← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

البضع بالمنافع كما إذا تزوج امرأة برعي غنمها سنة جاز وصار ذلك مرهًا. قال تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. فعلم أنها تقومت في باب العقود، ولو لم يتقوم لما جاز رعي الغنم مهرًا. إذ شرعيته بالمال المتقوم؛ لأن للرضا أثرًا في باب الأصول أي المبيع، والفصول أي الثمن، وكل قياس لا يقوم إلا بوصف تقع به المفارقة بين الفرع والأصل باطل، وههنا الوصف الذي تقع به المفارقة التراضي يعني أن التراضي موجود في باب العقود، فلذلك تقومت المنافع هناك ولم يوجد التراضي في باب الغصب فلا تتقوم لذلك. وهذا مثل قول لعض أصحاب الشافعي في مس الذكر إنه حدث؛ لأنه مس الفرج فكان حدثًا كما إذا مسه وهو يبول. وكذلك قولهم: هذا مكاتب فلا يصح التكفير بإعتاقه كما إذا أدى بعض بدل الكتابة وهذا ليس بتعليل لا طردًا ولا تأثيرًا على ما يجيء بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 317

(ولهذا قلنا: إن المال غير مشروع مثلًا) إيضاح لقوله: إن ضمان غير المال المتقوم بالمال المتقوم قضاء بمثل غير معقول؛ وقيد بقوله: مثلًا؛ احترازًا عن شرعيته صلحًا، فإن ولي القصاص يأخذه صلحًا؛ لأن (القصاص مثل للأول صورة) وهي حز الرقية (ومعنى) وهي إزهاق الروح (وهو) أي القصاص (إلى الإحياء الذي هو المقصود) أي بالنص لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ومعنى الإحياء في القصاص من حيث الشرعية ومن حيث الاستيفاء. وقد ذكر المصنف- ﵀ وجه الإحياء في القصاص في باب القياس من هذا الكتاب. (فلك يجز أن يزاحمه) أي أن يزاحم القصاص (ما ليس بمثل صورة) ولا معنى وهو المال. فيه نفي لقول الشافعي، فإن في القتل العمد يجب القصاص عينًا عندنا إلا أن للولي أن يصالح القاتل على المال، وللشافعي قولان: في قول: موجب القتل العمد أحد الشيئين: إما المال، وإما القصاص،

стр. 318

ويتعين أحدهما باختيار الولي. وفي القول الآخر: موجبه القصاص إلا أن للولي أن يختار أخذ الدية من غير رضا القاتل، وعندنا لا يجوز للولي أخذ شيء من الدية إلا برضا القاتل، ولما كان المال عنده أحد موجبي القتل العمد لم يصح عفوًا المريض مرض الموت في حق المال؛ لأن العند عنده يوجب المال ولا وصية للقاتل، وأما في حق القصاص فصحيح. كذا في ((المبسوط)). (وإنما شرع) أي المال (عند عدم المثل) وهو فيما إذا قتل خطأ. قوله: (ولهذا قلنا نحن خلافًا للشافعي) إيضاح لقوله: إن تضمين غير المال المتقوم بالمال المتقوم غير معقول (إن القصاص لا يضمن لوليه بالشهادة الباطلة على العفو). يعني إذا قتل رجل رجلًا عمدًا فادعى القاتل أن ولي المقتول قد عفا عنه، وشهد الشهود بذلك، وقضى القاضي بذلك حتى بطل القصاص، ثم رجع الشهود فقالوا: كذبنا في شهادتنا فإنهم لا يضمنون

стр. 319

عندنا وعنده يضمنون. (أو بقتل القاتل) وهو إضافة المصدر إلى المفعول يعني لو قتل رجل أجنبي من عليه القصاص لا يضمن لمن له القصاص وهو ولي القتيل الأول. (وإنما شرعت الدية) أي في القتل الخطأ، وإنما أعاد هذا لإعادة قوله: فلم يكن له مثل صورة ومعنى؛ لتعليل مسألة أخرى ذكرها. وقوله: (والعفو عن القصاص مندوب إليه) جواب شبهة ترد على ما ذكر قبله، وهي أن يقال: لما صين الدم عن الهدر ينبغي ألا يصح العفو؛ لأن في العفو هدرًا، فأجاب عنه بهذا. (ولهذا قلنا: إن ملك النكاح) يتصل هذا أيضًا بمثله لإيضاح قوله: أن تضمين غير المال المتقوم بالمال المتقوم غير معقل (لا يضمن بالشهادة بالطلاق بعد الدخول) يعني ثم الرجوع يعني إذا شهد الشهود على رجل أنه طلق امرأته ثلاث تطليقات أو طلاقًا بائنًا بعد الدخول، وقضى القاضي به، ثم رجعوا لا يضمنون للزج شيئًا، وكذلك إذا قتل رجل منكوحة رجل لا

стр. 320

يضمن للزوج شيئًا بسبب إبطال النكاح، وكذلك إذا ارتدت المرأة حتى بطل النكاح لا تضمن للزوج شيئًا. (لأنه ليس بمال متقوم) أي لأن ملك النكاح ليس بمال متقوم؛ لأن الملك عبارة: عن القدرة، والشد، والربط، والاختصاص بالمطلق الحاجز، وكيف ما كان الملك صفة قائمة بالمالك فلا يكون مالًا، فلذلك لا يضمن بالمال؛ لأن المال ليس بمثل له لا صورة ولا معنى، ومثل هذا لا يضمن بالمال على ما ذكرنا في غصب المنافع (وإنما يقوم بالمال بضع المرأة تعظيمًا لخطره) أي لعظمته يعني كان ينبغي ألا يجب المال المتقوم عند النكاح أيضًا؛ لأن الآدمي وجميع أجزائه ليس بمال متقوم، فإيجاب المال الذي هو ليس بمثل له لا صورة ولا معنى غير معقول على ما ذكر قبله، ولكن إنما وجب المال عند النكاح إظهارًا لعظمة البضع الذي هو جزء الحرة صار مملوكًا للزوج، فكانت الصيانة للبضع

стр. 321

جبرًا لنقصانه لكونه مملوكًا لا للملك الوارد عليه وهو حل الاستمتاع؛ لأن الملك لم ينتقض بشيء فلا يحتاج إلى الانجبار بالمال، وما كان كذلك لم يجب الضمان على من أبطل ذلك الملك الذي هو غير متقوم بالمال المتقوم. (حتى صح إبطاله بغير شهود) فإن إبطال ذلك الملك بالطلاق غير محتاج إلى الشهود هذا لبيان أن الملك الوارد على البضع لا خطر له، (ولهذا لم يجعل له) أي للبضع (حكم التقوم عند الزوال) أي لا يجب المال عند الطلاق. هذا لبيان أن المال الذي وجب على الزوج عند النكاح إنما كان لجبر نقصان حل بالبضع بكونه مملوكًا، فلذلك لم يجب عند زوال الملك عنه؛ لأنه لم ينتقض بذلك بوجه بل هو إطلاق له فلا يحتاج إلى الجابر. (ولا يلزم الشهادة بالطلاق قبل الدخول فغنها عند الرجوع توجب ضمان نصف المهر) هذه المسألة ترد إشكالًا على أصلنا وأصل الشافعي. أما على أصلنا فظاهر، وهو: أن البضع لما لم يكن له قيمة عند الزوال، حتى إن الشهود لا يضمنون بالشهادة الباطلة بشهادتهم على الزوال بعد الدخول وجب ألا يضمنوا أيضًا.

стр. 322

بالشهادة الباطلة بشهادتهم على الزوال قبل الدخول. وأما على أصل الشافعي- ﵀ فإن ملكا لنكاح ملك متقوم عنده ينبغي أن يلزم تمام المهر على الشهود بشهادتهم الباطلة. (لم يجب مهر المثل تامًا كما قال الشافعي)، فإنه يقول: لا يجب مهر المثل تامًا على الشهود كما هو قولنا إلا أن نقول: إن وجو نصف المهر على الشهود لم يكن باعتبار قيمة البضع بل باعتبار إتلافهم نصف المهر على الزوج، وأما الانفصال للشافعي عما ورد الإشكال على أصله حيث لم يقل هنا بوجوب قيمة البضع تامًا على الشهود مع أنهم أبطلوا ملك النكاح وهو متقوم عنده، فيقول: إن المهر بتمامه سلم للزوج ههنا؛ لأن بالشهادة بالطلاق قبل الدخول سلم له براءة نصف المهر بالنص، ويرجع أيضًا على الشهود بالنصف الذي ضمن فيسلم الكل. وقوله: ألا ترى أنه لم يجب مهر المثل تامًا؛ إيضاح لقوله: إن ضمان نصف المهر على الشهود لم يكن لقيمة البضع بل لإتلافهم ذلك على الزوج؛ على ما ذكرنا. لما أن جبر النقصان يعتمد القيمة لا الثمن.

стр. 323

فإن من غصب عبدًا مثلًا فقمته ألف درهم وكان استراه مولاه بمئة درهم، فعلى الغاصب عند الهلاك يجب الألف لا المائة باعتبار أنه يجب عليه قيمة العبد لا المسمى، وههنا أيضًا كذلك لو كان ما وجب على الشهود باعتبار قيمة البضع لوجب عليهم مهر المثل تامًا؛ لأن قيمة البضع. (لكن المسمى الواجب بالعقد لا يستحق تسليمه) أي تسليم المسمى الواجب بالعقد يعني أن المعقود عليه إذا فات قبل القبض لا يجب شيء، كالمبيع إذا هلك قبل القبض لا يجب على المشتري شيء بل ينتقض البيع، وكذلك في باب النكاح إذا فات المعقود عليه وهو حل بضع المرأة بسبب ليس هو من قبل الزوج لا يجب على الزوج شيء أيضًا، كما إذا مكنت ابن زوجها أو ارتدت- والعياذ بالله- وههنا فات المعقود عليه عن الزوج قبل التسليم إليه بسبب ليس هو من قبل الزوج، ينبغي ألا يجب عليه شيء، لكن وجب عليه نصف المهر بشهادة الشاهدين؛ لأنهما أثبتا على الزوج شببًا مفوتًا جاء من قبله

стр. 324

بالنكاح فهمًا بالإضافة إليه صار كالملزمين عليه نصف الصداق حكمًا، أكأنهما فوتا على لزوج يده في ذلك النصف بعد فوات تسليم البضع، فيكونان بمنزلة الغاصبين في حقه، فيجب عليهما ضمانه، وهذا لأنهما لما رجعا عن شهادتهما زعما أنهما قصرا يده عن هذا المقدار من المال، فيجب عليهما ضمانه، وقيمة الشيء قضاء له لا محالة؛ لأنها مثله في المالية ويخرج بها عن عهدة ضمانه، والقضاء إسقاط الواجب بمثل من عنده. (وصح تسليمه) أي تسليم العبد باعتبار أنه معلوم من وجه بالصرف إلى الوسط في جنس العبيد، (فصارت القيمة مزاحة للمسمى) أي كان للقيمة جهة الإصالة أيضًا (من هذا الوجه) كالمسمى يعني كما كان المسمى أصلًا كانت القيمة أيضًا أصلًا، فلذلك تجبر المرأة على القبول إذا أتى الزوج بأيهما كان، ولكن لما كانت قيمة الشيء مثله كان في تسليمها جهة القضاء أيضًا، لوجود حد القضاء فيه، فلما كان حد القضاء فيه موجودًا من هذا الوجه كان جانب حقيقة القضاء فيه راجحًا، فلذلك كان قضاء في حكم الأداء لا أداء في حكم القضاء. بخلاف العبد العين أو المكيل أو الموزون إذا كان موصوفًا أو

стр. 325

معينًا؛ لأن المسمى معلوم بعينة وصفته، فتكون القيمة بمقابلته قضاء ليس في معنى الأداء، فلا تجبر على القبول إذا أتاها به إلا عند تحقق العجز عن تسليم ما هو المستحق كما في ضمان الغصب. كذا ذكره الغمام شمس الأئمة- ﵀. (ومن قضية الشرع) أي ومن مقتضى حكمة الأمر (في هذا الباب) أي باب الأمر (أن حكم الأمر موصوف بالحسن عرف ذلك بكونه مأمورًا به) أي لم يعرف كون المأمور به حسنًا، لا من حيث اللغة، فإن صفة الأمر كما يجيء من أمن يؤمن كذلك يجيء من كفر يكفر، ولا من حيث (العقل)، فإن العقل غير موجب لحسن الشيء ولا لقبحه عندنا خلافًا للمعتزلة، بل هو معرف على ما يجيء بل عرف حين المأمور به من قضية حكمة الآمر في الشرع؛ لأن الشارع حكيم، والحكيم لا يأمر بالقبيح، وهذا الذي ذكر إنما ذكره لمناسبة الباب.

стр. 326

باب بيان صفة الحُسن للمأمور به (ضرب لا يحتمل سقوط هذا الوصف) أي وصف الحسن لان حسنه لذاته فلا يسقط عنه هذا الوصف لعدم سقوط المأمور وهو يدر مع المأمور به كالتصديق بالقلب في الإيمان بالله تعالى.

стр. 327

(وضرب يقبله) أي يقبل السقوط. يعني يسقط عن المكلف التكليف به لا أن حسنة يسقط عنه؛ لأن حسنه لذاته، فلا يتصور الانفكاك عنه، لكنه يحتمل سقوط التكليف به بعارض الجنون والإغماء وهو الصلاة. (وضرب منه ملحق بهذا القسم) كالزكاة والصوم والحج، وقوله: بهذا القسم؛ أي بالذي حسن لمعنى في نفسه. (وما حسن لغيره وذلك الغير قائم بنفسه مقصودًا) وهو الصلاة بعد الوضوء قائمة بنفسها مقصودة (لا تتأدى بالذي قبله بحال) أي لا تتأدى

стр. 328

الصلاة بفعل المأمور به الذي قبلها وهو الوضوء في كل حال، وهذا احتراز عن الضرب الذي بعده وهو الجهاد وصلاة الجنازة، فإنهما صارا حسنين بسبب قهر الكفرة وقضاء حق المسلمين، فغنهما يتأديان بفعل نفس المأمور به وهو الجهاد وصلاة الجنازة. (وضرب منه حسن لحسن في شرطه بعد أن كان حسنًا لمعنى في نفسه أو غيره) يعني يكون المأمور به حسنًا باعتبار أنه مأمور به صدر من حكيم، ويكون ذلك المأمور به حسنًا أيضًا باعتبار شيء آخر غيره، وهو كون القدرة الممكنة شرطًا له، ويجوز أن يكون الشيء حسنًا لمعنى في نفسه وحسنًا أيضًا لمعنى في غيره كما إذا قال: والله لأصلين ظهر هذا اليوم. كان الظهر حسنًا باعتبار أنه مأمور به، وحسنًا أيضًا باعتبار معنى في غيره وهو البر في يمينه تعظيمًا لاسم الله تعالى. ولهذا أيضًا نظير في الحسيات كامرأة حسناء في نفسها خلقة ثم إذا لبست أثوابًا فاخرة رائقة وزينت نفسها مع ذلك بأنواع من الزين كانت هي حسنة في نفسها حسنة لمعنى في غيرها. (وهذا القسم يسمى جامعًا)؛ لأنه يجمع النوعين مع ضروبهما، ثم إنما أورد هذا القسم في النوع الثاني مع أنه جامع للنوعين لحصل الزائد من الغير

стр. 329

فكان مناسبًا للنوع الثاني؛ إلا أن هذا الغير لا يختص بالنوع الثاني، بل يشمل النوعين فسمي جامعًا. (وهو ركن لا يحتمل السقوط) أي سقط وصف الحسن. (حتى إذا تبدل بضده بعذر الإكراه لم يعد كفرًا) يعني إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان (لأن اللسان ليس معدن التصديق)؛ لأنه لو كان اللسان معدنًا للتصديق يلزم أن يكون إقرار المنافق إيمانًا؛ لأنهم ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ قال الله تعالى في مقابلة شهادتهم ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. فعلم أن اللسان ليس معدن التصديق (فكان ركنًا دون الأول) أي كانت ركنية الإقرار أحط رتبة من ركنية التصديق في ماهية الإيمان؛ لسقوط وصف الحسن عن الإقرار في وقت من الأوقات، وهو وقت الإكراه وعدم سقوط وصف الحسن عن التصديق في كل الأوقات، ولكن مع ذلك فوات الإقرار من غير عذر يدل على فوات الإيمان، فكان الإقرار أدنى درجة من التصديق وأعلى درجة من سائر العبادات، فكان التصديق والإقرار ركنين في ماهية

стр. 330

الإيمان إلا أن التصديق أعلى الركنين والإقرار أدناهما، فصار كالقيام مع القراءة في حق الصلاة، فكان الإقرار مع ذلك ركن الإيمان وجودًا وعدمًا، فإن وجوده يدل على وجود الإيمان، فواته في حالة الاختيار- أي تبديله بغيره- يدل على فوات الإيمان. وقوله: (فمن صدق بقلبه وترك البيان من غير عذر لم يكن مؤمنًا) هذا الذي ذكره هو مذهب المحققين من الفقهاء، وأما عند أهل الكلام فهو مؤمن عند الله تعالى. وقال في ((الكفاية)) وقال المحققون من أصحابنا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان شرط إجراء الاحكام في الدنيا، حتى إن من صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى لوجود التصديق غير مؤمن في أحكام الدنيا لعدم الإقرار.

стр. 331

(من لم يصادف وقتًا يتمكن فيه من البيان) بان كان معتقل اللسان (فكان مختارًا في التصديق) أي قبل ظهور البأس وقبل أن يرى ملائكة العذاب (كان مؤمنًا إن تحقق ذلك) وإنما ذكر تحققه بحرف الشرط لندرة ذلك التحقق. وقوله: (وكالصلاة) وهو نظير القسم الثاني من النوع الاول بدليل إعادة كلمة التشبيه كما في قوله: فنحو الإيمان؛ وأما الإقرار فهو أحد نوعي القسم الأول من النوع الأول، فكان التصديق والإقرار معًا نظير القسم الأول من النوع الأول (حتى سقطت بأعذار كثيرة) كالجنون والإغماء والحيض والنفاس. (إلا أنها ليست بركن في الإيمان) أي عندنا حتى أن فوتها وتفويتها مع الاختيار لا يدل على فوات الإيمان، إذا كان الاعتقاد مع فرضيتها موجودًا بخلاف الإقرار، فإن ذلك دليل التصديق وجودًا وعدمًا. وأما الصلاة فلا تكون دليل التصديق وجودًا وعدمًا، وقد تدل على ذلك إذا أتى بها على هيئة مخصوصة، ولهذا قلنا إذا صلى الكافر بجماعة المسلمين يحكم بإسلامه.

стр. 332

(فإن الصوم صار حسنًا لمعنى قهر النفس، والزكاة لمعنى حاجة الفقير) - إلى أن قال- (إلا أن هذه الوسائط غير مستحقة لأنفسها)؛ لانها كانت بخلق الله تعالى إياها على هذه الصفة، فلذلط كانت الزكاة والصوم والحج في المعنى من النوع الذي هو حسن لمعنى في عينه لكون هذه الوسائط مما لا اختيار له. فإن قلت: لم جعلت هذه الوسائط وسائط حتى جعلت هذه المأمور بها وهي الزكاة والصوم والحج من القسم الثالث، ولم جعل الصلاة من جملتها مع أن واسطة القبلة موجودة فيها أيضًا، وتلك الواسطة مما لا اختيار لها كما في هذه الوسائط أيضًا، ومع ذلك جعلت الصلاة نظير القسم الثاني من النوع الأول على ما ذكرت؟ قلت: جواب هذا مع ما يتلاحق به موفى في ((الوافي)).

стр. 333

(فصار هذا كالقسم الثاني) أي صار القسم الثالث وهو الزكاة ونحوها كالقسم الثاني وهو الصلاة حتى (شرطنا لها أهلية كاملة) من العقل والبلوغ؛ لأن ما لم يكن عبادة خالصة يجوز أن يجب على الصبي والمجنون وما كان عبادة خالقة كالصلاة والزكاة لا يجب عليهما فشرطت الأهلية الكاملة في العبادات الخالصة ابتلاء بخلاف حقوق الناس حيث يجب عليهما عند وجود سببها؛ لأن وجوب ذلك لم يكن ابتلاء بل لإحياء حققهم وجبر ما نقص من حاجاتهم. (وقط لا يتأدى به الجمعة) أي لا تتأدى الجمعة بالسعي نفسه بل بفعل مقصود بعده وهو إقامة الجمعة، بخلاف الجهاد حيث يتأدى المقصود الذي هو المحسن وهو إعلاء كلمة الله تعالى بالجهاد نفسه.

стр. 334

وقوله: (وكذلك الوضوء عندنا) أي ليس هو بفرض مقصود، وبين ذلك بقوله: (ليست بعبادة مقصودة). (ولا يتأدى به الصلاة بحال) أي لا يسقط فرض بمجرد الوضوء. (وتستغني عن صفة القربة في الوضوء) أي وتستغني الصلاة عن وجود النية في الوضوء. (أن الصلاة تستغني عن هذا الوصف) أي عن وصف النية في الوضوء بان يكون الوضوء منويًا. (لكنه خلاف الخبر) وهو قوله ﵇: ((الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال)) كذا في ((المصابيح)).

стр. 335

(ولما كان المقصود يتأدى بالمأمور به بعينه كان شبيها بالقسم الأول) أي لما كان المقصود وهو إعدام الكفر وقضاء حق الميت يتأدى بنفس الجهاد ونفس الصلاة على الميت كان نفس الجهاد ونفس الصلاة على الميت شبيهًا بالذي هو حسن لمعنى في نفسه كالإيمان والصلاة. بخلاف الوضوء مع الصلاة، ف'ن الصلاةً لا تتأدى بنفس الوضوء. (وأما الضرب الثالث فمختص بالأداء) أي الضرب الذي هو حسن لحسن في شرطه وهو الضرب الجامع للنوعين. يشترط وجود ذلك الشرط في حق الأداء (دون قضاء) أي يبقى القضاء واجبًا في ذمة المكلف بدون ذلك الشرط الذي هو (عبارة عن قدرة يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه وذلك شرط الأداء) أي شرط لتحقق الأداء، وذلك لأن القدرة مقارنة للفعل؛ لأن الفعل لا يتصور بدون تلك القدرة فيتوقف الفعل على تلك القدرة.

стр. 336

فأما كون الفعل مأمورًا به وكونه واجبًا عليه فلا يتوقف على تلك القدرة بل يتوقف ذلك على سلامة الآلات وصحة الأسباب، فتكون القدرة الحقيقية شرطًا لوجود الفعل لا لكون الفعل مأمورًا به، فإن المأمور به يؤمر به قبل أن توجد تلك القدرة. ومعنى قوله: (وذلك شرط الأداء دون الوجوب) أي شرط تحقق الأداء لا شرط نفس الوجوب بالدليل وجوب الصلاة على النائم والمغمى عليه فيما إذا أغمي دون يوم وليلة. وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمة الله- فإن الواجب أداء ما هو عبادة، وذلك عبارة عن فعل يكتسبه العبد عن اختيار ليكون معظمًا فيه ربه فينال الثواب، وذلك لا يتحقق بدون هذه القدرة. غير أنه لا يشترط وجودها وقت الأمر لصحة الأمر؛ لأنه لا يتأدى المأمور به بالقدرة الموجودة وقت الأمر بحال، وإنما يتأدى بالموجود منها عند الأداء وذلك غير موجود سابقًا على الأداء، فإن الاستطاعة لا تسبق الفعل وانعدامها عند الأمر لا يمنع صحة الأمر، ولا يحرجه من أن يكون حسنًا بمنزلة انعدام المأمور، فإن النبي ﵇ كان رسولًا إلى الناس افة. قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ)؛ وقال: (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ) ولا شك أنه أمر جميع من أمرسل إليهم بالشرائع، ثم صح الأمر في

стр. 337

حق الذين وجدوا بعده، ويلزمهم الأداء الأداء بشرط أن يبلغهم فيتمكنوا من الأداء. قال الله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) فكما يحسن الأمر قبل وجود المأمور يحسن قبل وجود القدرة التي يتمكن بها من الأداء، ولن يشترط التمكن عند الأداء. ألا ترى أن التصريح بهذا الشرط لا يعدم صفة الحسن في الأمر، فإن المريض ي﴾ مر بقتال المشركين إذا برأ، فيكون ذلك حسنًا. قال الله تعالى: (فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي إذا آمنتم من الخوف فصلوا بلا إيماء ولا مشي. (وهو نوعان) أي الضرب الثالث الذي هو عبارة عن القدرة نوعان: (مطلق وكامل) المراد من المطلق: القدرة الممكنة وهي أدنى ما يتمن به المأمور من أداء ما لزمه. ومن الكامل: القدرة الميسرة وهي زائدة على الأولى بدرجة، (وهذا فضل ومنة من الله تعالى عندنا). فإن قلت: إن نفس الأداء لا يتحقق بدون هذه القدرة. إذا الأمر بدون هذه

стр. 338

القدرة كان تكليف ما ليس في الوسع، وقد تبرأ الله تعالى عنه بقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) فاشترط هذه القدرة حينئذ كان عدلًا لا فضلًا فكيف سماه فضلًا؟ قلت: إنما قال هذا فضل من الله تعالى؛ لأن الله تعالى يعطي ما يعطي لعباده لا عن وجوب عليه، فكيف فضلًا من هذا الوجه، ولا تنافي بين العدل والفضل عند اختلاف الجهة، فكان ما أعطى العبد من القدرة فضلًا منه من حيث إنه لا يجب عليه شيْ لما أن الأصلح على الله تعالى ليس بواجب وعدلًا وحكمة من

стр. 339

حيث إنه لا يتأتى هذا الفعل من العبد بدونه كما ذكره في (التقويم). ولكن ما ذكره المصنف ﵀ أحسن في العبارة ليكون إشارة إلى مذهبنا بأن الله تعالى متفضل بكل ما أعطى العبد من النعم، ولأن العدل إنما يستعمل في عقوبة الجاني بقدر جنايته لا زائد عليها، ولما كان ذر الفضل ذكرا يختص بمذهبنا خلافًا للمعتزلة لما عرف في مسألة الأصلح. قال عندنا، (حتى أجمعوا أن الطهارة بالماء لا تجب على العاجز عنها ببدنه) وتأويله إذا لم يجد من يعينه فإن وجد من يعينه إن كان ذلك حرا يجوز التيمم عند أبي حنيفة ﵁ لأنه عاجز عن الطهارة بالماء ببدنه ولا يجب على الحر إعانته، وعندهما لا يجوز التيمم؛ لأنه قادر على التوضيء

стр. 340

أصله الأعمى إذا وجد قائدًا هل يجب عليه الجمعة، فإن وجد مملوكًا بعينه؟ فعندهما لا يجوز التيمم بالطريق الأولى، وعند أبي حنيفة - رحمة الله - يجوز له التيمم في رواية ولا يجوز له في أخرى؛ لأن مملوكه بمنزلة يديه. (إلا بنقصان يحل) به بأن اشتد مرضه (أو بماله في الزيادة) بأن يكون على ضعف قيمته بأن كان في موضع، ثمن ماء يتوضأ به درهم وهو لا يجد إلا بدرهمين فإنه يتيمم، ولو وجده بدرهم ونصف فإنه يشتريه. كذا ذره في (المبسوط). وقوله (وفي مرض) معطوف على قوله: في الزيادة؛ أي لا تجب الطهارة بالماء من عجز عن استعمال الماء إلا بنقصان يحل بماله في حق الزيادة على ثمن مثله أو بنقصان يحل ببدنه في حق مرض (يزداد به) أي بسبب استعمال الماء، وحاصله أن الله تعالى كما نفى تكليف ما ليس في الوسع بقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) كذلك نفي الحرج بقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فما يوجب الحرج في نفسه أو ماله كان منفيًا.

стр. 341

(لا يجب أداؤها إلا بهذه القدرة) وهي القدرة الممكنة. وحاصل هذا أن من كان مأمورًا بفعل في زمان كالإيمان بالله تعالى في دار الدنيا، زكالأضحية في أيام العيد، أو في مكان كذبح الهدايا في الحرم وغيرها لا بد أن يكون المأمور قادرًا على تحصيل المأمور به على الحقيقة؛ لأن تكليف ما ليس في الوسع ليس بحكمة؛ لأن التكليف ابتلاء وإنما يحصل الابتلاء بقدرة المكلف. إن أتى بالمأمور به يثاب وإن تركه يعاقب. ألا ترى أنه لا يجوز أن يؤمر المقعد بالمشي والأعمى بالإبصار بالعين، والآدمي بالطيران؛ لأن كلًا منهم ليس بقادر على تحصيل ما أمر به. إذا عرف هذا فنقول: من كان مأمورًا بالإيمان لم يكن له بد من القدرة على اكتساب الإيمان، وتلك القدرة تعتمد سلامة الآلات وصحة الأسباب، فكان التكليف دائرًا بتلك القدرة لا بالقدرة الحقيقية التي تقارن الفعل إذ لو كان كذلك ينبغي ألا يكون أحد مأمورًا بالفعل قبل وجود الفعل؛ لأن تقديم المشروط على الشرط محال وهذا لا يجوز؛ لأنه مأمور بالإيمان قبل حصول تلك القدرة بالإجماع، وكذلك من كان مأمورًا بالطهارة بالماء لا بد له من القدرة على تحصيل الطهارة بالماء وذلك بسلامة الآلات والأسباب، وذلك من كان مأمورا بأداء ركعتين أو أزيد منه في الوقت لم يكن بد من القدرة على تحصيل ما أمر به وذلك بسلامة الآلات والأسباب وكذلك في غيرها. وقال زفر ﵀ لما كان هذا الأصل مستقرًا إذا أسلم الكافر في آخر الوقت أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون، ولم يبق من الوقت إلا مقدار تسع فيه

стр. 342

التحريمة فقط لا قضاء عليهم؛ لأنهم لم يقدروا على تحصيل ما أمروا به في الوقت، والقضاء خلف الأداء، فإذا لم يكن الأداء مقدورًا لهم لم يثبت القضاء كما وجد هذه الأشياء بعد انقضاء الوقت. لكن أصحابنا قالوا: القياس ما ذكرت إلا أنا استحسنا وجوب القضاء عليهم؛ لأن القدرة الحقيقية التي هي المقارنة للفعل ليست بشرط لوجوب القضاء عليهم بالاتفاق فبعد ذلك نقول: لما لم تكن القدرة المقارنة شرطًا لوجوب القضاء وقد وجد هنا سبب أصل الوجوب وهو جزء من الوقت وأصل الوجوب لا يفتقر لإلى القدرة ووجوب الأداء مفتقر إلى القدرة لكون الأداء مطلوبًا منه، وما ذكرت من القدرة شرط لتكليف الأداء في الوقت، وهؤلاء لم يخاطبوا بالأداء في الوقت لعدم القدرة على ذلك، ولكن توهم القدرة كاف لوجوب الأداء ليظهر أثره في حق وجوب القضاء، والقدرة على هذا التفسير متوهمة؛ لأن الله تعالى قادر على أن يوقف الشمس فيمتد الوقت فيؤدي هو في الوقت إلا أنه لما كان المأمور عاجزًا عن الأداء في الوقت في الحال لم يخاطب بالأداء في الوقت، وتعتبر هذه القدرة في حق وجوب القضاء؛ لأن القضاء خلف وشرط الخلف عدم الأصل في الحال مع إمكان الأصل في الجملة وقد وجد هنا، وهذا أصل واضح لعلمائنا فإنهم قالوا: إذا حلف ليمس السماء أو ليقبلن هذا الحجر ذهبًا انعقدت اليمين للبر وهو الأصل، لكنه لما كان عاجزًا في الحال وجب القول بوجوب الخلف وهو الكفارة؛ لأن الأصل ممكن.

стр. 343

ألا ترى أن الأصل إذا لم يكن ممكنًا وهو البر لم يثبت الخلف وهو الكفارة كما في اليمين الغموس، فصارت القدرة على هذا التقرير نوعين: قدرة ثبتت للمكلف على تحصيل ما كلف به وهي عند سلامة الآلات وصحة الأسباب وهذه القدرة ثبت أثرها في لزوم الأداء في الوقت فإذا فات يجب القضاء. وقدرة متوهمة غير مقدوره للعبد على ما هو العادة فتعتبر هذه القدرة في حق وجوب الأداء ليثبت ذلك الوجوب في حق الخلف، والشيء قد يثبت تقديرًا وإن لم يثبت تحقيقًا. ألا ترى أن القادر على استعمال الماء حقيقة يقدر عاجزًا تقديرًا كما في الماء المعد لدفع العطش، وكالنائم يعد قادرًا على الأداء تقديرا حتى يظهر أثر ذلك في حق وجوب القضاء، بخلاف ما إذا انقضى الوقت ثم وجد ما ذكرنا من الإسلام وغيره؛ لأن القدرة في الحال في الزمان الماضي من المستحيلات فلم يمكن أن يعد قادرا، ثم ما ذكرنا من نوعي القدرة ليس بشرط في وجوب القضاء. ألا ترى أنه في النفس الأخير من العمر يلزمه تدارك ما فاته وليس هو بقادر على تحصيل ما أمر به في القضاء ولهذا يبقى عليه بعد الموت، وليس ذلك كالجزء الأخير من الوقت في حق الأداء؛ لأنا اعتبرنا تلك القدرة ليظهر أثرها في حق الخلف ولا خلف للخلف، فلم تعتبر وقد بقيت الفوائت عليه.

стр. 344

فعلم أن القدرة مختصة بالأداء. قوله: (لأن تمكن السفر المخصوص به) أي بالحج (لا يحصل بدون) الزاد والراحلة (في الغالب) فلذلك كانت القدرة الممكنة في الحج القدرة على الزاد والراحلة، ولا يقال بل دون هذه القدرة قدرة أدنى منها قد يتمكن المرء من أداء الحج وهي صحة البدن التي يقدر بها على تحصيل الزاد في الطريق بالاكتساب ويقدر أيضا على المشي حتى صح النذر به، وقد نرى وجود الحج بهذه الطريقة، والقدرة الممكنة هي أدنى ما يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه فينبغي أن يجب الحج على الصحيح البدن المكتسب؛ لأنا نقول: لا يجب الحج على من لا يملك الزاد والراحلة. إذ لو قلنا بوجوبه على من هذا صفته يقع الناس في غاية الحرج، والله تعالى نفى ذلك بنص كتابه بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) والذي اعتبرناه في الصلاة من توهم القدرة وإن كان لا يتحقق الأداء من مثل ذلك القادر غالبا ليظهر أثره في خلفه وهو القضاء لا لعين الأداء، فإن عين الأداء منه غير مطلوب. وأما في صورة الحج فلا يمكن مثل هذا القول؛ لأنه لا خلف هناك ينتفي الحرج عند مباشرة ذلك الخلف. (حتى إذا هلك النصاب بعد الحول قبل التمكن سقط الواجب بالإجماع)

стр. 345

هذا إيضاح ما ذكره بقوله: فأدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه بدنيا ان أو ماليا (وهذا في المالي؛ لأنه لما لم يتمكن من أداء ما لزمه وهلك المال قبل التمكن لم يحصل له من القدرة أدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه، فلذلك سقط الواجب، أي لم يجب عليه ما له عرضية الوجوب، وإنما قلنا هذا؛ لأن عندنا لا يجب عليه الواجب إلا عند وجود القدرة الممكنة وهي لم تحصل له، وكذلك عند الشافعي فإن عنده لا تجب الزكاة إلا بثلاث شرائط: كمال النصاب، وحولان الحول، والتمكن من الأداء كذا ذكره في (المبسوط). وصورة ذلك في ابن السبيل إذا كان له نصاب في بيته وحال الحول عليه فوجب عليه أداء الزكاة إذا بلغه، وإذا هلك النصاب قبل البلوغ إليه سقط الواجب بالإجماع. (ولهذا قال زفر في المرأة تطهر من حيضها أو نفاسها) إلى آخرة هذا إيضاح أيضا لما ذكر أن أدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه من القدرة شرط خطاب الأداء، وهؤلاء لما لم يدركوا وقتا صالحا للأداء غالبا لم يخاطبوا به فلذلك لم يلزمهم قضاؤه لانعدام الشرط وهو التمكن من الأداء غالبا لا نادرا ولكن علماؤنا قالوا: يلزمهم أداء الصلاة استحسانا؛ لأن السبب

стр. 346

الموجب جزء من الوقت وشرط وجوب الأداء كون القدرة على الأداء متوهم الوجود لا كونها متحقق الوجود. وقوله: (بعد تمام الحيض) أي بعد العشرة أي تشترط حقيقة الطهر في جزء من الوقت بأن يكون أيامها عشرة (أو دلالة انقطاعه) بأن يون أيامها دون العشرة، فينقطع الدم، والباقي من الوقت مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه وتتحرم للصلاة. وذر المصنف ﵀ في كتاب حيض له مفرد: إن مدة الاغتسال من الحيض إذا كانت أيامها دون العشرة، ويتفرع عن هذا الأصل مسائل: أن الزوج إذا راجعها في تلك المدة في الحيضة الأخيرة من العدة تصح، ولا يجوز للزوج قربانها في تلك المدة، وإذا كانت أيامها عشرة ليس كذلك، حتى يجوز للزوج قربانها في تلك المدة ولا تصح الرجعة. وقوله: (قبل تمامه) أي تمام الحيض وتمامه بالعشرة، وهذا لأن في أوامر العباد صفة الحسن ولزوم الأداء يثبت بهذا القدر من القدرة، فإن من قال لعبده: اسقني ماء غدا يون أمرا صحيحا موجبا للأداء فلا يتعين للحال بأنه

стр. 347

يقدر على ذلك في غد لجواز أن يموت قبله أو يظهر عارض يحول بينه وبين التمكن من الأداء، فكذلك في أوامر الشرع وجوب الأداء يثبت بهذا القدر. (وكذلك في سائر الفصول) أي في فصل الصبي، وفصل الكافر، وفصل المسافر بأن بلغ وأسلم وأقام. وقوله: (لكن توهم القدرة) أي القدرة الممكنة (يكفي لوجوب الأصل) أي لوجوب الأداء. (والأمر المطلق في اقتضاء صفة الحسن يتناول الضرب الأول من القسم الأول) أي يحمل على أن المأمور به حسن لعينه، ولا يحمل على أنه

стр. 348

حسن لغيره، ولكن يحتمل أن يكون حسنا لغيره على ما ذكر. فإن قلت: في أي موضع صورة هذه المسألة؟ إن قلت: في العبادات، فقد ذكر قبيل هذا بطريق التفصيل أن هذا من قبيل الحسن لمعنى في عينه كالإيمان، وأن هذا من قبيل الحسن لمعنى في غيره كالسعي إلى الجمعة وغيره. وإن قلت: في غير العبادات فتعليله في الكتاب بقوله: وكذلك كونه عبادة يقتضي هذا المعنى يرد ذلك. قلت: الكلام مجرى على إطلاقه فيدخل تحته العبادات وغيرها، وما ذكره أولا بطريق التفصيل كان جزئيا وهذا كلي والكلي غير الجزئي خصوصا عند احتمال غير ذلك. ألا ترى أن مثل هذا مذكور في حق الوجوب فإن صور الواجبات في العبادات مذكورة بطريق التفصيل أن هذا العبادات واجبة أي فريضة كالصلوات الخمس وواجبة عملا لا علما كالعمرة والأضحية وهذه العبادات غير واجبة كالنوافل، ثم ذكر أن مطلق الأمر يحمل على الوجوب باعتبار هذا المعنى أن هذا كلي وذاك جزئي والكلي غير الجزئي، والعلم بالجزئي لا يون علما بالكلي وكذا في عكسه، فإن النادبين والمبيحين والواقفين في الأمر المطلق يعرفون وجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم وهي جزئية، ولا

стр. 349

يعرفون وجوب الأمر المطلق وهو كلي، وكذا في عكسه أن كل أحد كان يعرف وجوب شكر المنعم وحظر الكفران، وكان لا يعرف بطريق التفصيل قبل ورود الشرع أن الصلاة والزكاة وغيرهما من قبيل شر المنعم أم لا؟ ونكاح المحارم وسائر المحرمات من النساء من حظر الكفران أم لا؟ وكذلك كل أحد يعرف بطريق الإجمال أن جواب الفتوى إما أن يكون نعم أم لا، ولكن لا يعلم بطريق التفصيل أن جواب هذه الفتوى المعينة نعم أم لا؟ إلا بعد زيادة المجاهدة في التحصيل، وترك أمر الدنيا في التعطيل، ولأن المرء قد يحتاج في التمسك في مسألة من المسائل بمطلق الأمر إلى معرفة أن هذا حسن لمعنى في عينه؛ لأن هذا ثابت بمطلق الأمر، ومطلق الأمر يقتضي ذلك كما نقول مثل ذلك في التمسك بالوجوب. وقوله: (لأن كمال الأمر) والأمر إنما يكمل بحسب كمال ولاية الآمر، ولا آمر أمل ولاية من الشارع، فكان أمره أكمل الأوامر يقتضي كمال صفة المأمور به، وصفة المأمور به إنما تكمل إذا كان حسنه لمعنى في عينه، وإن شيءت معرفته فتأمل في كمال صفة الإيمان مع غيره من المأمور بها كيف ترجح الإيمان على غيره من العبادات، وما ذاك إلا باعتبار أن حسنه ذاتي بحيث لا ينفك عنه أصلا، وكذلك كونه عبادة يقتضي هذا المعنى وهو معنى كون المأمور به حسنا لعينه، وهذا لأن العبادة عبارة عن نوع فعل ابتلي الآدمي بفعله تعظيما لله تعالى مختارا لطاعته على خلاف هوى نفسه. كذا ذكره في (التقوي).

стр. 350

لو تعظيم من هو مستحق التعظيم لمعنى في عينه. وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ والأصح عندي أن بمطلق الأمر يثبت حسن المأمور به لعينه شرعا فإن الأمر لطلب الإيجاد وبمطلقه يثبت أقوى أنواع الطلب وهو الإيجاب، فيثبت أيضا أعلى صفات الحسن لأنه استعباد فإن قوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وقوله: (اعْبُدُونِي) هما في المعنى سواء، والعبادة لله تعالى حسنة لعينها. (ويحتمل الضرب الثاني) وهو كون المأمور به حسنا لمعنى في غيره كما في أمر الوضوء، وهذا لأن ثبوت هذه الصفة بطريق الاقتضاء؛ لأن حسنه إنما ثبت لضرورة أن الآمر حكيم، والثابت بطريق الاقتضاء إنما يثبت ما هو الأدنى في ذلك الباب، والأدنى هو الحسن لمعنى في غيره. (وعلى هذا قال الشافعي وهو قول زفر) أي وعلى كون الأمر المطلق مقتضيا صفة الحسن لمعنى في عينه. (دل على صفة حسنه) أي على صفة حسن الجمعة لعينها، ومن ضرورته لم يكن الظهر مشروعا في وقتها لمن وجبت عليه الجمعة.

стр. 351

(حتى قالا: لا يصح أداء الظهر من المقيم مالم تفت الجمعة) إلا أنهما اختلفا في تحقق فوات الجمعى، فعند زفر يتحقق فوتها بفراغ الإمام من صلاة الجمعة، وعند الشافعي بخروج الوقت، واختلافهما هذا بناء على أصل وهو أن السلطان شرط عند زفر ﵀ لإقامة الجمعة، وعند الشافعي ليس بشرط، فكان فوات الأصل وهو الجمعة بخروج الوقت. (صار الظهر حسنا) أي صار حسنا لمعنى في عينه على وجه ينفي حسن غيره؛ لأن حسن الشيء لعينه يقتضي الكمال والكمال في أن يكون هو متعينا لا يزاحمه غيره إذ عند المزاحمة لا يبقى الكمال. فلذلك إذا أدوا صلاة الظهر ثم أدوا صلاة الجمعة لا تنقض ظهرهم بأداء الجمعة فكان المريض والعبد والمسافر بمنزلة من صلى الظهر في بيته، ثم أدرك الجماعة كان فرضه ما أدى في بيته فكذلك ههنا؛ لأن هذا اليوم في حقهم كسائر الأيام، ولو اكتفوا أيضا بأداء الجمعة لا يخرجون عن عهدة فرض الوقت، ولكنا نقول: الجمعة أقوى من الظهر، ولا يظهر الضعيف بمقابلة القوي، وإنما فارق المريض الصحيح في الترخص بترك السعي إلى الجمعة،

стр. 352

فإذا شهدها فهو والصحيح سوا، فيكون فرضه الجمعة كما في الصحيح. كذا في (المبسوط). (قلنا نحن: لا خلاف في هذا الأصل) وهو أن المقيم الصحيح مأمور بعد الزوال يوم الجمعة بأداء الجمعة. (لن الشأن في معرفة كيفية الأمر بالجمعة) يعني على طريق نسخ حسن الظهر كما هو مذهب الزفر والشافعي - رحمهما الله - أو على تقرير حسن الظهر كما هو مذهبنا. (فصار ذلك مقررا لا ناسخا) أي صار الأمر بأداء الجمعة مقررا للظهر لا ناسخا له. (وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر بإسقاطه بالجمعة) أي الصحيح المقيم أمر بنقض الظهر عنه بأداء الجمعة كما أمر بإسقاط الظهر عنه بأداء الجمعة قبل أدائه.

стр. 353

(وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر بإسقاطه بالجمعة) أي الصحيح المقيم أمر بنقض الظهر عنه بأداء الجمعة كما أمر بإسقاط الظهر عنه بأداء الجمعة قبل أدائه. (وإنما وضع عن المعذور). هذا جواب عن قولهما بأن المريض والعبد والمسافر لم يخاطبوا بالجمعة على وجه المنع. لا نسلم أنهم لم يخاطبوا بالجمعة بل خوطبوا بها؛ لأن قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) عام متناول للجميع، ولكن سقط عنهم وجوبها رخصة وترفيها في حقهم، فإذا أدوا الجمعة عملوا بالعزيمة فيصح. وقوله: (فلا يبطل به العزيمة) أي فلا يبطل بأداء الظهر وهو الرخصة، العزيمة التي هي الجمعة. (وإنما قلنا إن الضرب الثالث من هذا القسم) أي من الذي حسن لمعنى في شرطه. (حكما لتقصيره) أي زجرا لتقصيره. (فضلا من الله تعالى) كيلا يكون تكليف العاجز (فلم يشترط لبقاء الواجب)

стр. 354

كالشهود في باب النكاح فإنه شرط لصحة انعقاد النكاح لا لبقائه، وهذا لأن القدرة الممكنة شرط وجوب الأداء لئلا يكون بدونها التكليف ما ليس في الوسع، فلما وجب الأداء عند وجود هذه القدرة التي هي أدنى ما يتمكن به المرء من أدائه بقي ذلك الواجب قضاء في ذمة المكلف وإن لم يبق تلك القدرة؟ لما أن القضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء، فكان الواجب في القضاء عين ذلك الواجب الذي كان في الأداء فلا يتكرر الشرط في مشروط واحد، فلما كان كذلك كان وجوب الصلاة بالقدرة الممكنة في أصله، فلم يشترط في حال القضاء ما شرط في حال الأداء حتى أنه إذا ترك الصلاة في عنفوان شبابه ثم كبر وانحنى وبم يقدر على قضائها قائما فصلى القضاء قاعدا أو بإيماء يجزيه، لأن الأداء ما وجب في أصله بقدرة ميسرة بل بقدرة ممكنه من الفعل قيبقى كذلك فيخرج عن عهدة القضاء إذا قضاها بالقدرة الناقصة. أو نقول: فلم تشترط القدرة لبقاء الواجب؛ لأن بقاء الشيء غيره بدليل صحة إثباته مع نفي بقائه بأن يقال وجد ولم يبق، فلو كان بقاء الشيء عين ذلك الشيء لما صح ذلك، كما لا يصح قولك وجد ولم يوجد ولما كان بقاء الشيء غير ذلك الشيء فكان اشتراط القدرة التي شرط الوجوب ابتداء لم يكن شرطا لبقاء ذلك الوجوب؛ لأن الشيء إذا كان شرطاً لشيء لا

стр. 355

يلزم أن يكون شرطا لغيره، ولا يقال يلزم حينئذ تكليف ما ليس في الوسع في حق حال البقاء؛ لأنا نقول: لم نقل بالتكليف ابتداء، بل نقول التكليف الذي وجب ابتداء بشرطه وإنما بقي على عهدته ذلك الواجب بسبب تقصيره وإن لم تبق له قدرة وعدم بقاء القدرة لو كان مسقطا للواجب ينبغي أن تسقط الواجبات عن ذمته بالموت؛ لأنه لا عجز أقوى من الموت، وقد بقيت الواجبات في ذمته بعد الموت في حق الإثم بالإجماع. علم أن العجز غير مسقط للواجب وإن لم تبقى القدرة. (لا تسقط بهلاك المال كما ذكرنا) وهو قوله: لأن هذه القدرة كانت شرطا لوجوب الأداء إلى آخره. (وأما الكامل من هذا القسم) أي من الذي حسن لمعنى في شرطه (وهي زائدة على الأولى) أي في اليسر (بدرجة) وهي درجة التغيير والتيسير، فإن الواجب بالقدرة الميسرة أينما وجب، وجب متغيرا عن أصل القدرة إلى قدرة اليسر فيبقى كذلك على صفة اليسر؛ لأن التغير باليسر صفة له لا شرط، فلا يبقى الموصوف بدون الصفة؛ لأنه حينئذ لا يكون موصوفا بها فيشترط دوامها ليكون موصوفا بها بخلاف القدرة الممكنة فإنها شرط وجوب الأداء لئلا يكون التكليف بدونها تكليف ما ليس في الوسع، وقد وجد الوجوب حال وجود
следующие страницы →