Полный текст (2 351 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فإن قيل: فلما ثبت وجوب الفدية في الصلاة بدلالة وجوب الفدية في الصوم وجب أن يثبت وجوب الفدية في الصلاة كثبوت وجوب الكفارة بالأكل والشرب في الصوم؛ يعني على القطع والبتات لا على رجاء القبول.
قلنا: لا يصح هاهنا مثل ذلك؛ لأن دلالة النص هي أن يعرف حكم دلالة النص من يعرف لسان العرب، كما قلنا في الصوم: إن الأعرابي لما قال: هلكت وأهلكت عرف كل عربي أنه سأل عن الجناية التي وقعت على الصوم، والجناية على الصوم موجودة بالأكل والشرب كما توجد الجناية بالوقاع، ولا كذلك هاهنا؛ لأن الله تعالى لو أوجب علينا الصوم لا يعرف عربي من ذلك أن الصلاة واجبة عليه أيضًا، فإذا لم توجد الدلالة في الأصل فكذلك لا توجد في الخلف، فلهذا لم نقل بوجوب الفدية في الصلاة بطريق الدلالة، حتى تثبت الفدية في الصلاة كثبوتها في الصوم على القطع والبتات.
(ثم لم نحكم بجوازه مثل حكمنا به ...) إلى آخره.
стр. 282
فعلم بهذا أن هذا ليس بقياس؛ لأن القياس إثبات مثل حكم المنصوص في حق قطع الحكم بالجواز، وفي هذا رجاء الجواز، فلا يكون قياسًا.
(وروجونا القبول) أي الجواز.
(فقط أوجبتم بعد فوات وقتها التصدق بالعين أو بالقيمة) يعني أن من وجب عليه الأضحية إذا لم يضح حتى مضت أيام النحر إن كان أوجب على نفسه أو كان فقيرًا تصدق بها حية، وإن كان غنيًا تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر؛ لأنها واجبة على الغني، ويجب على الفقير بالشراء بنية التضحية، ثم إنما يجب التصديق بعد مضي وقتها؛ لأنه إذا مضت أيام النحر فقط سقط معنى التقرب بإراقة الدم؛ لأنها لا تكون قربة إلا في مكان مخصوص وهو الحرم، أو في زمان مخصوص وهو أيام النحر، ولكن يلزمه التصدق بقيمة الأضحية إذا كان ممن يجب عليه الأضحية؛ لأن تقربه في أيام النحر كان باعتبار المالية فيبقى بعد مضيها، والتقرب في المال في غير أيام النحر يكون بالتصديق، ولأنه كان يتقرب بشيئين: إراقة الدم، والتصدق باللحم، وقد عجز عن أحدهما وهو قادر على الآخر، فيأتي بما يقدر عليه. كذا في ((المبسوط)) و ((الهداية)).
стр. 283
وحاصل الجواب عن مسألة الأضحية: إنما أوجبنا التصدق باعتبار كونه أصلًا لا باعتبار كونه مثلًا لها.
(وهو نقصان في المالية)، أي فعل التضحية نقصان في المالية، لأنه لم يبق صالحًا للذر والنسل، يعني لابد من مشقة تلحق المكلف في القربة، وتلك المشقة في التضحية نقصان المالية (على ما نبين في مسألة التضحية) أي في ((المبسوط)).
(أيمنع الرجوع في الهبة أم لا؟) فعند محمد- ﵀ لا يمنع؛ لأن عنده التضحية نقصان في المالية، والنقصان لا يمنع الرجوع في الهبة. وعند أبي يوسف- ﵀ يمنع؛ لأن الإزالة عن ملكة تمنع الرجوع في الهبة. وكشف هذا مذكور في باب العطية من هبة ((المبسوط))، قال: وإن وهب له شاة فذبحها كان له أن يرجع فيها؛ لأن الذبح نقصان في العين، فإن عمله في إزهاق الروح، فإن ضحى بها أو ذبحها في هدي المتعة لم يكن له أن يرجع فيها في قول أبي يوسف، وقال محمد: يرجع فيها، وتجزئ الأضحية والمتعة للذابح، وقيل: قول أبي حنيفة- ﵁ مثل قول أبي يوسف.
وأما محمد- ﵀ فيقول: ملك الموهوب له لم يزل عن عينها، والذبح نقصان فيها، فلا يمنع الرجوع فيما بقي كالشاة للقصاب؛ وهذا لأن
стр. 284
معنى القربة في نيته وفعله دون العين، فالموجود في العين قطع الحلقوم والأوداج سواء كان على نية اللحم أو نية القربة، والذي حدث في العين أنه تعلق به حق الشرع من حيث التصديق به، وذلك لا يمنع الرجوع كوجوب الزكاة في المال الموهوب في يد الموهوب له، بل أولى؛ لأن التصديق هاهنا ليس بحتم حتى يكون له أن يأكله ويطعم من شاء من الأغنياء بخلاف الزكاة، وأبو يوسف- ﵀ يقول في التضحية: جعلها الله تعالى خالصة، وقد تم ذلك فلا يرجع الواهب فيه التضحية: جعلها الله تعالى خالصة، وقد تم ذلك فلا يرجع الواهب فيه بعد ذلك كما لو كان الموهوب أرضًا فجعلها مسجدًا، وبيان قولنا: ((تم)) أن التقرب بإراقة الدم وقد حصل ذلك.
ألا ترى أن لو سرق المذبوح أو هلك كان مجزءًا عنه، وإباحة التناول منه بإذن من له الحق بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾.
ألا ترى أن لا يجوز أن يتصرف فيها على غير الوجه المأذون وهو بطريق التجارة، ويمنع من ذلك، ولو فعله كان ضامنًا، فعرفنا أنه تم معنى التقرب به، فيكون نظير هذا من الزكاة ما إذا أداه الفقير بنية الزكاة وليس للواهب أن يرجع فيه بعد ذلك، وهذا الفعل في صورة ذبح شاة القصاب، ولكن في المعنى والحكم غيره، ولا تعتبر الصور.
ألا ترى أن الذبح يتحقق من المسلم والمجوسي، والتضحية لا تتحقق إلا من أهل التسمية، فعرفنا أنه في المعنى غير الذبح. ثم عند محمد- ﵀ رجوع
стр. 285
الواهب لا يبطل التضحية؛ لأن رجوعه في القائم دن ما تلاشى منه، والرجوع ينهي ملك الموهوب له، فإنما انعدم ملكه بغير اختياره، وهو في حقه نظير ما لو هلك بعد الذبح.
وقوله: (فنقل إلى هذا) أي فنقل التصديق إلى نقصان في المالية بإراقة الدم، أو إلى نقصان في المالية بإراقة الدم وإزالة التمويل عن الباقي (تطيبًا للطعام)؛ لأنه إذا ذبح العبد الأضحية بنية القربة تنتقل آثامه إلى الدم لكونه آلة لسقوط ذنوبه فيبقى اللحم طيبًا، والناس أضياف الله تعالى يوم العيد، ولهذا كره الأكل في أول النهار قبل صلاة العيد؛ لأن ذلك إعراض عن ضيافة الله تعالى.
وأما مال الصدقة بالتصديق فتنتقل آثام المتصدق إليه فيصير من أوساخه؛ لكونه آلة لسقوط الذنوب، وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾. والمطهر إذا استعمل فيما هو متدنس بالذنوب
стр. 286
صار خبيثًا، كما في الماء المستعمل. يعني يحتمل أن يكون التصديق بعين الشاة أو قيمتها أصلًا، لكن الانتقال منه إلى إراقة الدم لهذه الحكمة، فيجب أن يعمل بالأصل عند مضي وقت الأضحية.
وقوله: (يحتمل أن تكون التضحية أصلًا) جواب لشبهة ترد على هذا التقرير، وهو أن يقال، لو كان التصديق أصلًا في التضحية لكن لحكمة انتقل الحكم من التصديق إلى إراقة الدم لوجب أن يعتبر الأصل في أيام التضحية أيضًا حتى يخرج عن وجوب الأضحية بالتصديق، وإن كان هو مأمورًا بإراقة الدم لتلك الحكمة، كمن وجب عليه الجمعة لو صلى الظهر في منزله يقع ذلك عن فرض الوقت، وإن كان هو مأمورًا بأداء الجمعة لكون الظهر أصلًا؟
فأجاب عنه بهذا، وقال: يحتمل أن يكون إراقة الدم أصلًا أيضًا، فلذلك لم يعتبر ذلك الموهوم، وهو أصالة التصديق في أيام التضحية؛ لأن خروج العبد عن وجوب التضحية في أيامها متيقن بالنص، وهذا موهوم بالرأي، والموهوم لا يعارض المتيقن، بخلاف صلاة الظهر يوم الجمعة، فإنه قد قام لنا دليل بالنص على أصالة الظهر فكان الظهر، أصلًا وإن كان العبد مأمورًا لإسقاطه بأداء الجمعة.
(والدليل على أنه كان بهذا الطريق لا أنه مثل للأضحية) أي الدليل
стр. 287
على أن التصدق بعين الشاة أو قيمتها بعد مضي أيام التضحية كان بطريق احتمال أن الأصل هو التصدق في وجوب الأضحية، لا أن التصديق مثل للأضحية بطريق القضاء عنها، وإنما لم يجز إراقة الدم في غير أيام التضحية؛ لأنه لم يقدر علي مثله (أنه إذا جاء العام القابل لم ينتقل الحكم إلى الأضحية) وإن قدر على مثل الإراقة، فلو كان جواز نقصان الواجب في القضاء بسبب أنه لم يقدر على الإراقة لوجب ذلك عند قدرته عليها، كما في غضب المثلي إذا انقطع من أيدي الناس فيحول من ضمان المثل إلى القيمة، ثم لو لم ترد القيمة حتى جاء أوانه يجب عليه ضمان المثل صورة ومعنى، لكونه هو الأصل ولم يجب ذلك بالاتفاق هاهنا.
علم بهذا أن الإراقة لم تكن أصلًا في التضحية.
وقوله: (هذا وقت) أي يوم الأضحية في العام القابل الذي أدركه وقت (يقدر فيه على مثل الأصل) أي على مثل الإراقة التي وجبت عليه في العام الماضي (فيجب أن يبطل الخلف) وهو التصديق كما في الفدية، فيجب عليه قضاء الصوم من (الوجه الذي بينا)؛ وهو كون التصدق أصلًا لم ينتقض
стр. 288
بالشك؛ لأنه وجب وتأكد بإيجاب الشارع فلا يسقط بعد ذلك بالقدرة على الفائت، كما في المثلي إذا انقطع عن أيدي الناس وقضى القاضي بالقيمة، أو أدى هو بدون القضاء ثم قدر على مثله لا يعود حقه إليه، فكذلك المثل في حقوق الله تعالى.
بخلاف الفدية في حق الشيخ الفاني حيث يجب الصوم إذا قدر عليه، وإن كان فدى حالة العجز؛ لما أن الفدية عن صوم الشيخ الفاني إنما تكون خلفًا بشرط استمرار العجز إلى الموت، وإذا قدر على الصوم كان قادرًا على الأصل قبل تمام الحكم بالخلف؛ لعدم شرط جواز الخلافة على التأبيد، فلذلك بطل حكم الفدية.
(لأن الركوع يشبه القيام) أي حقيقة وحكمًا.
أما حقيقة فلأن النصف الأسفل من الراكع مستو كما في حالة القيام، وهو ما يقع به الفصل بين القيام والقعود فيبقى شبهة القيام.
стр. 289
وأما حكمًا فلأن من أدرك الإمام في الركوع يصير مدركًا لتلك الركعة.
(وهذا الحكم قد يثبت بالشبهة)؛ أي تكبيرات العيد تثبت بشبهة القيام.
ألا ترى أن تكبير الركوع في صلاة العيد ملحق بتكبيرات العيد، ولهذا يجب بترك تكبير الركوع ساهيًا سجدة السهو، وإن لم يجب بتركه في غير صلاة العيد سجدة السهو، ثم تكبير الركوع مشروع في حالة الانتقال فجاز أن يلحق به نظائره حالة العجز احتياطًا لهذه الشبهة؛ لأن أداء التكبير عبادة فيحتاط في الإتيان بها.
فإن قيل: إن استواء النصف الأعلى أحد شقي القيام، فلما لم يثبت باستواء النصف الأعلى شبهة القيام- كما في حالة القعود- وجب ألا يثبت أيضًا باستواء النصف الأسفل شبهة القيام.
قلنا: القيام مع القعود متضادان، والمفارقة للقائم من القاعد إنما ثبت باستواء النصف الأسفل، فلذلك اعتبر استواء النصف الأسفل لا استواء النصف الأعلى، ولأن شبهة الشيء إنما تكون عند اتصالها به لا عند انقطاعها عنه، والركوع متصل بحقيقة القيام، والقعود منقطع عنها، فثبت لركوع مشاركة القيام في أحد شقيه مع اتصال به، فلذلك ثبت للركوع شبهة القيام لا للقعود.
стр. 290
(لأن موضع القراءة جملة الصلاة) رجوعًا إلى قوله ﵇: ((لا صلاة إلى بالقراءة)). حتى إنه إذا استخلف الإمام في الشفع الأخير أميًا فسدت صلاته عند أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- وإن أدى فرض القراءة.
(إلا أن الشفع الأول تعين بخبر الواحد)، وهو ما روى جابر بن عبد الله وأبو قتادة الأنصاري- ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي
стр. 291
الأخريين بفاتحة الكتاب)). كذا في ((مبسوط المصنف)). وروي عن علي ﵁ ((القراءة في الأوليين قراءة الأخريين)) أي تنوب عنها.
(وقد بقى للشفع الثاني شبهة كونه محلًا)، لأن محل أداء ركن القراءة القيام الذي هو ركن الصلاة. كذا ذكره شمس الأئمة- ﵀.
(وإن كان قضاء في الحقيقة) لفوات محل العمل بحكم خبر الواحد الذي يوجب تعيين الأوليين للقراءة.
(ولهذا لو ترك الفاتحة سقطت). هذا استدلال على أن قراءة السورة في الأخريين باعتبار شبهة الأداء؛ لأنه لما لم يكن القول بقراءة الفاتحة الفائتة عن الأوليين باعتبار شبهة الأداء سقطت.
стр. 292
(إنما شرع احتياطًا) أي واجب احتياطًا (فلم يستقم صرفها إلى ما عليه) يعني أن قراءة الفاتحة في الأخريين واجبة عليه أداء. هذا على رواية الحسن عن أبي حنيفة- ﵀-فلم يمكن صرف ما عليه إلى ما عليه. بخلاف قراءة السورة؛ لأنها ليست هي عليه فيصح قضاؤها في محل شبهة الأداء.
وذكر المصنف- ﵀ في ((شرح الجامع الصغير)) روى الحسن عن أبي حنيفة- ﵀ أن قراءة فاتحة الكتاب في الأخريين واجبة، حتى أنه لو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو فلم يملك صرفها إلى ما عليه، وإنما يملك صرف ما له إلى ما عليه. وكذلك على ظاهر الرواية لا تقضى الفاتحة أيضًا، فإن قراءة الفاتحة إنما وجبت علينا بخبر الواحد، وما وجبت إلا بصفة ترتيب السورة عليها. ألا ترى أن من نسي الفاتحة فذكرها قبل الركوع أنه يقرؤها ويعيد السورة، فإذا انتقل إلى السجود فقد تم الانتقال وفات المشروع بخبر الواحد، والثابت بخبر الواحد ثابت عملًا، فإذا تعذر عمله على ما شرع سقط العمل. فأما السورة فإنما شرعت مرتبة على الفاتحة، وقد قدر على ذلك؛ لأن المتراخي مرتب لا محالة فلم تسقط عنه.
стр. 293
(ولم يستقم اعتبار معنى الأداء). هذا جواب شبهة ترد على قوله: (فلم يستقم صرفها إلى ما عليه) أي قضاء، بأن يقال: لما تستقم قراءة الفاتحة في الأخريين قضاء عن الأوليين لما ذكر أن فيه صرف ما عليه إلى ما عليه فينبغي ألا تجب عليه قراءة الفاتحة في الأخريين أداء كما في السورة، فإن قراءتها في الأخريين إنما كانت باعتبار شبهة الأداء.
فأجاب عنه، وقال قراءة الفاتحة في الأخريين مشروعة أداء، ثم لو قرأها ثانيًا أيضًا أداء يلزم تكرار الفاتحة في ركعة واحدة فإنه غير مشروع.
فإن قيل: إن لم يصح تكرار الفاتحة أداء فلم يصح تكرارها مع صرف إحداهما إلى القضاء، فلم يكن حينئذ تكرارًا في ركعة واحدة من حيث المعنى لذهاب إحداهما إلى محل الأداء تقديرًا كما صرف بعض العلماء قول محمد- ﵀ فيما قضى السورة في الأخريين وجهر إلى السورة باعتبار أنها مصروفة إلى محلها فلم يكن جمعًا بين الجهر والمخافتة في ركعة من حيث المعنى.
قلنا: لا يصح ذلك، لما أن رعاية الصورة واجبة أيضًا، وعن هذا كان ظاهر الرواية فيما إذا ترك السورة في قول محمد- ﵀ وجهر مصروفًا إلى الفاتحة والسورة جميعًا؛ لئلا يلزم الجمه بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة صورة، فوجوب رعاية الصورة ثابت في هذا وفي النحو أيضًا، فإن
стр. 294
اللام التي بمعنى الاسم الموصول في قولهم: الضارب أباه زيد، اختير دخولها في اسم الفاعل لا في عين الفعل، وإن كان الاسم الموصول يدخل الفعل لما أن هذه اللام تشبه لام التعريف صورة، وهي لا تدخل على الفعل فكذا ما يشبهها لا يدخل على الفعل أيضًا رعاية للصورة.
وقوله: (وأداء الدين). مثل: أداء ثمن المبيع وتسليم المسلم فيه، وذكر أداء الدين في قسم الأداء الكامل، وإن كانت الديون تقضى بأمثالها؛ لأنه لا طريق لأداء الدين سوى هذه وهذا في بدل الصرف والمسلم فيه واضح، فإن الاستبدال فيهما حرام كحرمة استبدال العين المعين مثل عين المبيع والوديعة، فجعل المقبوض عين ما استحق بالعقد حكمًا وإن كان غيرا حقيقة؛ لأن الواجب بالعقد دين والمقبوض عين والعين غير الدين.
فإن قيل: على هذا التقرير ينبغي أن يكون أداء يشبه القضاء اعتبارًا للحقيقة والحكم.
قلنا: لا يمكن ذلك خصوصًا في باب الصرف والسلم؛ لأن الاستبدال فيه حرام، فاعتبار شبهه بالقضاء يوجب الحرمة، واعتبار شبهه بالأداء لا يوجب، فكان حرامًا ترجيحًا لجانب الحرمة على ما هو الأصل خصوصًا في باب الربا في الصرف؛ لأن الشبهة فيه ملحقة بالحقيقة وليس هو بحرام بالإجماع.
فعلم أنه من قسم الأداء الكامل، ولم يقل أيضًا: أنه أداء قاصر؛ لأنه أدى ما عليه من الجياد.
وأما الأثمان في سائر البيوع فيجب أن يكون تسليمها قضاء على هذا التقرير؛ لأن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، والاستبدال فيها غير حرام، ولكن ذلك أيضًا من قسم الأداء الكامل لوجهين:
стр. 295
أحدهما: أن الأداء تسليم عين ما وجب بالعقد فيكون تسليم ما وجب بالعقد أداء حكمًا، ولو كان مثلًا لكان بدلًا عن الأداء، وفي الاستبدال يشترط التراضي، والمشتري إذا أتى بما وجب يجبر البائع على القبول، فعلم أنه عين ما استحق بالعقد.
والثاني: أن القضاء يبتني على الأداء، فإذا لم يمكن الأداء لم يمكن القضاء؛ لأن القضاء خل الأداء، فإذا لم يكن الأصل ممكنًا لا يكون الخلف ممكنًا؛ لأن شرط صحة الخلف إمكان الأصل فاعتبر هذا بوجوب الكفارة فيمن حلف ليمس السماء وعدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس وفي
стр. 296
مسألة الكوز؛ لأن الأصل- وهو البر- ممكن في الأول دون الثاني.
ولما ثبت هذا قلنا: لو جعل أداء الدين قضاء ينبغي أن يكون الأداء ممكنًا حتى يكون هذا القضاء خلفًا عن ذلك الأداء وليس للدين ذلك، بل لقضاء الدين طريق واحد.
فعلم أنه جعل أداء كاملًا حكمًا، ولا يشكل على هذا قضاء الصوم للحائض، فإن الصوم من الحائض لم يكن ممكنًا أداء، ومع ذلك صح القضاء الذي هو خلف عن الأداء؛ لانا نقول: إن الأداء ممكن هناك في الأصل قياسًا؛ لأن الحيض لا يمنع صحة الصوم كالجنابة إلا أنه لم يجز أداؤه مع الحيض بخلاف القياس، فكان الأداء قياسًا، فيبتنى القضاء على الأداء الممكن قياسًا، فيجوز القضاء عنه.
فإن قيل: إذا كان دين بدل الصرف والمسلم فيه أداء كاملًا فما القاصر فيهما؟
قلنا: القاصر فيهما هو أداؤه زيفًا ورديئًا، فالأداء باعتبار أن الزيف من جنس الدراهم، والردئ من الحنطة من جنس الحنطة، والقصور باعتبار فوات
стр. 297
صفة الجودة التي تقع عليها مطلق العقود.
(والقاصر مثل أن يغضب عبدًا فارغًا ثم يرده مشغولًا بالجناية) بان يقتل غيره أو يقطع طرفه أو (بالدين) بأن استهلك مال الغير، أو كان مأذونًا فلحقه دين وكذلك في المبيع، ومعنى القصر فيه أنه أداه لا على الوصف الذي استحق عليه التسليم.
وتقرير هذا أنه أداء؛ لأنه رد عين ما غضب، ورد عين ما باع، لمنه قاصر بسبب ما ذكرنا أنه لم يرده على الوصف الذي استحق عليه، فلوجود أصل الأداء إذا هلك عند المغصوب منه قبل الدفع إلى ولي الجناية تم التسليم ولا يلزم على الغاصب شيء، وإذا دفع إلى ولي الجناية انتقض التسليم حتى وجب عليه القيمة اعتبارًا للمعنيين.
وكذلك البائع إذا سلم المبيع وهو مباح الدم فهو أداء قاصر؛ لأنه سلمه على غير الوصف الذي هو مقتضى العقد، فإن العقد يقتضى سلامة المبيع، فإن هلم في يد المشتري لزمه الثمن لوجود أصل الأداء.
وإن قتل بالسبب الذي صار مباح الدم به، رجع بجميع الثمن عند أبي حنيفة- ﵁ لأن الأداء كان قاصرًا، فإذا تحقق الفوات بسبب مضاف إلى ما به الأداء قاصر جعل كأن الأداء لم يوجد.
وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- الأداء قاصر لعيب في المحل.
стр. 298
فإن حل الدم في المملوك عيب، وقصور الأداء بسبب العيب يعتبر ما بقي المحل قائمًا.
وأما إذا فات بسبب عيب حدث عند المشتري وهو قتل ولي الجناية لم ينتقض به أصل الأداء، وقد تلف هاهنا بقتل أحدثه القاتل عند المشتري باختياره ولكن أبو حنيفة- ﵀ قال: استحقاق هذا القتل كان بالسبب الذي به صار الأداء قاصرًا، فيحال بالتلف على أصل السبب.
قوله: (وما أشبه ذلك) كالغاصب إذا غصب المغصوب صحيحًا ورده مريضًا أو مشجوجًا أو حاملًا لو كان المغصوب أمة.
(وأداء الزيوف في الدين أداء بأصله)، ولكنه قاصر باعتبار فوات وصف الجودة. وتحقيقه أنه وجب على المديون دراهم جياد لاقتضاء مطلق العقد وصف السلامة عن العيب، فإذا أدى زيوفًا فمن حيث أنه أدى جنس الدراهم كان مؤديًا، ومن حيث إنه لم يؤد الجياد كان الأداء قاصرًا، فإذا كان قائمًا في يد من له الدين كان له أن يفسخ الأداء ويأخذ ما كان عليه من الجياد إحياء
стр. 299
لحقه، وإذا هلك عنده بطل حقه في الجناية؛ لأنه لا يتوصل إلى الجياد إلا بفسخ الأداء، ولا يتمكن من فسخ الأداء لهلاك الدراهم، ولا يتمكن أيضًا من أن يرد إلى المديون مثل ما قبض، للزوم الضمان عليه بمثل ما قبض؛ لأنه لا يضمن المرء لنفسه، فإن ذلك غير معهود في الشرع، فبطل القول به.
فإن قلت: حاصر هذا راجع إلى أن يضمن المرء ملك نفسه، وليس ببعيد أن يكون الشيء ملك الرجل ومع ذلك هو مضمون عليه.
ألا ترى أن كسب المأذون له المديون ملك المولى وهو مع ذلك مضمون عليه، وكذلك المرهون مضمون على الراهن، وإن كان ملكًا باعتبار الفائدة، وفي التضمين ههنا فائدة، وهي إحياء حقه في صفة الجودة.
قلت: ليس ما ذكرته نظير ما قلنا؛ لأن كلامنا فيما إذا كان الضمان له مع أن مضمون عليه، وأما ما ذكرته من المسألتين فالضمان هناك يجب للغرماء فلا منافاة فيه. إلى هذا أشار في ((الفوائد الظهيرية)).
стр. 300
والفرق لأبي يوسف بين هذا وبين ما إذا أدى خمسة زيوفًا عن خمسة جياد في الزكاة: أن الفقير لا يرد مثل المقبوض ليأخذ الجياد؛ لأنه أخذ ذلك بحكم الكفاية على ما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ فيكون آخذًا من الله تعالى حكمًا، ولهذا لو كانت قائمة لا يتمكن من ردها وأخذ الجياد، ولا كذلك ههنا.
والفرق لمحمد- ﵀ بين هذا وبين الزكاة أن ههنا لو أوجبنا قيمة الجودة يتحقق الربا، وثم لا يتحقق الربا؛ لأنه في العبادات لا في البياعات، والربا مخصوص بالبياعات، ولأنه لا ربا بين المولى وعبده.
وقوله: (وبطل الوصف) أي وصف الجودة؛ (لأنه لا مثل له صورة)؛ لأنه لا يمكن انفكاك الوصف عن الموصوف، فلا يكون صورة وصف بلا موصوف (ولا معنى)؛ لأن القيمة غير معتبرة في الأموال الربوية.
(وهو أن يتزوج رجل امرأة على أبيها وهو عبد) سواء كان ذلك عبدًا للغير أو للزوج.
стр. 301
(فإن لم يقض بقيمته) أي لم يقض القاضي على الزوج بقيمة الأب للمرأة (لزمه تسليمه إلى المرأة؛ لأنه عين حقها).
فإن قيل: ينبغي أن لا يجب تسليمه على الزوج؛ لأنه ظهر أن العبد ملك غير فلم تكن التسمية صحيحة.
قلنا: كون المسمى الغير لا يمنع صحة التسمية.
ألا ترى أنه لو تزوج امرأة على عبد الغير صحت التسمية، حتى إذا عجز عن تسليمه يصار إلى قيمته ولا يصار إلى مهر المثل، فلو لم تصح التسمية لصير إلى مهر المثل، ما إذا تزوجها ابتداء على قيمته، فثبت أن كون المسمى ملك الغير لا يمنع صحة التسمية.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين البيع والمسألة بحالها، وهي: أنه إذا باع عبدًا واستحق في يد المشتري، ثم اشتراه البائع كان له أن يمنع من دفعه ولا يلزمه تسليمه إلى المشتري، وهنا لزم الزوج تسليمه إلى المرأة؟
قلت: الفرق بينهما إنما جاء من قبل عدم انفساخ النطاح ووجود انفساخ البيع، وهذا لان الموجب للدفع البيع، والبيع قد انفسخ بخلاف النكاح، فإنه لم ينفسخ بالاستحقاق، فكان الموجب للدفع- وهو النكاح- باقيًا فيثبت موجبه وهو الدفع. إلى هذا أشار في ((الجامع الكبير)) للصدر الشهيد- ﵀.
стр. 302
(لأن تبدل الملك أوجب تبدلًا في العين حكمًا) بدليل قصة بريرة ﵂ ((فكار رسول الله ﵇ دخل على بريرة، فأتت بريرة بتمر، ووضعت بين يدي رسول الله ﵇، والقدر كان تلغي باللحم، فقال ﷺ لبريرة: ألا تجعلين لنا نصيبًا من اللحم؟ فقالت: هو لحم تصدق به علي يا رسول الله! قال ﵇: هي لك صدقة، ولنا هدية)).
فثبت بهذا أن تبدل الملك يوجب تبدل العين حكمًا، وهذا لأن تبدل الملك صفة له، وتتبدل الصفة بتبدل العين شرعًا، وإن كانت العين واحدة في أصلها.
стр. 303
ألا ترى أن الخمر إذا تخللت كيف تحل بعد الحرمة؟
فإن قيل: طيف تحل الصدقة لبريرة وهي كانت مكاتبة عائشة- ﵂ ومولى القرشي بمنزلة القرشي في حرمة الصدقة؟
قلنا: يحتمل أن لتك الصدقة كانت صدقة التطوع، وكونها لحمًا دليل عليه؛ لأن العادة في الزكاة المفروضة أن تكون من النقدين، وصدقة التطوع يجوز صرفها إلى بني هاشم ومواليهم.
أو يحتمل أن يكون ذلك حال كتابتها، ويجوز دفع الزكاة إلى مكاتب الهاشمي لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.
(ثم ملكه الزوج أن حقها لا يعود إليه). يعني أن القاضي لو قضى لها بالقيمة قبل أن يمتلكه الزوج ثم ملكه فسلمه إليها لم يكن ذلك أداء مستحقًا بالتسمية، ولكن يكون مبادلة بالقيمة التي تقرر حقها فيه، حتى أنها إذا لم
стр. 304
ترض بذلك لا يكون للزوج أن يجبرها على القبول بخلاف ما قبل القضاء لها بالقيمة. كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي- ﵀.
وذكر المصنف- ﵀ في ((شرح الجامع الكبير)) فإن استحقه رجل فقضي به له بطل ملكها وبطل عتقه وعلى الزوج قيمته، فإن اشتراه الزوج من المستحق أو ملكه بوجه من الوجوه فأراد أن يدفعه إليها فأبت فإنها تجبر على أخذه، وإن طلبت هي فأبى فإنه يجبر على تسليمه إليها.
ثم هاهنا ثلاث كلمات الإيضاح بقوله: ولهذا قلنا: ((إن الزوج إذا ملكه لا يملك أن يمنعها إياه)) إيضاح دليل الأداء، والأخريات هما قوله: ((ولهذا قلنا أنهلا يعتق)) وقوله: ((ولهذا قلنا إذا اعتقه الزوج إلى قوله: ((صح)) إيضاح دليل القضاء.
(ويتصل بهذا الأصل) أي بأصل الأداء (أن من غصب طعامًا فأطعمه المالك) بأن يكون طعامًا يؤكل من غير تغيير بأن كان خبزًا أو لحمًا مطبوخًا، وإنما قيدنا لهذا لأنه لو كان دقيقًا فخبزه ثم أطعمه المالك لا يبرأ عن الضمان بالاتفاق، ثم إنما قيد بقوله: ((فأطعمه المالك)) ليظهر موضع الخلاف؛ لأنه إذا جاء المالك إلى بيت الغاصب، فأكل ذلك الطعام المغصوب من غير إطعام الغاصب يبرأ الغاصب عن الضمان بالاتفاق وإنما الخلاف في إطعام الغاصب.
стр. 305
وقال (الشافعي) ﵀ في أحد قوليه: (لا يبرأ)؛ لأنه ما أتى بالرد المأمور به (فإنه غرور)؛ لأنه أقدم على الأكل بناء على خبره أنه أكرم ضيفه، ولو علم أنه ملكه ربما لم يأكله وحمله إلى عياله (ولو) فأكله معهم، وهكذا الخلاف أيضًا فيمن غصب ثوبًا، ثم كسا الغاصب الثوب رب الثوب، فلبسه حتى تحرق ولم يعرفه، فلا شيء له على الغاصب عندنا خلافًا له. كذا في ((المبسوط)).
(ولو كان قاصرًا لتم بالهلاك) يعني إذا أدى الزيوف مكانا لجياد ولم يعلم القابض فهلك في يده يتم الأداء، (فكيف لا يتم ههنا وهو كامل؟) من حيث إن عين ماله من غير تغيير وصل إليه ثم هلك في يده، ولأن أكثر ما في
стр. 306
الباب ألا يكون فعل الغاصب هو الرد المأمور به، ولكن تناول المغصوب منه العين المغصوبة كاف في إسقاط الضمان عن الغاصب، وقد ذكرنا أن المغصوب منه إذا جاء إلى بيت الغاصب، وأكل ذلك الطعام بعينه وهو يظن أنه ملك الغاصب برء الغاصب من الضمان.
(والجهل لا يبطله) أي لا يبطل الأداء (وكفى بالجهل عارًا! فكيف يكون عذرًا) فإن هذا جهل المالك، ولو تصرف المالك في ملكه ولم يعلم أنه ملكه فإن ذلك لا يمنع صحة تصرفه.
ألا ترى أن من اشترى عبدًا ولم يقبضه فقال البائع للمشتري: اعتق عبدي هذا- وأشار إلى المبيع- فأعتقه المشتري، ولم يعلم أنه عبده صح إعتاقه، ويجعل قبضًا، ولزمه الثمن؛ لأنه أعتق ملكه وجهله بأنه ملكه لا يمنع صحة ما وجد منه، فكذلك هاهنا.
(والعادة المخالفة للديانة الصحيحة) هذا جواب عن قوله: إذ المرء لا يتحامى في العادات عن غير مال غيره؛ وقيد بالصحيحة؛ لأن الموضع موضع الإباحة فلا يكون تناول مال الغير مخالفًا للديانة مطلقًا في موضع الإباحة، بل كان ذلك مخالفًا لعادة من يتقى ويحترز عن الشبهة غاية الاتقاء والتحرز رجوعًا إلى قول ﷺ : ((كل من كد يمينك)) وهذا لأنه لا يعلم يقينًا عدم شبهة
стр. 307
الحرمة في مال غيره ويعلمه فيما اكتسبه بنفسه، فذلك كان من عادة المتقين غاية الاتقاء ألا يكتفوا بظاهر الحل شرعًا، بل يتفحصون غاية التفحص، ويتحرزون مما فيه وهم شبهة الحرمة، وذلك ايحصل في تناول مال الغير بمجرد الإباحة، فلذلك كان تناول مال الغير بمجرد الإباحة مخالفًا للديانة الصحيحة أي للتقوى القوية؛ لأن الديانة القوية تقتضي أن يتحرز عن مال الغير أكثر مما يتحرز من مال نفسه؛ لأنه لا يجوز له أن يفعل بمال الغير ما لا يفعل بمال نفسه، والعادة إنما تعتبر إذا لم تكن مخالفة للديانة، إذا كان كذلك لا يكون مثل هذه العادة مبطلًا للأداء الواجب الذي هو الأداء الكامل؛ (لأن عين) حق صاحب الحق (وصل إلى يده) من غير تغير، وما كان واجبًا في الإيصال يصرف إلى الواجب، وإن أوصله بأي طريق كان.
(وفي باب القروض)، وإنما قال باب القروض؛ لأن قضاء الدين من باب الأداء الكامل على ما مر لأنه لا يمكن فيه سوى القضاء، فقام القضاء مقام الأداء الكامل ضرورة.
وأما في باب القروض فالأداء الكامل ممكن بأن يرد عين ما قبض، وأما
стр. 308
إذا أنفق ثم قضى مثله كان قضاء، وهذا المعنى لا يتصور في الديون فكان أداء.
ولا يقال إن القرض إعارة فكان ما سلمه إلى المقرض عين ما أقرضه حكمًا، ضرورة أن لا يجري الربا في النقد بالنسيئة؛ لأنا نقول: إن ذلك حكم، وما ذكرناه حقيقة، فلذلك ذكر في أنواع القضاء.
فإن قيل: ينبغي أن يكون قضاء القرض يشبه الأداء؛ لأنه قضاء من حيث الحقيقة وأداء من حيث الحكم لسلوك طريق الإعارة فيه حتى لم يجر الربا فيه بالنسيئة بمقابلة النقد فكان عينه من حيث الحكم، فكان بمنزلة رجل أدرك الإمام في العيد راكعًا فإنه قضاء يشبه الأداء بهذا الطريق، وكذلك فيما إذا فاتت السورة عن الأوليين وقرأها في الأخريين.
قلنا: التكبير في الركوع أداء من وجه؛ لان محل الأداء باق من وجه، وكذلك في قضاء السورة في الأخريين، فلهذا قلنا: فيه معنى الأداء، فأما هاهنا ففات محل الأداء من كل وجه فلم يكن له شبه الأداء، فلهذا ذكره في أنواع القضاء بخلاف ما إذا تزوج امرأة على أبيها، فإن ثم أداء حقيقة قضاء حكمًا؛ لانا بينا أن تبدل الملك يوجب تبدل العين حكمًا من غير ضرورة داعية إلى ذلك، فكان أداء من وجه قضاء من وجه.
стр. 309
فأما في باب القرض فهو قضاء حقيقة، وإنما جعل عين ما قبض حكمًا لضرورة قضاء حاجات الناس، وما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة فلم يظهر في كونه أداء. (فكان سابقًا) أي على أقسامه من القضاء.
(إذا انقطع مثله) كالرطب وفيما لا مثل له نحو الحيوان.
وقوله: (ولهذا قال أبو حنيفة) يتصل بقوله: فكان سابقًا؛ يعني أن المثل الكامل وهو المثل صورة ومعنى مقدم على المثل معنى، ولهذا المعنى قال أبو حنيفة- ﵀ إلى آخره.
(ألا ترى أن القتل قد يصلح ما حيا أثر القطع) فكان قتله بمنزلة البرء من القطع من حيث إن المحل يفوق به فلا تصور للسرية بعد فوات المحل فيجعل كالبرء من هذا الوجه، حتى إذا كان القاتل غير القاطع كان القصاص في النفس على الثاني خاصة.
стр. 310
وقال في ((مختصر الحاكم)) فلو كان لكل واحد منا لجنايتين جان على حدة، وهما جميعًا عمد أو خطأ، أو أحدهما عمد والآخر خطأ أخذ كل واحد منهما بجنايته، وأثر المحو ثابت في غير هذا أيضًا، فإنه إذا رمى إنسان إلى الصيد يدون التسمية وجرحه ثم أدركه حيًا وذكاه يحل.
فعلم أن الفعل الثاني ماح أثر الفعل الأول ولو لم يمح لما حل بالتذكية، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فالشارع جعل التذكية ماحية لأكل السبع وجرحه؛ لأنها لو كانت محققه للأول ههنا لحرم أكله (كما يصلح محققًا، فإن القتل بعد القطع يكون إتمامًا للفعل الاول؛ لان قطعه يحتمل أن يسري فيموت مقطوع اليد من قطعه، فكان قتله بعد القطع تحقيقًا لتلك السراية، وهذا لا يحتملان يكون مراد القاطع القتل فكان قتله بعد ذلك محققًا لموجب القطع، فكانت الجنايتان متحدة من هذا الوجه، وعلى تقدير محو أثر القطع كانت الجناية متعددة.
فلذلك (خيرنا) الولي (بين الوجهين) إن شاء مال إلى وجه التعدد فيقطعه ثم يقتله، وإن شاء مال إلى وجه الاتحاد فيقتله ابتداء من غير سابقة القطع.
стр. 311
وقوله: (ولهذا قلنا: لا يضمن المثلي) يتعلق أيضًا بقوله: فكان سابقًا وكذلك قوله: (ولهذا) قلنا (لا تضمن منافع الأعيان) يتعلق به أيضًا؛ لأنه لما لم يكن للمنافع مثل لا صورة ولا معنى لم تضمن في عصبها أو إتلافها عندنا لعدم إمكان الضمان بالمثل، والشارع شرط المثل في باب العدوان بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
اعلم أن للمسألة صورتين: غصب المنافع، وإتلاف المنافع، فغصب المنافع هو: أن يغصب عبدًا ويمسكه أيامًا ولم يستغله ثم رده إلى مولاه.
وأما إتلاف المنافع فهو: أن يستخدمه ويستغله ثم يرده إلى مولاه، فعندنا لا يضمن شيئًا في الصورتين، وعند الشافعي يضمن فيهما، ولكن بينهما تفاوت عنده في موضع آخر، فغنه إذا غصب الحر وأمسكه أيامًا لم يضمن منافعه؛ لأن الحر في يد نفسه، وأما إذا استخدمه فأتلف عليه ضمن، وفي
стр. 312
العبد يضمن في الصورتين.
اعلم أن هذه المسألة مبنية على أصلين مختلف فيهما بيننا وبينه.
أحدهما: أن المنافع زوائد تحدث في العيد شيئًا فشيئًا، وفد بينا أن زوائد المغصوب لا تكون مضمونة على الغاصب عندنا وتكون مضمونة عند الشافعي.
والثاني: أن الغصب الموجب للضمان عنده يحصل بإثبات اليد، واليد على المنفعة تثبت كما تثبت على العين، وعندنا لا يتحقق إلا بيد مفوته ليد المالك، وذلك لا يتحقق في المنافع؛ لأنها لا تبقى وقتين فلا يتصور كونها في يد المالك ثم انتقالها إلى يد الغاصب حتى تكون يد الغاصب مفوته يد المالك، فلذلك لا تضمن المنافع بالغصب عندنا. كذا في ((المبسوط)) وغيره، فتذكر ههنا ما ذكر في ((النهاية)) من شبهات الخصم وجوابها فإنه الكبريت الأحمر والجربل الأوفر.
وفي هذا نسخ مختلفة، ولكن بعضها تقارب البعض في المعنى، وقالوا
стр. 313
في إتلاف المنافع: إن المنافع لا تضمن بالأعيان كما لا تضمن الأعيان بالمنافع، فلو كانت الأعيان مثلًا للمنافع لكانت المنافع مثلًا للأعيان وهي ليست بمثل للأعيان بالإجماع، فكذا في عكسها.
وقوله: (وأما جواز العقد فبناء على قيام العين مقام المنفعة) هذا جواب إشكال مقدر وهو أن يقال: كيف يجوز العقد والمنافع معدومة غير متقومة على ما قلتم؟
والجواب: لا نسلم أن المعقود عليه هو المنافع حتى أنه إذا أضاف العقد إلى المنافع بأن يقول: أجرتك منافع هذا الدار شهرًا بكذا تفسد الإجارة، بل
стр. 314
الدار خلف عن المنافع في حق صحة العقد فكان المعقود عليه موجودًا وقت العقد، ولهذا إذا وجدت المنفعة انتقلت الإضافة إليها كالانتقال من الخلف إلى الأصل، ولا يلزم أنها تقومت في باب العقود وليس إلى التقوم حاجة إذ الاستبدال صحيح من غير التقوم. يعني لو قال الخصم: إن المنافع متقومة قبل ورود العقد عليها لا أنها لم تكن متقومة فتقومت في باب العقود بطريق الحاجة والضرورة؛ لأنه لا ضرورة في جعلها متقومة لتصحيح الاستبدال منها؛ لأن الاستبدال صحيح من غير التقوم كبدل الخلع وكبدل العين التي أعماها وغير ذلك، وحيث تقومت في باب العقود بالإجماع علم أنها متقومة من غير ورود العقد عليها؛ لأن ما ليس بمال لا يصير مالًا بورود العقد عليه كالخمر والخنزير والميتة والدم.
فالجواب عنه: أنها صارت متقومة في باب العقود لا في غيره؛ لان تقوم الأشياء إنما يكون بالإحراز بعد الوجود، والإحراز يفتقر إلى البقاء، ولا بقاء للمنافع فلا يثبت التقوم، وإنما ثبت التقوم لها في باب العقود بخلاف القياس عند التراضي، وليس في الغصب تراض فلا يثبت التقوم، ولا يلزم علينا الاستبدال في الخلع مع عدم التقوم؛ لأن ذلك ثابت بالنص بخلاف القياس أيضًا عند التراضي بخلاف الغصب، وكذلك لا يلزم علينا أروش الأطراف وديات النفوس؛ لأن الآدمي مكرم مصون في نفسه وأطرافه، فكان ذلك
стр. 315
من ضرورة وجوب الصيانة لا من باب التقوم، ولأن وجوب البدل هنالك بمقابلة العين لا بمقابلة المنافع فلا يرد علينا نقضًا.
وقوله: وليس إلى التقوم حاجة؛ ليس كذلك بل إلى التقوم حاجة فتقومت في باب الإجارة من غير معنى يعقل. والدليل على هذا أن الله تعالى شرع ابتغاء الأبضاع بالمال فقال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ فالإحلال موصوف بهذه الصفة، فتكون هذه الصفة شرطًا، والمشروط لا وجود له بدون الشرط. كما لو قيل: أعط هذا الدرهم لرجل طويل لا يتمكن من دفعه إلى رجل غير طويل، والشرع جوز ابتغاء
стр. 316
البضع بالمنافع كما إذا تزوج امرأة برعي غنمها سنة جاز وصار ذلك مرهًا. قال تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.
فعلم أنها تقومت في باب العقود، ولو لم يتقوم لما جاز رعي الغنم مهرًا. إذ شرعيته بالمال المتقوم؛ لأن للرضا أثرًا في باب الأصول أي المبيع، والفصول أي الثمن، وكل قياس لا يقوم إلا بوصف تقع به المفارقة بين الفرع والأصل باطل، وههنا الوصف الذي تقع به المفارقة التراضي يعني أن التراضي موجود في باب العقود، فلذلك تقومت المنافع هناك ولم يوجد التراضي في باب الغصب فلا تتقوم لذلك. وهذا مثل قول لعض أصحاب الشافعي في مس الذكر إنه حدث؛ لأنه مس الفرج فكان حدثًا كما إذا مسه وهو يبول.
وكذلك قولهم: هذا مكاتب فلا يصح التكفير بإعتاقه كما إذا أدى بعض بدل الكتابة وهذا ليس بتعليل لا طردًا ولا تأثيرًا على ما يجيء بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 317
(ولهذا قلنا: إن المال غير مشروع مثلًا) إيضاح لقوله: إن ضمان غير المال المتقوم بالمال المتقوم قضاء بمثل غير معقول؛ وقيد بقوله: مثلًا؛ احترازًا عن شرعيته صلحًا، فإن ولي القصاص يأخذه صلحًا؛ لأن (القصاص مثل للأول صورة) وهي حز الرقية (ومعنى) وهي إزهاق الروح (وهو) أي القصاص (إلى الإحياء الذي هو المقصود) أي بالنص لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ومعنى الإحياء في القصاص من حيث الشرعية ومن حيث الاستيفاء.
وقد ذكر المصنف- ﵀ وجه الإحياء في القصاص في باب القياس من هذا الكتاب.
(فلك يجز أن يزاحمه) أي أن يزاحم القصاص (ما ليس بمثل صورة) ولا معنى وهو المال. فيه نفي لقول الشافعي، فإن في القتل العمد يجب القصاص عينًا عندنا إلا أن للولي أن يصالح القاتل على المال، وللشافعي قولان:
في قول: موجب القتل العمد أحد الشيئين: إما المال، وإما القصاص،
стр. 318
ويتعين أحدهما باختيار الولي.
وفي القول الآخر: موجبه القصاص إلا أن للولي أن يختار أخذ الدية من غير رضا القاتل، وعندنا لا يجوز للولي أخذ شيء من الدية إلا برضا القاتل، ولما كان المال عنده أحد موجبي القتل العمد لم يصح عفوًا المريض مرض الموت في حق المال؛ لأن العند عنده يوجب المال ولا وصية للقاتل، وأما في حق القصاص فصحيح. كذا في ((المبسوط)). (وإنما شرع) أي المال (عند عدم المثل) وهو فيما إذا قتل خطأ.
قوله: (ولهذا قلنا نحن خلافًا للشافعي) إيضاح لقوله: إن تضمين غير المال المتقوم بالمال المتقوم غير معقول (إن القصاص لا يضمن لوليه بالشهادة الباطلة على العفو). يعني إذا قتل رجل رجلًا عمدًا فادعى القاتل أن ولي المقتول قد عفا عنه، وشهد الشهود بذلك، وقضى القاضي بذلك حتى بطل القصاص، ثم رجع الشهود فقالوا: كذبنا في شهادتنا فإنهم لا يضمنون
стр. 319
عندنا وعنده يضمنون.
(أو بقتل القاتل) وهو إضافة المصدر إلى المفعول يعني لو قتل رجل أجنبي من عليه القصاص لا يضمن لمن له القصاص وهو ولي القتيل الأول.
(وإنما شرعت الدية) أي في القتل الخطأ، وإنما أعاد هذا لإعادة قوله: فلم يكن له مثل صورة ومعنى؛ لتعليل مسألة أخرى ذكرها.
وقوله: (والعفو عن القصاص مندوب إليه) جواب شبهة ترد على ما ذكر قبله، وهي أن يقال: لما صين الدم عن الهدر ينبغي ألا يصح العفو؛ لأن في العفو هدرًا، فأجاب عنه بهذا.
(ولهذا قلنا: إن ملك النكاح) يتصل هذا أيضًا بمثله لإيضاح قوله: أن تضمين غير المال المتقوم بالمال المتقوم غير معقل (لا يضمن بالشهادة بالطلاق بعد الدخول) يعني ثم الرجوع يعني إذا شهد الشهود على رجل أنه طلق امرأته ثلاث تطليقات أو طلاقًا بائنًا بعد الدخول، وقضى القاضي به، ثم رجعوا لا يضمنون للزج شيئًا، وكذلك إذا قتل رجل منكوحة رجل لا
стр. 320
يضمن للزوج شيئًا بسبب إبطال النكاح، وكذلك إذا ارتدت المرأة حتى بطل النكاح لا تضمن للزوج شيئًا.
(لأنه ليس بمال متقوم) أي لأن ملك النكاح ليس بمال متقوم؛ لأن الملك عبارة: عن القدرة، والشد، والربط، والاختصاص بالمطلق الحاجز، وكيف ما كان الملك صفة قائمة بالمالك فلا يكون مالًا، فلذلك لا يضمن بالمال؛ لأن المال ليس بمثل له لا صورة ولا معنى، ومثل هذا لا يضمن بالمال على ما ذكرنا في غصب المنافع (وإنما يقوم بالمال بضع المرأة تعظيمًا لخطره) أي لعظمته يعني كان ينبغي ألا يجب المال المتقوم عند النكاح أيضًا؛ لأن الآدمي وجميع أجزائه ليس بمال متقوم، فإيجاب المال الذي هو ليس بمثل له لا صورة ولا معنى غير معقول على ما ذكر قبله، ولكن إنما وجب المال عند النكاح إظهارًا لعظمة البضع الذي هو جزء الحرة صار مملوكًا للزوج، فكانت الصيانة للبضع
следующие страницы →