← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(حتى قالا: لا يصح أداء الظهر من المقيم مالم تفت الجمعة) إلا أنهما اختلفا في تحقق فوات الجمعى، فعند زفر يتحقق فوتها بفراغ الإمام من صلاة الجمعة، وعند الشافعي بخروج الوقت، واختلافهما هذا بناء على أصل وهو أن السلطان شرط عند زفر ﵀ لإقامة الجمعة، وعند الشافعي ليس بشرط، فكان فوات الأصل وهو الجمعة بخروج الوقت. (صار الظهر حسنا) أي صار حسنا لمعنى في عينه على وجه ينفي حسن غيره؛ لأن حسن الشيء لعينه يقتضي الكمال والكمال في أن يكون هو متعينا لا يزاحمه غيره إذ عند المزاحمة لا يبقى الكمال. فلذلك إذا أدوا صلاة الظهر ثم أدوا صلاة الجمعة لا تنقض ظهرهم بأداء الجمعة فكان المريض والعبد والمسافر بمنزلة من صلى الظهر في بيته، ثم أدرك الجماعة كان فرضه ما أدى في بيته فكذلك ههنا؛ لأن هذا اليوم في حقهم كسائر الأيام، ولو اكتفوا أيضا بأداء الجمعة لا يخرجون عن عهدة فرض الوقت، ولكنا نقول: الجمعة أقوى من الظهر، ولا يظهر الضعيف بمقابلة القوي، وإنما فارق المريض الصحيح في الترخص بترك السعي إلى الجمعة،

стр. 352

فإذا شهدها فهو والصحيح سوا، فيكون فرضه الجمعة كما في الصحيح. كذا في (المبسوط). (قلنا نحن: لا خلاف في هذا الأصل) وهو أن المقيم الصحيح مأمور بعد الزوال يوم الجمعة بأداء الجمعة. (لن الشأن في معرفة كيفية الأمر بالجمعة) يعني على طريق نسخ حسن الظهر كما هو مذهب الزفر والشافعي - رحمهما الله - أو على تقرير حسن الظهر كما هو مذهبنا. (فصار ذلك مقررا لا ناسخا) أي صار الأمر بأداء الجمعة مقررا للظهر لا ناسخا له. (وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر بإسقاطه بالجمعة) أي الصحيح المقيم أمر بنقض الظهر عنه بأداء الجمعة كما أمر بإسقاط الظهر عنه بأداء الجمعة قبل أدائه.

стр. 353

(وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر بإسقاطه بالجمعة) أي الصحيح المقيم أمر بنقض الظهر عنه بأداء الجمعة كما أمر بإسقاط الظهر عنه بأداء الجمعة قبل أدائه. (وإنما وضع عن المعذور). هذا جواب عن قولهما بأن المريض والعبد والمسافر لم يخاطبوا بالجمعة على وجه المنع. لا نسلم أنهم لم يخاطبوا بالجمعة بل خوطبوا بها؛ لأن قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) عام متناول للجميع، ولكن سقط عنهم وجوبها رخصة وترفيها في حقهم، فإذا أدوا الجمعة عملوا بالعزيمة فيصح. وقوله: (فلا يبطل به العزيمة) أي فلا يبطل بأداء الظهر وهو الرخصة، العزيمة التي هي الجمعة. (وإنما قلنا إن الضرب الثالث من هذا القسم) أي من الذي حسن لمعنى في شرطه. (حكما لتقصيره) أي زجرا لتقصيره. (فضلا من الله تعالى) كيلا يكون تكليف العاجز (فلم يشترط لبقاء الواجب)

стр. 354

كالشهود في باب النكاح فإنه شرط لصحة انعقاد النكاح لا لبقائه، وهذا لأن القدرة الممكنة شرط وجوب الأداء لئلا يكون بدونها التكليف ما ليس في الوسع، فلما وجب الأداء عند وجود هذه القدرة التي هي أدنى ما يتمكن به المرء من أدائه بقي ذلك الواجب قضاء في ذمة المكلف وإن لم يبق تلك القدرة؟ لما أن القضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء، فكان الواجب في القضاء عين ذلك الواجب الذي كان في الأداء فلا يتكرر الشرط في مشروط واحد، فلما كان كذلك كان وجوب الصلاة بالقدرة الممكنة في أصله، فلم يشترط في حال القضاء ما شرط في حال الأداء حتى أنه إذا ترك الصلاة في عنفوان شبابه ثم كبر وانحنى وبم يقدر على قضائها قائما فصلى القضاء قاعدا أو بإيماء يجزيه، لأن الأداء ما وجب في أصله بقدرة ميسرة بل بقدرة ممكنه من الفعل قيبقى كذلك فيخرج عن عهدة القضاء إذا قضاها بالقدرة الناقصة. أو نقول: فلم تشترط القدرة لبقاء الواجب؛ لأن بقاء الشيء غيره بدليل صحة إثباته مع نفي بقائه بأن يقال وجد ولم يبق، فلو كان بقاء الشيء عين ذلك الشيء لما صح ذلك، كما لا يصح قولك وجد ولم يوجد ولما كان بقاء الشيء غير ذلك الشيء فكان اشتراط القدرة التي شرط الوجوب ابتداء لم يكن شرطا لبقاء ذلك الوجوب؛ لأن الشيء إذا كان شرطاً لشيء لا

стр. 355

يلزم أن يكون شرطا لغيره، ولا يقال يلزم حينئذ تكليف ما ليس في الوسع في حق حال البقاء؛ لأنا نقول: لم نقل بالتكليف ابتداء، بل نقول التكليف الذي وجب ابتداء بشرطه وإنما بقي على عهدته ذلك الواجب بسبب تقصيره وإن لم تبق له قدرة وعدم بقاء القدرة لو كان مسقطا للواجب ينبغي أن تسقط الواجبات عن ذمته بالموت؛ لأنه لا عجز أقوى من الموت، وقد بقيت الواجبات في ذمته بعد الموت في حق الإثم بالإجماع. علم أن العجز غير مسقط للواجب وإن لم تبقى القدرة. (لا تسقط بهلاك المال كما ذكرنا) وهو قوله: لأن هذه القدرة كانت شرطا لوجوب الأداء إلى آخره. (وأما الكامل من هذا القسم) أي من الذي حسن لمعنى في شرطه (وهي زائدة على الأولى) أي في اليسر (بدرجة) وهي درجة التغيير والتيسير، فإن الواجب بالقدرة الميسرة أينما وجب، وجب متغيرا عن أصل القدرة إلى قدرة اليسر فيبقى كذلك على صفة اليسر؛ لأن التغير باليسر صفة له لا شرط، فلا يبقى الموصوف بدون الصفة؛ لأنه حينئذ لا يكون موصوفا بها فيشترط دوامها ليكون موصوفا بها بخلاف القدرة الممكنة فإنها شرط وجوب الأداء لئلا يكون التكليف بدونها تكليف ما ليس في الوسع، وقد وجد الوجوب حال وجود

стр. 356

الممكنة، ثم بعد ذلك لا يشترط بقاء الشرط كما في شهود النكاح إذا ماتوا يبقى النكاح صحيحا وإن لم يبق الشهود لما ذكرنا أن الشرط لا يتكرر في واجب واحد؛ لأن الوجوب في القضاء لم يتكرر فكذا لا يتكرر شرطه هذا هو الفرق الواضح بينهما. (وفرق ما بين الأمرين) أي بين القدرة الممكنة وبين القدرة الميسرة (وهذه لما كانت ميسرة غيرت صفة الواجب). فإن قيل: لم يكن ذلك الواجب واجبا قبل وجود القدرة الميسرة فكيف يصح قوله: غيرت صفة الواجب؟ قلنا: كان لذلك الشيء صلاحية أن يكون واجبا قبل وجود القدرة الميسرة كما في الواجبات بالقدرة الممكنة فسمى لتلك الصلاحية صفة الواجب، أو معنى قوله: غيرت صفة الواجب (الوجوب الذي ثبت بها ابتداء بطريق اليسر والسهولة فسمى لوجوبه بطريق السهولة ابتداء اسم التغيير، (فجعلته سمحا سهلا لينا) وهذا لأن الواجب عند القدرة الممكنة لم يكن بطريق اليسر بل بطريق أنه لا وجود لهذا الفعل إلا عند وجود هذه القدرة، وفيما نحن فيه الله تعالى لطف بعباده وتفضل عليهم حيث لم يوجب عليهم بالقدرة الممكنة مع صلاحية الوجوب بها كما في الواجبات بالقدرة الممكنة بل لم يجب فيما نحن فيه بتلك القدرة، فكان ذلك الواجب في نفسه متغيرا من العسر إلى اليسر

стр. 357

للتسهيل والتليين. ولا يلزم أن النصاب شرط لابتداء الوجوب. وجه الورود هو أنه جعل وجوب الزكاة بالقدرة الميسرة فكان بقاء القدرة شرطا لبقاء الواجب حتى إذا لم تبق تلك القدرة لم يبق الواجب أيضا. فقال: (ولهذا قلنا: الزكاة تسقط بهلاك النصاب) إلى آخره، فورد عليه بقاء وجوب الزكاة بقدرة عند نقصان النصاب، فلو كان وجوب الزكاة بالقدرة الميسرة لما بقي وجوبها عند نقصان النصاب. كما لا يجب ابتداء بنقصان النصاب. فأجاب عنه بهذا، وقال: إن اشتراط النصاب في ابتداء الوجوب كان من القدرة الممكنة؛ لأن هذه القدرة وهي قدرة ملك النصاب لا تغير صفة الواجب من العسر إلى اليسر، فلم تكن تلك القدرة ميسرة بل ممكنة فلذلك بقي الواجب بقدر ما يبقى من النصاب. فإذا قلت: النصاب سبب وجوب الزكاة وهو معروف فكيف قال هاهنا: النصاب شرط لابتداء الوجوب؟

стр. 358

قلت: لا نسلم أن النصاب سبب، بل السبب هو المال مطلقا عند وجود شرطه وهو كون المال مقدرا بمقدار النصاب وناميا وغير ذلك على ما عرف، وذلك لأن السببية إنما تعرف بالإضافة، والإضافة إنما توجد في حق المال مطلقا من غير تغرض لوصف فيقال: زكاة المال، ولا يقال: زكاة النصاب. فعلم بهذا أن معنى قوله: (النصاب شرط لابتداء الوجوب) أي المال المقدر بمقدار النصاب وكون المال مقدرا بمقدار النصاب شرط لوجوب الزكاة لا سبب ككونه ناميا، وهو شرط بالاتفاق فكذا هنا. (فصار ذلك شرطا للوجوب) يعني أن شرط النصاب بمنزلة القدرة الممكنة في حق الصلاة؛ لأن المعنى من القدرة الممكنة أن يثبت للمكلف أصل المكنة وبدونها لا يتمكن من الفعل وهاهنا كذلك؛ لأن النصاب قدرة ممكنة إذ الإغناء لا يتصور من غير الغني فكان الغنى شرطا للإغناء، والغنى إنما يكون بكثرة المال، وليس للكثرة حد تعرف به، فقدر الشرع بحد واحد وهو النصاب، فلم يحصل الغنى بما دون النصاب ولم يحصل الإغناء شرعا أيضا ممن لا يملك

стр. 359

النصاب. إذًا الإغناء من غير الغني لا يتصور كالتعليم من غير العالم، فكان قدر النصاب للإغناء قدرة على هذا الوجه إذ لم يتصور الإغناء ممن يملك شرعا لما لم يتصور وجوب أداء الصلاة بدون القدرة الممكنة، فلذلك لم يشترط دوام النصاب لدوام وجوب الزكاة (لما كان أمرا زائدا على الأهلية الأصلية)، فالأهلية الأصلية لوجوب العبادات: الإسلام والبلوغ عن عقل وزيد على ذلك في الزكاة الغنى، فصار الغنى لوجوب الزكاة شرطا أيضا كالإسلام والبلوغ والعقل لما أن المزيد إنما يكون من جنس المزيد عليه، فلما كان المزيد عليه شرطا للوجوب كان المزيد أيضا شرطا له، أو نقول:: إن الغنى الذي الذي يحصل بملك النصاب لما كان من قبيل القدرة الممكنة في الزكاة كان ذلك بمنزلة القدرة الممكنة في الصلاة، وتلك القدرة في الصلاة شرط وجود الصلاة على العبد، فكذا هذه القدرة كانت شرط وجوب الزكاة على العبد؛ لأن كلا منهما زائد على الأهلية الأصلية التي تحصل بالإسلام والبلوغ عن عقل، وقد ذكرنا أن الذي وجب بشرط شيء ابتداء يبقى واجبا بدون ذلك الشرط كما في القدرة الممكنة في الصلاة، فلذلك بقي وجوب الزكاة وإن لم يبق النصاب كاملا. فإن قيل: هذا الذي ذكرته يقتضي أن يبقى وجوب الزكاة بعد هلاك النصاب أيضا كما هو الحكم في القدرة الممكنة كذلك، والحكم بخلافه هاهنا. قلنا: إنما يلزم هذا الإشكال علينا أن لو شرطنا بقاءه باعتبار القدرة الممكنة، وإنما شرطنا بقاءه باعتبار قيام صفة النماء وهي القدرة الميسرة،

стр. 360

فشرطنا بقاءه للقدرة الميسرة وهي النماء لا القدرة الممكنة وهي النصاب، والدليل عليه أنه إذا هلك بعض النصاب يبقى بعض الواجب ببقاء ذلك البعض ولا يبقى كل الواجب. (وشرط الوجوب) أي وشرط وجوب الأداء وهو الغنى بالنصاب، (حقا لصاحب الحق) وهو الفقير. (فعد) أي فعد المال (قائما)، واستهلا النصاب هو: أن ينفقه في حوائج نفسه أو يتلفه مجانة لأن هذا النصاب كله حق لصاحب الحق في حق الواجب فصار بالاستهلاك متعديا على صاحب الحق فصار ضامنا كمولى العبد الجاني فإنه يخاطب بالدفع أو بالفداء، فإذا هلك العبد من غير منع عن المولى لا يجب على المولى شيء، فصار هلاك النصاب هنا بمنزلة العبد الجاني إذا هلك، وإذا أعتقه المولى أو باعه أو فعل فعلا آخر يتعذر الدفع به يطالب المولى بالفداء؛ لأنه صار جانيا على حق صاحب الحق فصار كأن العبد باق وهو يختار الفداء، فكذلك هاهنا جعل النصاب قائما عند الاستهلاك، فيطالب بأداء الزكاة كما لو كان النصاب قائماً حقيقة.

стр. 361

(والتخيير تيسير)؛ لأن التخيير يثبت الاختيار للمكلف، وإنما يثبت الاختيار شرعا ليترفق بما هو الأرفق له، ويختار ما هو الأهون والأيسر عليه؛ لأنه إذا لم يكن مخيرا ووجب عليه شيء واحد عينا ربما يشق عليه ذلك، ولا يجد شيئا آخر شرعا يقوم مقامه فيعجز، فيبقى في عهدة التكليف ولا يخرج عن عهدة الواجب إلا بمشقة وليس في التخيير بين الشيئين أو الأشياء كذلك وهو ظاهر، ولا يرد على هذا التخيير في صدقة الفطر مع أن ذلك من القدرة الممكنة لا من الميسرة؛ لأنا نقول: إن ذلك تخيير صدقة الفطر صورة لا معنى، فإن قيمة نصف صاع من بر وقيمة صاع من تمر عندهم واحدة فصار كأنه لا تخيير. بخلاف التخيير في كفارة اليمين بين الأشياء الثلاثة، فإن كل واحد منها يخالف الآخر صورة ومعنى، فأوجب التخيير التيسير لا محالة. (ولم يعتبر ما يعتبر في عدم سائر الأفعال)؛ لان ما كان متعلقا بعدم فعل وهو غير مؤقت يتعلق بالعدم. ألا ترى أن من قال إن لم آت البصرة فامرأته كذا، أو لم أكلم فلاناً

стр. 362

يتعلق الجزاء بالعدم في جميع العمر حتى لا يحنث، وإن لم يأت البصرة يتعلق الجزاء بالعدم في جميع العمر حتى لا يحنث، وإن لم يأت البصرة سنين كثيرة، وكذل عدم القدرة على الصوم على الصوم في حق الشيخ الفاني مستدام. (وتقديره بالعمر يبطل أداء الصوم)؛ لأنه حينئذ يلزم أن يصوم بعد الموت، وكان شيخي ﵀ يقول ناقلا عن الأستاذ العلام' ﵀ هذا اللفظ اكر عجز مستدام را اعتبار كنيم روزه در كور أفتد. (وكذلك في طعام الظهار) أي المعتبر هو العجز الحالي. فإن قيل قوله: ولم يعتبر ما يعتبر في عدم سائر الأفعال وهو العدم في العمر ليس بمجري على عمومه، فكم من عدم في الشرع هو غير مستغرق للعمر. ألا ترى إلى قوله ﵇: (فإن لم تستطع فقاعداً) أو استغراق

стр. 363

عدم الاستطاعة العمر ليس بشرط. قلنا: عدم الاستغراق هناك إنما علم بمحل الكلام؛ لأن النبي ﵇ ذكر تفاوت أحكام الشرع على وجه التيسير بحسب أحوال المريض في مرضه، فمرض المريض غير مستغرق لعمره غالبا بل يتفاوت حالا فحالا، فكذلك الأحكام المترتبة على حسب تلك الأحوال، فلذلك لم يوجب الاستغراق. وأما عدم الأفعال في نفسه إذا لم يكن مقيدا بشيء فموجب للاستغراق في العمر كما لو قال: لا أكلم فلانا أو لا أفعل كذا. والدليل على جواز التكفير بالصوم عند عدم المال من غير انتظار إلى وجوده فيما يستقبل من الزمان جواز التكفير بالصوم ممن له مال غائب وليس عنده مال فحنث في يمينه؛ لأنه قال في (المبسوط). وإن كان للرجل الحانث في يمينه مال عنه غائب أو دين وهو لا يجد ما يطعم ولا يكسو ولا ما يعتق أجزأه أن يصوم؛ لأن المانع قدرته على التكفير بالمال وذلك لا يحصل بالملك دون اليد. إلا أن يكون في ماله الغائب عبد فحينئذ لا يجزيه التكفير بالصوم؛ لأنه متمكن من التكفير بالعتق، فإن نفوذ العتق باعتبار الملك دون اليد فلما جاز الصوم هنا مع وجود الملك حقيقة من

стр. 364

غير انتظار إلى أن يصل إلى ماله فلأن يجوز الصوم في حق من ليس له المال أصلا من غير انتظار إلى أن يحصل له المال بالطريق الأولى، (ولهذا ساوى الاستهلاك الهلاك) أي في جواز الصوم بأيهما كان، حتى إن من وجب عليه التكفير بالمال إذا أتلف المال يجوز له التكفير بالصوم كما لو هلك المال؛ (لأن الحق لما كان مطلقا عن الوقت) يعني أن الكفارات لما كانت غير مؤقتة بوقت ولم يكن المال متعينا للكفارة. (لم يصر الاستهلاك تعديا) لعدم تعلق الحق بالمال، ولو كان مؤقتا يحتمل أن يضمن بالتفويت عن الوقت وإن لم يكن المال متعينا. (وصارت هذه القدرة على هذا التقدير نظير استطاعة الفعل التي لا تسبق الفعل) يعني كما أن القدرة الحقيقية مقارنة للفعل ولا تسبقه فكذلك القدرة على التكفير لا تسبق حالة الأداء بل يعتبر فيه حال الأداء. يعني إذا كان وقت التكفير معسرا يجب التكفير بالصوم، وإن كان موسرا يجب بالمال، ولا تعتبر حالة الحنث كما في الزكاة بعد ما حال الحول على النصاب يعتبر وقت الأداء، فإن كان النصاب وقت الأداء ناقصا وجب ناقصا، وإن كان هالكا لا تجب عليه الزكاة فكذا هنا. فعلم بهذا أن التكفير من قبيل الزكاة من حيث إن كلا منهما متعلق بالقدرة الميسرة.

стр. 365

وقوله: (ولهذا بطل وجوب الزكاة بالدين) إيضاح لقوله: وأما قيام المال بصفة النماء إلى قوله: فشرطنا دوامه في أن وجوب الزكاة متعلق بالقدرة الميسرة على وجه المقارنة فلو بقى اليسر بقى الجواب وإلا فلا. وقوله: (لأنه قال في كتاب الإيمان) هذا جواب عما ورد شبه بطريق المنع, فوجه ورود الشبهة هو أنه لما أثبت أن وجوب الكفارة من قبيل القدرة الميسرة كالزكاة يجب أن يراعى في التكفير اليسر كما في الزكاة, ولا يراعى في التكفير اليسر. ألا ترى أن الدين لا يمنع وجوب الكفارة بالمال, يعني تجب الكفارة بالمال على المديون بل جواب هذه المسألة غير مذكور في كتاب الأيمان نصًا فيحتمل أن

стр. 366

يجب عليه الكفارة بالصوم لا بالمال فحينئذ لا تَرِد الشبهة لأنها حينئذ كانت الكفارةُ بمنزلة الزكاة من كل وجه, فكما لا يجتمع وجوب الزكاة مع الدين كذلك لا يجتمع وجوب التكفير بالمال مع الدين كما هو قول بعض المشايخ على ما ذكر في الكتاب. وجعلَ هذا القولَ أصحَ في ((المبسوط)) فقال: والأصحُّ أنه يجزيه التكفير بالصوم. كما أشار إليه في الكتاب في قوله: ألا ترى أن الصدقة تحل لهذا, وفي هذا التعليل لا فرق بين ما كان قبل قضاء الدين وبعده, وهذا لأن المال الذي في يده مستحق بدينه فيُجعل كالمعدوم في حق التكفير بالصوم. كالمسافر إذا كان معه ماء وهو يخاف العَطَشَ يجوز له التيمم؛ لأن الماءَ مستحقِ لعَطَشِهِ فيُجعل كالمعدوم في حق التيمم. إلى هذا لفظ ((المبسوط)) من غير تغيير. وبعضهم فرَّق بين الزكاة وبين التكفير بالمال, فجَعل الدين مانعًا من وجوب الزكاة ولك يجعله مانعًا من وجوب التكفير بالمال, فقال: لأن المعتبر ها هنا الوجودُ دون الغنى ولمّا لم يقض دينه بماله فهو واجد للمال فلا يجوز عنه التكفير بالصوم بل يجب التكفير بالمال بخلاف الزكاة, فإن وجوبها بالغنى

стр. 367

والدين ينافي الغنى فلا يجب, فكان هذا جوابًا للشبهة على طريق التسليم والفرق. (أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم) وإن كان هذا النص ورد في صدقة الفطرِ لكن المعنى فيه سَدَّ خَلةُ الفقير وهذا المعنى بعينه موجود في الزكاة فكان الإغناء واجبًا, فيكون معنى الإغناء في الزكاة ثابتًا بدلالة النص بل الزكاة أقوى في استدعاء الغنى من صدقة الفطر؛ لأن وجوب صدقة الفطر بالقدرة الممكنة ووجوبَ الزكاة بالقدرة الميسرة. (فشرط الكمال في سببه) أي في سبب وجوب الشكر وهو المال (والدين يسقط الكمال) أي كمال ملك المال للمديون باعتبار أن ربَّ الدين لو ظَفِر بجنس حقه له أن يأخذه من غير مرضاه المديون فصار كأن المديون فصار كأن المديون غير

стр. 368

ملك له, فلما أسقط الكمال لم تجب الزكاة. (ولا يُعدم أصله) أي أصل ملك المال للمديون؛ لأن محل الدين الذمة سعة, فكان المال خاليًا عن أن يكون مشغولًا بالدين من هذا الوجه. وقوله: (ولهذا حلَّت له الصدقة) إيضاح قوله: ((والدين يسقط الكمال)) فلما أسقط كمال ملك المال للمديون كان نافيًا لصفة الغنى عن المديون. (ولهذا لا تتأدى الزكاة غلا بعين متقومة) هذا إيضاح لقوله: (إن الزكاة وجبت لمعنى الإغناء) بخلاف الكفارة فإنها تتأدى بالصوم والصومُ ليس بعين متقوم, وإنما شُرط في الزكاة أداؤها بعين متقومة؛ لأنها شرعت للإغناء, وذلك إنما يحصل بالعين المتقومة لا بالعين غير المتقومة. ألا ترى أنه إذا أسكن الفقيرَ بيته سنة بنية الزكاة لا يجوز؛ لأن المنفعة ليس بعين متقومة ولا تتأدى الزكاة بالإباحة؛ لأنه لا يحصل به الغنى؛ لأن المباحَ له يأكل مال الغير وبمال الغير لا يحصل الغنى. (ألا ترى أنها شُرعت ساترة أو زاجرة) أي لا للإغناء وهو إيضاح أنها لم تشرع للإغناء, فإن الستر والزجر غيرُ محتاجَين إلى الإغناء بالمال كما في الحدود.

стр. 369

وقوله ((ساترة)) أي للذنب بعد الحنث؛ لأن الإنسان إذا حنث في يمينه بقى عُريان؛ لأنه بحنثه كان خارقًا لباس تقواه فيحتاجُ إلى ساترٍ يسترهُ فيستر نفسه بالكفارة, أو زاجرة عن الذّنب؛ أي قبل الحنث. وقيل: ساترةٌ في حق المكفِّر, وزاجرةٌ في حق غيره, وإنما رَدَّد بينهما السَتْر؛ لأن الستر لا يقع إلا بعد وجوب الكفارة وربما لا تجب على رجلٍ كفارة أصلًا لا يحتاج إلا الستر. (لا أمرًا أصليًا) أي لم تُشرع الكفارةُ بطريق الأصالة للإغناء بل الأصل فيها الستر ُأو الزجرُ. (وما يقعُ به كفايةَ الفقير) كأنه جواب إشكال يرد على قوله: ((إلا أنها لم تشرعَ للإغناء)) بأن يقال قوله: ((إلا أنها لم تشرع للإغناء)) منقوض بالكفارة بالإطعام فإن فيه إغناءٌ للفقير عن الطعام. فأجاب عنه, وقال: شرعيةُ الإطعام لا باعتبار الإغناء بل باعتبار أن الإطعامَ يصلحُ سببًا للثواب كالصوم فيصلح أن يكون سببًا لما هو المقصود من شرعية الكفارة, وهو: الستر أو الزجر, ثم قُدِّم الساترة على الزاجرة؛ لأن دلالةَ الكفارة على الستر أوضحُ وأظهرُ من دلالتها على الزجر. إذا الكَفْرُ هو

стр. 370

الستر لغة. (لم تشترط صفة الغنى في المخاطب بها) أي بالكفارة, وحاصلة: أن الكفارة أوجبت ساترةً أو زاجرةً, وما أوجبت شكرا للنعمة, فلا تشبه الزكاة من هذا الوجه, فإنها أوجبت شكر للنعمة والغنى, ولهذا يُشترط لإيجابها أتمُّ وجوه الغنى وذلك بالمال النامي, وحاجته إلى قضاء الدين بالمال تُعدم تمام الغنى بملكه ولا تُعدم معنى حصول الثواب له إذا تصدّق به ليكون ذلك ساترًا لإثم لحقه بارتكاب محظور اليمين وهو المقصود بالكفارة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀. (لأن القدرة على أداء العشر تستغني عن قيام تسعة الأعشار) يعني أن

стр. 371

القدرة على أداء جزء واحد لا تفتقر إلى وجود أجزاء أخرى في الابتداء؛ لأنه لو أوجب الخارج كله لكان المخاطبُ متمكنًا من أدائه ولم يوجب على ذلك الوجه, بل أوجب الجزء الواحد من الأجزاء العشرة, فكان الإيجاب بهذا الطريق كان بالقدرة الميسرة لا بالمكنة. فإن قيل: العُشر لا يتحقق بدون قيام تسعة الأعشار, فكيف قال: إن أداءَ العشر يستغنى عن قيام تسعة الأعشار؟ قلنا: المراد منه أن القدرة على أداء القليل تستغني عن قيام الكثير إلا أن الكثير قُدِّر بتسعة الأعشار؛ لأن الواجبَ عليه إعطاءّ بعض الخارج, ثم ذلك البعض قُدِّر بالعُشر. (فشرط قيامه) أي قيام الخارج وهو وجودُه, فإن العشر إنما يجيب إذا وُجد الخارج من الأرض حقيقة. (وكذلك الخراج) أي هو واجب أيضًا بالقدرة الميسرة كالعشر. ألا ترى أن الخارجَ إذا لم يُسَلَّم لصاحب الأرض لا يجب الخراج كالعشر مع وجود السبب فيهما وهو الأرض. غيرَ أن الخارجَ تارة يكون بطريق التحقيق وهذا لا يشكل, وتارة يكون بطريق التقدير إذا كان متمكنًا من الزراعة, ولم يَزرع يُجعل الخارجُ سالّما لربِّ الأرضِ تقديرًا حكمًا لتقصيره, ولا يمكن هذا التقدير في العشر لكون الواجب من جزء الخارج فإذا لم يكن

стр. 372

الخارج تحقيقًا لا يُتصوَّر الجزء منه. وقد أمكن الخارج ولا يمكن هذا التقدير في العُشر لكون الخراج من غير جنس الخارج بدليل وجوب الدراهم في الأراضي الخراجية فإنه يجب في جريب الكرم عشرة دراهمَ وفي جريب الرطبة خمسة دراهم, فجُعلت القدرة الميسرة موجودةٌ تقديرًا, وهذا بخلاف ما إذا زرع ثم أصابت الزرعَ آفةٌ حيث يسقُط الخراج؛ لأن وجوبه بالقدرة الميسرة فيُشترط دوامها تحقيقًا للواجب بالقدرة الميسرة. (ألا ترى أنه لا يجب إلا بسلامة الخارج) يعني لا يجب الخراج؛ لأنه لو كان أقل من الخراج لا يُسلَّم له الخارجُ. وقوله: (بدليل أن الخارج) معطوف على قوله: ((ألا ترى)) من حيث المعنى كأنه قال: بدليل أنه لا يجب إلا بسلامة الخارج, وبدليل أن الخارج إذا

стр. 373

(قلَّ) يعني أن الخراجَ كلُّه إنما يجب إذا لم يكن أكثر من نصف الخارج فإذا كان أكثر من نصفَ الخارج فإذا كان أكثر من نصف الخارج يجب نصفَ الخارج ولا يجب الخراج أي كاملًا حتى إذا كان الخراج مَثَلًا دينارين والخارج من الأرض يساوي دينارًا يجب نصف الخارج وهو نصف دينار. (ألا ترى أنها وجبت بسبب رأس الحر) من أولاده الصغار (ولا يقع به الغنى)؛ لأن رأس الحر ليس بمال بخلاف الزكاة, فإن الزكاة إنما تجب في مالٍ يقعُ به الغني, وصدقه الفطر تجب بمال آخر يحققه أن في باب الزكاة ما هو سبب لوجوب الزكاة يقع به الغني, وما هو سبب لوجوب صدقة الفطر وهو رأس يمونه ويلي عليه, وقد لا يقعُ به الغني إذا كان ذلك الرأس حرا. دلّنا ذلك على أن الزكاة وجبت بصفة اليسر حيث لم تجب بالغني بشيء آخر, وصدقة الفطر تجب بالغنى بشيء آخر لأجل شيء آخر فلم يكن يُسرا. فإن قيل: لماذا يشترط الغني بالنصاب لأهلية الإغناء؟ قلنا: لما ذكرنا أن الإغناء يقتضي كونُه غنيًا والغنى بكثرة المال شرعًا وعرفًا؛ لأنه إذا كان مالكًا مقدار ما يتمكن به من إغناء الفقير عن المسألة فهو غني عن المسألة بهذا المقدار إلا أنه لا يعتبر هذا فيما نحن فيه إذا لو اعتبر عاد

стр. 374

الأمر على موضوعه بالنقض؛ لأنه وجب الإغناء عن المسألة, فلو وجب الدفع إلى الفقير لصار هو محتاجًا إلى المسألة وهذا لا يجوز؛ لأن الدفعَ إلى نفسه أولى من الدفع إلى غيره لما عرف. ألا ترى أنه إذا كان مالكًا لمقدار من الطعام وهو محتاج إليه وغيره أيضًا محتاج إليه فلو دفع إلى غيره يموت لا يجوز الدفع إلى غيره, وكذلك هذا في الماء وغيره. فعلم أن الغني المعتبر هو الغنى الشرعي؛ لأن النبي ﵇ بعث لبيان الأحكام لا لبيان الحقائق, ورأيت بخط شيخي ﵀ ولا يقال: إن النبي ﵇ قال: ((أُغنوهم عن المسألة)) فغني الفقير بالاستغناء عن المسألة, فكذلك غنى المعطي ينبغي ألا يشترط فيه النصاب؛ لأنا نقول: إن النبي ﵇ قَيَّدَ جانب الفقير بالغني عن المسألة فيبقى الغني في جانب المؤِّدي مطلقًا فيتصرف إلى ما عرف شرعًا وهو من يملك النصاب. (ووجد الغني بثياب البذلة) أي بثياب الابتذال والامتهان التي تُلبس يوم إذا كانت زائدة عن الحاجة الأصلية, وفي ((المحيط)) البذلة من الثياب ما

стр. 375

يلبس فلا يصان. (ولا يلزم أنها لا تجب عند قيام الدَين) هذا وارد على قوله؛ ((لأنها لم تجب بصفة اليسر)) أي لا يقال لو كان وجوبُ صدقة الفطر بالقدرة الممكنة لا بالميسرة ينبغي أن لا يكون الدَينُ مانعا وجوبُ صدقة الفطرِ بالقدرة الممكنة لا بالميسرة ينبغي أن لا يكون الدَينُ مانعًا وجو صدقة الفطر؛ لأنه أمكن أداؤها مع الدين. قلنا: الدين وإن كان لا يعدم أصل القدرة لكن يعدم شرط الوجوب وهو الغنى؛ لأن وجوبَ صدقةُ الفطر لا يُتصور بدون الغني فيصير الغنى بمنزلة القدرة المطلقة فلا يجب إلا به, والدّين يعدمه بدليل حل الصدقة له. (بخلاف الدَين على العبد) بأن أتلف مالَ الغير. وجه الورود أن الدّينَ لمَّا كان معدمًا للغني كان ينبغي ألا يجب صدقةَ الفطرِ بسبب العبد المديون كما لا تجب الزكاةَ بسببه إذا كان عليه دينِ لما أن الغني فيهما شرط.

стр. 376

فأجاب عنه على وجع الفرق بينهما بقوله: (فإنه لا يمنع) أي فإن دين العبد لا يمنع وجوبَ صدقة الفطر عن ذلك العبد. وقال الإمام شمس الأئمة _رحمه الله- فإن كان الدَينُ على العبد الذي هو عبدٌ للخدمة فعلى المولى أن يؤدي عنه صدقةَ الفطر؛ لأنه صفةَ الغنى ثابتة له بما يملك من النصاب سوى هذا العبد, وأصل المالية غير معتبر فيمن يجب الأداء عنه, ولهذا تجب عن ولده الحرّ. وكذلك الغني به غير معتبر فإنه يجب الأداء عن المدبَّر وأم الولد وإن لم يكن هو غنيّا فيهما, فكذلك إذا كان مشغولًا بالدين؛ لأن ذلك الدَينَ على العبد يوجب استحقاق ماليته فيخرج المولى من أن يكون غنيًا به, فلو كان هذا العبدُ المديونُ للتجارة لم يجب على المولى أن يؤدي عنه زكاة التجارة؛ لأن الغني بالمال الذي يجب أداء الزكاة عنه شرط ليكون الأداء بصفة اليسر وذلك ينعدم بقيام الدّين على العبد. وحاصلة أن في صدقة الشرطُ هو أن يوجد وصف الغنى بأيّ مال كان فلما وُجد غني صاحب العبد المديون بمال آخر تجب عليه صدقة فطرة لوجود السبب والشرط. وأما في الزكاة فيُتعين النصابُ ويُشرط غناهُ بذلك المصاب بعينه في حق

стр. 377

زكاة ذلك النصاب حتى لو كان له نصابُ غنمٍ ونصابُ ذهبٍ وانتقص نصاب الذهب وفي الغنم فضل على نصابه لا ينجبر بذلك الفضل ما انتقصَ من نصاب الذهب فلا تجب زكاة نصابهما بل تجب زكاة النصاب الكامل وهو الغنم, ولا تجب زكاة النصاب الناقص وهو الذهب, فكذلك ها هنا لم تجب زكاة العبد المديون وإذا كان هو للتجارة لنقصان ذلك النصاب بسبب دين فيه (هذا الذي ذكرنا هو في تقسيم صفة حكم الأمر) وهو الأداء والقضاء؛ لأن حكم الأمرِ الوجوبُ وبالأمر يجب الأداء. إذ بالسبب يجب أصل الصلاة وبالأمر الأداء, وقد قلنا قبل هذا إن القضاء يجب بالسبب الذي به وجب الأداء فكان الأداء والقضاء صفتي حكم الأمر, وقد انقسم صفة الحكم إلى أداء وقضاء ثم انقسم بعد ذلك إلى صفة المأمور به من الحسن لعينه ولغيره, ثم انقسم كل واحد منهما إلى أنواع ثلاثة على ما مر. فلآن ينسقم حكم الأمر إلى صفةٍ قائمةٍ بغيره وهو الوقت؛ لأن كونَ العبادة مؤقتة صفة للمأمور به أيضًا لكن راجع إلى الوقت؛ لأن فعل المكلف لا يوجد بدون الوقت, فيكون الوقت داخلًا في حكم الأمر.

стр. 378

(فلابد من ترتيب هذا الباب على الدرجة الأولى) وهي الأداء؛ لأن هذا الباب لبيان الوقت, وهو المختص بوقت على وجه يفوت الأداء بمضي الوقت, أو أريد بالدرجة الأولى والقضاء؛ لأن القضاء مؤقت أيضًا لقوله ﵇: ((فإن ذلك وقتها)) وإنما قال: فلابد من ترتيبه على الدرجة الأولى يعني أن الدرجة الأولى في صفة حكم الأمر وهي الأداء والقضاء, وهذا الباب أيضًا في صفة حكم الأمر وهي المؤقتةُ وغير المؤقتة, فكان البابان متناسبين من حيث اتحادهما في صفة حكم الأمر بخلاف الباب الثاني فإن ذلك في صفة المأمور به والمأمورُ به غيرُ الحكم, فلذلك كان ترتيب هذا الباب بحسب ترتيب الباب الأول أولى من ترتيبه على حسب ترتيب الباب الثاني. والدليل على تناسب ذينك البابين أم الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه لله- أورد هذا الباب قبيل الباب الأول الذي هو بيان الأداء والقضاء ووصل ذلك الباب بهذا الباب لهذه المناسبة, والله أعلم.

стр. 379

[باب بيان تقسيم المأمور به في حكم الوقت] قوله: (وأما المطلقة فنوع واحد)؛ لأن تنويعها بكون الوقت ظرفًا لها وسببا لوجوب وشرط للأداء أو معيارا أو مشكلا إنما ينشأ من كونها مؤقتة, وأما إذا لم تكن مؤقتة فلم تأت هذه الأشياء ولم يأت التنويع, بل كان في جميع الوقت أداء, ولم يكن الوقت سببا لها ولا ظرفًا ولا معيارًا ولا شرطًا للأداء. قوله: (ظرفًا للمؤَّدي وشرطا للأداء). فإن قيل قوله: شرطًا للأداء؛ مستغنى عنه؛ لأنه يُستفاد ذلك بقوله: ظرفًا للمؤدي؛ فما فائدة ذكره؟

стр. 380

قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن قوله: شرطًا للأداء يغاير ظرفًا للمؤدَّي في المعنى؛ لأنه ظرف للمؤدَّي, والمؤدَّي غير الأداء فكانا غيرين. والثاني- رُبَّ شيء يكون ظرفًا لشيء ولا يكون شرطًا لذلك الشيء, كالوعاء ظرف لما فيه وليس بشرط لوجوده؛ لأن يوجد بدون هذا الظرف فلا يلزم أن يكون شرطًا له, وبين هاهنا أن الوقت ظرفٌ للمؤدَّي وشرط للأداء, والأداءُ يختلف باختلاف صفة الوقت. فإن قيل: أثر الوقت في نفس الوجوب لا في الأداء, وهذا لا يدل على كون الوقت سببًا. قلنا: نعم إلا أنه لما خرج بالأداء الناقص عن العهدة. عُلم أن الوجوب قد صار ناقصًا بنقصان في موجبة وهو الوقت. ألا ترى أنه لو نذر, وقال: لله علىَّ أن أعتق رقبة, فأعتق رقبة مؤوفه بالزمانة أو بالعمى لا يخرج عن عهدة النذر. ولو قال: لله علىَّ أن أعتق هذه الرقبة وهي زَمنى أو عمياء فأعتقها يخرج من عهده النذر؛ لأنه أدَّاها كما أوجبها على نفسه. فعلم أن الخروجَ بالناقص إنما كان لنقصانٍ في السبب, فكان دليلًا على

стр. 381

سببية الوقت. (ويفسد التعجيل قبله) فإن قيل: ما فائدة هذا الوصف إذ في هذا الوصف يشترك السبب والشرط, فكيف ينهض للدلالة على السببية على الخصوص؟ قلنا: فيه فائدة التأكيد لقوله: يختلف باختلاف صفة الوقت, وهو وإن لم ينهض للدلالة على السببية بانفراده وهو مع ما ذكر قبله وهو قوله: والأداء يختلف باختلاف صفة الوقت؛ ينهضان للدلالة على السببية, والأولى فيه هو ما استوفيناه في ((الوافي)) وقوله: (وهذا القسم) إشارة إلى قوله: نوع جُعل الوقت ظرفا للمؤدي وشرطًا للأداء وسببًا للوجوب؛ وهو وقت الصلاة. (نوع منها ما يضاف إلى الجزء الأول) أي تضاف السببية إلى الجزء الأولى على عرضية الانتقال لا على القرار بخلاف الجزء الأخير من الوقت والدليل على السببية أنه لو أدى الصلاة في أول الوقت يخرج عن عهده فرض الوقت. وأما إذا لم يؤدّ فيه تنتقل السببية إلى الجزء الذي يليه, وكذا إلى الآخر, وعند الشافعي ﵀ تتعين السببية في الجزء الأول على

стр. 382

وجه لا تسقط عن المكلف سببيته. حتى إن المرأة إذا خاضت بعد ما مضى من الوقت قدر ما يسع فيه فرضيته.

стр. 383

لم يسقط عنها قضاؤه وعندنا إذا خاضت في الوقت سقط عنها فرضه وإن بقي شيء قليل, وهذا بناء على أصل وهو أن الخطاب بالأداء يتعجل في أول الوقت عند الشافعي, وأما عندنا فهو أن الجزء الأول من الوقت سبب للوجوب, فإدراكه يثبت حكم الوجوب وصحةُ أداء الواجب. وهذا معنى ما نقل عن محمد بن شجاع ﵀ أن الصلاة تجب

стр. 384

بأول جزء من الوقت وجوبا موسَّعا وهو الأصح, وأكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا, ويقولون: الوجوب لا يثبت بأول الوقت وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت, ثم قال بعضهم: ما أدَّاه في أول الوقت نفل يمنع لزوم الفرض إياه في آخر الوقت كالوضوء قبل الوقت. قال الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ وهذا غلط بين؛ لأنه لا تتأدَّى هذه الصلاة إلا بينة الظهر, والظهر اسم للفرض دون النفل, ولو نوى النفل لم يصح نيته في حق أداء الفريضة. (والثاني - ما يضاف إلى ما يلي ابتداء الشروع) أي بطريق انتقال السببية من الجزء الأول إلى الثاني. يعني إن اتصل الأداء بالجزء الأول كان هو السببَ وإلا تنتقل السببيةُ إلى الجزء الثاني, ثم إلى الثالث إلى آخره. (ونوع آخر ما يضاف إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت وفساده) وهو الجزء الذي تتعين فيه السببية؛ لأنه لم يبق بعده من آخر الوقت ما يحتمل انتقال السببية إليه. (والنوع الرابع - ما يضاف إلى جملة الوقت) وهو في حالة القضاء.

стр. 385

(أن الوقت لما جعل سببًا لوجوبها وظرفًا لأدائها) إلى آخره. فإن قيل: ما فائدة ذكر قوله: وظرفًا لأدائها؛ هاهنا مع أن مراد المصنف من هذا التقرير بيان أن الجزء من الوقت سبب لوجوب الصلاة لا كل الوقت، وهو يحصل بقوله: إن الوقت لما جعل سببًا لوجوبها لم يستقم أن يكون كل الوقت سببًان فعلم بهذا أنه لا فائدة في ذكر قوله: وظرفًا؛ هاهنا؟ قلت: بل في ذكره فائدة، وهي: أن وجوب الاقتصار على أدنى الأجزاء من أجزاء الوقت للسببية إنما نشأ من كون الوقت ظرفًا أيضًا للصلاة. إذ لو لم يراع فيه جانب الظرفية لوجب أن يقال: إن وجوب الصلاة على المكلف إنما يتحقق بعد وجود الوقت بتمامه كما هو الأصل في سائر الأسباب. وهو في حالة القضاء لم يبق الوقت حينئذ ظرفًا للأداء. فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر كون الوقت شرطًا للأداء أيضًا كما ذكر قبله هو أن الأداء يفوت بفواته. قلت: أغنى عن ذكره ذكر الظرف، فإن كلًا منهما يقتضي أن يوجد المؤدى في الوقت.

стр. 386

(لم يستقم أن يكون كل الوقت سببًا؛ لأن ذلك يوجب تأخير الأداء عن وقته أو تقديمه على سببه). بيان هذا أن الوقت سبب لما ذكر، وأن الوقت ظرف، فلو روعي فيه جهة السببية يلزم تأخير الأداء عن وقته؛ لأنه لا يتحقق المسبب ما لم يتحقق السبب بتمامه. لما أن المراد من السبب هنا العلة في حق العباد، فلما لم توجد العلة لا يوجد حكمها، وتمام السبب هنا إنما يكون بمضي الوقت، فلو روعي فيه جهة الظرفية حتى يحصل الأداء في الوقت يلزم تقديم الحكم على السبب؛ لأنه ليس لبعض السبب حكم السبب، فيكون الحكم متقدمًا على السبب حينئذ. (وليس بعد الكل جزء مقدر) أي بعد ما خرج كل الوقت من أن يجعل سببًا لابد من اعتبار البعض، وليس البعض بأولى من البعض لعدم الأولوية، ولم يرد من الشارع جزء مقدر كالربع والثلث والنصف وغير ذلك بأنه سبب بدليل جواز الأداء قبل مضي الربع أو غيره، فوجب الاقتصار على الأدنى إذ

стр. 387

هو المراد بكل حال لصلاحيته للسببية، ولا دليل على الزائد على الجزء الواحد فتعين هو للسببية، فلذلك إذا أدى بعد مضي جزء من الوقت صح، وإن قل ذلك الجزء. قوله: (الحائض إذا طهرت وأيامها عشرة أن الصلاة تلزمها إذا أدركت شيئًا من الوقت قليلًا) ولا تشترط قدرتها على أن تغتسل وتدرك شيئًا من الوقت. بخلاف ما إذا كانت أيامها دون العشرة، وانقطع الدم عنها وأدركت شيئًا من الوقت إن أدركته بعد القدرة على الاغتسال، ثم بالإدراك تجب صلاة ذلك الوقت عليها وإلا فلا ولهذه الفائدة قيد بقوله: "وأيامها عشرة". (لكنه لم يوجب الأداء للحال) خلافًا للشافعي فإن عنده يجب الأداء في الحال حتى ظهر أثره في حق الحائض، وقد ذكرناه.

стр. 388

(لأن الوجوب جبر من الله تعالى بلا اختيار من العبد)، وهذا تعليل لنفي لزوم الأداء في الحال، ولإثبات قوله: أفاد الوجوب بنفسه. بيانه أن أصل وجوب الشيء اشتغال الذمة به، ولا يراد به الفعل في الحال بدليل الوجوب على النائم والمغمى عليه والمجنون إذا انقطع الجنون والإغماء دون يوم وليلة. ولا يجب الأداء عليهم إذ لو وجب لافتقر إلى القدرة التي يفتقر إليها الفعل، ولا قدرة لهؤلاء ولا فهم، وخطاب من لا يفهم بالأداء قبيح، وهذا لأن نفس الوجوب لشغل الذمة، ووجوب الأداء لتفريغ الذمة. وتفريغ الذمة يستدعي ثبوت شغل الذمة، إذ تفريغ ما ليس بمشغول محال، فلذلك كان الخطاب بتفريغ الذمة حال تشغل الذمة محالًا كالرفع يقتضي سابقة الوضع، فالرفع حالة الوضع محال. ولهذا قلنا فيمن قال: أنت طالق مع نكاحك، ثم تزوجها لم تطلق؛ لأن الطلاق رفع القيد والنكاح إثبات القيد، فرفع القيد حال ثبوت القيد محال، بل الرافع إنما يصح حال بقاء القيد، فكذلك هاهنا الخطاب بتفريغ الذمة إنما يصح في حال بقاء الشغل لا حال وجود الشغل. ونفس الوجوب لما كان لشغل الذمة ولم يرد بها الفعل لم يقتض قدرة؛ لأن القدرة لتحصيل الفعل وليس في نفس الوجوب لزوم الفعل.

стр. 389

ألا ترى أن ابن يوم أهل لنفس الوجوب وليس بأهل للزوم الفعل. وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ وقلنا نحن: الأداء إنما يجب بالطلب. ألا ترى أن الريح إذا هبت بثوب إنسان وألقته في حجر غيره والثوب ملك لصاحبه، ولا يجب على من في حجره أداؤه إليه قبل طلبه؛ لأن حصوله في حجره كان بغير صنعه، فكذلك هاهنا الوجوب تسببه كان جبرًا لا صنع للعبد فيه، فإنما يلزمه أداء الواجب عند طلب من له الحق، قد خيره من له الحق في الأداء ما لم يتضيق الوقت. يقرره أن وجوب الأداء لا يتصل بثبوت حكم الوجوب لا محالة، فإن البيع بثمن مؤجل يوجب الثمن في الحال. إذ لو كان وجوب الثمن متأخرًا إلى مضي الأجل لم يصح البيع؛ لأنه حينئذ يكون البيع بلا ثمن. فعلم أن نفس الوجوب ثابت في الحال، ووجوب الأداء يكون متأخرًا إلى حلول الأجل، فهاهنا أيضًا وجوب الأداء يتأخر إلى توجه المطالبة. وقوله: (ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء) أي تعجل وجوب الأداء. هذا تقرير لما ذكرنا من بيان انفصال نفس الوجوب عن وجوب الأداء، وبيان أنهما لا يتلازمان (بل الأداء متراخ) أي بل وجوب الأداء متراخ بدليل ثبوت الثمن والمهر في ذمة ابن يوم، ولا خطاب ولا لزوم للفعل عليه.

стр. 390

(فأما الوجوب فبالإيجاب) أي الوجوب حكم إيجاب الله تعالى بسببه. كذا في "التقويم". (ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل) أي لأجل ما ذكرنا من المعنى وهو أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته كانت الاستطاعة مقارنة للفعل، فكما أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته، كذلك وجوب الأداء لا يفتقر إلى وجود الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن القدرة الحقيقية مقارنة للفعل، فنفس الوجوب ينفصل عن وجوب الأداء. كذلك وجوب الأداء ينفصل عن وجود نفس الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن الوجود من وجوب الأداء غير مراد عند أهل السنة والجماعة. إذ لو كان مرادًا لوجد الإيمان من جميع الكفرة؛ لأنه يستحيل تخلف المراد عن إرادة الله تعالى، وتخلف المراد عن الإرادة عجز واضطرار، والله تعالى متعال عنه،
следующие страницы →