Полный текст (2 351 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الصوم أيضًا غير مشروع في رمضان، فينبغي أن يتعين مطلق إمساكه لصوم رمضان على هذا التقدير.
قلت: نعم كذلك إلا أن الصوم عبادة، وتلك إنما تكون بأداء منه عن اختيار، فلا يتحقق ذلك بدون النية؛ لأن العدم ليس بشيء والعبادة شيء، فلا يصلح العدم أن يكون محققًا للوجود.
وقوله: (لأن عدم العزيمة ليس بشيء) هذا احتراز عن مسألة الزكاة فإن فيها لفظ الهبة وهو موجود، فيصلح أن يكون هو مجازًا عن الصدقة بدلالة أن المصروف إليه فقير، فكان المبتغي بها وجه الله تعالى دون العوض، وهو معنى الصدقة، فلذلك لم يتمكن من رجوع الهبة التي وهبها للفقير.
وكذلك لو وهب عشرة دراهم للفقيرين يجوز بالإجماع استعارة الهبة من الصدقة بخلاف ما نحن فيه، فإن فيه عدم العزيمة، والعدم لا يصلح أن يكون مستعارًا عن العزيمة بخلاف أجير الواحد؛ لأن المنافع وإن كانت مستحقة عليه فذلك لا يمنع وجوب الأجرة، ولا تقتضي نية وقوع منافعه عما استحق عليه؛ لأنه ليس بعبادة، والعبادة هي التي تفتقر إلى الاختيار، وأما الفعل المستحق من العبد، فقد يكون اختياريًا وقد يكون جبريًا، أما العبادة فلا تتحقق إلا بالاختيار فافترقا.
стр. 422
(وقال الشافعي: لما كانت منافعه بقيت على ملكه وجب التعيين) في أصله ووصفه؛ لأن معنى القربة معتبر في الصفة، كما هو معتبر في الأصل إلى آخره.
стр. 423
فزفر- ﵀ غلا في القول بتعين صوم رمضان حتى أسقط النية أصلًا في الأصل والوصف، مع أن العبادة لا تتحقق بدون النية أصلًا.
والشافعي- ﵀ أيضًا غلا في القول بعدم تعينه حتى اشترط النية في الأصل والوصف، وذلك الغلو تقصير منه في الاجتهاد لا لغاية تعين الله تعالى؛ لأن الله تعالى جعل صوم رمضان متعينًا حيث لم يجز فيه صوم غير رمضان.
ونحن توسطنا بينهما. لما أن دين الله بين الغلو والتقصير حيث اشترطنا النية في أصل الصوم؛ لتمتاز العبادة عن العادة؛ لأنه ما لم يعزم على الصوم لا يكون صارفًا ما له إلى ما هو مستحق عليه، ثم لما تعينت جهة الصوم بنية أصل الصوم حتى امتازت العبادة عن العادة لم يحتج إلى تعيين وصفه، وهو تعيين فرض الوقت؛ لأنه لما لم يشرع فيه غير صوم رمضان لأي معنى يحتاج إلى تعيين صوم رمضان، بل اشتراطه كان اشتراطًا لتعيين المعين، وهو لغو؛ لأن التعيين إنما يصح في المتردد بين الشيئين وهاهنا بعد وجود أصل الصوم منه في هذا الزمان لا اختيار له في صفته؛ لأنه لا يتصور أداؤه بصفة أخرى شرعًا، فلا يشترط التعيين في الصفة (فأصيب بمطلق الاسم) أي أصيب صوم رمضان بمجرد قوله: نويت أن أصوم (ولم يفقد بالخطأ في الوصف) أي لم يفقد صوم رمضان بل يوجد بخطئه في اسم صوم رمضان، بأن قال: نويت صوم التطوع أو واجب آخر، وهذا لأن صوم رمضان متعين في زمانه،
стр. 424
لعدم شرعية صوم غير رمضان، فكان مصابًا بمطلق الاسم ومع الخطأ في الوصف. كالشخص المتعين في المكان بأن لم يكن في الدار إلى زيد مثلًا يصاب هو باسم جنسه بأن قيل: يا إنسان، وبالخطأ في الوصف بأن قيل: يا عمرو، فيجيبه زيد.
أو نقول: لو أخطأ في وصفه وقال لأبيض: يا أسود، أو يا أحمر يجب عليه الجواب.
فإن قيل: ليس هذا الذي ذكره من صورة الخطأ، فإن الخطأ هو الوقوع في غير صواب من غير قصد وهاهنا لو كان قاصدًا فيه أو غير قاصد يصيب بصومه هذا صوم رمضان.
قلنا: المراد من الخطأ هنا هو عدم الإصابة في النية، لكن يصيب صوم رمضان هنا لوجود نية أصل الصوم وهو كان هنا لإصابة صوم رمضان لتعينه.
فإن قلت: إصابة صوم رمضان بمطلق الاسم لو كانت باعتبار تعينه في زمانه بحيث لم يشرع في ذلك الوقت غير صوم رمضان ينبغي أن لا يصيب المسافر صوم رمضان إذا أطلق النية عند أبي حنيفة- ﵁ لأن عنده صوم غير رمضان مشروع في حقه، وقد نص المصنف- ﵀ في هذا
стр. 425
الكتاب: أن المسافر إذا أطلق النية يقع صومه عن رمضان هو الصحيح فما وجهه؟
قلت: صرف المطلق إلى المقيد هناك لا لاعتبار أن صوم غير رمضان غير مشروع عنده، بل باعتبار دلالة حال المسافر، فإنه لما اختار الصوم مع تحمل المشقة العظيمة، فالظاهر أنه أراد الفرض الوقتي لا النفل.
كما أن الواجب الآخر لا يصاب بمطلق النية، فلو أصيب في حق المسافر بمطلق النية إما أن يصاب النفل أو الفرض الوقتي، والفرض الوقتي أولى من صوم النفل فحمل على الفرض الوقتي بدلالة حالهن فكان هذا كدلالة إطلاق الحج على حجة الإسلام لظاهر حال المؤدي، وإن كان يصح غيرها عند التصريح به.
فإن لحمل المطلق على المقيد أسبابًا كما أن التعيين في الزمان أو المكان يصلح لذلكن فكذلك دلالة حال المؤدي تصلح له أيضًا، فكان هذا منا قولًا بموجب العلة.
والقول بموجب العلة هو التزام ما يلزمه المعلل بتعليله، وهاهنا كذلك؛ لأن الشافعي لما علل لتقرير مذهبه بقوله: لما كانت منافعه مملوكة لم يكن بد من تعيين النية في حق صوم رمضان ليمتاز هو من سائر منافعه؛ قلنا بموجب ذلك القول، ونقول: لابد من تعيين النية إذ هو عبادة، فلابد للعبادة من
стр. 426
النية لكن إطلاق النية منه تعيين له؛ لأن أن التعيين منه ساقط، وهذا لأن التعيين لا يخلو إما أن كان هو لتعيين غير المعين أو لتعيين المعين، فالأول غير ثابت هنا لتعينه في زمانه شرعًا حتى إن صوم غير رمضان غير مشروع في ذلك الوقت؛ لتعين هذا الوقت لصوم رمضان، والثاني لغو فلا يصح، فثبت بهذا أن التعيين فيه ثابت، فكان الإطلاق منه تعيينًا لا أن التعيين عنه ساقط.
(فإذا تراخى بطل) أي فإذا تراخى التعيين عن أول أجزاء الفعل بطل الفعل (فإذا اعترضت العزيمة) أي النية.
стр. 427
و (لأن إخلاص العبد) أي لأن نية العبد.
(وهذا بخلاف التقديم) وبهذا فرق الشافعي بين قوله هذا، وبين قولنا: لما يصح تقديم النية مع انفصاله عن الركن فلأن يصح التأخير، وهو متصل بالركن أولى.
(ولم يعترض عليه ما يبطله) أي لم يعترض على ما قدّم من النية على الصبح ما ينافيه ويبطله من الأكل في النهار وغير ذلك؛ لأن الشيء إنما يبطل بما يضادّه ولم يوجد؛ لأن الأكل والشرب والمباضعة في الليل لا ينافي الصوم؛ لأن من شرط المنافاة اتحادَ المحل، والليل ليس بمحل للصوم أصلًا، فالأكل وما يشبهه لا ينافي عزيمته (فبقي)؛ لان الشيء إذا ثبت لا يبطل إلا بما ينافيه ولم يوجد.
(فأما المعترض) أي المتراخى من النية من أول الصبح (لا يحتمل التقديم).
(وجب الفصل بين هذين الوجهين) أي بين وجهي التقديم والتأخير
стр. 428
يعني إذا قدم النية على الصبح في صوم القضاء يجوز، وإذا أخرّ النية عن الصبح لا يجوز، وهذا بالإجماع، فينبغي أن يكون فيما نحن فيه أيضًا على وفاق ذلك أن قدم النية يجوز وإن أخرّها لا يجوز.
(وهذا الإمساك واحد غير متجزئ صحة وفسادًا). بدليل أن المفسدَ إذا وُجد في آخر جزء من النهار يشيع في الكل، ولأن الإمساكات وإن كانت كثيرة فهي بمنزلة إمساكة واحدة لدخولها تحت خطاب واحد، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾.
فإن الأشياء الكثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد كان الكل كشيء واحد، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ لّما ثبت بخطاب واحد جُعل جميع الأعضاء كعضو واحد في حكم جواز نقل البَلّة من عضو إلى عضو آخر، بخلاف أعضاء الوضوء، فإنما لَّما ثبتت بخطابات مختلفة جُعلت أشياءُ في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
فلم يجز نقل البلّة من عضو إلى عضو إلى آخر؛ وهذا لأن الألفاظ قوالب المعاني، ولا يُضرب لَبنان في ملبن واحد، ثم بالاتفاق لا يشترط اقتران النية بأداء جمعيه، فإنه لو لأغمي عليه بعد الشروع في الصوم تأدى صومه، ولا يشترط اقتران النية أيضًا بأول حال الأداء، فإنه لم قدم النية تأدى صومه وإن كان غافلًا عنه عند ابتداء الأداء بالنوم، وكان ذلك لدفع الحرج،
стр. 429
وهذا الحرج لا يندفع بجواز تقديم النية في جنس الصائمين، ففيهم صبي يبلغ ومجنون يفيق في آخر الليل.
وفي يوم الشك هو ممنوع من نية الفرض قبل أن يتبين أمر الصوم، ونية النفل عنده لا يتأدى بها إذا تبين، وإذا بقي معنى الحرج قلنا: لما صح الأداء بنية متقدمة وإن لم تقارن حالة الشروع ولا حالة الأداء، فلأن يصح بنية متأخرة لاقترانها بما هو ركن الأداء كان أولى.
(والثبات على العزيمة حال الأداء) أي حال بقاء الأداء (ساقط بالإجماع)، حتى لم يجب عليه أن يقول: في جميع النهار نويت الصوم نويت الصوم إلى الآخر.
ألا ترى أنه إذا شرع في الصوم ثم أغمي عليه يصح الصوم منه وإنما قيد بقوله: "حال الأداء" أي حال الصوم احتراز عمن رجع عن نية الصوم في الليل، فإن رجوعه يصح.
وذكر في "الخلاصة" رجل نوى في الليل أن يصوم، ثم بدا له في الليل أن لا يصوم وعزم على ذلكن ثم أصبح من الغد وصام لا يكون صومه جائزًا؛ لأن عزيمته قد انتقضت بالرجوع.
стр. 430
(وصار حال الابتداء هاهنا) إلى آخره يعني أن ابتداء الصوم كبقاء الصلاة في أنه يتعذر اقتران النية بهما أو يتعسر، وصار بقاء الصوم بمنزلة ابتداء الصلاة في أنه لا يتعذر اقتران النية بهما.
(ثم هذا العجز أطلق التقديم) أي العجز عن النية حال ابتداء الصوم جوز تقديم النية عليه بالإجماع مع خلو اقتران النية مع ركن الصوم إلى آخره، وقد ذكرناه.
(ونقصان حقيقة الوجود عند الأداء) أي نقصان حقيقة وجود النية عند ابتداء أداء الصوم (على حد الإخلاص) يعني يشترط اقتران النية بالمنوي ليخلص لله تعالى. وذلك إنما يكون إذا كان محتملًا غيره؛ لأن النية تعيين بعض المحتملات، والإمساك في النهار قد يكون لله تعالى من حيث إنه قهر عدوه، وقد يكون لغير ذلك كحمية أو قلة اشتهاء أو غير ذلك، فلابد من النية ليتميز عن سائر المحتملات وهو حد الإخلاص.
(والعجز الداعي إلى التأخير موجود في الجملة).
فإن قيل: لو كان جواز التأخير باعتبار الحاجة والعجز الداعي إليه لاختص
стр. 431
ذلك بالمعذور، وعندكم القادر على تبييت النية لو ترك التبييت ونوى من النهار يجوز أيضًا.
قلنا: إنه لما لم يقدم النية وعجز عن التقديم فصار هو معذورًا أيضًا، ولأن الذي ذكره لا يقتضي الاختصاص بالمعذور، فإنه قال: العجز الداعي إليه في الجملة موجود، وليس يلزم من وجود العجز في الجملة وجوده على وجه العموم.
(ولهذا رجحان في الوجود) أي إذا أخَّر النية يوجد اقتران النية بالمنوي الذي هو فعل الصوم.
(وهو حد حقيقة الأصل)؛ لأن الأصل هو أن تنصل النية بالمنوي حقيقة، وحقيقة العارض أن تتصل النية بالمنوي تقديرًا، وهو فيما إذا نوى في أول الليل.
(ونقصان القصور عن الجملة بقليل يحتمل العفو)؛ لأن القليل يحتمل العفو في الجملة كالنجاسة وانكشاف العورة وغيرهما بخلاف الكثير.
يعني أن النية قاصرة في التأخير عن جملة الإمساكات؛ لأن النية عند ابتداء وجود الصوم لم تكن موجودة حقيقة.
стр. 432
فصار حاصل الكلام أن للتقديم فضلًا، ونقصانًا، وكذلك للتأخير فضل ونقصان، (فاستويا في طريق الرخصة) أي التقديم والتأخير كل منهما رخصة للمكلف، فيجب أن يكون كل منهما جائزًا، فرخصة التقديم ثابتة بالاتفاق فيجب أن تكون رخصة التأخير ثابتة؛ لأن الحكم إذا ثبت لأحد المتساويين يثبت للآخر ضرورة.
إذ لو يثبت لاختلفا حين استويا وهو محال، (بل هذا راجح)؛ لأن فيه شبه العزيمة؛ لأن العزيمة اقتران النية بالمنوي، وفيما ذكرنا بعض العزيمة موجود وهو اقتران النية بالمنوي، والمتقدم تمحض رخصة، وليس فيه شبه العزيمة لخلو جميع الصوم عن حقيقة النية، ومعنى الرخصة فيه هو بإقامة الأكثر مقام الكل، فكان في التقديم تمحض رخصة، وفي التأخير عمل بشيء من العزيمة، فكان هو أرجح.
فإن قيل: جعلت الدليل المجوز الذي هو دليل المساواة دليل الترجيح، وهذا لا يجوز؛ لأن أحد المتساويين لا يترجح على الآخر إلا بمرجح لا بنفسه.
قلنا: ليس كذلك؛ لأن دليل التسوية بينهما هو العجز؛ لأن العجز هو المجوز للتقديم والتأخير على ما ذكرنا، وأما ما ذكرنا من اقتران النية بالمنوي فشيء آخر سوى العجز فيثبت به الرجحان، ولئن سلمنا أن دليل الجواز فيهما هو المرجح لأحدهما. قلنا: يجوز ذلك إذا كان أحد الدليلين قويًا في ذاته.
стр. 433
ألا ترى أن أحد القياسين يجوز أن يترجح على الآخر لقوة فيه، كما قلنا في طول الحرة إنه لا يمنع الحر من نكاح الأمة، إنه نكاح يملكه العبد بإذن مولاه إذا دفع إليه مهرًا يصلح للحرة والأمة، وقال: تزوج من شيءت، فيملكه الحر كسائر الأنكحة، وهو أولى من قول الشافعي إنه يرق ماءه على غنية وذلك حرام عليه كالذي تحته حرة لقوة في تعليلنا على ما عرف، وكذلك المشهور يترجح على خبر الواحد كالآية راجحة على السنة، فعلم بهذا أن دليل المجوز يصلح أن يكون مرجحًا إذا كان قويًا في ذاته.
(وجب المصير إلى ما له حكم الكل من وجه خلفًا عن الكل من كل وجه) كما في المضمونات، إذا انقطع المثل صورة ومعنى أو ليس لها مثل يصار إلى الخلف وهو القيمة.
(ولا ضرورة في ترك هذا الكل الثابت تقديرًا فلم نجوزه بعد الزوال).
فإن قيل: لو أقام المسافر بعد الزوال أو أفاق المجنون بعد الزوال كان محتاجًا إلى النية بعد الزوال، فكانت الضرورة قائمة فيه أيضًا.
стр. 434
قلنا: لو اعتبرنا ذلك يلزم أن يوجد الصوم بدون النية، والصوم عبادة محتاجة إلى النية، فلابد أن تكون النية موجودة. إما في الكل الحقيقي أو في الكل التقديري لما أن العبادة لا اعتبار لها بدون نية العبادة، فكان القول بجواز العبادة بدون النية في الكل التحقيقي أو التقديري قولًا لا يخفى فساده.
فإن قيل: لما اعتبر الكل التقديري في هذا وجب أن يصح صومه إذا وجدت النية في ربع اليوم؛ لأن الربع قام مقام الكل في بعض الأحكام.
قلنا: لا كذلك لما أن القياس هو ما قاله الشافعي أن تكون النية بجميع المنوي، ثم لما عدل عنه بالدليل لم يكن بد من أن توجد النية في الذي يشبه الكل، ويقارنه من حيث الحقيقة وهو أكثر اليوم.
وأما الربع فليس له مقارنة بالكل الحقيقي إلى أنه ورد السمع بإقامته مقام الكل في بعض الأحكام، ولم يرد هنا سمع بإقامة الربع مقام الكل، فأجرينا الحكم على وفق القياس لذلك، فلم نقم الربع مقام الكل؛ ولأن الاحتياط هناك في إقامة الربع مقام الكل، والاحتياط هاهنا في إقامة الربع مقام الكل.
(وبطل الترجيح بصفة العبادة) يعني أن الشافعي يرجح مذهبه باعتبار الاحتياط في العبادة وهو أن الجزء الأول من النهار مفتقر إلى النية، فإذا خلا
стр. 435
منها فسد، وإذا وجدت النية بعد ذلك فقد اقترنت النية بأكثر النهار، فيجوز لاقتران النية بأكثر النهار فتعارض، فرجحنا جانب الفساد في العبادة احتياطًا.
قلنا: وهذا نوع ترجيح يرجع إلى حال الوجود؛ لأن الصحة والفساد للعبادة حال.
(والكثرة والقلة من باب الوجود) أي من باب وجود الموصوف؛ لأن المراد من الكثرة هو كثرة الأجزاء، والأجزاء إذا تكاملت كانت ذات الموصوف، فعلم بهذا أن الترجيح بالكثرة ترجيح بمعنى راجع إلى الذات.
فعند تعارض الترجيحين كان الترجيح بمعنى يرجع إلى الذات أولى من ترجيح بمعنى راجع إلى الحال لما يأتي بيانه (في أبواب الترجيح) أي في أنواع الترجيح؛ لأنه يذكر للترجيح إلا بابًا واحدًا لكن ذكر له أنواعًا.
(ولأن صيانة الوقت الذي لا درك له أصلًا على العباد واجبة)؛ لأ، الله تعالى فرض على عباده الأداء في هذا الوقت، ولا يمكن الأداء إلا في هذا الوقت، فيجب عليهم صيانة هذا الوقت ليتمكنوا من أداء العبادة، وصيانة
стр. 436
الوقت تكون تارة باقتران النية بجميع الإمساكات هو الأصل، فإذا لم يصن العبد هذا الوجه أمكنه صيانة هذا الوقت بوجه آخر، وهو أن تقرن النية بأكثره لما أن الأكثر بمنزلة الكل، فيصار إلى هذا احترازًا عن فوت العبادة عن وقتها أصلًا، وقد قال النبي ﵊: (من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام الدهر كله).
فإن قلت: هذا كله إنما يصح أن لو كان للذي قلته من جواز تأخير النية عن أول العبادة له نظير في الشرع، وليس له نظير فيه لاستلزام ذلك كون النية المتأخرة متقدمة ولا نظير له في الشرع.
وأما ما قاله الشافعي من جعل النية المتقدمة متأخرة تقديرًا فله نظير في الشرع كما في الصلاة والزكاة إذا تقدمت النية على التكبير ثم كبر للصلاة من غير حضور النية عنده، ونوى الزكاة عند عزل مقدار الواجب ولم تحضره النية عند الأداء إلى الفقير يجوز، ولما كان كذلك كان من الاحتياط أن يقال بالفساد ليقضه بعد مضي شهر رمضان حتى يخرج عن عهدة الفرض بيقين.
قلت: لا كذلك، بل الاحتياط فيما قلنا؛ لأنه لما دل الدليل على الجواز، ومع ذلك لو لم يؤد الفرض في وقته على حسبان أن ذلك مفسد لصومه يبقى
стр. 437
في إثم التفويت عن وقته لم يكن ذلك عملًا بالاحتياط.
وأما الذي قلته من جعل النية المتأخرة متقدمة، فليس كذلك بل فيما قلناه انقلاب الإمساكات الموقوفة إلى صوم الوقت عند وجود النية في أكثره لتعين الوقت لصوم الوقت، فلما وجدت النية في أكثره انقلبت الإمساكات إلى صوم الوقت؛ لأن النية المتأخرة صارت متقدمة، ولا ينكر أن يكون الأمر موقوفًا في أوله إلى أحد الحالين الذي يظهر في عاقبته في الحسي والشرعي في العبادة وغيرها، ففي الحسي من رمى سهمًا إلى إنسان فإن أمره موقوف، فإنه يصيبه أم لا؟ فعلى حسب اختلاف حاله يختلف حكمهن وفي غير العبادات من الشرعي بيع الفضولي والتعليقات.
وأما العبادات فكسلام من عليه سجدة السهو، فإن أمره موقوف على قول أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- أنه يسجد أم لا؟ فإن سجد عاد إلى حرمة الصلاة وإلا فلان وعلى ذلك تُبتنى صحة اقتدى المقتدي عليه وعدم صحته.
وكذلك من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإنه هل يسعى إلى الجمعة بعده أم لا؟ فعلى ذلك بقاء ظهره صحيحًا وعدم بقائه، وهو كثير النظير كمن صلى الوقتية مع تذكر الفائتة عند قلة الفوائت على قول أبي حنيفة- ﵀ وكصاحبة العادة إذا انقطع دمها فيما دون عادتها وصلت صلوات، فأمر صلاتها موقوف إلى عود الدم، وعدم عوده بالفساد والصحة، ولما كان كذلك
стр. 438
كان ما قلناه من توقف الإمساكات إلى وجود النية منه في أكثر النهار لتعين الوقت لصوم الوقت طريقًا مسلوكًا في الشرع وغيره، فكيف يقال إنه غير معهود في الشرع!!
وإلى هذا المعنى أشار في الكتاب بقوله: "ولم نقل بالاستناد ولا بفساد الجزء الأول مع احتمال الصحة" (إن أداء العبادة في وقتها مع النقصان أولى) خصوصًا في حق صوم رمضان، وقد جاء الحديث (من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام الدهر كله).
وقوله: (فصار هذا الترجيح متعارضًا) أي صار ترجيح الشافعي مع ترجيحنا متعارضين فإن ترجيحنا بكون العبادة مؤداة في وقتها مع النقصان تقتضي الصحة مع النقصان، فيعارضه ترجيح الشافعي بقوله: إن الجزء الأول من النهار لما عري عن النية حكم بفساد العبادة فتعارضا؛ لأن كل واحد من الترجيحين راجع إلى حال وجود العبادة بخلاف ترجيحنا الأول، فإن ذلك ترجيح بمعنى راجع إلى ذات الوجود، وترجيح الشافعي راجع إلى حال الوجود، فترجح ترجيحنا هناك فلم يعارضه ترجيح الشافعي، فلذلك كان هو دالًا على وجوب الكفارة بخلاف الترجيح الثاني؛ لأنه ضعف
стр. 439
بالمعارض، فصار له شبهة عدم الصوم فلا تجب الكفارة.
قوله: (لم نقل بالاستناد ولا بفساد الجزء الأول) جواب عما قاله الشافعي، وهو قوله: وجب التعيين من أوله، فإذا خلا عن النية فسد ونية العبد في النهار لا تظهر فيما مضى والجواب: إنا لا نقول بطريق الاستناد بأن توجد النية في الوقت الذي نوى من النهار، ثم يرجع قهقرى إلى أول النهار بأن تجعل النية المتأخرة متقدمة. بل نقول: إن نية العبد وإخلاصه كانت موجودة في أول النهار تقديرًا لتوقف إمساكات أول النهار إلى وجود النية في أكثر النهار، فلم يفسد الجزء الأول لذلك.
وعند النية في أكثره كان صومه صحيحًا؛ لوجود النية في بعضه تقديرًا وفي أكثره تحقيقًا، كما جعلت النية المتقدمة على الصبح موجودة عند الصبح تقديرًا، فكذا في عكسها إذا تأخرت النية ووجدت في أكثر النهار جعلت
стр. 440
موجودة مقترنة بجميع النهار تقديرًا إقامة للأكثر مقام الكل، وهذا لأن النية إذا وجدت حقيقة في أول النهار فهو في معنى تقدير النية من وجه؛ لأن النية إنما يحتاج إليها ليصير الإمساك قربة إذا وجد الإمساك على خلاف العادة، ولا يظهر قرته في أول النهار لقصوره؛ لأن القربة فعل يلحق بها إلى البدن مشقة ولا مشقة في أول النهار؛ لأن كل أحد يعتاد الإمساك في أول النهار فصار كونه قربة تقديرًا.
(وفاء لحق الصوم وتوفيرًا لحظه) أي مساويًا لحق الصوم وتكميلًا لنصيبه. يعني لما كانت القربة تقديرًا في أول النهار واحتاجت تلك القربة التقديرية إلى النية التقديرية لا زائدة عليها، فلذلك كان تجويز تلك القربة التقديرية بالنية التقديرية مناسب لحال تلك القربة فتجوز، وهذا معنى قوله: "فصار إثبات العزيمة فيه تقديرًا لا تحقيقًا وفاءً لحقه".
(وعلى هذا الأصل قلنا) أي من الأصل الذي ذكرنا بقولنا: وهذا
стр. 441
الإمساك واحد غير متجزٍ صحة وفسادًا.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ وعلى هذا الأصل قلنا في صوم النفل إنه لا يتأدى بدون العزيمة قبل الزوال؛ لأن الركن الذي به يتأدى الصوم لا يتجزى وجودًا، ولا يتصور الأداء إلا بكماله، وصفة الكمال لا تثبت بالنية بعد الزوال حقيقة ولا حكمًا، وتثبت بالنية قبل الزوال حكمًا باعتبار إقامة الأكثر مقام الكل، ولا يرد على ما قلنا: الإمساك الذي يندب إليه المرء في يوم الأضحى إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة فإن ذلك ليس بصوم، وإنما حنُدب إليه لما ذكر في الكتاب.
ولهذا ثبت هذا الحكم في حق أهل الأمصار دون أهل السواد، فلهم حق التضحية بعد طلوع الفجر، وليس لأهل المصر أن يضحوا إلا بعد الصلاة حتى فسد بوجود المنافي؛ من الأكل والشرق والحيض والنفاس.
(ومن هذا الجنس الصوم المنذور في وقت بعينه) أي من جنس إذا صار متعينًا للصوم؛ إما بشرع الشارع كرمضان أو بنذر العبد بإذن الشارع يصاب بمطلق النية ونية النفل، ويتوقف الإمساك في أول النهار لهذا المتعين أي إذا
стр. 442
نوى النفل أو أطلق النية كان ناويًا للمنذور؛ لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى.
(لما انقلب بالنذر صوم الوقت)، وهو النفل لا يقبل وصفين متضادين، لأن النفل لا مؤاخذة فيه، وفي الوجوب مؤاخذة، فإذا ثبت الوجوب انتفى النفل ومع الخطأ في الوصف بأن نوى النفل.
(وولايته لا تعدوه)؛ لأن الولاية للعبد قاصرة.
(لحقه فلا) أي فلا يصح تعيينه لحق صاحب الشرع فاعتبر في احتمال ذلك العارض وهو القضاء والكفارة. (بما لم ينذر) يعني نذره لا يظهر في إبطال هذا الوقت من أن يكون محلًا للقضاء والكفارة؛ لأن ولايته لا تعدوه. إذ لو ظهر نذره في ذلك صار تبديلًا للمشروع، وذا لا يصح كمن سلم وعليه سجدتا السهو يريد به قطع الصلاة تبطل هذه العزيمة؛ لكونه مبدلًا للمشروع، فكذلك هاهنا.
стр. 443
(فمثل الكفارات المؤقتة بأوقات) أي المؤقتة بالنهر دون الليالي.
(والوقت فيها معيار لا سبب) فإن السبب نذره، (ومن حكمها أنها من حيث جعلت قربة لا تستغني عن النية) إلى آخره. اجتمع فيها الأمران؛ كونها قربة وكونها غير معينة، فمن حيث إنها قربة لا تستغني عن النية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وذلك بالنية والفعل وذلك في أكثر الإمساك الذي له حكم الكل.
(ومن حيث إنها غير متعينة لا يتوقف الإمساك) على العارض من القضاء والكفارة، بل يتوقف على أصل المشروع (وهو النفل)؛ لأن الشيء إنما يتوقف على الأمر الأصلي لا على الأمر العارضي. (لأنه محتمل الوقت) - بفتح الميم على صيغة اسم المفعول- لأن الواجب محتمل الوقت لا موجبه (وإنما التوقف على الموضوعات الأصلية) أي الإمساك في أول الوقت بغير نية متوقف على نية النفل هو الموضوع الأصلي، (فأما إذا توقف على وجه) أي
стр. 444
على النفل في مسألتنا وعلى صوم رمضان.
(فهو المشكل منه) أي من النوع الرابع (وهو حج الإسلام)، فوجه الإشكال فيه من وجهين:
أحدهما- بالنسبة إلى سنة واحدة وهو أن أشهر الحج تشبه وقت الصلاة من حيث إن الوقت يفضل عن الأداء؛ لأن الحج أركان معلومة تؤدى في أزمنة متعينة وأمكنة متعينة فصار كوقت الصلاة، فصار الوقت ظرفًا له، وتشبه وقت الصوم من حيث إنه لا يسع فيها إلا حج واحد، فصار الوقت معيارًا له، وفي وقته اشتباه أيضًا، فالحج فرض العمر ووقته أشهر الحج من
стр. 445
سنة من سني العمر، فباعتبار أن أشهر الحج من السنين التي تأتي من عمره كان الوقت يفضل عن الأداء فكان موسعًا، ومن حيث إن ذلك من عمره محتمل في نفسه لا يفضل فصار مضيقًا، فلذلك صار أمره مشتبهًا.
(وأشهر الحج) من هذا العام بمنزلة يوم أدركه في حق قضاء رمضان يعني في حق عدم التعيين.
وقيل: للحج شَبَهٌ بأربعة أشياء: فإن له شبهًا بالظرف، وشبهًا بالمعيار، وشبهًا بالمطلق، وشبهًا بالمؤقت، فمن حيث إنه لم يستوعب أشهر الحج كان له شبه بالظرف، ومن حيث إنه لا يتأدى فيها إلا حج واحد كان له شبه بالمعيار، ومن حيث إن العمر وقته كان له شبه بالمطلق عن الوقت كالزكاة، ومن حيث إنه لا يتأدى إلا في وقت خاص كان له شبه بالمؤقت، فكان داخلًا في أشكاله لذلك فكان مشكلًا.
(ولا يصير كذلك إلا بشرط الإدراك)، في هذا نفي قول محمد-
стр. 446
رحمه الله- فإنه يقول: العام الثاني مزاحم للأول، وإن لم يدركه كاليوم الثاني مزاحم لليوم الأول في قضاء رمضان في حق عدم التعيين، فلا يتعين الذي يليه إلا بتعينه بطريق الأداء. يعني لا بطريق القول لتعين أحد الأشياء الثلاثة في باب كفارة يمين بالفعل دون القول، (ويصير الساقط بطريق التعارض
стр. 447
كالساقط في الحقيقة). يعني أن الحياة والممات في السنة الآتية سواء؛ لأن الموت في هذه المدة غير نادر كما أن الحياة غير نادر فاستويا فتعارضا فلا يثبت إدراك العام الثاني فسقط بتعارض الحياة والممات.
فصار الساقط حقيقة، يعني صار كأن أشهر الحج لا توجد بعد هذا قط ولو كان كذلك لا يحل له التأخير فكذلك هاهنا.
أو نقول: العام القابل معدوم، والعام الذي لحقه الخطاب به موجود، والمعدوم لا يعارض الموجود، فسقط بطريق التعارض يعني بسبب أنه لم يصلح معارضًا له، فسقط كخبر الواحد لما لم يصلح معارضًا للخبر المشهور فسقط، فصار كأن خبر الواحد لم يرد البتة بسبب أنه لا يثبت موجبه بمقابلة الخبر المشهور، ولا يقال: الحياة ثابتة في الحال، فتبقى كذلك عملًا بالاستصحاب؛
стр. 448
لأنا نقول: الانفصال عن السنة الثانية ثابت في الحال، فيبقى كذلك عملًا بالاستصحاب، فتعارض استصحاب الحال مع استصحاب الحال فتساقطا.
(فيصير كوقت الظهر في التقدير) يعني كما أن تأخير صلاة الظهر عن وقتها لا يحل، فكذلك تأخير الحج عن وقته لا يحل أيضًا. إلا أن هناك يكون قضاء وهنا يبقى أداء لبقاء وقته وهو وقت العمر، لكن في إثم التأخير صار كتأخير الصلاة عن وقتها، ثم يحتمل أن تكون فائدة تعيين الظهر- وإن كان سائر أوقات الصلوات كذلك هي أيضًا- هي أول صلاة فرضت على النبي ﵊، فلذلك افتتح محمد بن الحسن- ﵀ الجامع الصغير
стр. 449
بذلك لهذا.
(بخلاف الصوم) أي بخلاف أيام قضاء الصوم التي أدركها، فإنه لو أخر قضاءه عن اليوم الأول إلى الثاني من غير إثم، وهذا جواب عما قاله محمد- ﵀ بقوله: كصوم القضاء وإلى العبد تعيينه.
(والتعارض) للحال قائم يعني أن الأيام كلها موجودة، والكل سواء في كونها صالحة للقضاء فيها فتعارضت، وليس أحدها أولى من الآخر وإلى العبد تعيينه، وفي بعض النسخ والتعارض (للحال غير قائم) يعني أن الموت لا يعارض الحياة؛ لأن الموت في الغد من غير علامة نادر، فلم تتعارض الحياة والممات، فالحياة ثابتة في الأيام كلها، فالوجه الأول من النسخ يرجع إلى تعارض الأيام في الاستواء في المحلية، والوجه الثاني منها يرجع إلى الحياة والممات.
(ولا يلزم أن النفل بقي مشروعًا) فوجه الورود هو أن الحج في السنة الواحدة لا يؤتي به إلا مرة واحدة، فلو تعينت السنة الأولى لحج الإسلام على
стр. 450
ما ذكره أبو يوسف كان ينبغي أن لا يبقى النفل مشروعًا في السنة الأولى كصوم رمضان، لما تعين في شهر رمضان انتفت مشروعية النفل.
فأجاب عنه بقوله: (لأنا إنما اعتبرنا التعيين احتياطًا واحترازًا عن الفوت). يعني أن تعين حجة الإسلام في السنة الأولى إنما نشأ من جانب الاحتياط والاحتراز عن الفوت لا من تعيين صاحب الشرع. بخلاف تعين صوم رمضان في شهر رمضان. هو إنما نشأ من تعيين صاحب الشرع فاثر ذلك التعيين لعموم ولاية صاحب الشرع بالنفاذ في سائر الصيامات في شهر رمضان سوى صومه.
(فظهر ذلك في حق الإثم لا غير) أي تعين حج الإسلام في السنة الأولى إنما ظهر في حق الإثم أي يأثم بالتأخير لا في حق نفي النفل ولا في حق القضاء بالتأخير إلى السنة الثانية.
فإن قلت: إن كان التأخير عن السنة الأولى التي أدرك المكلف الخطاب إلى السنة الثانية موجبًا للإثم لما أخر النبي ﵊ عن السنة الأولى التي أدركها الخطاب إلى أربع سنين، فإن فرضية الحج نزلت في سنة ست من الهجرة، وحج رسول الله ﵊ في سنة عشر منه.
стр. 451
قلت: منع بعض مشايخنا- ﵏ تأخير النبي ﵊ من السنة التي أدركه الخطاب، فقالوا: نزول فرضية الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وإنما نزلت هذه الآية في سنة عشر، وإنما النازل في سنة ست قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
وهذا أمر بالإتمام لمن شرع فيهن فلا يثبت به ابتداء الفرضية مع أن التأخير إنما لا يحل لما فيه من التعريض للفوت، ورسول الله ﵊ كان يأمن من ذلك؛ لأنه مبعوث لبيان الأحكام للناس، والحج من أركان الدين، فأمن أن يموت قبل أن يبينه للناس بفعله.
ولأن تأخيره كان لعذر، وذلك أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويلبون تلبية فيها شرك، وما كان التغيير ممكنًا للعهد، حتى إذا تمت المدة بعث عليا- ﵁ حتى قرأ عليهم سورة براءة، ونادى أن: "لا يطوفن بهذا البيت بعد هذا العام مشرك ولا عريان" ثم حج بنفسه.
стр. 452
ومن ذلك أنه كان لا يستطيع الخروج وحده بل يحتاج إلى أصحاب يكونون معه، فلم يكن متمكنًا من تحصيل كفاية كل واحد منهم ليخرجوا معه فلهذا أخره. هذا كله مذكور في "المبسوط" في آخر باب الحج عن الميت وغيره.
(فأما أن يبطل اختيار جهة التقصير والمأثم فلا). ومعنى هذا أن الحج عبادة، والعبادة فعل اختياري إذ لولا ذلك لما صلح أن تكون عبادة؛ لأن العبادة فعل لو أتى بها يثاب على ذلكن ولو تركنها وهي فرض يعاقب عليه، والفعل الجبري لا يصلح أن يكون عبادة.
ألا ترى أن وقت الظهر متعين لأداء الظهر بالإجماع ولا يبطل ذلك
стр. 453
باختياره جهة ترك الظهر فكذلك هاهنا، ولهذا لو اشتغل بالتطوع في آخر وقت الصلاة ولم يؤد الظهر جاز النفل، ويأثم بتأخير صلاة الظهر عن الوقت، فكذلك هاهنا أشهر الحج من العام الأول تتعين للحج وبقي الوقت صالحًا للنفل أيضًا ويأثم بتأخيره.
(ولا يلزم إذا أدرك العام الثاني). وجه الورود هو أن العام الأول لو تعين لحج الإسلام عند وجود استطاعته في العام الأول لما صار العام الثاني متعينًا له أيضًا عند التأخير إلى العام الثاني؛ لأن المتعين في وقت إذا فات وقته لا يبقى متعينًا على المكلف بالإتيان به إذا أدرك مثله في الزمان الثاني. كما أن صوم رمضان إذا فات وقته وأدرك في العام الثاني شهر رمضان، وكذلك مفوت الظهر إذا أدرك وقت الظهر من اليوم الثاني، وهاهنا يكون العام الثاني متعينًا أيضًا لأداء حج الإسلام.
فأجاب عنه بقوله: (لأنا إنما عينا الأول لوقوع الشك) أي في إدراك العام الثاني، (فإذا أدركه) ومثله من الشك موجود في العام الثاني يعني بأنه هل يدرك العام الثالث أم لا؟ فتعين العام الثاني له كتعين الأول. إذ موجب التعين هو الشك في الإدراك للعام الثاني وهو موجود فيه، فيثبت موجبه.
стр. 454
(وأن الحج أفعال عرفت بأسمائها) كالوقوف والطواف والسعي والرمي، (وصفاتها) ككيفية هذه الأفعال من صفة الوقوف والطواف والسعي والرمي وغيرها (لا بمعيارها) بخلاف الصوم، فإنه عرف بمعياره حتى عرف به، فقيل في جواب السائل ما الصوم؟ هو: عبارة عن الإمساك من المفطرات الثلاث نهارًا مع النية.
وأما الصلاة والحج فيعرفان بأسمائهما، فيقال في جواب ما الصلاة؟ هي عبارة عن قيم وركوع وسجود، ولا يقال هي صلاة الظهر أو صلاة العصر أو غيرهما وكذلك في الحج.
(وقال الشافعي- ﵀ لما عظم أمر الحج)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ مقام قوله: ومن لم يحج وغيره من الوعيد (استحسنا في الحجر عن التطوع)، فإن عند الشافعي من لم يحج حج الإسلام إذا نوى النفل في الحج لا يقع عن النفل بل يقع عن حجة الإسلام.
стр. 455
فإن قلت: ما وجه الفرق له بين من نوى صوم النفل في شهر رمضان وبين من نوى حج النفل هاهنا، فهناك يلغو نيته ولا يجوز صومه لا عن الفرض ولا عن النفل، وهاهنا يقع عن الفرض ولا يقع عن النفل.
قلتك أما إلغاء نية النفل هاهنا، فبسبب ما ذكر في الكتاب هو معنى الحجر عن نية النفل؛ لأنه لم تحمل المشاق وحضر موضع الوقوف بعرفات، ونوى النفل مع أن عليه حج الإسلام في ذمته ولا يعلم حياته إلى السنة الآتية كان سفيهًا؛ لترك الشفقة على نفسه والسفيه يحجر عنده، فلما لغا نية النفل بسبب الحجر بقي مطلق نية الحج، وبمطلق النية يتأدى الفرض بالإجماع.
أو نقول: إنما ألغيت نية النفل؛ لأن النفل عبارة عن الزيادة في العبادة ولا يتصور ذلك قبل الأصل، فإذا لغت نية النفل بقي مطلق نية الحج وبه يتأدى الفرض، وهذا لأن بإلغاء نية النفل لا ينعدم أصل نية الحج؛ لان الصفة تنفصل عن الأصل في هذه العبادة.
ألا ترى أن بانعدام صفة الصحة لا ينعدم أصل الإحرام، فإن من فسد حجه يمضي في أفعاله كمن لم يفسد حجه.
أما الصوم فإن الصفة هناك لا تنفصل عن الأصل.
ألا ترى أنه بانعدام صفة الصحة ينعدم أصل الصوم، فلذلك لما بطلت هناك نية النفل وهو الوصف الأصلي بطل أصل الصوم، ولأن نية النفل لما
стр. 456
بطلت في صوم رمضان بسبب أن شهر رمضان لم يشرع فيه غير صومه بقي مطلق نية الصوم من غير تعيين صوم رمضان، وقد ذكرنا أن صوم رمضان لا يتأدى عنده بمطلق نية الصوم، لما أن تعيين النية في أصل الصوم ووصفه شرط عنده، ولأن الصوم لا يتأدى بدون العزيمة، والحج قد يتأدى من غير عزيمة، فإن المغمى عليه يحرم عنه أصحابه فيصير هو محرمًا.
وقوله: (ومثل هذا مشروع) أي الحجر في الحج مشروع، ثم أوضح الحجر فيه بقوله: (فإنه صح بإطلاق النية وصح أصله بلا نية)، والرجل يحرم عن أبويه فيصح، وإن لم توجد العزيمة منهما. إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- ﵀.
(ولكنا نقول: الحجر عن هذا يفوت الاختيار، وهو ينافي العبادة) يعني أن الحج عبادة، والعبادة فعل اختياري لأن ما لا اختيار للعبد فيه لا يصلح أن يكون طاعة أو عصيانًا؛ لأن المقصود من الابتلاء تكليف العبد ليجب عليه الفعل الاختياري، أو يجب عليه الانتهاء عن الفعل الاختياري
стр. 457
ليصير مطيعًا إذا أطاع فيثاب عليه، ويصير عاصيًا إذا لم يطع فيعاقب عليهن وهذا إنما يحصل إذا كان للعبد اختيار.
وقال الإمام شمس الأئمة- ﵀ وفي إثبات الحجر بالطريق الذي قاله انتفاء اختياره، وجعله مجبورًا فيه، وهذا ينافي أداء العبادة، فيعود هذا القول على موضوعه بالنقض.
يعني أن الشافعي يسعى بهذا القول إلى تحقيق العبادة على وجه لا يبقى عليه وجوب عبادة حجة الإسلام، فيلزم منه نقض العبادة، فيبقى في عهدة فرض حجة الإسلام.
وقوله: (فأما الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه) احتراز عن الشرط وهو الإحرام، يعني أن الأفعال وهي؛ الوقوف بعرفة والطواف بالبيت وغيرهما لابد أن يجري تلك الأفعال على بدن المغمى عليه بان أحضر هو بعرفات وطيف به حول البيت بخلاف الإحرام، فإنه يكون محرمًا بإحرام
стр. 458
الغير عنه، لأن الإحرام شرط والشرط قد يتحقق بفعل الغير.
وأما المشروط وهو الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه، فإذا نوع النفل فقد صرح بأنه لم يحج عن الفرض، فإذا وقع عن الفرض وقع من غير اختياره فلا يقع مجزيًا عنه؛ لأنه لم توجد العبادة.
فإن قيل: إذا أغمي عليه، ووقفوه بعرفات وطافوا به حول البيت أجزاه، ولم يوجد منه الاختيار البتة؛ لأنه لا علم له ولا قدرة.
قلنا: إنما يجوز منه على أن له فيه اختيارًا لا على أنه فيه مجبور؛ لأن مرافقته أصحابه استعانة منهم أن يعينوه فيما يعجز هو عن تحصيله، وهذا منهم إعانة فصح بدلالة الأمر، فيكون اختيارًا تقديرًا.
ألا ترى أن الزكاة عبادة محضة وقد تتأدى بالنائب كالوكيل إذا أدى الزكاة والموكل مغمي عليه، والورثة يؤدون الزكاة بإيصاء المورث صح عنه وهو ميت ويكون فعلهم كفعله، وقوله: "بدلالة الأمر" وهو خروجه إلى سفر الحج مع رفقاء يريدون الحج.
وقوله: (لمعنى في المؤدِّي لا في المودَّي) بخلاف الإطلاق في الصوم، فإن فرض الوقت يتعين فيه بدلالة في المؤدَّى باعتبار أنه لا مزاحم له في وقته وفي إطلاق النية إلى حجة الإسلام لا إلى النفل لمعنى في المؤدِّي كما في (نقد البلد)، فإنه إذا كان في البلد نقود مختلفة ينعقد البيع على الأروج
стр. 459
عند الإطلاق لمعنى في المؤدِّي، وهو تيسر إصابتهن إلا إذا عين غيره صريحًا.
[الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم التراخي]
(وأما المطلق عن الوقت) مثل وجوب الزكاة وصدقة الفطر والعشر.
(على ما أشرنا إليه) أي قبل هذا بورق أو نحوه بقوله: وقال الكرخي وجماعة من مشايخنا: إن هذا يرجع إلى آخره.
(ومن هذا الأصل) أي ومن الخاص.
стр. 460
[باب النهي]
لأن النهي له صيغة معلومة ومعنى معلوم على الانفراد؛ لأن النهي هو المنع عن الشيء بأبلغ الوجوه كالأمر هو الدعاء إلى الشيء بأبلغ الوجوه على سبيل الاستعلاء قولًان والنهي ضد الأمر فيكون على خلاف هذا. وحكمه:
следующие страницы →