← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(لم يستقم أن يكون كل الوقت سببًا؛ لأن ذلك يوجب تأخير الأداء عن وقته أو تقديمه على سببه). بيان هذا أن الوقت سبب لما ذكر، وأن الوقت ظرف، فلو روعي فيه جهة السببية يلزم تأخير الأداء عن وقته؛ لأنه لا يتحقق المسبب ما لم يتحقق السبب بتمامه. لما أن المراد من السبب هنا العلة في حق العباد، فلما لم توجد العلة لا يوجد حكمها، وتمام السبب هنا إنما يكون بمضي الوقت، فلو روعي فيه جهة الظرفية حتى يحصل الأداء في الوقت يلزم تقديم الحكم على السبب؛ لأنه ليس لبعض السبب حكم السبب، فيكون الحكم متقدمًا على السبب حينئذ. (وليس بعد الكل جزء مقدر) أي بعد ما خرج كل الوقت من أن يجعل سببًا لابد من اعتبار البعض، وليس البعض بأولى من البعض لعدم الأولوية، ولم يرد من الشارع جزء مقدر كالربع والثلث والنصف وغير ذلك بأنه سبب بدليل جواز الأداء قبل مضي الربع أو غيره، فوجب الاقتصار على الأدنى إذ

стр. 387

هو المراد بكل حال لصلاحيته للسببية، ولا دليل على الزائد على الجزء الواحد فتعين هو للسببية، فلذلك إذا أدى بعد مضي جزء من الوقت صح، وإن قل ذلك الجزء. قوله: (الحائض إذا طهرت وأيامها عشرة أن الصلاة تلزمها إذا أدركت شيئًا من الوقت قليلًا) ولا تشترط قدرتها على أن تغتسل وتدرك شيئًا من الوقت. بخلاف ما إذا كانت أيامها دون العشرة، وانقطع الدم عنها وأدركت شيئًا من الوقت إن أدركته بعد القدرة على الاغتسال، ثم بالإدراك تجب صلاة ذلك الوقت عليها وإلا فلا ولهذه الفائدة قيد بقوله: "وأيامها عشرة". (لكنه لم يوجب الأداء للحال) خلافًا للشافعي فإن عنده يجب الأداء في الحال حتى ظهر أثره في حق الحائض، وقد ذكرناه.

стр. 388

(لأن الوجوب جبر من الله تعالى بلا اختيار من العبد)، وهذا تعليل لنفي لزوم الأداء في الحال، ولإثبات قوله: أفاد الوجوب بنفسه. بيانه أن أصل وجوب الشيء اشتغال الذمة به، ولا يراد به الفعل في الحال بدليل الوجوب على النائم والمغمى عليه والمجنون إذا انقطع الجنون والإغماء دون يوم وليلة. ولا يجب الأداء عليهم إذ لو وجب لافتقر إلى القدرة التي يفتقر إليها الفعل، ولا قدرة لهؤلاء ولا فهم، وخطاب من لا يفهم بالأداء قبيح، وهذا لأن نفس الوجوب لشغل الذمة، ووجوب الأداء لتفريغ الذمة. وتفريغ الذمة يستدعي ثبوت شغل الذمة، إذ تفريغ ما ليس بمشغول محال، فلذلك كان الخطاب بتفريغ الذمة حال تشغل الذمة محالًا كالرفع يقتضي سابقة الوضع، فالرفع حالة الوضع محال. ولهذا قلنا فيمن قال: أنت طالق مع نكاحك، ثم تزوجها لم تطلق؛ لأن الطلاق رفع القيد والنكاح إثبات القيد، فرفع القيد حال ثبوت القيد محال، بل الرافع إنما يصح حال بقاء القيد، فكذلك هاهنا الخطاب بتفريغ الذمة إنما يصح في حال بقاء الشغل لا حال وجود الشغل. ونفس الوجوب لما كان لشغل الذمة ولم يرد بها الفعل لم يقتض قدرة؛ لأن القدرة لتحصيل الفعل وليس في نفس الوجوب لزوم الفعل.

стр. 389

ألا ترى أن ابن يوم أهل لنفس الوجوب وليس بأهل للزوم الفعل. وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ وقلنا نحن: الأداء إنما يجب بالطلب. ألا ترى أن الريح إذا هبت بثوب إنسان وألقته في حجر غيره والثوب ملك لصاحبه، ولا يجب على من في حجره أداؤه إليه قبل طلبه؛ لأن حصوله في حجره كان بغير صنعه، فكذلك هاهنا الوجوب تسببه كان جبرًا لا صنع للعبد فيه، فإنما يلزمه أداء الواجب عند طلب من له الحق، قد خيره من له الحق في الأداء ما لم يتضيق الوقت. يقرره أن وجوب الأداء لا يتصل بثبوت حكم الوجوب لا محالة، فإن البيع بثمن مؤجل يوجب الثمن في الحال. إذ لو كان وجوب الثمن متأخرًا إلى مضي الأجل لم يصح البيع؛ لأنه حينئذ يكون البيع بلا ثمن. فعلم أن نفس الوجوب ثابت في الحال، ووجوب الأداء يكون متأخرًا إلى حلول الأجل، فهاهنا أيضًا وجوب الأداء يتأخر إلى توجه المطالبة. وقوله: (ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء) أي تعجل وجوب الأداء. هذا تقرير لما ذكرنا من بيان انفصال نفس الوجوب عن وجوب الأداء، وبيان أنهما لا يتلازمان (بل الأداء متراخ) أي بل وجوب الأداء متراخ بدليل ثبوت الثمن والمهر في ذمة ابن يوم، ولا خطاب ولا لزوم للفعل عليه.

стр. 390

(فأما الوجوب فبالإيجاب) أي الوجوب حكم إيجاب الله تعالى بسببه. كذا في "التقويم". (ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل) أي لأجل ما ذكرنا من المعنى وهو أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته كانت الاستطاعة مقارنة للفعل، فكما أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته، كذلك وجوب الأداء لا يفتقر إلى وجود الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن القدرة الحقيقية مقارنة للفعل، فنفس الوجوب ينفصل عن وجوب الأداء. كذلك وجوب الأداء ينفصل عن وجود نفس الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن الوجود من وجوب الأداء غير مراد عند أهل السنة والجماعة. إذ لو كان مرادًا لوجد الإيمان من جميع الكفرة؛ لأنه يستحيل تخلف المراد عن إرادة الله تعالى، وتخلف المراد عن الإرادة عجز واضطرار، والله تعالى متعال عنه،

стр. 391

والكفار كلهم مخاطبون بالإيمان، ولم يوجد الإيمان منهم حال كفرهم. وكذلك العبادات المفروضة على المؤمنين فإنهم مخاطبون بها ثم قد لا يوجد منهم، فثبت أن وجود الفعل غير مراد من وجود الخطاب، فحصل

стр. 392

من هذا كله أشياء ثلاثة: نفس الوجوب، ووجوب الأداء، ووجود الفعل، فنفس الوجوب بالسبب، ووجوب الأداء بالخطاب، ووجود الفعل بإرادة الله تعالى، لكن عدم الفعل من العبد بعد توجه الخطاب؛ لعدم إرادة الله تعالى إياه لا يكون حجة للعبد لأن ذلك غيب عنه، فكان العبد ملزمًا محجوبًا عليه بعد توجه الخطاب عليه عند سلامة الآلات وصحة الأسباب. والتكليف يعتمد هذه القدرة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق القدرة الحقيقية عند إرادة العبد الفعل ومباشرته إياه، ووجود الفعل يفتقر إلى هذه القدرة الحقيقية، فكان قوله: "ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل" يتصل بقوله: "ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء" لأن الاستطاعة مقارنة للفعل الذي يوجد من المكلف، فلو كان نفس الوجوب يوجب تعجل الأداء لكانت الاستطاعة مقارنة لنفس الوجوب. وقوله (كثوب هبت به الريح) احتراز عن الغصب، (وفي مسألتنا لو يوجد المطالبة بدلالة أن الشرع خيره في وقت الأداء فلا يلزمه

стр. 393

الأداء. يعني أن التخيير ينافي المطالبة بالأداء. فإن قلت: يشكل على هذا إذا حال الحول على نصاب رجل فإنه يطالب بالأداء مع أنه مخير في الأداء، حتى إذا فرط في الأداء ولم يؤد الزكاة حتى هلك النصاب كله سقط عنه الزكاة. فبهذا يعلم أن التخيير لا ينافي المطالبة بل يجتمعان. قلت: بل ينافي المطالبة بالأداء؛ لأن التخيير إثبات الخيار للمخاطب في أي وقت شاء يؤدي فيه، والمطالبة بالأداء إلزام على المخاطب بالأداء في أول الوقت الذي خاطبه بالأداء غير أن محل الواجب في الزكاة النصاب، والحق لا يبقى بعد فوات محله، كالعبد الجاني والعبد المديون إذا ماتا، والشقص الذي فيه الشفعة إذا صار بحرًا بطل خطاب المولى بالدفع أو الفداء وبطل حق الشفعة. بخلاف ما نحن فيه، فإن الواجب على الذمة فكان ما نحن فيه كصدقة الفطر والحج، فإن محل الواجب فيهما ذمته لا ماله، وذمته باقية بعد هلال المال فيبقى الواجب لبقاء محله، فكذا فيما نحن فيه حتى إن في الزكاة إذا

стр. 394

مات المخاطب بعد حولان الحول قبل الأداء يبقى إثم التأخير أيضًا، لتحقق تقصيره خصوصًا على قول الكرخي، فإن وجوب الأداء في الزكاة بعد حولان الحول على الفور عنده، وفي رواية عن أبي يوسف- ﵀ أيضًا. (وتبين أن الوجوب حصل بأول الجزء خلافًا لبعض مشايخنا) وهو ما ذكرت قبل هذا أن أكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا، ويقولون: الوجوب لا يثبت بأول الوقت، وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت، ويستدلون على ذلك بما لو حاضت المرأة في آخر الوقت، فإنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀. ولكنا نقول: إن الوجوب يحصل بأول جزء من الوقت، لكن سببية ذلك الجزء لوجوب الصلاة على سبيل الزوال والانتقال لا على سبيل التقرر، وإنما يتقرر السببية للجزء الأخير من الوقت للمعنى الذي ذكرنا، وفائدة سببية الجزء الأول إنما تظهر في حق صحة الأداء، وعدم لزم القضاء على تلك المرأة، إنما كان لانعدام إدراكها للجزء المتقرر سببيته، وهي طاهر عن الحيض.

стр. 395

وقوله: (وأن الخطاب بالأداء) معطوف على قوله: إن الوجوب حصل بأول الجزء". (ثم إذا انقضى الجزء الأول انتقلت السببية إلى الجزء الثاني ثم) وثم إلى الآخر؛ لأن الجزء الثاني جزء من الوقت كالجزء الأول، فيكون سببًا لعدم ما يزاحمه كالجزء الأول، فإنه كان سببًا لعدم ما يزاحمه. ثم الجزء الأول حال وجود الجزء الثاني معدوم، والمعدوم لا يعارض الموجود، فإذا صار الجزء الثاني موجودًا قلنا بانتقال السببية غليه؛ لأن كون الجزء الأول سببًا كان بطريق الضرورة وهو عدم المزاحم، فإذا وجد المزاحم كان هو للسببية أولى لوجوده وعدم المزاحم. ولعلمنا بأن كل جزء من الوقت صالح للسببية، ولأنه لو لم تنتقل السببية عن الجزء الأول إلى الثاني لا يخلو إما أن يضم إليه الجزء الثاني والثالث ويجعل الكل سببًا لا يجوز هذا؛ لأن المعدوم لا يجوز أن يكون جزءًا

стр. 396

للسبب الموجود، وإما أن لا يضم إليه الجزء الثاني لا يجوز هذا أيضًا؛ لأن جعل الموجود سببًا أولى من جعل المعدوم سببًا عند إمكان جعل الموجود سببًا؛ لأن المعدوم لا يعارض الموجود. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون الجزء الأول سببًا، ثم بانقضائه لم تنعدم سببيته كما في كل الوقت إذا انقضى تبقى سببيته بعد انعدامه. علم بهذا أن انعدامه لا يمنع سببيته؟ قلت: ذاك إنما يكون في الجزء المتقرر سببيته كما في الجزء الأخير لا في الجزء الذي سببيته على عرضية الزوال كما في الجزء الأول، وهذا لأنه لو كانت سببية الجزء الأول باقية بعد انعدامه ولم تنتقل إلى الجزء الثاني يلزم أن يكون المؤدي في الجزء الثاني قاضيًا، وبالإجماع أن أداءه لم يكن قضاء بل أداءً إذا وجد في الوقت. علم بهذا أن سببيته قد انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني وكذلك إلى الآخر، وهذا هو الجواب عما يقال: إنه لما قيل بسببية الجزء الأول عند وجوده بعد ذلك لا يحتاج إلى انتقال السببية إلى الجزء الثاني؛ لأن بقاء الحكم يستغني عن بقاء السبب فلا يحتاج إلى الانتقال؛ لأنا نقول: لم لم ينتقل كان المؤدي في الجزء الثاني قاضيًا لا مؤديًا. كما قلنا عند عدم الانتقال عن الجزء الأخير بأن المؤدي خارج الوقت قاضٍ لا مؤد، وبالإجماع أن من أدى في الجزء الثاني هو مؤدٍ لا قاض. علمنا

стр. 397

أن السببية قد انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني. فإن قلت: يحتمل أن يكون كونه أداء في الجزء الثاني باعتبار وجود شرط الأداء وهو بقاء الوقت؛ لأن لوقت الصلاة أوصافًا سببية الوجوب وشرطية الأداء وظرفيته، فكانت السببية متقررة للجزء الأول وإن انعدم، كما تكون متقررة له بعد انعدامه بجميعه. قلت: لا كذلك بل السببية أيضًا انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني ثم وثم إلى الآخر كالشرط. بدليل تغيير أحوال من أدرك الجزء الثاني والثالث إلى الآخر من السفر والإقامة والحيض والطهر وغيرها. وتغيير أحوال المدرك إنما هو عند قيام السبب لا الشرط، فلو كانت السببية متقررة للجزء الأول بعد انعدامه لما غيرت أحوال من أدرك الجزء الثاني إلى آخر الوقت فرضه كما لو صار قضاء محضًا لا يتغير حالة في حق القضاء وإن وجد المغير. ثم لما وجب نقل السببية من الجزء الأول إلى الثاني لضرورة الأداء ينبغي أن يكون بعد وجود السبب كان الجزء الذي هو متصل بالأداء أولى بالاعتبار من غيره؛ لأن الجزء الواحد لما صلح للسببية وجب تقريرها للجزء الثاني الذي وجد الأداء بعيده متصلًا به أولى؛ لأنه لابد من تقدم السبب على وقت الأداء وكان ما يلي الأداء به أولى. إذ في ضم الجزء السابق على الأداء

стр. 398

إلى الجزء المتصل بالأداء تخط في السببية عن الجزء المتصل بالأداء الصالح للسببية بلا دليل، وثبوت المدلول بلا دليل لا يجوز. (وإذا انتهى إلى آخر الوقت حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية لما يلي الشروع في الأداء). قال زفر- ﵀ إذا تضييق الوقت على وجه لا يفضل عن الأداء تتعين السببية في ذلك الجزء. ألا ترى أنه ينقطع اختياره ولا يسعه تأخيره، فلذلك لا يتغير بعد ذلك بعارض من سفر أو حيض أو غيرهما وعندنا لا يتعين ذلك الجزء للسببية بل ينتقل إلى آخر جزء من الوقت، فيتغير بعارض حتى لو سافر في الجزء الأخير من الوقت يتغير فرضه من الأربع إلى الركعتين. ومن اللزوم إلى السقوط إذا حاضت المرأة، وإنما لا يسعه التأخير لكيلا يفوت شرط الأداء، وهو الوقت على ما هو عليه الظاهر من عدم امتداد الوقت بعده، ولكن ما بعده من أجزاء الوقت صالح لانتقال السببية إليه فيتحقق التفويت بمضيه. فإن قلت: جعل تعين الأداء بطريق اللزوم دليلًا على استقرار السببية في

стр. 399

قوله: حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية؛ وليس كذلك بل ذلك إنما يصح على قول زفر، وأما عندنا فالسببية تنتقل من الجزء إلى الجزء بعد تعين الأداء بطريق اللزوم، فإن الأداء يتعين لازمًا في الوقت الذي لا يسع فيه إلا أربع ركعات لكي يقع ما أداه من صلاته أداءً لا قضاء حتى لو تكره باختياره يأثم، ومع ذلك انتقال السببية ثابت، حتى وإن فرض المقيم بالسفر يتغير من الأربع إلى الركعتين، وإن كان سفره بعد تعين الأداء، وقد ذكرت أن التغيير إنما كان عند قيام السببية، ثم كيف قال باستقرار السببية لذلك الوقت؟ قلت: معنى قوله "استقرت السببية" أي استقرت السببية في حق لزوم الأداء وفوت اختيار التأخير لا في حق انتقال السببية من الجزء إلى الجزء، وهذا لأن المكلف لما كان عاقلًا بالغًا مسلمًا كان الظاهر من حاله أنه يشرع في الأداء كي لا يقع في إثم التأخير، فكان هو معتقدًا لاستقرار السببية في حقه على وجه لا يجوز التأخير عنه. فإن قلت: ما الفرق بين ما إذا فاتته صلاة في المرض الذي يعجز فيه عن الركوع والسجود، ثم يقضيها في الصحة كان الواجب عليه قضاؤها قائمًا بالركوع والسجود، ولو فاتته صلاة في الصحة ثم يقضيها في المرض الذي لا يقدر على الركوع والسجود يقضيها بالإيماء حيث يعتبر فيهما حال القضاء لا حال الأداء الذي فاتت الصلاة عن وقتها، وبين هذه المسألة التي نحن فيها وهي ما إذا فاتت الصلاة عن المسافر أو عن المقيم حيث يعتبر فيهما حال الأداء

стр. 400

الذي فاتت الصلاة عن وقتها لا حال القضاء على ما ذكر في الكتاب؟ قلت: الفرق بينهما ظاهر وهو أن المرض لا تأثير له في إسقاط أصل الصلاة على ما عليه الصحيح من المذهب، بل له تأثير في الوصف لتكون الطاعة بحسب الطاقة، فكان وجوب القضاء فيه بحسب طاقته إذ لو اعتبر فيه حال وجوب الأداء ووجب القيام والركوع والسجود كان مخالفة للنص النافي للحرج، هو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقد نص على هذا صاحب الشرع بقوله ﵇: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا) الحديث، ومثل هذا يقتضى الحصر بهذه الأحوال كما في آية الظهار في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهو بإطلاقه يتناول المؤدي والقاضين فلذلك لم يعتبر فيه حال وجوب الأداء. فعلم بهذا أنا لو اعتبرنا في المرض حال وجوب الأداء إما أن يلزم فيه مخالفة النص أو ترك إطلاق الحديث الذي يقتضي الحصر وهو أن يكون طاعته بحسب طاقته بخلاف السفر، فإن له تأثير في تغيير أصل الصلاة بحكم الحديث، وهو قوله ﵇: (إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته). واعتبار التغيير هناك باعتبار الوقت على ما ذكر في الكتاب، وهو أن

стр. 401

الوقت سبب لوجوب الصلاة، والمغير إذا اتصل بسبب الوجوب عمل عمله فلا يتغير بعد ذلكن والفقه فيه هو: أن السفر إنما جعل مغيرًا للصلاة عند قيام الوقت من الكثرة إلى القلة حتى اعتبر فيه حال وجوب الأداء، ولو يجعل في المرض كذلك؛ لأن الرخصة في السفر متعلقة بمشقة متوهمة أقيم السبب الظاهر مقام المشقة، وكذلك دخول الوقت سبب ظاهر لوجوب الصلاة على المكلف فتناسب إلحاق الظاهر بالظاهر، فقرن كل واحد منهما بالآخر فلم يتغير بعد ذلك بحالة القضاء، وأما الرخصة في المرض فمتعلقة بمشقة حقيقية فاقتضت عجزًا حقيقيًا، وذلك إنما يكون حال فعل الصلاة خصوصًا على أصل قول أهل السنة والجماعة: إن الاستطاعة مقارنة بالفعل، فتناسب إلحاق الحقيقية بالحقيقية، فلم يعتبر لذلك فيه حال وجوب الأداء بل اعتبر فيه حال فعل وهو حال القضاء. ووجه آخر في الفرق بينهما وهو الأوجه هو أن نقول: لا يمكننا القول في حق المريض بالاعتبار بحال وجوب الأداء أصلًا، فإنا لو قلنا بذلك إما أن نقول: إن المريض الذي هو غير قادر على القيام والركوع والسجود وهو مأخوذ عليه أن يؤدي الصلوات التي فاتته حال صحته بالقيام والركوع والسجود وهو محال؛ لأن ذلك تكليف ما ليس في الوسع، والله تعالى تبرأ عنه بقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وبقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ

стр. 402

عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وإما أن نقول: إن الصحيح الذي هو قادر على القيام والركوع والسجود هو غير مأمور في قضاء الصلوات التي فاتته حال مرضه بالقيام والركوع والسجود بل يقضيها بالإيماء، وذلك أيضًا باطل؛ لأن ذلك يوجب ترك العمل بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وغيرهما، وهذه الآية غير متعرضة لحال دون حال، فكان موجبها الإتيان بذلك الموجب إذا كان قادرًا على القيام والركوع والسجود فلا يجوز ترك ذلك الموجب، وأما المسافر في قضاء صلاة فائتة في حالة السفر تقررت عليه بركعتين فلا تتغير بعد ذلك وإن وجد المغير، حتى إن المسافر لو اقتدى بمقيم في قضاء الصلاة لا يجوز وإن كان الاقتداء مغيرًا في الجملة. ألا ترى أنه لو اقتدى بمقيم في بقاء الوقت تتغير صلاته من الركعتين إلى الأربع، ومع ذلك لا يجوز اقتداؤه بالمقيم خارج الوقت لتقرر الصلاة عليه بركعتين وكذلك في عكسه إذا فاتت الصلاة عن مقيم تقررت عليه بأربع، فلا تتغير بعد ذلك بالسفر؛ لتقررها بالأربع بخلاف حال المرض على ما قلنا.

стр. 403

(وإذا كان ذلك الجزء فاسدًا) أي ناقصًا؛ لأنه نص محمد- ﵀ أن الصلاة لا تفسد وقوله: (وهو فيها لم يتغير) أي لم يتغير من الكمال إلى النقصان فلذلك (لم يفسد). وقوله: (ووجهه) إلى آخره. جواب للإشكال الذي ذكره بقوله: ولا يلزم "بخلاف حالة الابتداء" أي حالة ابتداء التطوع في الوقت الفاسد، فإنه لا يصح، فكان هذا تتمة رواية هشام. (وهو ما ذكرنا من شغل الأداء) أي من شغل المصلي الصلاة بالأداء.

стр. 404

وقوله: وهو راجع إلى ما ذكره من بيان الضرورة، وذلك الشغل إنما يتحقق فيما إذا صلى في جزء من الوقت (فانتقل الحكم إلى ما هو الأصل) أي فلذهاب الضرورة عن جعل الجزء سببًا انتقل الحكم إلى ما هو الأصل وهو أن يكون كل الوقت سببًا، وإنما قلنا: إن الأصل ذاك لما أن الإضافة دليل السببية، والإضافة تكون بكل الوقت لا بجزئه حيث يقال وقت صلاة الظهر، ووقت صلاة العصر وغيرهما، فاسم وقت كذا اسم لكله لا لجزئه، فلذلك كان الأصل أن يكون كل الوقت سببًا. وهذا التقرير جواب عما ورد شبهة على قوله: "فإذا انتهى إلى آخر الوقت حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية" بأن يقال: لما استقرت السببية على الجزء الأخير من الوقت، وهو في وقت العصر وقت فاسد وجب أن يصح قضاء صلاة العصر في اليوم الثاني في مثل ذلك الوقت؛ لأنه وجب ناقصًا فيتأدى بصفة النقصان. فأجاب عنه بهذا وقال: انتقال السببية من جزء إلى جزء إلى أن بلغ إلى الجزء الأخير لضرورة أن تقع صلاته في الوقت بصفه الأداء، وأما إذا ذهب

стр. 405

الوقت فاتت تلك الضرورة، فأضيف القضاء إلى جميع الوقت الذي ذهب، وأكثر أجزاء الوقت الذاهب كان صحيحًا لا فاسدًا، فصال كأن جميع الوقت كان صحيحًا، فلذلك لا يقضى في الوقت الناقص. (فلم يجز أداؤها) أي أداء قضائها. (ولا يلزم إذا أسلم الكافر في آخر الوقت) إلى آخره. ونقض المسألة إنما يتوجه على تقدير عدم الجواز. وجه الورود هو أنه لما ذكر قوله: "وإذا كان ذلك الجزء فاسدًا انتقص الواجب فيؤدي بصفة النقصان" ورد عليه ما إذا اسلم الكافر في ذلك الوقت، ثم لم يؤد ذلك إلى أن جاء مثل ذلك الوقت الذي هو وقت الاحمرار فقضى تلك الصلاة التي وجبت عليه بصفة النقصان فإنه لا يجوز. وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ في جواب هذا: وإنما يتأدّى بصفة النقصان عند ضعف السبب إذا لم يصر دينًا في الذمة. واشتغاله بالأداء يمنع صيرورته دينًا في الذمة، وأما إذا لم يشتغل بالأداء حتى تحقق

стр. 406

التفويت بمضي الوقت، صار دينًا في ذمتهن فيثبت بصفة الكمال. ثم قال: وهذا هو الانفصال عن الإشكال الذي يقال على هذا إذا أسلم الكافر بعد ما احمرت الشمس ولم يصل، ثم أداها في اليوم الثاني بعد ما احمرت الشمس فإنه لا يجوز؛ لأن مع تمكن النقصان في السببية إذا مضى الوقت صار الواجب دينًا في ذمته بصفة الكمال. وهذا لأن النقصان في الأداء متحمل بسبب شرف الوقت، فإذا فات الوقت لا يتحمل النقصان؛ لأنه لا جابر للنقصان في الفائت بخلاف ما إذا كان الوقت باقيًا، فإن فضيلة الأداء جابرة لذلك النقصان. ومثله من نذر اعتكاف رمضان هذه السنة أداء وقضاء على ما مر تقريره. (لم يقبل التعين بتعيينه قصدًا ونصًا) بأن يقول: عينت هذا الجزء للسببية لا يتعين ويجوز الأداء بعده، وإنما يتعين ذلك بالفعل في ضمن الأداء كما في كفارة اليمين، فكم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا، وهذا لأن تعيين الشرط أو السبب ضرب تصرف فيه، يعني لو عين العبد الجزء المعين

стр. 407

للسببية بالقول وتعين هو بتعيينه على وجه لا يبقى الجزء الذي بعده سببًا للوجوب، كان هو شركة للشارع في وضع الأسباب. وبهذا خرج الجواب عما ورد شبهة على هذا القول من خرج إلى السفر باختياره كان واضعًا لسبب قصر الصلاة وفطر الصوم، ولم يكن ذلك شركة في وضع السبب فكيف يكون هذا شركة؟ والجواب عنها أن المسافر باشر السفر بقصده واختياره، والشارع جعل السفر سببًا للقصر والفطر فلم يكن المسافر واضعًا لسبب القصر والفطر، فلا يكون شركة، فكان هو نظير من لبس الخف فإنه يترخص بالمسح عليه، فلا يكون هو واضعًا سبب رخصة المسح بقصده؛ لأن قصده لبس الخف لا وضع سبب الرخصة. بل الشارع هو الذي وضع سببها، فكذا هنا. (وإنما على العبد أن يرتفق بما هو حقه) أي للعبد أن ينظر إلى رفقه، فإن كان في أول الوقت، بأن كان له شغل في آخر الوقت يصلي في أول الوقت ويتعين للسببية أول الوقت حكمًا ضمنًا لفعله وطلب رفقه، وإن كان رفقه في الجزء الثاني من الوقت إلى الآخر فكذلكن وإن كان رفقه في آخر الوقت بأن كان له شغل في أول الوقت فصلى في أخر الوقت، ويتعين آخر الوقت للسببية ضمنًا لفعله إذ له الاختيار الضروري، وأما الاختيار الكلي فـ لله تعالى وحده: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.

стр. 408

(لأنه مشروع أفعالًا معلومة) هذا احتراز عن الصوم، فإنه شيء واحد مقدر بمقدار النهار. (ومن حكمه: أن النية شرط ليصير ما له مصروفًا إلى ما عليه) أي ليصير ما له من حقه من منافع أفعاله التي كانت له بطريق العادة في قيامه وركوعه وسجوده مصروفًا إلى ما عليه من العبادة، وذلك إنما تكون العبادة بالنية، وهذا الذي ذكره من الحكم غير مختص بالصلاة، بل النية شرط في جميع العبادات في الصوم وغيره، ولعدم اختصاص هذا الحكم بالصلاة لم يورده في "التقويم" وذكر حكمًا آخر مكانه يختص بوقت الصلاة فقال: ومن حكمه أن الصبي إذا بلغ لآخر الوقت بحيث لا يمكنه الأداء فيه لزمه الفرض؛ لما ذكرنا أن السبب جزء من الوقت، وقد أدركه وبضيق الوقت عجز عن الأداء، والقدرة على الأداء ليس بشرط لنفس الوجوب. (ومن حكمه: أن تعيين النية شرط) أي أن يعين بقوله: صلاة الظهر،

стр. 409

أو صلاة العصر، وغيرهما. (بالاسم المطلق) وهو اسم الصلاة. (لما لزمه التعيين لما قلنا لم يسقط) أي التعيين (بضيق وقت الأداء)، وهذا لأن وقت الصلاة في أصله كان ظرفًا فلا ينقلب من كونه ظرفًا إلى كونه معيارًا، وإن بقي وقت لا يسع فيه إلا أربع ركعات فرض الوقت، وإنما ذكر هذا لدفع شبهة ترد عليه، وهي صوم رمضان، فإنه لما قدر فرضه بوقته لم يحتج هناك إلى تعيين فرض الوقت كما في صوم رمضان، فكيف احتيج هنا إليه ولم يحتج في الصوم. فأجاب عنها بقوله: (لأن التوسعة أفادت شرطًا زائداّ وهو تعيين النية) إلى آخره (فلا يسقط هذا الشرط) وهو تعيين النية (بالعوارض ولا بتقصير العباد) يعني أن تأخير الأداء إلى آخر الوقت لا يخلو إما أن يؤخر بالعوارض نحو النوم والإغماء، أو بتقصير من المكلف بأن يؤخره اختيارًا، فلا يصلح كل منهما أن يكون مسقطًا هذا الشرط. أما العوارض فإنها لا تدخل تحت الأصول؛ لأن الأصل عدم العارض، فلا يغير ذلك العارض الحكم الثابت بالأصل إلا بنص من الشارع ولم يوجد. وأما التقصير فإن سقوط شرط تعيين النية نوع رخصة وترفيه، فلا

стр. 410

يستوجب التقصير رخصة غير ثابتة في الأصل، فإن التقصير مستوجب للتغليظ لا للترفيه. وقيل: لا يسقط الشرط الأصلي بالعوارض؛ لأن العوارض لا تعارض الأصول. ألا ترى أن العصمة الثابتة بالإسلام والدار لا تبطل بعارض الدخول في دار الحرب حتى لو دخل مسلمان دار الحرب وقتل أحدهما صاحبه تجب الدية، ولو بطلت العصمة بعارض دخول دار الحرب لما وجبت الدية. كما لو أسلما ثم ولم يهاجرا إلينا فقتل أحدهما الآخر، وهاهنا أيضًا باعتبار تعدد المشروع وجب عليه تعين الوصف فلا يسقط هذا بضيق الوقت؛ لأنه عارض، ولأن مشروعية غيره باقية بعد ضيق الوقت فكان المزاحم موجودًا، فيشترط تعيين النية. (وإنما قلنا: إنه معيار له) أي أن الوقت معيار للصوم؛ لأنه (قُدر) أي لأن الصوم قٌدر بوقت الصوم وهو النهار حيث يطول ويقصر بقصره (وعرف به) أي عرف الصوم بالوقت. فقيل الصوم: عبارة عن الإمساك

стр. 411

عن الأكل والشرب والجماع نهارًا مع النية حيث دخل النهار في تعريف الصوم. (لأن الشرع لما أوجب شغل المعيار به) أي بصوم شهر رمضان (وهو واحد). فإن قيل قوله: وهو واحد "مستغنى عنه؛ لأن الشرع لما أوجب شغل الوقت به بعد ذلك لا يحتاج إلى قوله: وهو واحد"، لأن الشيء لما كان مشغولًا بشيء لا يتفاوت بعد ذلك أن يكون ذلك الشيء شيئًا واحدًا أو شيئين فلا يسع فيه غيره. قلنا: ذكره لتأكيد قوله: "أوجب شغل الوقت" أو فيه بيان توحد المشروع في ركنه بخلاف الصلاة، فإن لها أركانًا مختلفة. (فإذا ثبت له وصف) أي إذا ثبت للمعيار كونه مشغولًا بصوم رمضان انتفى غيره كالمكيل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ بدأ الصوم من الخيط الأبيض ثم مده إلى الليل، والصوم عبادة شرعية فتراعى صيغة كلام الشرع، فلذلك كان

стр. 412

الواجب في صيرورة الصوم الشرعي صومًا شرعيًا شغل المعيار به، فإذا كان الصوم هكذا من الفجر إلى الليل يكون هو واحدًا في نفسه ضرورة، فإذا ثبت له وصف فرضية صوم رمضان من الله تعالى انتفى غيره من الأوصاف، فلم يبق غيره مشروعًا. وهذا التعين لشهر رمضان إنما جاء من قبل محل الصوم وهو النهر، أما المنافع التي يتأدى بها الصوم فباقية على ملك مالكها كما كان قبل رمضان لا أن يستحق عليه منافعه؛ لأن ذلك يفضي إلى الجبر وهو منتف ضرورة، فلذلك احتيج إلى نية نفس الصوم ليقع عبادة. (لأن شرع الصوم فيه عام) أي متناول للمقيم والمسافر. (فانعدم فعله) أي انعدم فعل صوم المسافر لغير رمضان لعدم ما نواه أي لعدم الذي نواه من صوم غير رمضان كما في حق المقيم. يعني لو نوى المسافر واجبًا آخر لا يصح عندهما لعدم شرعية واجب آخر في رمضان كما في حق المقيم؛ لأن خطاب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ عام

стр. 413

فيهما. (وقال أبو حنيفة- ﵁ الوجوب واقع على المسافر) أي نفس الوجوب ثابت متقرر عليه لوجود كمال سببه وهو شهود الشهر، (ولهذا صح أداؤه بلا توقف) أي صح أداء المسافر صومه عن فرض الوقت بلا توقف، وهو دليل على تقرر فرض صوم الوقت الذي هو صوم رمضان عليه. وهذا بخلاف المقيم إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة. هو على سبيل التوقف إن لم يؤد الجمعة بعده يقع ما صلى عن فرض الوقت، وإن سعى إلى الجمعة وأدى الجمعة بحسب ما اختلفوا فيه بطل ظهره، وكذلك لو أدى الزكاة في أول الحول هو على سبيل التوقف هل يبقى عند حولان الحول غنيًا كما كان أم لا؟ فإن لم يبق غنيًا انقلب ما أداه تطوعًا وإلا يقع عن الفرض. (إلا أنه رُخِّص له الترك) إلى آخره، فحاصل اختلاف الطرفين راجع إلى الأصل الذي ذكرناه في "الوافي" وهو انتفاء صوم آخر، إنما نشأ عندهما باعتبار نفس شهود الشهر وفي هذا المقيم والمسافر سواء، وعند أبي حنيفة-

стр. 414

رحمه الله- إنما نشأ ذلك باعتبار وجوب الأداء وذلك لم يثبت في حق المسافر، فلا يثبت الانتفاء. (وصار كونه ناسخًا لغيره) أي كون صوم رمضان ناسخًا في شهر رمضان لغيره من الصيامات، إنما يكون إذا أعرض عن الترخص وتمسك بالعزيمة وهو أن يصوم صوم رمضان. يعني أن صوم رمضان إنما يكون ناسخًا لسائر الصيامات على تقدير أن يصوم صوم رمضان. أما إذا ترخص بأن لم يصم صوم رمضان فلا، وله أي للمسافر ولاية الترخص ذلك، وهاهنا ترخص حيث لم يصم صوم رمضان فلم ينتف الصوم الذي هو غير صوم رمضان. (فإذا لم يفعل بقي مشروعًا) أي إذا لم يصم صوم رمضان بقي صوم غير رمضان مشروعًا. (والطريق الأول يوجب أن لا يصح النقل) وهو قوله: إلا أنه رخص له

стр. 415

الترك إلى آخره، وإنما لا يصح النفل على تقدير ذلك التعليل؛ لأن الترخص بصوم غير رمضان إنما ساغ له لصرف صومه إلى قضاء ما عليه وليس في صوم النقل قضاء ما عليه، فلا يجوز صوم النفل. بل يقع عن الفرض لوجود نفس الصوم، فصار هو بمنزلة من أطلق النية وهو يقع عن فرض الوقت على ما عليه الصحيح من الرواية. (والثاني يوجب أن يصح) وهو قوله: "ولأن الأداء غير مطلوب منه" يعني أن أداء صوم رمضان الوقتي غير مطلوب من المسافر في الحال، فكان هذا الوقت في حقه بمنزلة شعبان في حق الكل من حيث إنه غير مطالب بصوم فرض الوقت، وصوم النفل في شعبان جائز من الكل، فكذا يجوز صوم النفل أيضًا من المسافر في شهر رمضان. (لأن الترخص والترك) أي ترك العزيمة. (بهذه العزيمة) أي بهذه النية المطلقة يعني لما لم يتحقق الترخص وهو الفطر لوجود نية الصوم تعين صوم الوقت؛ لعدم مزاحمة غيره من الصيامات

стр. 416

كصوم الوقت، وهذا لأن المطلق يتناول الذات فقط، فلما لم يتناول هذا الإطلاق واجبًا آخر؛ لاحتياج الواجب إلى التعين بقي صوم النفل وصوم الوقت، وإنهما يؤديان بمطلق النية غير أن صرف مطلق النية إلى صوم الوقت أولى من صرفه إلى النفل؛ إما لأن النفل لا يجوز، أو لأن صوم الوقت عزيمة والنفل رخصة، فكان الأخذ بالعزيمة أولى. وهذا هو الجواب عما لو قيل: ينبغي أن لا يصاب صوم الوقت بمطلق النية من المسافر؛ لأنه لم يتعرض لصوم الوقت لإطلاق النية؛ لأنا نقول: إن فرض الوقت يتعين بمطلق النية؛ لأنه وقته، والواجب الآخر لا يتأدى بمطلق النية في غير رمضان، فما ظنك في رمضان، فبعد ذلك بقي صوم لوقت وصوم النفل، فصرف مطلق النية إلى فرض الوقت أولى من صرفه إلى النفل لما ذكرنا. (فوات شرط الرخصة) وهو حقيقة العجز. فيستوجب الرخص لعجز

стр. 417

مقدر أي لعجزه تقديرًا وإن لم يكن تحقيقًا، فوات شرط الرخصة وهو العجز التقديري يعني أن رخصة المسافر باعتبار سبب ظاهر- وهو السفر- قام مقام العذر الباطن، وذلك لا ينعدم بفعل الصوم فيبقى له حق الترخيص (فيتعدى) أي الحكم (بطريق التنبيه). أي نبهنا الشارع بإباحة الفطر في هذا الوقت للمسافر على جواز الترخص له بأداء واجب آخر بالطريق الأولى؛ لأن الأول حاجة دنيوية والثاني حاجة دينية، وهي الأهم؛ لأن السعي في الحاجة الدينية سعي في تخليص نفسه عن عقوبة النار وهي أشد من مشقة تلحقه في السفر بسبب صوم القضاء؛ لأنه لو لم يصم صوم القضاء في سفره عسى هو لا يحيا إلى وقت الإقامة فيصوم فيه، فحينئذ يبقى في عقوبة ترك صوم القضاء وهي أدهى وأمر. والتنبيه قد يكون إظهار العلة كما في قوله ﵇: "الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات" فالنبي ﵊ نبه بهذه العلة بأن الحكم منها متعد إلى غيرها من السواكن. (وقال زفر- ﵀ ولما صار الوقت متعينًا) إلى آخره، هذه المسألة متصورة فيمن اعتاد الفطر في رمضان كالمريض والمسافر والمتهتك ثم لم يأكل ولم يشرب في يوم رمضان ولم يخطر بباله لا الفطر ولا الصوم، فعندنا لا

стр. 418

يصير صائمًا، وعند زفر يكون صائمًا، كذا ذكره فخر الإسلام في "شرح الجامع الصغير" وهذا لأنه لو نوى الفطر ثم لم يجد شيئًا يأكله لا يكون بهذا الإمساك صائمًا بالاتفاق؛ لأن نيته الفطر قطع إمساكه عن أن يكون صومًا. وقال زفر: إن هذا الوقت صار متعينًا للفرض، ولم يشرع فيه غير صوم الوقت، فصارت منافعه مستحقة كفرض الوقت. قلنا: هذا لا يجوز؛ لأن منافعه لو استحقت لوقع الصوم منه من غير اختياره وذلك جبر، والمأمور به أبدًا يكون فعلًا اختياريًا؛ لأنه لتحقيق الابتلاء، وذلك إنما يكون في الفعل الاختياري، ولا يلزم من عدم شرعية غير الفرض استحقاق منافعه، كما ينعدم في الليل أصلًا ولا استحقاق ثَمَّ. إذ لو كان العدم باعتبار استحقاق المنافع يلزم أن يكون عدم شرعية الصوم في الليل باستحقاق المنافع وليس كذلك؛ لأن المنافع في الليل للعبد، فيثبت أن عدم شرعية غير الفرض ليس باستحقاق المنافع بل باعتبار أنه لم يشرع، وإذا لم يستحق منافعه يكون مأمورًا بصرف ما له من المنافع إلى ما عليه، وعدم العزيمة ليس بشيء، فلم يحصل به صرف ما له على ما عليه.

стр. 419

فإن قيل: قد وجد الإمساك منه بطريق الاختيار؛ لأن الكلام فيمن يجد ما يؤكل ومع ذلك تمسك عن الأكل حتى إن من نوى الفطر، ثم لم يجد شيئًا يأكله، لا يكون صائمًا بالاتفاق وقد مر، ثم لما كان الإمساك هنا بطريق الاختيار لم يكن إمساكه جبريًا، فحينئذ لم يصح هنا دفع قول زفر: بأن هذا الإمساك منه جبري لا اختيارين فلا يصح أن يكون عبادة. قلنا: من الإمساك ما لا يكون اختياريًا بأن كان لا يجد شيئًا إذا كان مريضًا أو مغمى عليه قبل دخول ليلة رمضان، وما كان فيه اختياريًا يحتمل أن يكون عادة أو حمية فلا يكون عبادة بدون النية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والإخلاص إنما يتحقق بالنية؛ لأن النية لتمييز العبادة من العادة، وذلك لا يكون بدون اختياره عبادة لله، فتشترط النية لذلك. وقوله: (كصاحب النصاب إذا وهب من الفقير بعد الحول) أي يكون مؤديًا للزكاة، وإن لم ينو بهبته الزكاة لتعين قدر الزكاة في هذا النصاب للزكاة. فإن قيل: تمليك النصاب من الفقير بأي وجه أدي لا يقع عن الزكاة عند زفر؛ لأن الغنى قارن الأداء، فكيف أورده نظيرًا، وهو على خلاف مذهبه؟

стр. 420

قلنا: إيراده للنظير من حيث أن المستحق لشيء إذا وجد صرفه إلى ذلك الشيء يقع عن المستحق بأي وجه صرفه إليه كما في هبة النصاب للفقير، والهبة غير الصدقة، ومع ذلك تنوب الهبة عن الصدقة لوصول الحق إلى المستحق، فبعد ذلك يحتمل أن يكون المراد منه الفقراء بأن فرق النصاب بلفظ الهبة إلى الفقراء، فلم يكن الغنى مقارنًا للأداء، ولو كان المراد منه الفقير الواحد يجب على أن يحمل أنه الفقير المديون، أو وهبه إليه متفرقًا بعد ما صرف هو بعضه إلى حوائجه. أو قال: على قود مذهبكم (وكأجير الواحد يستحق منافعه) فإن أجير الواحد إذا فعل فعلًا للمستأجر بأي وجه يفعله بطريق الإعانة أو التبرع كان فعله واقعًا عن الفعل الواجب؛ لاستحقاق المستأجر منافع فعله. (بل الشرع لم يشرع في هذا الوقت مما يتصور فيه الإمساك قربة إلا واحدًا، فانعدم غير الفرض الوقتي؛ لعدم كونه مشروعًا لا باستحقاق منافعه). فإن قلت: كما أن صوم غير رمضان غير مشروع، فكذلك الإمساك لغير

стр. 421

الصوم أيضًا غير مشروع في رمضان، فينبغي أن يتعين مطلق إمساكه لصوم رمضان على هذا التقدير. قلت: نعم كذلك إلا أن الصوم عبادة، وتلك إنما تكون بأداء منه عن اختيار، فلا يتحقق ذلك بدون النية؛ لأن العدم ليس بشيء والعبادة شيء، فلا يصلح العدم أن يكون محققًا للوجود. وقوله: (لأن عدم العزيمة ليس بشيء) هذا احتراز عن مسألة الزكاة فإن فيها لفظ الهبة وهو موجود، فيصلح أن يكون هو مجازًا عن الصدقة بدلالة أن المصروف إليه فقير، فكان المبتغي بها وجه الله تعالى دون العوض، وهو معنى الصدقة، فلذلك لم يتمكن من رجوع الهبة التي وهبها للفقير. وكذلك لو وهب عشرة دراهم للفقيرين يجوز بالإجماع استعارة الهبة من الصدقة بخلاف ما نحن فيه، فإن فيه عدم العزيمة، والعدم لا يصلح أن يكون مستعارًا عن العزيمة بخلاف أجير الواحد؛ لأن المنافع وإن كانت مستحقة عليه فذلك لا يمنع وجوب الأجرة، ولا تقتضي نية وقوع منافعه عما استحق عليه؛ لأنه ليس بعبادة، والعبادة هي التي تفتقر إلى الاختيار، وأما الفعل المستحق من العبد، فقد يكون اختياريًا وقد يكون جبريًا، أما العبادة فلا تتحقق إلا بالاختيار فافترقا.

стр. 422

(وقال الشافعي: لما كانت منافعه بقيت على ملكه وجب التعيين) في أصله ووصفه؛ لأن معنى القربة معتبر في الصفة، كما هو معتبر في الأصل إلى آخره.

стр. 423

فزفر- ﵀ غلا في القول بتعين صوم رمضان حتى أسقط النية أصلًا في الأصل والوصف، مع أن العبادة لا تتحقق بدون النية أصلًا. والشافعي- ﵀ أيضًا غلا في القول بعدم تعينه حتى اشترط النية في الأصل والوصف، وذلك الغلو تقصير منه في الاجتهاد لا لغاية تعين الله تعالى؛ لأن الله تعالى جعل صوم رمضان متعينًا حيث لم يجز فيه صوم غير رمضان. ونحن توسطنا بينهما. لما أن دين الله بين الغلو والتقصير حيث اشترطنا النية في أصل الصوم؛ لتمتاز العبادة عن العادة؛ لأنه ما لم يعزم على الصوم لا يكون صارفًا ما له إلى ما هو مستحق عليه، ثم لما تعينت جهة الصوم بنية أصل الصوم حتى امتازت العبادة عن العادة لم يحتج إلى تعيين وصفه، وهو تعيين فرض الوقت؛ لأنه لما لم يشرع فيه غير صوم رمضان لأي معنى يحتاج إلى تعيين صوم رمضان، بل اشتراطه كان اشتراطًا لتعيين المعين، وهو لغو؛ لأن التعيين إنما يصح في المتردد بين الشيئين وهاهنا بعد وجود أصل الصوم منه في هذا الزمان لا اختيار له في صفته؛ لأنه لا يتصور أداؤه بصفة أخرى شرعًا، فلا يشترط التعيين في الصفة (فأصيب بمطلق الاسم) أي أصيب صوم رمضان بمجرد قوله: نويت أن أصوم (ولم يفقد بالخطأ في الوصف) أي لم يفقد صوم رمضان بل يوجد بخطئه في اسم صوم رمضان، بأن قال: نويت صوم التطوع أو واجب آخر، وهذا لأن صوم رمضان متعين في زمانه،

стр. 424

لعدم شرعية صوم غير رمضان، فكان مصابًا بمطلق الاسم ومع الخطأ في الوصف. كالشخص المتعين في المكان بأن لم يكن في الدار إلى زيد مثلًا يصاب هو باسم جنسه بأن قيل: يا إنسان، وبالخطأ في الوصف بأن قيل: يا عمرو، فيجيبه زيد. أو نقول: لو أخطأ في وصفه وقال لأبيض: يا أسود، أو يا أحمر يجب عليه الجواب. فإن قيل: ليس هذا الذي ذكره من صورة الخطأ، فإن الخطأ هو الوقوع في غير صواب من غير قصد وهاهنا لو كان قاصدًا فيه أو غير قاصد يصيب بصومه هذا صوم رمضان. قلنا: المراد من الخطأ هنا هو عدم الإصابة في النية، لكن يصيب صوم رمضان هنا لوجود نية أصل الصوم وهو كان هنا لإصابة صوم رمضان لتعينه. فإن قلت: إصابة صوم رمضان بمطلق الاسم لو كانت باعتبار تعينه في زمانه بحيث لم يشرع في ذلك الوقت غير صوم رمضان ينبغي أن لا يصيب المسافر صوم رمضان إذا أطلق النية عند أبي حنيفة- ﵁ لأن عنده صوم غير رمضان مشروع في حقه، وقد نص المصنف- ﵀ في هذا

стр. 425

الكتاب: أن المسافر إذا أطلق النية يقع صومه عن رمضان هو الصحيح فما وجهه؟ قلت: صرف المطلق إلى المقيد هناك لا لاعتبار أن صوم غير رمضان غير مشروع عنده، بل باعتبار دلالة حال المسافر، فإنه لما اختار الصوم مع تحمل المشقة العظيمة، فالظاهر أنه أراد الفرض الوقتي لا النفل. كما أن الواجب الآخر لا يصاب بمطلق النية، فلو أصيب في حق المسافر بمطلق النية إما أن يصاب النفل أو الفرض الوقتي، والفرض الوقتي أولى من صوم النفل فحمل على الفرض الوقتي بدلالة حالهن فكان هذا كدلالة إطلاق الحج على حجة الإسلام لظاهر حال المؤدي، وإن كان يصح غيرها عند التصريح به. فإن لحمل المطلق على المقيد أسبابًا كما أن التعيين في الزمان أو المكان يصلح لذلكن فكذلك دلالة حال المؤدي تصلح له أيضًا، فكان هذا منا قولًا بموجب العلة. والقول بموجب العلة هو التزام ما يلزمه المعلل بتعليله، وهاهنا كذلك؛ لأن الشافعي لما علل لتقرير مذهبه بقوله: لما كانت منافعه مملوكة لم يكن بد من تعيين النية في حق صوم رمضان ليمتاز هو من سائر منافعه؛ قلنا بموجب ذلك القول، ونقول: لابد من تعيين النية إذ هو عبادة، فلابد للعبادة من
следующие страницы →