ولا تستوفى جبرًا.

стр. 1877

(وقد وجدنا ما يجب عقوبة يستوفى عبادة كالحدود؛ لأن إقامة السلطان عبادة) على ما روي عن النبي ﵇: "عدل ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة" والمرء لا يئاب إلا بما هو عبادة.

стр. 1878

وكذلك إقامة الحدود بعد التوبة، فإن إقامتها للطهرة فكان وجوبها بطريق العقوبة واستيفاؤها بطريق العبادة. (ولهذا قلنا بتداخل الكفارات في الفطر). قال الإمام شمس الأئمة- ﵀: قلنا بتداخل الكفارات والاكتفاء بكفارة واحدة إذا أفطر في أيام رمضان؛ لأن التداخل من باب الإسقاط بطريق الشبهة، وأثبتنا معنى العبادة في الاستيفاء؛ لأنها سمت كفارة. (وحقوق العباد أكثر من أن تحصى).

стр. 1879

وقال الإمام شمس الأئمة- ﵀: وأما أن يكون محض حق العباد فأكثر من أن يحصى نحو ضمان الدية، وبدل المتلف، والمغصوب، وما أشبه ذلك. (والذي يغلب فيه حق العبد القصاص). ألا ترى أنه يجري فيه الإرث والعفو، ولو باشر الإمام الذي ليس فوقه إمام القتل العمد يقتص منه بخلاف حد القذف. فعلم أن حق العبد غالب في الأول دون الثاني.

стр. 1880

وأما حق العبد في حد القذف فمن حيث إن سببه جناية على المقذوف من هتك عرضه. وأما حق الله تعالى في القصاص فمن حيث أنه يسقط بالشبهات كما في الحدود، ولأن القصاص في الأصل جزاء لا ضمان المحل.

стр. 1881

ألا ترى أن ألف رجل إذا اجتمعوا على قتل رجل واحد فقتلوه يقتلون جميعًا، وما وضع بمقابلة الفعل جزاء كان من حقوق الله تعالى، فلو كان ضمان المحل لما قتلوا جميعًا كما في الدية؛ حيث لا تزاد الدية على ألف دينار إذا كان القتل خطأ وإن كان القاتلون جماعة. (وأما حد قطاع الطريق فخالص عندنا) أي خالص حق الله تعالى؛ لأنه لا يجري فيه العفو والإرث ويسقط بالشبهات، ولأن حق العبد مقيد بالمثل لا محالة والقصاص منه.

стр. 1882

فأما حد القذف وحد قطع الطريق فليسا بمقيدين بالمثل، فإن جلد ثمانين ورد الشهادة لم يعقل ملًا للقذف، وقطع اليد والرجل مثلًا لأخذ عشرة دراهم. وهذه الحقوق كلها تنقسم إلى أصل وخلف. أما الإيمان فقد ذكر في الكتاب أصله وخلفه. أما الصلاة فأصلها أن يصلى كما هو المعروف من أركانها وشروطها، وخلفها عند العجز عن الأصل فدية طعام مسكين إذا أوصى، وكذلك في الصوم وفي الحج إذا أوصى أن يحج عنه فيكون ذلك خلفًا عن أدائه، وكذلك في حقوق العباد قيمة المتلفات خلف عن المتلفات، ثم صارت تبعية أهل الدار خلفا عن تبعية الأبوين. فإن قيل: لم يعهد في صورة من الصور في الشرعيات أن يكون للخلف خلف فكيف جاز هاهنا؟ قلنا: إن ذلك خلف عن أداء الصغير، لكن البعض مرتب على البعض يعني: إن الدار خلف عن أداء الصغير، وذلك كالوارث أنه خلف المورث، والابن مقدم على ابن الابن، فإذا لم يكن الابن يكون ابن الابن خلفًا عن الميت لا عن الابن، لكن شرط خلفية ابن الابن عن الميت عدم الابن الصلبي، فكذا هاهنا شرط خلفية أهل الدار عن أداء الصغير عدم الأبوين، ومثل هذا لا

стр. 1883

يكون خلف الخلف (لكن هذا الخلف عندنا مطلق) لقوله ﵇: "التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء" وهو خلف مطلق في قول علمائنا. (وعند الشافعي هو خلف ضروري)، ولهذا لم يعتبر قبل دخول الوقت عنده في حق أداء الفريضة، ولم يجوز أداء الفرضين بتيمم واحد؛ لأنه خلف ضرورة فيشترط فيه تحقق الضرورة بالحاجة إلى إسقا الفرض عن ذمته وباعتبار كل فريضة تتجدد ضرورة أخرى. فالحاصل أن عنده هو ضرورة ابتداء وبقاء وعندنا ضرورى ابتداء لا بقاء. (أو وقع في سهم المسلمين)، وصورة المسألة فيما إذا قسمت الغنائم في

стр. 1884

دار الحرب فوقع الصبي في سهم رجل من الغزاة يحكم بإسلامه حتى لو مات يصلى عليه، وإنما قيدنا بالقسمة في دار الحرب؛ لأن الصبي لو أخرج إلى دار الإسلام بدون القسمة وليس معه أحد أبوية الكافرين كان مسلمًا أيضًا لا باعتبار تبعية السابي، بل باعتبار تبعية الدار. (وقال في إناءين نجس وطاهر في السفر: إن التحري فيه جايز)، وقيد بالإناءين؛ لأن الماء لو كان في ثلاثة أوان والغلبة للطاهر بأن كان الإناءان طاهرين والثالث نجسًا فإنه يتحرى فيها بالاتفاق؛ لأن الحكم للغالب وباعتبار الغالب لزمه استعمال الماء الطاهر، وإصابته بتحريه مأمول. وإن كانت الغلبة للأواني النجسةأو كانا سواء فليس له أن يتحرى عندنا، وعلى قول الشافعي: يتحرى ويتوضأبما يقع بتحريه أنه طاهر، فهذا ومسألة

стр. 1885

المساليخ سواء. كذا في "المبسوط" ثم مذهبه في المساليخ أنه يتحرى فيها للأكل في حالة الاختيار وإن كانت الغلبة للحرام، وعندنا لا يتحرى في المساليخ في حالة الاختيار إذا كانت الغلبة للحرام أو كان الحرام والحلال متساويين؛ لأن الحرام يغلب عند المساواة شرعًا هذا في الإناءين. أما إذا وقع الأمر في الثياب، وفي بعضها نجاسة كثيرة وليس معه ثوب غيرها ولا ما يغسلها به ولا يعرف الطاهر من النجس، فإنه يتحرى ويصلي في الذي يقع تحريه أنه طاهر سواء كانت الغلبة للثياب الطاهرة أو للثياب النجسة أو كانا متساويين؛ لأنه لا يجد بدآ من ستر العورة في الصلاة فجوزنا له التحري للضرورى بخلاف الأواني، وقد ذكرنا أن الغلبة إذا كانت للأواني النجسة أو كانا سواء ليس له أن يتحرى عندنا، والفرق بينهما أن الضرورة لا

стр. 1886

تتحقق في الأواني؛ لأن التيمم طهور له عند عجزه عن استعمال الماء الطاهر، فلا يضطر إلى استعمال التحري للوضوء عند غلبة النجاسة؛ لأنه أمكنه إقامة الفرض بالبدل، وفي مسألة الثيات الضرورة تتحقق؛ لأنه ليس للستر بدل يتوصل به إلى إقامة الفرض، حتى إن في مسألة الأواني لما كان تتحقق الضرورة في الشرب عند العطش وليس معه الماء الطاهر يجوز له أن يتحرى وإصابة الطاهر بتحريه مأمول أولى. (لكن الخلافة بين الماء والتراب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- وعند محمد وزفر- رحمهما الله- بين التيمم والوضوء)

стр. 1887

والمتيمم صاحب الخلف فتكون صلاة المقتدي أقوى إذا كان متوضئًا فلا يجوز بناؤه عليه؛ إذ الاقتداء بناء وبناء القوي على الضعيف لا يجوز. وعندهما هما سواء؛ إذ الخلافة عندهما بين الماء والتراب فكانت الطهارة بالتيمم مثل الطهارة بالماء عند وجود رطها في تحقيق شرط جواز الصلاة فيجوز اقتداء أحدهما بالآخر. وقال الإمام شمس الأئمة- ﵀: ثم الخلافة عند محمد- ﵀ بين التيمم والوضوء بطريق الضرورة، حتى لو صلى على الجنازة بالتيمم ثم جيء جنازة أخى يلزمه تيمم اخر، وإن لم يجد بين الجنازتين من الوقت ما يمكنه أن يتوضأ فيه. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-: التراب خلف عن الماء فيجوز له أن يصلي على الجنائز ما لم يدرك من الوقت مقدار ما يمكنه أن يتوضأ فيه على وجه لا تفوته الصلاة على جنازة.

стр. 1888

(وإنما غرضنا الإشارة إلى الأصل) وهو أن الخلف يثبت بما يثبت به الأصل، ونعني بذكر الأصل هاهنا هذا وهو أن الأصل يثبت بالنص لا بالرأي فكذلك (الخلف لا يثبت إلا بالنص أو دلالته). وقوله: "وذلك" إشارة إلى الأصل الذي ذكرنا، ونظير ذلك أن يقول: فبالعرق والبزاق والدمع لما لم يجب الأصل بالنص وهو الوضوء لم يجب بهذه الأشياء خلفه وهو التيمم، وكذلك العدة لما لم تجب بالحيض بالنص في الطلاق قبل الدخول لم يجب خلفها وهو العدة بالأشهر. (وشرطه) أي وشرط الخلافة على تأويل وشرط حكم الخلافة يعني أن الخلف يجب لما يجب به الأصل، وشرط كونه خلفًا أن ينعقد السبب موجبًا للأصل لمصادفته محله ثم بالعجز عنه يتحول الحكم إلى الخلف، وإذا لم ينعقد السبب موجبًا للأصل باعتبار أنه لم يصادف محله لا يكون موجبًا للخلف، حتى إن الخارج من البدن إذا لم يكن موجبًا للوضوء كالدمع والبزاق لا يكون موجبًا للتيمم على ما ذكرنا. واليمين الصادقة إي التي بر الحالف فيها لما لم تكن موجبة للتكفير بالمال لم تكن موجبة لما هو خلف عنه، وهو التكفير بالصوم.

стр. 1889

فإن قلت: يشكل على هذا مسألة قضاء الصوم للحائض، فإن قضاء الصوم خلف عن أدائه الذي هو الأصل، ثم إن المرأة إذا حات في شهر رمضان تقضي الصوم خارج رمضان مع أن أداء الصوم الذي هو الأصل لم يكن مشروعًا في حق الحائض أصلًا لما أن الطهارة عن الحيض شرط صحة الصوم ومع ذلك يجب عليها قضاؤه مع عدم مشروعية الأصل عليها. قلت: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن قضاء الصوم على الحائض ثبت بالنص، وهو قول عائشة ﵂: "كانت إحدانا على عهد رسول الله- صلي الله عليه وسلم- إذا طهرت من حيضها تقضي الصيام ولا تقضي الصلوات". والحكم الذي ثبت بالنص لا مجال للقياس فيه. والثاني: هو أن اشتراط الطهارة للحائض من الحيض في حق صحة

стр. 1890

الصوم ثبت بالنص بخلاف القياس. ألا ترى أنه لا يشترط لصحته الطهارة من الحدث والجنابة بخلاف اشتراط الطهارة في حق الصلاة فإن ذلك موافق للقياس، ولما كان كذلك أظهرنا أثر اشتراط الطهارة في حق الصلاة في الأداء والقضاء وأظهرنا أثر اشتراط الطهارة في الصوم في حق الأداء لا في حق القضاء تعليلًا لعمل ذلك الاشتراط الذي ثبت بخلاف القياس كما قلنا مثل ذلك في عمل شرط الخيار في البيع. فحصل من ذلك أن اشتراط من الحيض للصوم لما ثبت بخلاف القياس جعل أن أصل وجوب الصوم إدراك الحائض في وقته فوجب القضاء بمثلها بناء عليها تقديرًا بخلاف الصلاة، ويجيء بيان هذا بتمامه في العوارض في مسألة الحيض والنفاس إن شاء الله تعالى. (ولهذا قال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- في المشهود بقتله إذا جاء حيًا) إلى آخره. صورته ما ذكرة في باب رجوع الشهود من ديات " المبسوط": وإذا شهد شاهدان على رجل بقتل عمد وقتل بشهادتهما ثم رجعا فعليهما الدية في مالهما في قول علمائنا. وقال الشافعي: عليهما القصاص؛ لأنهما باشرا قتلًا بغير حق؛

стр. 1891

لأنهما ألجأ القاضي إلى القضاء بالقتل، فإنه يخاف العقوبة إن امتنع من ذلك، والملجئ مباشر حكمًا فصار كالمكره. قلنا: إن الشاهد غير مباشر لا حقيقة ولاص حكمًا ولا معنى؛ لما ذكره من الإلجاء؛ لأن القاضي إنما يخاف العقوبة في الآخرة ولا يصير ملجئًا، فكل أحد يقيم الطاعة خوفًا من العقوبة على تكرها في الآخرة، ولا يصير به مكرها، ثم إن وجد هذا الإلجاء في حق القاضي فبمجرد القضاء ما صار المقضي عليه مقتولًا، وإنما صار مقتولًا باستيفاء الولي وهو غير ملجئ إلى ذلك، بل هو مندوب إلى العفو شرعًا. فإذا لم يجب القود عليهما كان عليهما الدية إن رجعا، وعلى أحدهما نصف الدية إن رجع؛ لأن كل واحد منهما مسبب لإتلاف نصف النفس، فإن رجع الولي معهما أو جاء المشهود بقتله حيًا فلولي المقتول الخيار بين أن يضمن الشاهدين الدية وبين أن يضمن القاتل؛ لأن القاتل متلف للنفس حقيقة والشهود متلفون لها حكمًا. والإتلاف الحكمي في حكم الضمان كالإتلاف الحقيقي فكان له أن يضمن أيهما شاء، فإن ضمن الولي القاتل الدية لم يرجع على الشاهدين بشيء؛

стр. 1892

لأنه ضمن بفعل باشره بنفسه باختياره، وإن ضمن الشاهدين لم يرجعا على الولي أيضا في قول أبي حنيفة- ﵁. وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله-: يثبت لهما حق الرجوع على الولي بما ضمنا؛ لأنهما ضمنا بشهادتهما وقد كانا عاملين فيه للولي فيرجعان عليه بما يلحقهما من الضمان، كما لو شهدا بالقتل الخطأ أو بالمال فقضي القاضي واستوفى المشهود له رجعوا جميعًا وضمن المشهود عليه الشاهدين كان لهما أن يرجعا، ولا يقال هناك قد ملكًا المقبوض بالضمان وهنا لم يملكا؛ لأن القصاص لا يملك بالضمان والمشهود به هو القصاص؛ لأنا نقول: إنهما إن لم يملكا فقد قاما مقام من ضمنهما في الرجوع على القاتل بمنزلة من غصب مدبرًا فغصبه آخر منه ثم ضمن المالك الغاصب الأول فإنه يرجع بالضمان على الثاني وإن لم يملك المدبر بالضمان ولكنه قام مقام ضمنه. وهذا لأن القصاص مما يملك في الجملة وله بدل متقوم محتمل للتملك فيكون السبب معتبرًا على أن يعمل في بدله عند تعذر إعماله في الأصل- كاليمين على مس السماء تنعقد في إيجاب الكفارة التي هي خلف عن البر لما كان الأصل وهو البر متوهم الوجود في الجملة.

стр. 1893

وعلى هذا غاصب المدبر فإن المدبر مال متقوم مملوك في الجملة فينعقد السبب للغاضب الأول فيه على أن يعمل في بدله حتى رجع بالضمان على الغاضب الثاني. وكذلك شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنوا للولي القيمة كان لهم أن يرجعوا على الكاتب ببدل الكتابة ولم يملكوا رقبة المكاتب مملوكًا، ولكن لما كان المكاتب مملوكًا انعقد السبب في حقهم على ان يكون عاملًا في بدله وهو بدل الكتابة فيملكون بدل الكتابة بذلك وإن لم يملكوا رقبة المكاتب فهذا مثله. وأبو حنيفة- ﵁ يقول: الشهود ضمنوا لإتلافهم المشهود عليه حكما والمتلف لا يرجع بما ضمن على غيره كالولي؛ وهذا لأنهم لو لم يكونوا متلفين ما كانوا ضامنين مع المباشر للإتلاف؛ لأن مجرد السبب يسقط اعتباره في مقابلة المباشرة. ألا ترى أنه لو دفع انسانًا في بئر حفرها غيره في الطريق كان الضمان على الدافع دون الحافر، وهنا لما ضمن الشهود عررفنا أنهم جناة متلفون للنفس حكمًا وإن كان تمام ذلك الإتلاف عند استيفاء الولي، فأن استيفاء الولي بمنزلة شرط مقرر لجنايتهما ومن ضمن بجانيته على النفس لا يرجع على غيره.

стр. 1894

وقولهما بأنه ينعقد السبب موجبا للملك له على ان يعمل في بدله قلنا: هذا أن لو كان الأصل متوهم الملك بالضمان وليس في القصاص توهم الملك بالضمان بحال فلا ينعقد السبب باعتبار الحف كيمين الغموس، ثم لو كان القصاص ملكًا لهما لم يضمنه المتلف عليهما كما إذا شهدا على الولي بالعفو أو قتل من عليه القصاص إنسان آخر فليس لمن له القصاص الضمان. وانعقاد السبب لا يكون أقو من ثبوت الملك حقيقة، وإذا كان المتلف للقصاص لا يضمنه للمالك فكيف يضمنه لمن انعقد له سبب القصاص؟ وبه فارق مسألة غصب المدبر والكتابة، فإن هنك لو كان مالكا حقيقة كان يضمنه المتلف عليه، فكذلك إذا جعل كالمالك حكمًا باعتبار انعقاد السبب كان له أن يرجع بالبدل لذلك. وقوله: (إن ملك الأصل المتلف وهو الدم غير مشروع أصلًا)؛ لأن الدم لا يملك بالضمان بحال وفي القصاص الذي قالا: الولي لا يملك نفس من عليه القصاص، وإنما يستوفيه بطريق الإباحة. ولو كان الدم بمحل أن يملك لم يكن إيجاب الضمان للشهود على الولي

стр. 1895

أيضًا؛ لأن إتلاف ملك الدم لا يوجب الضمان سواء أتلفه حقيقة أو حكما على ما ذكرنا من قتل إنسان من عليه القصاص وشهادة العفو ثم الرجوع. (يحكي الأصل) أي يشابهه. (لو صار ملكا) أي لو صار الدم ملكا أي لو ثبت ملك القصاص فهو غير مضمون بنفسه على ما ذكرنا. (وأما القسم الثاني): وهو ما يتعلق به الأحكام المشروعة.
следующие страницы →