← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بأن يقال: ينتقض هذا بقولهم: أدي النفل، فإن الأداء يستعمل في النفل، مع أنه ليس بتسليم نفس الواجب بالأمر، بل هو مندوب إليه لا مأمور به؛ لما ذكرنا أن حقيقة الأمر في الإيجاب. فقال في جوابه: هذا قسم آخر، وذاك قسم آخر، فكان الأداء بعد الأنواع الثلاثة علي قسمين: أحدهما: تسليم نفس الواجب بالأمر. والثاني: تسليم عين ما ندب إليه، فلم يكن هذا نقض بل كان هذا قسمًا آخر غير القسم الأول، فأحد القسمين لا يكون نقضًا للقسم الآخر. (فأما القضاء فلا يحتمل هذا الوصف)، يعني لا يحتمل النفل وصف القضاء، فلا يدخل القضاء في النفل؛ لأن القضاء يعتمد بوجوب الأداء، والنفل ليس بواجب بالإجماع. فأما ذا شرع في النفل ثم قطع يجب القضاء؛ لأن ذلك مثل ما وجب أداؤه بالشروع. وقوله: (قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَات﴾ هذا يتصل بقوله: "والأداء اسم لتسليم نفس الواجب بالأمر"؛ لبيان أن الذي ذكرته من تفسير الأداء أنه اسم لتسليم نفس الواجب صحيح يؤيده قوله تعالى:

стр. 247

﴿إنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَات﴾؛لأن أداء الأمانة لا يقع لا علي عين الشيء ونفياه لا علي مثله، فلذلك استعمل لفظ الأداء في حق الأمانة. ولهذا ذكر الأمم شمس الأئمة السرخسي- ﵀ هذه الآية متصلًا بما ذكره من تفسير الأداء، وذكر في "التقويم" وأنه في تسليم أعيانها إلي أربابها ولا قضاء الأمانات. ثم لما أدي الواجب في وقته من الصلاة سمي أداء، فأعطي للواجب الذي في ذمة المكلف حكم العين كما في أداء عين الأمانة؛ إما لأنه ليس في وسع المكلف عند شدة رعايته في تسليم عين الواجب إلا هذا، فلما أداه في وقته كان مراعيًا حقه بأقصى رعايته في تسليم الواجب فكان أداء، أو لما سمي الله تعالى للذي أوجَب علي الآدميين أمانة في قوله تعالى: ﴿إنَّا عَرَضَنْاَ الأَمَاَنَةَ عَلَي السَّمَوَات وًالأَرْضِ وَاَلْجبِالِ فَأَبيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ﴾ كان تسليمه لشدة الرعاية الذي هو أداؤه في الوقت بمنزلة تسليم عين الأمانة فكان أداء، وإذا قصر في رعاية كمال التسليم حتى فات الوقت كان بمنزلة الخيانة في الأمانة فكان قضاءً؛ لأنه إذا خان في الأمانة يجب الضمان، وأداء الضمان إنما يكون قضاءً حقيقة لا أداء.

стр. 248

(وقد تدخل إحدى العبارتين في قسم العبارة الأخرى). أما استعمال لفظ القضاء في الأداء مجازًا فلما فيه من إسقاط الواجب، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيتْمُ مَّنَاسِكَكُمْ﴾. وأما استعمال لفظ الأداء في القضاء مجازًا فلما فيه من التسليم كما في قولهم: أدى الدين أي قضي، لأن الديوان تقضي بأمثالها لا بأعيانها، فكان حقيقة القضاء لاء. لأن القضاء لفظ متسع) -بكسر السين- لأن الاتساع لازم- فراخ شدن- ليس له صيغة اسم المفعول، وإنما قال: إنه يستعمل في معني نفسه وفي معني اسم المفعول، وإنما قال: إنه متسع؛ لأنه يستعمل في معني نفسه وفي معني الأداء استعمالًا غالبًا كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضيَتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ أي أديتم، وكذلك في قوله تعالى: ﴿﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾، وكذلك في قوله ﵇: "وما فاتكم فاقضوا". والمراد

стр. 249

منها الأداء، فعلم بهذا أن لفظ القضاء لفظ متسع يستعمل في الأداء استعمالًا ظاهرًا، وإنما ذكر لفظ الاتساع هاهنا لمقابلة ما لفظ الأداء، فإن استعمال الأداء مكان القضاء تضيق حتى لم يذكر في معني القضاء، فإنه يستعمل في معني الأداء استعمالًا ظاهرًا، وهذا لأن معنى القضاء لغة: الإلزام، والإتمام، والإحكام، والإسقاط، وهذه المعاني موجودة في الأداء، فجاز استعمال القضاء في الأداء حتي يجوز بنية الأداء في الأصح، دل عليه ما ذكره محمد- ﵀ في رجل اشتبه عليه شهر رمضان فتحرى فوقع تحريه علي شهر أنه رمضان، فصامه ثم تبين بعد مضي ذلك الشهر أنه غير رمضان، قال: إن كان قبل رمضان لا يجوز؛ لأن الأداء قبل السبب لا يجوز، وإن كان بعد رمضان يجوز، وإن كان بعد رمضان يجوز، وهذا قضاء بنية الأداء. كذا في " فتاوي قاضي خان". (وقد يستعمل الأداء في القضاء مقيدًا) حيث يصرح بالدين، فيقال:

стр. 250

أدى ما عليه من الدين، فإذا قرنه بالدين علم أن المراد منه القضاء، لضرورة أن أداء الدين بحقيقته لا يتصور، لأن الأداء: اسم لتسليم نفس الواجب، والدين وصف في الذمة يظهر أثره عند المطالبة، وما أداه المديون عين وليس بوصف، فلم يكن ما سلمه عين ما هو في ذمته. فعلم بهذا أن الأداء الذي استعمل فيه لم يكن علي حقيقته، بل كان هو بمعني القضاء الذي هو اسم لتسليم مثل الواجب، علي معني أن المديون لما سلم الدراهم إلي ري الدين وجب في ذمته دين للمديون بسبب أخذه الدراهم من المديون، ثم التقي ما في ذمة المديون، ثم التقي ما في ذمة المديون الأول وما في ذمة المديون الثاني وهو رب الدين قصاصًا لعدم الفائدة في الأخذ ثم التسليم ثانيًا، فكان هو تسليم مثل الواجب بهذا الطريق لا محالة فكان قضاء بحقيقته. إلا إنه استعمل الأداء مجازًا لالتقائهما في معني إسقاط الواجب؛ لأن كلا من القضاء والأداء متضمن إسقاط الواجب من الذمة، وعن هذا قالوا: إن آخر الدينين يكون قضاء عن الأول. وأما إذا لم يصرح بقران الدين عن استعمال الأداء يحمل الأداء حينئذ علي حقيقته وهي تسليم نفس الواجب، كما لو قيل: أدي ما عليه من وجوب الصلاة والصوم. يراد به أنه أداهما في وقتهما، وكذلك في أداء الأمانات والغصوب يحمل الأداء على حقيقته.

стр. 251

(الذنب يأدو). الأدو والأدي: فريفتن، والغابر يفعل ويفعل، فيقال: أدوات له، وأديت له أي ختلته، والأداء علي فعال مصدر المنشبعة لباب التفعيل وهو وارد فيه ورودًا ظاهرًا كالكلام والسلام والبيان، وهذا مثل يضرب في مقاساة المرء في الشيء، ومعاناته لرجاء نفع يعود إليه في عاقبته، وأصله: الذئب يأدو للغزال- أي يختله- ليأكله" وقوله: (أيجب بن مقصود)؛ أي بسبب مقصود عرفه النص أنه سبب له

стр. 252

وقد أوفينا تقرير هذه المسألة في " الوافي". (لأن القربة عرفت قربة بوقتها، فإن فاتت عن وقتها ولا يعرف لها مثل إلا بالنص)؛ لأن العقل لا مدخل له في معرفة كيفيات العبادات وكمياتها والكلام في عبادة مكيفة وهي شرعيتها في هذا الوقت فأداؤها في هذا الوقت أفضل من القضاء في غيره، والضمان يعتمد المماثلة وقد فاتت، فلا يعرف لها مثل إلا بالنص. (وبيان ذلك)؛ أي وبيان ما ذكرنا من صورة المتنازع فيه. وحاصل ذلك إن الذي ورد فيه القضاء في غيره، والضمان يعتمد المماثلة وقد فاتت، فلا يعرف لها مثل إلا بالنص. (وبيان ذلك)؛ أي وبيان ما ذكرنا من صورة المتنازع فيه. وحاصل ذلك أن الذي ورد فيه القضاء من الصوم والصلاة بالنص ورد موافقًا للقياس أم مخالفًا له؟. فعند العامة: ورد موافقًا له فصح تعليله، وتعدية حكمه إلي ما لا نص فيه من المنذورات المتعينة من الصوم والصلاة بالقياس. وقال البعض: لا يصح تعليله؛ لأنه ورد النص فيما لا يدرك بالعقل،

стр. 253

فلذلك لم يكن بد من ورود النص مقصودًا بأن هذا جائز له قضاء، فورد النص بتجويز القضاء في الصوم المفروض والصلاة المفروضة، فلا يقاس عليهما غيرهما في جواز القضاء. (قلنا نحن: وجب القضاء في هذا بالنص ...) إلى آخره. يعني أن الأداء كان مستحقًا عليه في الوقت بأمره، ومعلوم أن المستحق لا يسقط عن المستحق عليه إلا بإسقاط من له الحق أو بتسليم المستحق عليه، ولم يوجد واحد منهما، فبقى عليه بعد خروج الوقت؛ لأن خرج الوقت ولم يسلم فقد ترك الامتثال وترك الامتثال لا يجوز أن يكون مسقطًا، بل هو يقرر عليه ما وجب عليه؛ لأنا نعلم يقينًا أن الوقت ليس هو المراد، بل المراد هو العبادة، ومعناها: العمل بخلاف هوى النفس لتعظيم أمر الله تعالى، وذلك لا يختلف باختلاف الأوقات، وإنما يسقط فضل الوقت باعتبار العجز عن تحصيل تلك الفضيلة، وما هو المقصود وهو العبادة مقدور عليه له (لكون النفل مشروعًا له من جنسه)، فيبقى هو مطالبًا بإقامة (ما له مقام ما عليه)، وهذا لأن حقيقة الأداء تسليم حق الغير إليه، وحقيقة القضاء تسليم حقه إلى صاحب الحق، فيوجد هذا في حق النقل؛ لأنه قادر عليه فيطالب بصرف ماله إلى ما عليه.

стр. 254

(فسقط فضل الوقت) بلا ضمان للعجز عنه، ولا يسقط أصل الواجب قضاء للقدرة عليه. ألا ترى أن الأمر هكذا في حقوق العباد؛ فإن من غضب المثلي يؤدي المثل صورة ومعنى، فإذا عجز عن تسليم الصورة تسقط عنه للعجز بلا ضمان وتجب عليه القيمة، وإن لم تكن مثلًا له من كل وجه؛ لأنه يجب عليه ما له القدرة عليه، فلأن يسقط عنه ما لا يقدر هو عليه لعجزة في حقوق الله تعالى أولى. ألا ترى أن النسيان يصلح عذرًا في حقوق الله تعالى ولا يصلح عذرًا في حقوق العباد، فلما صلح العجز عن فصل الوصف عذرًا في حقوق العباد أولى أن يصلح عذرًا في حقوق الله تعالى، لأنه أكرم وأرحم. وقوله: ((وقال عامتهم: يجب بذلك السبب))؛ أي بالسبب الذي يوجب الأداء. فإن قيل: وجب القضاء في الصوم والصلاة بالنص فكان وجوب القضاء مضافًا إلى النص، ثم كيف يستقيم قولكم: يجب القضاء بالسبب الذي أوجب الأداء؟ قلنا: النص الموجب للقضاء يقرر ما قلنا؛ لأنه يبين أنه لم يسقط ما عليه بسبب خروج الوقت حتى وجب القضاء، فكان النص مثبتًا وجوب المطالبة، فإضافة وجوب المطالبة إلى النص لا تقدح فيما قلنا. ألا ترى أن يجب على المشتري الثمن في الذمة بالشراء، ويجوز أن يطالب بأداء ما عليه بالسبب السابق وهو الشراء، فكذا هاهنا يجوز أن يجب

стр. 255

القضاء بالسبب السابق وهو السبب الذي يوجب الاداء، ثم يطالب بذلك الأمر الموجب للقضاء. أو نقول: يضاف وجوب القضاء إلى النص الموجب للقضاء لكونه متيقنًا، وما ذكرنا معقول فيصار إليه عند عدم النص، كما قلنا في المعنى المؤثر للحكم: إن الحكم يضاف إلى النص، وعند عدم النص يضاف إلى المعنى المؤثر. وقوله: (للعجز) متصل بقوله: ((وسقط)). (وهذا أقيس وأشبه بمسائل أصحابنا) ﵏ فإنهم قالوا: لو أن قومًا فاتتهم صلاة من صلوات الليل فقضوها بالنهار بالجماعة جهر إمامهم بالقراءة بخلاف ما إذا قضى منفردًا، ولو فاتتهم صلاة من صلوات النهار فقضوها بالليل لم يجهر إمامهم بالقراءة، ومن فاتته صلاة في السفر فقضاها بعد الإقامة صلى ركعتين، ولو فاتته حين كان مقيمًا فقضاها في السفر صلى أربعًا. ففي هذه المسائل كلها اعتبر أصحابنا صفة كانت حال بقاء الوقت وبقيت بتلك الصفة، وبقاء ما ثبت لا يفتقر إلى دليل جديد بل يضاف إلى

стр. 256

الموجب السابق. وقوله: (ولهذا قلنا في صلاة فاتت ...) إلى آخره. إيضاح لقوله: ((وسقط فضل الوقت للعجز))، فكذلك سقط لتكبير من الصلوات التي فاتت عن أيام التشريق للعجز عن الإتيان بالتكبير. فإن قيل: ينبغي ألا يسقط أصل التكبير عنه سرًا لقدرته عليه، ويسقط وصف الجهر لعجزه عنه، كما قلتم بوجوب قضاء الصلوات للقدرة عليها وسقوط التكبير للعجز عنه. قلنا: لا يصح ذلك أيضًا؛ لأن شرعية التكبير جهرًا في أدبار الصلوات في أيام التشريق مخصوصة بتلك الأيام، مخالفة القياس وهو الفصل بين الفرض والسنة بالتكبير في صلاة الظهر والمغرب والعشاء مع الجهر به، والفصل بين الفرض والسنة غير مشروع، وهو وإن قدر على التكبير سرًا لكن ليس هو بقادر على الفصل بينهما شرعًا، فلذلك سقط التكبير عنه سرًا وجهرًا لعجزه عنه؛ (لأنه لا تكبير عنده) أي عن المفوت بطريق الجهر. وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀: لأن الجهر بالتكبير دبر

стр. 257

الصلاة غير مشروع للعبد في غير أيام التكبير، بل هو منهي عنه لكونه بدعة، فبمضي الوقت يتحقق الفوات فيه فسقط، وأصل الصلاة مشروع له بعد أيام التكبير فيبقى الواجب باعتباره. فإن قلت: فعلى هذا ينبغي ألا تقضى صلاة المغرب إذا فاتت عن وقتها؛ لأنه ليس عند المفوت نفل بثلاث ركعات، والقضاء إنما ينفعل بصرف ما له إلى ما عليه على ما ذكر في سقوط تكبير التشريق إذا فات عن وقته بقوله: ((لأنه لا تكبير عنده)). قلت: القياس يقتضي ذلك، لكن عموم قوله ﵇: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) يتناول صلاة المغرب كما تناول غيرها، ولا مدخل للقياس عند ورود نص يخالفه، ولأن الوتر نفل عندهما وهي مشروعة بثلاث ركعات، وعند أبي حنيفة- ﵁ وإن كانت واجبة فآثار النفلية فيها ظاهرة من وجوب القراءة في الركعات كلها، وعدم استبدادها بوقت على حدة، وعدم الأذان والإقامة فيها، فكان الاحتياط في

стр. 258

القضاء لكون النفل في ملكته في الجملة. فإن قلت: ما وجه القضاء بالجماعة إذا فاتت صلاة واحدة عن جماعة فقضها بالنهار بالجماعة على ما ذكت، مع أنه غير قادر على أداء النفل بالجماعة في النهار؟ وكذلك سقوط القراءة في الأخريين في قضاء ما فاته من فرائض ذات أربع مع أنه ليس عند المفوت أربع ركعات من نفل لا يقرأ في الأخريين منه، فلم يكن القضاء في هاتين المسألتين صرف ما له إلى ما عليه؟ قلت: كلاهما كان لاعتبار رعاية وصف الأداء في القضاء على ما ذكرنا، فلما كانت الصلاة التي فاتت عن وقتها موصوفة بهاتين الصفتين في حال الأداء بقيت كذلك في حال القضاء؛ لأن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء، ولأن إطلاق قوله ﵇: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) مقتض رعاية هذين الوصفين في القضاء كما في حال الأداء، فإن الضمير في ((فليصلها)) راجع إلى الصلاة التي فوتها بجميع صفاتها، ومن صفاتها الكاملة في حال الأداء الجماعة وترك القراءة في الأخريين، فكذا في حال القضاء. (ويتفرع من هذا الأصل)، أي: ويتفرع وجه التخريج من هذا الاختلاف.

стр. 259

(والتفويت سبب مطلق عن الوقت)؛ يعني هو سبب عن وجوب القضاء من غير أن يعين وقتًا دون وقت فيجب، عليه قضاء الاعتكاف الصوم مطلقًا عن الوقت، ولو وجب كذلك لا يتأدى في شهر رمضان كما إذا قال: لله علي أن أعتكف شهرًا لا يجوز أن يعتكف في رمضان، وهو معنى قوله: (فصار كالنذر المطلق بالقياس على ما قلنا) أي من أن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء لا يسبب آخر، والذي قلناه قضاء الصلاة والصوم. (ألا ترى أنه يجب بالفوات مرة) بأن فات عنه الاعتكاف لسب أنه لم يقدر على صوم رمضان بسبب المرض أو السفر. (وبالتفويت أخرى) بأن لم يعتكف ولم يصم من غير عذر به. هذا استدلال على أن القضاء يجب بما وجب به الأداء حيث وجب القضاء فات أو فوت، إذ لو كان كما قالوا لا يجب القضاء بالفوات؛ لأن الفوات لا يوجب الضمان إذا تعلق وجوب الضمان التفويت، كالعبد الجاني إذا مات لا يجب الضمان على المولى، ولو هلك الخارج من الأرض العشرية لا يجب العشر،

стр. 260

وكذلك مال الزكاة، فعلم به أنه إنما يحب عند الفوات بالسبب الموجب للأداء لا بالتفويت كما قالوا؛ لأنه لو كان سبب الضمان هو التفويت لما وجب بالفوات؛ لأنه لم يوجد فعل منه حينئذ يوجب الضمان، كما إذا فاتت الوديعة بدون تقصير المودع في الحفظ، وقد ساعدونا في وجوب القضاء عند الفوات فكان ذلك حجة عليهم. وقوله: ((للاعتكاف أثر في إيجابه)) - بدون الواو على تقدير الصفة للنكرة، وهي صومًا- أي يقتضي الاعتكاف الواجب بالنذر صومًا موصوفًا يكون وجوب بسبب الاعتكاف الواجب لا بسبب آخر، هذا هو الأصل، ولكن ترك هذا الأصل فيمن نذر بالاعتكاف في شهر رمضان فصامه واعتكف يجوز عن منذوره، مع أن ذلك الصوم إنما وجب بسبب شهود شهر رمضان لا بسب الاعتكاف الواجب بالنذر. فأجاب عنه وقال: (وإنما جاء هذا النقصان) أي جواز الاعتكاف بدون صوم واجب بالاعتكاف (بعارض شرف الوقت) يعني أن جواز الاعتكاف بهذه الصفة بعارض شرف الوقت، وهو اتصال الاعتكاف بشهر رمضان وله فضيلة على غيره من الشهور فكان الاعتكاف فيه أقوى من الاعتكاف في

стр. 261

غيره على ما قاله ﵇: ((من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه)) فكان الاعتكاف فيه أفضل، فاكتفى بصوم غير واجب به باعتبار هذه الفضيلة؛ يعني أن الاعتكاف لما أدي في رمضان حصل له زيادة شرف، فانجبر بتلك الزيادة ما كان له من النقصان في شرطه وهو عدم وجود الصوم القصدي. أو نقول: لصوم رمضان فضل وشرف على سائر الصيامات، فقام بذلك الصوم بسبب شرفه مقام الصوم القصدي، فاكتفى الاعتكاف الموجود في شهر رمضان بذلك الصوم لزيادة شرف ذلك الصوم. فإن قلت: فعلى هذين الوجهين يلزم أن يجوز الاعتكاف الواجب بالنذر مطلقًا في شهر رمضان لقيام شرف ذلك الصوم مقام الصوم القصدي، وهو لا يجوز بالاتفاق. قلت: لا يلزم؛ لما أن الشرف الحاصل من القصد يزداد أثره على الشرف

стр. 262

الحاصل من المتضمن وإن جل خطره. ألا ترى أن النفل بتحريمه مبتدأة مقصودة أفضل وأكمل من نفل حصل في ضمن تحريمة الفرض، حتى إن مصلي الظهر إذا قعد في الرابعة ثم قام إلى الخامسة ساهيًا وسجد ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى، ويسجد للسهو لنقصان تمكن في النفل عند أبي يوسف؛ لأنه دخل في النفل لا على الوجه المسنون وهو التحريمة المبتدأة. فإن قلت: الأصل في الشرط أن يعتبر وجوده لتحقيق المشروط لا وجوده قصدًا، حتى إن من توضأ للتبرد أو للتعليم أو لمعنى من المعاني تجوز به الصلاة، وكذلك لو لبس الثوب لستر عورته عن الناس أو للحر أو للبرد يجوز به صلاته، والصوم شرط جواز الاعتكاف الواجب، فلم اشترط في صوم الاعتكاف وجوده لأجل الاعتكاف قصدًا حتى لم يصح اعتكافه في شهر رمضان عن اعتكاف أوجب على نفسه مطلقًا لعدم صوم مقصود للاعتكاف؟ قلت: ذاك الأصل فيما إذا لم يكن الشرط عبادة مقصودة في وقت من الأوقات كما في تلك النظائر، وعن هذا اشترط الشافعي- ﵀ النية في الوضوء باعتبار أنه عبادة مقصودة عنده بخلاف سائر شروط الصلاة. وأما الصوم فإنه ركن من الأركان الخمسة في الدين، فلما كان شرطًا للاعتكاف بالدليل اشترط القد فيه أيضًا؛ ليقع الفرق بينه وبين سائر

стр. 263

الشروط. (ولم تثبت القدرة) أي: على اكتساب شرف الوقت (فسقط) أي: فسقط وجوب القضاء في الرمضان الثاني للعجز؛ لأن ذلك وقت مديد يستوي فيه الحياة والموت فسقط جوبه على ذلك الوجه لذلك؛ لأن الحياة والموت إذا تعارضا تساقطا، فصارت القدرة كالساقط حقيقة. فإن قيل: الموت موهوم، والحياة متحققة في الحال، فكانت القدرة ثابتة نظرًا إلى استصحاب الحال. قلنا: العجز ثابت في الحال، فلا تثبت له القدرة باستصحاب الحال أيضًا، وإذا فات شرف الوقت وتحقق العجز عن إدراكه (بقى الاعتكاف مضمونًا بإطلاقه) فيجب بالصوم القصدي (فكان ذلك أحوط الوجهين)؛ أي الوجه الذي قيل بأن القضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء أحوط من الوجه الذي قيل بأن القضاء يجب بسبب آخر وهو التفويت؛ لأنه لو أضيف إلى السبب الآخر يقتضي أن لا قضاء عليه عند الفوات، وما قلناه بوجوب القضاء عند الفوات والتفويت، فكان ما قلناه أحوط الوجهين. لأن ما ثبت بشرف الوقت من الزيادة احتمل السقوط؛ أي الزيادة الثابتة بسبب شرف الوقت، يعني أن صوم رمضان أفضل من سائر الصيامات، والاعتكاف فيه أفضل من سائر الاعتكافات احتمل السقوط، فإنه إذا مضى

стр. 264

شهر رمضان ولم يصم ولم يعتكف فقضى اعتكافه بصوم قضاء رمضان وهو جائز بالإجماع مع أن ذلك الصوم صوم ناقص بالنسبة إلى صوم رمضان أداء، فالنقصان والرخصة الواقعة الرف لأن يتحمل السقوط والعود إلى الكمال أولى؛ يعني أن النذر بالاعتكاف يوجب صومًا قصديًا، وإنما اجز في شهر رمضان مع انعدام الصوم القصدي وهو نقصان ورخصة، فجوازه باعتبار شرف الوقت، فإذا صام ولم يعتكف يجب القضاء بالصوم القصدي ويسقط ذلك النقصان والرخصة ويعود إلى الكمال ان أولى أن يجوز؛ وهذا لأن الموجب لوجوب الصوم القصدي وهو الكمال كان موجودًا ولكن لم يظهر لمانع، فإذا زال المانع يعمل الموجب عمله، وبيان الأولوية أن هذا نقصان يعود إلى الكمال، والأول كمال يعود إلى النقصان، فلما جاز عود العزيمة إلى الرخصة؛ فلأن يجوز عود الرخصة إلى العزيمة بالطريق الأولى. (وإذا عاد لم يتأد في الرمضان الثاني) أي لما عاد إلى الصوم القصدي بسبب أنه لم يعتكف في شهر رمضان وفات الاعتكاف عن وقته عاد إلى الصوم القصدي، فبعد ذلك لا يعود إلى الصوم الضمني في الرمضان الثاني؛ لانه لما فات عن وقته ثبت في ذمته اعتكاف واجب مطلقًا، والاعتكاف الواجب مطلقًا لا يؤدي في شهر رمضان، فكذا هنا فكان هذا بمنزلة أضحية واجبة في ذمته إذا انتقلت إلى الصدقة بفوت وقتها لا تعود هي إلى إراقة الدم بعود وقتها في القابل، وعن هذا وقع الفرق بين هذا وبين حق العبد؛ فإنه إذا غضب المثلي واستهلكه وجب عليه ضمان مثله صورة ومعنى، ثم إذا انقطع أوانه ينتقل الضمان من الصورة إلى المعنى فتجب القيمة، ثم إنه إذا لم يؤد القيمة حتى جاء أوانه عاد عليه ضمان مثله صورة ومعنى؛ لكون ضمان المثل

стр. 265

صورة ومعنى هو الأصل هناك، فلذلك لما قدر على الأصل بطل حكم الخلف على ما هو الأصل. وأما هاهنا فالأمر بخلافة، فإن الصوم القصدي هو الأصل، فلما وجب الاعتكاف بالصوم القصدي لم يتحول الحكم إلى الصوم الضمني بتحول الوقت. (والأداء في العبادات يكون في المؤقتة في الوقت)، قوله: (في المؤقتة في الوقت)؛ خبر المبتدأ؛ أي تحقق الأداء في العبادات المؤقتة إنما يكون في الوقت لا في غير الوقت، كالصلاة والصوم؛ لأنها إذا أديت في غير الوقت يكون قضاء لا أداء. وأما في غير المؤقتة كان أداء في جميع الوقت كالزكاة والكفارات والحج، فعلى هذا كان قوله: (أبدا) خر المبتدأ، وهو قوله: والأداء (في غير المؤقتة). (والمحض) منه؛ أي الكامل من الأداء، والدليل على أن المراد من المحض الكامل ذكر القصور في مقابلته. (ألا ترى أن الجهر عن المنفرد ساقط) فوجه الاستدلال بسقوط وجوب الجهر عن المنفرد على قصور صلاته هو أن الجهر لما وجب على الإمام فيما يجهر كان هو من علامات الأداء الكامل وهو الجماعة، وإذا سقط وجوب الجهر عن المنفرد كانت علامة الكمال منه ساقطًا، فيستدل به على قصوره

стр. 266

لذلك، والدليل على كمال صلاة الجماعة ما روي عن ابن عمر- ﵄ عن النبي ﵇ أنه قال: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة)). أو نقول: إن الجهر بالقراءة عزيمة؛ لأنه أمر أصلي لم يثبت بعارض عذر منا، فالمصير إلى ترك العزيمة مع كون العزيمة مشروعة كان نقصانًا. (فهذا مود) أي بالنظر إلى بقاء الوقت (أداء يشبه القضاء)؛ لأنه يقضي ما فاته من صلاته مع الإمام. ثم قوله: (ألا ترى أنهم قالوا في مسافر ...) إلى آخره، إيضاح

стр. 267

جانب القضاء. قوله: (ولو تكلم صلى أربعًا) إيضاح الأداء. (أو نوى الإقامة وهو في غير مصره والوقت باق فإنه يصلي ركعتين)، والأصل فيه أن نية اللاحق الإقامة وهو في قضاء ما عليه وقد فرغ الإمام من صلاته ساقطة وإن كان الوقت باقيًا؛ لأنه فيما يتم مقتد بالإمام فنيته في مثل هذه الحالة كنية إمامه، ونية إمامه الإقامة لا تلزمه إتمام هذه الصلاة؛ يعني بعدما فرغ منها وكذلك نيته. فإن قيل: نية المقتدي معتبرة في حقه مل لم يخرج من حرمة الصلاة، وفي حق الإمام إنما لم تعتبر لخروجه عن حرمة الصلاة. قلنا: المقتدى تبع فيجعل كالخارج من الصلاة حكمًا لخروج إمامه منها، وكذلك لو دخل مصره فإن دخول موضع الإقامة ونية الإقامة في الحكم سواء، ونية المسبوق في قضاء ما عليه الإقامة أو دخوله مصره تلزمه الإتمام؛ لأن المسبقو فيما يقضي كالمنفرد، ونية المنفرد الإقامة مغيرة فرضه في

стр. 268

الوقت. كذا في ((المبسوط))، وهذا الذي ذكره في اللاحق مذهبنا. وقال زفر: ((تتغير صلاته بالمغير ما دام الوقت باقيًا؛ لأن اللاحق مقتد)). قلنا: إن اللاحق مع كونه مقتديًا ليس بمؤد من كل وجه؛ لأنه يستحيل أن يجعل مقتديًا خلف الإمام ولا إمام، بل هو قاض شيئًا فاته مع الإمام، فجعلناه كأنه خلف الإمام تقديرًا لا حقيقة؛ لأن العزيمة فيحقه أن يؤدي مع الإمام؛ لأنه تحرم معه، لكن الشرع جوز الأداء بعد فراغ الإمام إذا أخر الأداء بعذر وجعل أداءه في هذه الحالة كالأداء معه، وهذا تفسير القضاء بأن يؤدي شيئًا بمثل ما وجب عليه قبل القضاء، فصار اللاحق بمنزلة القاضي بهذا الطريق. إلى هذا أشار في ((مبسوط فخر الإسلام)). (أن هذا مؤد) أي اللاحق، (فإذا لم يتغير الأداء) أي صلاة إمامه بنية الإقامة (لم يتغير القضاء) أي صلاة اللاحق بعد فراغ الإمام بنية الإقامة.

стр. 269

(فقد بطل معنى القضاء)؛ لأنه صار ابتدائيًا فيتغير بالمغير لانعدام شبهة القضاء. (بخلاف المسبوق أيضًا) يعني أن المسبوق يؤدي أربع ركعات إذا وجدت نية الإقامة أو دخول المصر منه سواء تكلم أو لم يتكلم، وإنما قال: أيضًا؛ لأن اللاحق انقلب ركعتاه إلى الأربع بوجود التكلم عند نية الإقامة أو دخول المصر، كذلك المسبوق أيضًا انقلب ركعتاه إلى الأربع وإن لم يتكلم. وقوله: (لما بينا) يتصل بقوله: (ولهذا قلنا في اللاحق لا يقرأ). (أنه قاض) أي أن اللاحق قاض. (وأما القضاء، فنوعان) أي القضاء الحقيقي نوعان. وأما القضاء الذي هو بمعنى الاداء فليس هو بقضاء حقيقي، فلم يتناوله التقسيم. (إما بمثل معقول فكما ذكرنا) أي قضاء الصلاة للصلاة، والصوم للصوم، وفي حقوق العباد المال للمال (وإما بمثل غير معقول) أي غير مدرك بالعقل؛ بمعنى لا ندركه بعقولنا لقصور فينا لا أن يكون هو خلاف العقل

стр. 270

في الواقع؛ لأن العقل حجة من الله تعالى على عبده كالسمعيات، ومحال أن تتناقض حججه، إذ هو من أمارات الجهل، لكنا لا نردك المماثلة بين الصوم والفدية؛ إذ الصوم تجويع النفس، والفدية تشبيع الجائع، وكذا بين النفقة فإنها مال عين، وبين أفعال الحج فإنها أعراض وصفات، ونقول: نعتقد بينهما مماثلة يعلمها الشارع، حتى أقام الفدية والنفقة مقام الصوم وأفعال الحج. (فمثل الفدية في الصوم). قيل: ورد في الحديث إضافة الله تعالى الصوم إلى نفسه حيث قال: ((الصوم لي))، ثم إذا عجز المكلف عن الصوم أوجب عليه الفدية بنصف صاع من بر وكذا وكذا؛ ليتبين أن ما يعطيهم بمقابلة الصوم الذي قيمته نصف صاع من بر من الثواب الجزيل كان بفضله وكرمه؛ لأن الكريم من يستكثر قليل غيره ويستقل كثير نفسه. ألا ترى أن الله تعالى سمى أفضل الجنان التي أعطاها المؤمنين نزلًا وهو ما يهيأ للضيف عند النزول، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾. ثم استكثر فعل العباد بقوله: ((الصوم لي))،

стр. 271

وبقول النبي ﵇: ((التكبيرة الأولى خير من الدنيا وما فيها))، مع أن التكبيرة الاولى ليست من نفس الصلاة وأركانها، فما ظنك فيما هو من أركان الصلاة، ثم جميع الصلاة إذا فاتت يؤمر بنصف صاع لما ذكرنا من المعنى لبيان أنها قليل القيمة في نفسها، ومع ذلك يعطى بمقابلته ما يعطى من الثواب الجزيل، وهو فعل الكريم. كما قال الشاعر: وقنعت باللقيا وأول نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير (وهذا مختصر بالإجماع) أي بإجماع أهل التفسير. كذا في ((مبسوط المصنف))، يعني تقديره: لا يطيقونه. وإنما قلنا: إنه مختصر بهذا الطريق؛

стр. 272

لأن سياق الآية وهو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وسياقها وهو قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ لإيجاب الصوم، ثم لو أجرى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ على الظاهر يلز أن يكون وجوب الفدية على المطيقين على الصوم، ووجوب الصوم غير المطيقين على الصوم، وهذا عكس المعقول ونقص الأصول مع ما فيه من لزوم إرادة العسر الذي لا نهاية في عسره، والله تعالى نفى ذلك عن ذاته في آخر الآية بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. وهذا التقرير فيما إذا لم تحمل الآية على النسخ. أما إذا حملت على النسخ فالنظم على ظاهرة مقرر من غير اختصار. قال في ((الكشاف)): ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ نصف صاع من بر، ثم قال: وكان ذلك في بدء الإسلام، فرض عليهم الصوم، ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:

стр. 273

﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. (وثبت في الحج الخثعمية) وهي أسماء بنت عميس من المهاجرات، كذا في ((المغرب)). (أفيجزئني) أصله بالهمز. يقال:

стр. 274

أجزأني الشيء: كفاني، وهذا يجزئ عن هذا/ أي يقضي أو ينوب عنه. وحكي عن علي بن عيسى أنه قال: يقال: هذا الامر يجزئ عن هذا، فيهمز ويلين.

стр. 275

وقوله: (أن أحج) على صيغة بناء إخبار النفس من الثلاثي لا من الإحجاج. هكذا وجد مصححًا بتصحيح الثقة، وهو فاعل يجزئني، فكان معناه: الحج الذي أحج بنفسي عن أبي هل يكفيني ذلك عما يهمني بسبب إدراك فريضة الحج على أبي؟ وفي الحديث دليل على أن أباها أمرها بالحج حيث قال رسول الله ﵇ عقيب قولها: ((نعم، فدين الله أحق)) أي أحق أن يقبل، قاس رسول الله ﵇ قبول الحج بقبول الدين، وإنما كان كذلك في الدين إذا كان من عليه الدين أمر بقضاء الدين؛ لأن من له الدين إنما يجبر على القبول إذا كان ذلك بأمر من عليه الحق. وأما إذا كان بغير أمره فمن له الدين الخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، فدل على أن أباها أمرها. وقوله: ((فدين الله أحق)) لأنه أكرم وأرحم. وقوله: (ولهذا قلنا: أن ما لا يعقل مثله يسقط) إيضاح لإثبات ثمرة غير المعقول في القضاء من أحكام الشرع، فكان هذا جوابًا لتقدير سؤال سائل

стр. 276

يسأل ويقول: ما فائدة بيان أحكام القضاء الذي هو غير معقول؟ فقال في جوابه: فائدته بيان انحصار الحكم فيما ورد الشرع به ولا تجوز تعدية حكمه إلى غيره؛ لأن من شرط التعدية أن يكون المنصوص عليه معقول المعنى، فإذا ورد حكم النص غير معقول المعنى لم يكن له مثل في موضع آخر حتى تعدى الحكم منه غليه، ولهذا قلنا: إن ما يعقل مثله يسقط؛ لأن الواجب إذا فات عن البعد وليس له مثل لا يمكن تداركه يسقط عنه من غير ضمان؛ لأن الشيء إنما يضمن المثل إما صورة أو معنى، ولما لم يكن للفائت مثل لا صورة ولا معنى يسقط عن العبد إلا بالإثم إن كان عامدًا، وهذا لأنه لما لم يكن له مثل معقول ولم يرد فيه نص بشريعة القضاء يسقط لا محالة. والدليل على هذا الذي ذكرته ما ذكره شمي الأئمة السرسخي- ﵀ هذه المسألة بهذا الطريق، فقل: لا مماثلة بين الصوم والفدية صورة ولا معنى، وكذلك لا مماثلة بين دفع المال إلى من ينفق على نفسه في طريق الحج وبين مباشرة أداء الحج، وما يكون بهذه الصفة لا يتأتى تعدية الحكم فيه إلى الفروع فيقتصر على مورد النص، ثم قال: ولهذا قلنا: إن النقصان الذي يتمكن في الصلاة بترك الاعتدال في الأركان لا يضمن بشيء سوى الإثم؛ لأنه ليس لذلك الوصف منفردًا عن الأصل مثل صورة ولا معنى. وإنما قلنا: إن النقصان الذي يحصل بسبب عدم تعديل الأركان ليس له مثل جابر يجبر ذلك النقصان، فإنه بعد فراغه من الصلاة لو أتى بتعديل

стр. 277

الأركان إما أن يأتي به بدون أن يأتي بسائر الأركان فحينئذ يربو القضاء على الأداء، فغن الفائت عنه تعيل الأركان لا غير، والقضاء إنما يكون بحسب الأداء؛ فلذلك لا تجوز زيادة القضاء على الأداء. (لأن الجودة لا يستقيم أداؤها بمثلها صورة) يعني لا يمكن تسليم الجودة منفصلة عن العين؛ لأنها عرض يستحيل قيامها بذاتها، فلا يمكن فصل العرض عن العين. (ولا بمثلها قيمة) يعني لا يستقيم أداء الجودة بالقيمة؛ لأن الجودة لا قيمة لها في الأموال الربوية على ما عرف. (واحتاط محمد- ﵀ في ذلك الباب) أي في باب الزكاة. ثم اعلم: أن هذا الاختلاف بينهم فيما إذا أدى خمسة دراهم زيوف مكان خمسة دراهم جياد حيث يصح عندهما خلافًا لمحمد. أما إذا أدى الدينار مكان خمسة دراهم جياد تعتبر قيمة الجودة بالاتفاق؛ لأن عند اختلاف الجنس تعتبر القيمة، فلابد من أداء الفصل. كذا في نوادر زكاة ((المبسوط)).

стр. 278

(ولهذا قلنا: إن رمي الجمار لا يقضى) يعني أن الحاج إذا لم يرم الجمار في وقتها حتى مضى وقت الرمي فلا يقضى بعد ذلك بل يسقط؛ لأنه ليس له مثل معقول لا صورة ولا معنى، فإنه لم يشرع فربة للعبد في غير ذلك الوقت. فإن قيل: كيف يستقيم هذا وقد أوجبتم الدم عليه باعتبار ترك الرمي؟ قلنا: إيجاب الدم عليه لا بطريق أنه مثل للرمي قائم مقامه، بل لأنه جبر لنقصان تمكن في نسكه بترك الرمي، وجبر نقصان النسك معلوم بالنص. قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀.

стр. 279

(والصلاة نظير الصوم بل أهم منه)؛ لأن الصلاة حسنة لمعنى في ذاتها، والصوم حسن لمعنى في غيره وهو قهر النفس، فكانت شرعية الصوم لتصير النفس مرتاضة إلى عبادة الله تعالى وتعظيمه، فإذن فيه جهة الوسيلة، وفي الصلاة جهة المقصودية؛ لأنها لتعظيم الله تعالى بلا واسطة، فالمقصود من العبادة أقوى من الوسيلة إليها، ولأن الصوم لا يجب على المرء بمجرد الإيمان، حتى لو آمن رجل في شوال لا يتوجه عليه خطاب الصوم حتى يمضي عليه أحد عشر شهرًا، ولو آمن في أول يوم يتوجه عليه خطاب الصلاة في ذلك اليوم خمس مرات، فكان أمر الصلاة أهم من الصوم؛ لأن لاشتمال أكثر الأوقات في العبادات تأثيرًا في إثبات القوة له، كالإيمان فإنه لما كان أشمل للأقوات من سائر العبادات كان هو أقوى من غيره فكذا هنا، وإذا ثبت هذا فنقول: لما وجبت الفدية في الصوم مع قصوره عن الصلاة فلأن تجب الفدية في حق الصلاة بالطريق الأولى، فتذكر هاهنا ما ذكرناه في ((الوافي)) من السؤال والجواب؛ فإنه يرشدك إلى تفريع فروع كثيرة، وثمرات غزيرة.

стр. 280

فإن قيل: لما كان لسلوك طريق الاحتياط مدخل في حكم نص ثبت بخلاف القياس لم لم نقل لانتقاض الطهارة بالقهقهة خارج الصلاة بطريق الاحتياط؟ قلنا: إن خارج الصلاة دون الصلاة، فلا يكون ذلك نظير ما قلنا من الصلاة والصوم.

стр. 281

فإن قيل: فلما ثبت وجوب الفدية في الصلاة بدلالة وجوب الفدية في الصوم وجب أن يثبت وجوب الفدية في الصلاة كثبوت وجوب الكفارة بالأكل والشرب في الصوم؛ يعني على القطع والبتات لا على رجاء القبول. قلنا: لا يصح هاهنا مثل ذلك؛ لأن دلالة النص هي أن يعرف حكم دلالة النص من يعرف لسان العرب، كما قلنا في الصوم: إن الأعرابي لما قال: هلكت وأهلكت عرف كل عربي أنه سأل عن الجناية التي وقعت على الصوم، والجناية على الصوم موجودة بالأكل والشرب كما توجد الجناية بالوقاع، ولا كذلك هاهنا؛ لأن الله تعالى لو أوجب علينا الصوم لا يعرف عربي من ذلك أن الصلاة واجبة عليه أيضًا، فإذا لم توجد الدلالة في الأصل فكذلك لا توجد في الخلف، فلهذا لم نقل بوجوب الفدية في الصلاة بطريق الدلالة، حتى تثبت الفدية في الصلاة كثبوتها في الصوم على القطع والبتات. (ثم لم نحكم بجوازه مثل حكمنا به ...) إلى آخره.

стр. 282

فعلم بهذا أن هذا ليس بقياس؛ لأن القياس إثبات مثل حكم المنصوص في حق قطع الحكم بالجواز، وفي هذا رجاء الجواز، فلا يكون قياسًا. (وروجونا القبول) أي الجواز. (فقط أوجبتم بعد فوات وقتها التصدق بالعين أو بالقيمة) يعني أن من وجب عليه الأضحية إذا لم يضح حتى مضت أيام النحر إن كان أوجب على نفسه أو كان فقيرًا تصدق بها حية، وإن كان غنيًا تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر؛ لأنها واجبة على الغني، ويجب على الفقير بالشراء بنية التضحية، ثم إنما يجب التصديق بعد مضي وقتها؛ لأنه إذا مضت أيام النحر فقط سقط معنى التقرب بإراقة الدم؛ لأنها لا تكون قربة إلا في مكان مخصوص وهو الحرم، أو في زمان مخصوص وهو أيام النحر، ولكن يلزمه التصدق بقيمة الأضحية إذا كان ممن يجب عليه الأضحية؛ لأن تقربه في أيام النحر كان باعتبار المالية فيبقى بعد مضيها، والتقرب في المال في غير أيام النحر يكون بالتصديق، ولأنه كان يتقرب بشيئين: إراقة الدم، والتصدق باللحم، وقد عجز عن أحدهما وهو قادر على الآخر، فيأتي بما يقدر عليه. كذا في ((المبسوط)) و ((الهداية)).

стр. 283

وحاصل الجواب عن مسألة الأضحية: إنما أوجبنا التصدق باعتبار كونه أصلًا لا باعتبار كونه مثلًا لها. (وهو نقصان في المالية)، أي فعل التضحية نقصان في المالية، لأنه لم يبق صالحًا للذر والنسل، يعني لابد من مشقة تلحق المكلف في القربة، وتلك المشقة في التضحية نقصان المالية (على ما نبين في مسألة التضحية) أي في ((المبسوط)). (أيمنع الرجوع في الهبة أم لا؟) فعند محمد- ﵀ لا يمنع؛ لأن عنده التضحية نقصان في المالية، والنقصان لا يمنع الرجوع في الهبة. وعند أبي يوسف- ﵀ يمنع؛ لأن الإزالة عن ملكة تمنع الرجوع في الهبة. وكشف هذا مذكور في باب العطية من هبة ((المبسوط))، قال: وإن وهب له شاة فذبحها كان له أن يرجع فيها؛ لأن الذبح نقصان في العين، فإن عمله في إزهاق الروح، فإن ضحى بها أو ذبحها في هدي المتعة لم يكن له أن يرجع فيها في قول أبي يوسف، وقال محمد: يرجع فيها، وتجزئ الأضحية والمتعة للذابح، وقيل: قول أبي حنيفة- ﵁ مثل قول أبي يوسف. وأما محمد- ﵀ فيقول: ملك الموهوب له لم يزل عن عينها، والذبح نقصان فيها، فلا يمنع الرجوع فيما بقي كالشاة للقصاب؛ وهذا لأن

стр. 284

معنى القربة في نيته وفعله دون العين، فالموجود في العين قطع الحلقوم والأوداج سواء كان على نية اللحم أو نية القربة، والذي حدث في العين أنه تعلق به حق الشرع من حيث التصديق به، وذلك لا يمنع الرجوع كوجوب الزكاة في المال الموهوب في يد الموهوب له، بل أولى؛ لأن التصديق هاهنا ليس بحتم حتى يكون له أن يأكله ويطعم من شاء من الأغنياء بخلاف الزكاة، وأبو يوسف- ﵀ يقول في التضحية: جعلها الله تعالى خالصة، وقد تم ذلك فلا يرجع الواهب فيه التضحية: جعلها الله تعالى خالصة، وقد تم ذلك فلا يرجع الواهب فيه بعد ذلك كما لو كان الموهوب أرضًا فجعلها مسجدًا، وبيان قولنا: ((تم)) أن التقرب بإراقة الدم وقد حصل ذلك. ألا ترى أن لو سرق المذبوح أو هلك كان مجزءًا عنه، وإباحة التناول منه بإذن من له الحق بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾. ألا ترى أن لا يجوز أن يتصرف فيها على غير الوجه المأذون وهو بطريق التجارة، ويمنع من ذلك، ولو فعله كان ضامنًا، فعرفنا أنه تم معنى التقرب به، فيكون نظير هذا من الزكاة ما إذا أداه الفقير بنية الزكاة وليس للواهب أن يرجع فيه بعد ذلك، وهذا الفعل في صورة ذبح شاة القصاب، ولكن في المعنى والحكم غيره، ولا تعتبر الصور. ألا ترى أن الذبح يتحقق من المسلم والمجوسي، والتضحية لا تتحقق إلا من أهل التسمية، فعرفنا أنه في المعنى غير الذبح. ثم عند محمد- ﵀ رجوع

стр. 285

الواهب لا يبطل التضحية؛ لأن رجوعه في القائم دن ما تلاشى منه، والرجوع ينهي ملك الموهوب له، فإنما انعدم ملكه بغير اختياره، وهو في حقه نظير ما لو هلك بعد الذبح. وقوله: (فنقل إلى هذا) أي فنقل التصديق إلى نقصان في المالية بإراقة الدم، أو إلى نقصان في المالية بإراقة الدم وإزالة التمويل عن الباقي (تطيبًا للطعام)؛ لأنه إذا ذبح العبد الأضحية بنية القربة تنتقل آثامه إلى الدم لكونه آلة لسقوط ذنوبه فيبقى اللحم طيبًا، والناس أضياف الله تعالى يوم العيد، ولهذا كره الأكل في أول النهار قبل صلاة العيد؛ لأن ذلك إعراض عن ضيافة الله تعالى. وأما مال الصدقة بالتصديق فتنتقل آثام المتصدق إليه فيصير من أوساخه؛ لكونه آلة لسقوط الذنوب، وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾. والمطهر إذا استعمل فيما هو متدنس بالذنوب
следующие страницы →