← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بطلت في صوم رمضان بسبب أن شهر رمضان لم يشرع فيه غير صومه بقي مطلق نية الصوم من غير تعيين صوم رمضان، وقد ذكرنا أن صوم رمضان لا يتأدى عنده بمطلق نية الصوم، لما أن تعيين النية في أصل الصوم ووصفه شرط عنده، ولأن الصوم لا يتأدى بدون العزيمة، والحج قد يتأدى من غير عزيمة، فإن المغمى عليه يحرم عنه أصحابه فيصير هو محرمًا. وقوله: (ومثل هذا مشروع) أي الحجر في الحج مشروع، ثم أوضح الحجر فيه بقوله: (فإنه صح بإطلاق النية وصح أصله بلا نية)، والرجل يحرم عن أبويه فيصح، وإن لم توجد العزيمة منهما. إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- ﵀. (ولكنا نقول: الحجر عن هذا يفوت الاختيار، وهو ينافي العبادة) يعني أن الحج عبادة، والعبادة فعل اختياري لأن ما لا اختيار للعبد فيه لا يصلح أن يكون طاعة أو عصيانًا؛ لأن المقصود من الابتلاء تكليف العبد ليجب عليه الفعل الاختياري، أو يجب عليه الانتهاء عن الفعل الاختياري

стр. 457

ليصير مطيعًا إذا أطاع فيثاب عليه، ويصير عاصيًا إذا لم يطع فيعاقب عليهن وهذا إنما يحصل إذا كان للعبد اختيار. وقال الإمام شمس الأئمة- ﵀ وفي إثبات الحجر بالطريق الذي قاله انتفاء اختياره، وجعله مجبورًا فيه، وهذا ينافي أداء العبادة، فيعود هذا القول على موضوعه بالنقض. يعني أن الشافعي يسعى بهذا القول إلى تحقيق العبادة على وجه لا يبقى عليه وجوب عبادة حجة الإسلام، فيلزم منه نقض العبادة، فيبقى في عهدة فرض حجة الإسلام. وقوله: (فأما الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه) احتراز عن الشرط وهو الإحرام، يعني أن الأفعال وهي؛ الوقوف بعرفة والطواف بالبيت وغيرهما لابد أن يجري تلك الأفعال على بدن المغمى عليه بان أحضر هو بعرفات وطيف به حول البيت بخلاف الإحرام، فإنه يكون محرمًا بإحرام

стр. 458

الغير عنه، لأن الإحرام شرط والشرط قد يتحقق بفعل الغير. وأما المشروط وهو الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه، فإذا نوع النفل فقد صرح بأنه لم يحج عن الفرض، فإذا وقع عن الفرض وقع من غير اختياره فلا يقع مجزيًا عنه؛ لأنه لم توجد العبادة. فإن قيل: إذا أغمي عليه، ووقفوه بعرفات وطافوا به حول البيت أجزاه، ولم يوجد منه الاختيار البتة؛ لأنه لا علم له ولا قدرة. قلنا: إنما يجوز منه على أن له فيه اختيارًا لا على أنه فيه مجبور؛ لأن مرافقته أصحابه استعانة منهم أن يعينوه فيما يعجز هو عن تحصيله، وهذا منهم إعانة فصح بدلالة الأمر، فيكون اختيارًا تقديرًا. ألا ترى أن الزكاة عبادة محضة وقد تتأدى بالنائب كالوكيل إذا أدى الزكاة والموكل مغمي عليه، والورثة يؤدون الزكاة بإيصاء المورث صح عنه وهو ميت ويكون فعلهم كفعله، وقوله: "بدلالة الأمر" وهو خروجه إلى سفر الحج مع رفقاء يريدون الحج. وقوله: (لمعنى في المؤدِّي لا في المودَّي) بخلاف الإطلاق في الصوم، فإن فرض الوقت يتعين فيه بدلالة في المؤدَّى باعتبار أنه لا مزاحم له في وقته وفي إطلاق النية إلى حجة الإسلام لا إلى النفل لمعنى في المؤدِّي كما في (نقد البلد)، فإنه إذا كان في البلد نقود مختلفة ينعقد البيع على الأروج

стр. 459

عند الإطلاق لمعنى في المؤدِّي، وهو تيسر إصابتهن إلا إذا عين غيره صريحًا. [الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم التراخي] (وأما المطلق عن الوقت) مثل وجوب الزكاة وصدقة الفطر والعشر. (على ما أشرنا إليه) أي قبل هذا بورق أو نحوه بقوله: وقال الكرخي وجماعة من مشايخنا: إن هذا يرجع إلى آخره. (ومن هذا الأصل) أي ومن الخاص.

стр. 460

[باب النهي] لأن النهي له صيغة معلومة ومعنى معلوم على الانفراد؛ لأن النهي هو المنع عن الشيء بأبلغ الوجوه كالأمر هو الدعاء إلى الشيء بأبلغ الوجوه على سبيل الاستعلاء قولًان والنهي ضد الأمر فيكون على خلاف هذا. وحكمه:

стр. 461

وجوب الانتهاء وبقاء المنهي عنه على العدم. ويثبت القبح اقتضاء للنهي شرعًا لا لغة كالأمر يقتضي الحسن شرعًا لا لغة؛ لأن الأمر والنهي كل واحد منهما يجيء في الحسن بعينه والقبيح بعينه ومعلوم أن النهي عن الحسن بذاته ليس بحكمة وكذا الأمر بالقبيح ليس بحكمة، والشارع عليم حكيم لا يأمر إلا بالحسن، ولا ينهي إلا عن القبيح، واقتضاء الأمر الحسن والنهي القبح كان من حكمة الشارع لا من اللغة.

стр. 462

ثم هو الحجر لغة لكن الفرق بينهما في الاصطلاح هو أن في الحجر تصرف إنسان على غيره بالمنع على وجه لا يبقى لتصرفه اعتبار أصلًا. كالقاضي إذا حجر الغير عن تصرف البيع والشراء وغيرهما لا ينفذ تصرفه أصلًا. وأما النهي فلا ينفي نفاذ تصرف المنهي عما نهي عنه، فبعد ذلك اختلف العلماء في كيفية نفاذ التصرف بحسب المحال التي وقع فيها النهي. وذكر المصنف- ﵀ هذا الباب لبيان ذلك فقال: (النهي المطلق نوعان): أي النهي الذي لم يقيد بأن المنهي عنه قبيح لعينه أو لغيره نوعان: إذ المطلق هو المتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات، أو الفعل الذي يتصور فيه النهي ويتحقق نوعان: (نهي عن الأفعال الحسية)، فالأفعال الحسية هي: ما يتوقف وجوده وعرفانه على الحس (كالزنا وشرب الخمر والقتل)، فإنها تتحقق حسًا ممن يعلم الشرع وممن لا يعلم، ولا يتوقف وجودها على الشرع. (والأفعال الشرعية)، هي: ما يتوقف حصوله وعرفانه على الشرع (كالصلاة) وغيرها، فإنها لغة الدعاء ثم زيد عليه أشياء شرعًا، فصارت

стр. 463

صلاة عرف ذلك بالشرع، وكذلك (الصوم) فإنه لغة الإمساك وزيد عليه أشياء شرعًا من اشتراط النية والوقت والطهارة من الحيض والنفاس، وقوله: (وما أشبه ذلك) كالطلاق والعتاق والوكالة والمضاربة. (فالنهي عن الأفعال الحسية دلالة على كونها قبيحة في أنفسها لمعنى في أعيانها بلا خلاف)؛ لأن النهي أضيف إلى الفعل الحسي، والنهي الصادر من الحكيم يقتضي قبحًا ضرورة على ما ذكرنا، ثم لو كان قبيحًا لغيره لكان القبيح ذلك الغير في الحقيقة لا هون فلا يجوز أن يكون ما لم يضف إليه النهي قبيحًا. وما أضيف إليه النهي لا يكون قبيحًا بخلاف الأفعال الشرعية على ما نبين إن شاء الله تعالى. (إلا إذا قام الدليل على خلافه) فحينئذ يقتضي القبح لمعنى في غيره كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وقد علم أن النهي كان لمعنى مجاور للمحل لا لذاتهن وهو استعمال الأذى بدليل سباق الآية وهو قوله

стр. 464

تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وكذلك قيل: لا يبطل به إحصان حد القذف، ويثبت به إحصان حد الرجم، ويثبت الحل للزوج الأول بهذا الوطء. علم بهذه الأحكام أن هذا الوطء مشروع في نفسه ولكن القبح لمعنى في غيره. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فالنهي في الأول باعتبار السفه، وفي الثاني باعتبار أن النشوز من جانب الزوج. والدليل عليه إطلاق قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ وكذلك (نهي النبي ﵇ عن المشي في نعل واحد) لم يكن لقبح في عينه ولكن كان ذلك تعليمًا للأدب. ونظيره في العرف ما إذا قال الطبيب للمريض: لا تأكل اللحم، وما لو

стр. 465

قيل: لا تأكل هذا اللحم، وقد عرف أنه مسموم، فحينئذ يكون الأكل قبيحًا لغيره. (فيجب إثبات ما احتمله النهي وراء حقيقته على اختلاف الأصول) أي يجب إثبات محتمل النهي عند قيام الدليل على أن المراد به محتمل النهي لا موجبه وكذلك عند الشافعي. وأما في حق إثبات موجب النهي لا يحتاج إلى إقامة الدليل. بيان هذا أن النهي عن الأفعال الشرعية إذا صدر من الحكيم يثبت القبح في المنهي عنه لا محالة بطريق الاقتضاء بلا خلاف. لكن عندنا يقتضي القبح لمعنى في غير المنهي عنه على وجه يبقى المنهي عنه مشروعًا إلا إذا قام الدليل على كون المنهي عنه قبيحًا لعينه كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ وكبيع الملاقيح والمضامين ففي هذه المواضع المنهي عنه قبيح لعينه فلم يبق مشروعًا، فكانت صورة النهي في هذه

стр. 466

المواضع ومثلها مجازًا عن النفي، فكانت إخبارًا عن التحريم لكن هذا عندنا محتمل النهي لا موجبه مطلقًا، وعند الشافعي يثبت القبح بمطلق النهي على وجه لا يبقى المنهي عنه مشروعًا فيكون قبيحًا لعينه وهو موجب النهي عنده. إلا إذا قام الدليل على كونه قبيحًا لغيره كالبيع وقت النداء. فالحاصل أن ما هو موجب النهي المطلق عندنا فهو محتمل النهي عند الشافعي، وما هو موجب النهي عنده فهو محتمل النهي عندنا وهو معنى قوله: فيجب إثبات ما احتمله النهي وراء حقيقته على اختلاف الأصول والاستثناء في قوله: (إلا أن يقوم الدليل) راجع إلى المذهبين. (فمن قال بأنه يكون مشروعًا في الأصل قبيحًا في الوصف يجعله مجازًا في الأصل حقيقة في الوصف). يعني الأصل أن النهي إذا أضيف إلى شيء أي إذا تعدى فعل النهي إليه يكون ذلك الشيء منهيًا عنه وقبيحًا، فمن جعل ما لم يضف إليه النهي منهيًا عنه وقبيحًا جعله مجازًا، وفيما نحن فيه أضاف النهي إلى الصوم فينبغي أن يكون هو منهيًا عنه وقبيحًا لإضافة النهي إليه، ولم يضف النهي إلى ما هو وصف الصوم على ما قال الخصم، فلو كان القبح ثابتًا في الوصف دون الأصل يكون الوصف حقيقة في كونه منهيًا عنه مع أنه لم يضف إليه النهي، والمنهي عنه وهو الصوم لا يكون قبيحًا مع أن

стр. 467

النهي أضيف إليه ولا يكون (هذا إلا عكس الحقيقة وقلب الأصل)؛ لأن الأصل أن يكون الأصل أصلًا والوصف تبعًا، وفيما قالوا: جعل الأصل تبعًا والتبع أصلًا وهو قلب الأصل. ثم العمل بحقيقة الأمر واجب حتى يكون حسنًا لمعنى في عينه إلا بدليل أي حينئذ يكون الأمر حسنًا لمعنى في غيره كالأمر بالوضوء، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. (وهذا لأن المطلق في كل شيء يتناول الكامل منه) أي الكامل في مسمى ذلك الشيء المطلق لا الزائد على ذلك المسمى. كالرجل يتناول ذكرًا من بني آدم جاوز حد البلوغ هذا مسمى مطلق الرجل، ولكن لا يحتاج إلى أن يكون عالمًا مجتهدًا أو حافظًا (للجامعين) و (الزيادات) لأن ذلك غير داخل في مسمى الرجل.

стр. 468

﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أي بين المسلك وفتح الطريق إلى مرضاته. (فصار النهي عن هذه التصرفات نسخًا) أي بيانًا لانتهاء مدة المشروعية هذا هو النسخ فصار النهي عن هذه التصرفات نسخًا (بمقتضاه) وهو التحريم السابق. إنما وصف التحريم بالسبق؛ لأن قبل ورود النهي لابد للناهي

стр. 469

من إرادة التحريم قبل أن يخاطب المكلف بالنهي، حتى يتحقق النهي بمقتضاه وهو قبح المنهي عنه. يعني إنما صار النهي نسخًا بما اقتضاه النهي من القبح والحرمة، وهذا لأن النهي عن المشروع. وهو مشروع لا يصح، فيثبت القبح والحرمة سابقين على النهي بزمان ليصح النهي. وقوله: (ولهذا لم تثبت حرمة المصاهرة) هذا إيضاح معنى الجمع بين المعصية والمشروعية، وحرمة المصاهرة عبارة عن حرمة الموطوءة على آباء الواطئ وأبنائه، وحرمة أمهات الموطوءة وبناتها على الواطئ.

стр. 470

(ولا يلزم إذا جامع المحرم أو أحرم مجامعًا) يعني إذا أحرم في حالة الجماع يصير محرمًا مع أن الإحرام في حالة الجماع منهي عنه، فورد هذا على ما ذكر نقضًا وهذا ظاهر. وأما إذا جامع المحرم فيرد عليه أيضًا، وهو أن الجماع مفسد للإحرام ومع ذلك بقي الإحرام بعد الجماع مفيدًا للأحكام كالإحرام الصحيح، حتى لو ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام من قتل الصيد وحلق الرأس وقلم الأظفار كان موجبًا للدم، فاجتمع الفساد والمشروعية، فجاز أن يجتمعا فيما ذكر خصومك. والجواب للشافعي عن هذا: أن الإحرام منهي حالة الجماع لا لعين الإحرام بل للجماع، والجماع غير الإحرام لا محالة، فلم يمنع انعقاد الإحرام وصحته (لكنه محظور)، فصار مفسدًا للإحرام بعد ما صح وانعقد. وقوله: (لكنه محظور) جواب إشكال وهو أن يقال: لما كان معنى الجماع غير الإحرام ينبغي ألا يفسد إحرامه فاستدرك، وقال: (والجماع غيره ولكنه محظورة) فلذلك (صار مفسدًا) للإحرام يعني أن الفساد نشأ من هذا وهو

стр. 471

المحظورية، وهذا أيضًا يصير جوابًا عن النقض الآخر. يعني فسد الإحرام بالجماع الواقع بعد الإحرام، ولكن الإحرام لازم شرعًا لا يحتمل الخروج باختيار العبد ففسد وبقي مشروعًا للزومه. (ولم ينقطع بجنايته) وهي الجماع؛ لأن بقاءه مع ارتكاب هذه الجناية ضرب عقوبة، فلذلك لم ينقطع بجنايته لأن انقطاع الإحرام بجنايته نوع نعمة فلا يصلح أن يكون ذلك أثر الجناية، (وكلامنا فيما ينعدم شرعًا لا فيما لا ينقطع بجناية الجاني). يعني أن النزاع فيما إذا ورد النهي ابتدًاء عما هو مشروع أيبقى هو مشروعًا شرعًا أم ينعدم شرعًا؟ ولا نزاع فيما إذا جني على المشروع هل يبقى بعد جنايته للزومه أم ينقطع بجنايته؟ (ولا يلزم الطلاق في الحيض). يعني هو منهي عنه مع كونه مشروعًا (لمعنى في غيره) أي لمعنى في غير الطلاق (وهو الضرر على المرأة بتطويل العدة) يعني أن الطلاق في حالة الحيض إضرار بالمرأة؛ لأن هذه الحيضة لا تحتسب من العدة فتطول العدة عليها، (أو بتلبيس أمر العدة عليها) فإنه إذا طلقها في طهر جامعها فيه إضرار بها بتلبيس أمر العدة عليها؛ لأنها لا تدري

стр. 472

أن الوطء وقع معلقًا فتعتد بالحبل أو غير معلق فتعتد بالحيض، وهذا على مذهبه أظهر؛ لأن الحامل عنده تحيض فازداد الاشتباه، فكان قوله: (بتطويل العدة) متعلقًا بقوله: (ولا يلزم الطلاق في الحيض) وقوله: (أو بتلبيس أمر العدة) متعلقًا بقوله: (أو في طهر الجماع). (ولنا ما احتج محمد-﵀ في كتاب الطلاق أن صيام العيد وأيام التشريق منهي عنه، والنهي لا يقع على ما لا يتكون). ذكر هذا التعليل على هذا الوجه في طلاق (المبسوط) وفي باب الرد على من قال: إذا طلق لغير السنة لا يقع، فقال: وهذه المسألة مختلف بيننا وبين الشيعة على فصلين: أحدهما: أنه إذا طلقها في حالة الحيض أو في طهر قد جامعها فيه يقع الطلاق عند جمهور الفقهاء، وعندهم لا يقع.

стр. 473

والثاني: إذا طلقها ثلاثًا جملة عندنا يقع ثلاثًا، والزيدية من الشيعة يقولون: تقع واحدة، والإمامية يقولون: لا يقع شيء، وحجتنا في ذلك حرفان: أحدهما: أن النهي دليل ظاهر على تحقق المنهي عنه؛ لأن النهي عما لا يتحقق لا يكون. والثاني: النهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يعدم المنهي عنه كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة. (وبيانه أن النهي يراد به عدم الفعل مضافًا إلى اختيار العباد)

стр. 474

إلى آخره. بيان هذا أن الله تعالى جعل الدنيا دار ابتلاء وجعل الآخرة دار جزاء، وخلق الجنة والنار، وخلق للنار فريقًا، وخلق للجنة فريقًا، وقال: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقد كان علم بكل ما يوجد من العباد، فأمر العباد بأفعال ونهاهم عن أفعال تحقيقًا لما أخبر وما علم منهم ليجب عليهم الائتمار بما أمروا، ويجب عليهم الانتهاء عما نهوا عنه. حتى أن من أطاع استحق الجنة بفضله، ومن عصى استحق النار بعدله، وإنما تتحقق الطاعة والعصيان إذا كانت أفعالهم اختيارية؛ لأن العقاب على ما لا مدخل للعبد فيه لا يجوز، فإذا امتنعوا عن تحصيل ما نهوا عنه صاروا مطيعين، وذلك إنما يكون إذا كان المنهي عنه مما يتصور أن يوجد، فإذا امتنعوا بقي الفعل على العدم بناء على امتناعه، ثم إن كان المنهي عنه حسيًا يتصور وجوده حسًا، وإن كان شرعيًا يتصور وجوده شرعًا. ليتصور الامتناع عن العبد ليبقى المنهي عنه على العدم بناء على امتناعه، وهذا هو حقيقة موجب النهي. وأما النسخ فبيان أن المنسوخ لم يبق مشروعًا ولا يتصور وجوده شرعًا

стр. 475

كالتوجه إلى بيت المقدس. وحل الأخوات، فإنه لم يبق مشروعًا البتة فصار باطلًا، ولا يمكن وجوده شرعًا، فامتناع الرجل عن ذلك بناء على عدم المشروعية ولا يتعلق ذلك باختيار العبد فكانا بمنزلة النقيضين. إذ الأصل في أحدهما فرع في الآخر، والفرع في أحدهما أصل في الآخر، فإن عدم فعل العبد لعدم شرعيته في النسخ أصل وامتناع العبد فرع عليه، وامتناع العبد في النهي أصل وعدم الفعل فرع عليه، فلا يصح الجمع بينهما بحال. فالنظر إلى حكم النهي يوجب صحة ما ذكرنا وفساد ما ذهب إليه الخصم، وكذلك النظر إلى مقتضى النهي وهو القبح. بيانه أن النهي الوارد من الحكيم يقتضي قبح المنهي عنه لصحة النهي، فكان ثبوت القبح في المنهي عنه شرطا لصحة النهي ثابتا بطريق الاقتضاء، فكان ثابتا بالضرورة فيجب إثباته على قدر ما ترتفع به الضرورة، وذلك فيما قلنا: وهو أن يجعل القبح وصفا للمشروع فلا يجوز إثبات القبح وهو المقتضى- بفتح الضاد- على وجه يبطل به المقتضي- بكسر الضاد- وهو النهي، وما قاله الخصم يؤدي إلى هذا؛ لأنه أثبت القبح في المنهي عنه لعينه، وفيه إبطال النهي وهو المقتضي، وفي إبطال

стр. 476

المقتضي إبطال المقتضى فكان مثبتًا القبح على وجه يبطل به القبح. فثبت بهذا الذي ذكرنا أنه هو القائل بقلب الأصول وعكس المعقول لا نحن، وفيما ذكرنا رعاية منازل المشروعات؛ لأن الدليل دل على إثبات القبح في النهي على ما ذكرنا من ثبوته ضرورة، ودل الدليل أيضا على إثبات مشروعية المنهي عنه على ما ذكرنا. وفيما ذكر إهدار بعض الأدلة لما أن منازل المشروعات متفاوتة. صحيحة وفاسدة ومكروهة، وفيما ذكر إبطال هذه الرعاية بخلاف الأفعال الحسية حيث يثبت القبح فيها لأعيانها؛ لأنها متصورة الوجود بل متحققة الوجود مع كمال القبح فيها وثبوت القدرة للعبد على تحصيلها بخلاف الأفعال الشرعية. ومثال الفرق الواضح بين النهي عن الأفعال الحسية وبين النهي عن الأفعال الشرعية، ما ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي-﵀ بقوله: وبيان هذا في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فإنه كان تحريمًا لفعل القربان ولم يكن تحريمًا لعين الشجرة، وكما لا يتصور تحريم قربان

стр. 477

الشجرة بدون الشجرة، لا يتحقق تحريم أداء الصوم في وقت ليس فيه صوم مشروع، وبهذا الحرف يتبين الفرق بين الأفعال الحسية والأفعال الشرعية، فإنه ليس من ضرورة حرمة الأفعال الحسية انعدام التكون. فقلنا: تأثير التحريم في إخراجها من أن تكون مشروعة أصلًا وإلحاقها بما هو قبيح لعينه، ومن ضرورة تحريم الأفعال الشرعية بقاء أصلها مشروعًا إذ لا تكون لها إذا لم تبق مشروعة، وبدون التكون لا يتكون تحريم فعل الأداء، وكذلك في العبادات فكان في إبقاء المشروع مشروعًا مراعاة حقيقة النهي لا أن يكون تركًا للحقيقة فإن قيل: عند النهي كان الصوم متصورًا شرعًا فكفى ذلك التصور لصحة النهي فلا حاجة إلى بقائه مشروعًا بعد ذلك. قلنا: النهي إنما كان لإعدام المنهي عنه من قبل المنهي في المستقبل كالأمر للإيجاد في المستقبل فلا بد أن يتصور وجوده شرعًا في المستقبل ليتحقق الانتهاء بالنهي كما في الأمر، ولا يكون ذلك إلا ببقائه مشروعًا في المستقبل حتى يكون المنهي عنه موجودًا في المستقبل، ولا يكون ذلك إلا بكونه مشروعًا في المستقبل.

стр. 478

ثم معنى إسناد الإرادة إلى عدم الفعل في قوله: (إن النهي يراد به عدم الفعل) إلى آخره. قال الإمام العلامة مولانا شمس الكردري-﵀ المراد من النهي المطلق والأمر المطلق وجوب الانتهاء ووجوب الائتمار في حق الكل، فأما حصول المأمور به في حق من علم الله تعالى أنه يأتمر بأوامره مراد الله تعالى وفي حق من علم أنه لا يأتمر بأوامره حصول المأمور به ليس مراد الله تعالى، والامتناع عن المنهي عنه مراد الله تعالى في حق من علم أنه يمتنع عن تحصيل المنهي عنه. وأما في حق من علم أنه لا يمتنع عن تحصيل المنهي عنه فالامتناع عنه غير مراد. وفيما ذكرنا تحقيق أخباره من نحو قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وهذه الآية تدل على أن المعاصي بإرادة الله وتحقيق علمه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة بناء على أن المعاصي والطاعات وجميع الحادثات بإرادة الله. ولما كان كذلك كان قوله في الكتاب: (إن النهي يراد به عدم الفعل) محتاجًا إلى التأويل، وتأويله ما ذكرنا من أن ذلك مصروف إلى من علم الله

стр. 479

منه الامتناع عن مباشرة المنهي عنه، وأما في حق الكل فالمراد من النهي إيجاب الانتهاء لا حصول الانتهاء. وقوله: (فيعتمد تصوره) أي فيقتضيه. (بين أن يكف عنه) أي يمتنع عنه. (ليصير امتناعه) أي امتناع العبد. (على عدمه) أي على عدم كونه مشروعًا. (وفي النهي يكون عدمه أي عدم الفعل بناء على امتناعه) أي امتناع العبد (وهما في طرفي نقيض)؛ لأن الأصل في أحدهما فرع في الآخر على ما ذكره، (فلا يصح الجمع بحال) أي لا يصح الجمع بين النهي والنسخ أي لا يصح أن يكون النهي نسخًا فيه. رد لقول الشافعي؛ لأنه يلزم على قوله أن يكون النهي نسخًا. (والحكم الأصلي في النهي ما ذكرنا) هو قوله: إن النهي يراد به عدم الفعل مضافًا إلى اختيار العباد) إلى آخره (مقتضى به) أي القبح ثبت بطريق الاقتضاء بالنهي؛ لأن قبح المنهي عنه إنما نشأ من ضرورة حكمة الناهي لما أن

стр. 480

الناهي إذا كان حكيمًا لا ينهى عن شيء إلا إذا كان في ذلك الشيء قبح، فوجب إثبات القبح على وجه يبقى النهي ببقائه وذلك إنما يكون إذا كان القبح في وصف المشروع لا في عينه. إذ لو كان في عينه لا يبقى وجود المنهي عنه؛ لأن وجوده شرعيته، فحينئذ لا يبقى النهي نهيًا بل يكون نسخًا، وهو معنى قوله: (فلا يجوز تحقيقه على وجه يبطل به ما أوجبه). وقوله: تحقيقًا لحكمه (أي لحكم النهي وهو وجوب الانتهاء، فكان تابعًا أي فكان القبح تابعًا، فلا يجوز أي تحقيق القبح على وجه يبطل بذلك تحقيق ما أوجب النهي واقتضاه. (فيصير المقتضى دليلًا على الفساد بعد أن كان دليلًا على الصحة) أي فيصير حينئذ أي حين تحقيق القبح على وجه يبطل به النهي دليلًا على فساد النهي بعد أن كان دليلًا على صحة النهي؛ لأنه لما كان مقتضيًا للنهي على الوجه الذي قررنا كان دليلًا على صحة النهي، ثم لو قلنا بأن القبح في عين المنهي عنه كان النهي نسخًا ولم يبق النهي نهيًا، فكان تحقيق القبح على ذلك الوجه دليلًا على فساد النهي وهو المقتضي. (بل يجب العمل بالأصل في موضعه) أي بل يجب العمل بأصل النهي في موضع النهي، وهو أن يكون عدم الفعل بناء على امتناع العبد لا بناء على

стр. 481

عدم مشروعيته عن المنهي عنه. (فتنعدم لما قلنا) أي في طرف الشافعي. (يحتمل هذا الوصف) أي وصف الفساد. (والمشروع يحتمل الفساد بالنهي كالإحرام الفاسد)، فإن قلت: هذا النظير إنما يستقيم لما ادعاه المصنف أن لو لم يكن الشافعي أجاب عن هذا، وقد أجاب فيما تقدم بقوله: (والإحرام لازم شرعًا لا يحتمل الخروج باختيار العباد) إلى آخره وكذلك قاس النهي على الأمر بأن كل واحد منهما حقيقة فيما اقتضاه، ثم مطلق الأمر محمول على أن المأمور به حسن لمعنى في عينه فيجب أن يكون ضده النهي محمولًا على أن المنهي عنه قبيح لمعنى في عينه، فلا بد من وجه الدفع لجوابه ووجه الفرق لجمعه، حتى يسلم لنا ما تمسكنا به. قلت: أما الدفع لجوابه فهو أن يقول: إن الذي ذكره من الجواب يرجع

стр. 482

إلى تحقيق ما قلنا وهو: أن فساد الإحرام بالجماع مع مشروعية أصله حكم ثابت شرعًا، وللشرع ولاية إعدام أصل الإحرام، فلو كان من ضرورة صفة الفساد انعدام الأصل في المشروعات لكان الحكم بفساده شرعًا معدمًا لأصله. ألا ترى أن بسبب الردة ينعدم أصل الإحرام فعلم بهذا أن أصل الإحرام قابل للبطلان باختيار العباد، فلو كان من ضرورة قبح صفة المشروع فساد أصله لما بقي هنا الإحرام مع الفساد، وقد بقي أصله مشروعًا مع فساد وصفه. علم بهذا أن ليس من ضرورة الفساد في وصف المشروعات، الفساد في أصلها مع احتمال فساد الأصل. وأما الفرق لجمعه فظاهر، وهو أن من جعل الحسن في عين المأمور به لا يلزم بطلان الأمر، ومن جعل القبح في عين المنهي عنه يلزم بطلان النهي على ما ذكرناه. وهذا لأن مطلق الأمر يوجب حسن المأمور به لعينه؛ لأنه طلب الإيجاد بأبلغ الجهات، فكان في إثبات صفة الحسن بمقتضى الأمر على هذا الوجه تحقيق المأمور به. فأما النهي فطلب الإعدام بأبلغ الجهات، ولكن مع بقاء خيار العبد فيه

стр. 483

ليكون مبتلًى كما في الأمر، وتحقيق بقاء الخيار إنما يكون إذا كان انعدام الفعل بناءً على امتناع العبد عنه بالاختيار حتى يثاب عليه لا أن يكون انعدام الفعل بناءً على عدم المشروعية كما في النسخ. إلى هذا كله أشار الإمام شمس الأئمة السرخسي-﵀. (والطلاق الحرام) بأن طلقها في حالة الحيض حتى انتقص به عدد الطلاق ولزمت الرجعة، فترتب حكم الطلاق عليه دليل على شرعيته، ولزوم المراجعة عليه دليل على فساده رعاية لمنازل المشروعات، فإن الأحكام المشروعة تتفاوت شرعيتها بحسب كمال أسبابها ونقصانها، ولو لم نقل بالفساد لا نكون قائلين بمنازل المشروعات أجمع من صحيح وفاسد

стр. 484

ومكروه ومحافظةً لحدودها وهي حد النهي والنسخ والمقتضي والمقتضى، وتلك المحافظة إنما تكون فيما قلنا لا فيما قاله الشافعي؛ لأن فيما قاله لا يبقى النهي نهيًا ولا المقتضي والمقتضى على حقيقتهما. (لأن البيع بالخمر منهي عنه بوصفه وهو الثمن)؛ لأن الأصل في وجود البيع وصحته هو المبيع. ألا ترى أن المبيع لو لم يكن مقدور التسليم لا يجوز البيع بخلاف الثمن، فإن القدرة على تسليم الثمن ليست بشرط لصحة البيع، فإن الفقير المعدم إذا اشترى أشياء كثيرة نفيسة بأثمان غالية صح البيع، ولو كان الثمن أصلًا فيه لما صح البيع كما في جانب المبيع. وكذلك في حق صحة الإقالة لا يشترط بقاء الثمن ويشترط بقاء المبيع،

стр. 485

ويجوز الاستبدال بالثمن دون المبيع، وهذا كله آية لأصالة المبيع وعدم أصالة الثمن في البيع، ولكن مع ذلك لا يصح البيع بدون ذكر الثمن المعلوم، فكان جاريا مجرى الأوصاف، فلذلك كان الفساد المتمكن في الثمن مفسدًا للبيع كما في بيع الثوب أو العبد مثلا بالخمر بخلاف بيع الخمر بالدراهم أو الدنانير، فإنه باطل لا فاسد لتمكن الفساد في المبيع الذي هو الأصل. (لأن الخمر مال)؛ لأنها داخلة تحت حد المال؛ لأن المال هو غير الآدمي خلق لمصلحة الآدمي ويجري فيه الشح والضنة وهذا كذلك (وليست متقومة)؛ لأن المتقوم عبارة عن شيء يضمن بالاستهلاك إما بمثله أو بقيمته. وقيل: هو عبارة عن شيء واجب الإبقاء إلى وقت الحاجة بعينه أو بمثله

стр. 486

أو بقيمته وهي ليست كذلك خصوصًا في حق المسلم، فإنه لو أتلف خمر المسلم لا يجب الضمان (ولا خلل في ركن العقد) وهو الإيجاب والقبول، (ولا في محله) وهو المبيع؛ لأنه مال. (وكذلك إذا اشترى خمرًا بعبد؛ لأن كل واحد منهما ثمن لصاحبه)؛ لأن هذا بيع مقايضة فلا يتعين واحد منهما للثمنية، ولكن لم يكن بد في البيع من المبيع والثمن، فلذلك كل واحد منهما مبيع وثمن؛ لأن الثمنية إنما تكون بالوضع كالذهب والفضة، أو بوصف ما يجب في الذمة من المكيلات والموزونات من غير الدراهم عند دخول الباء عليه لأنه حينئذ يثبت في الذمة ولا كذلك العبد؛ لأنه لا يصلح أن يكون ثمنًا، وإن دخل الباء عليه فلم يتعين الخمر لكونه مبيعًا، فلذلك فسد البيع ولم يبطل.

стр. 487

(بخلاف الميتة) والدم، فإن كلًا منهما ليس بمال، وإن كانت طائفة يتمولونه لما أن تمولهم ليس بمعتمد على الدين السماوي، فلا يكون معتبرا، أما الخمر والخنزير كان مالًا في الدين السماوي فاعتبرت ديانتهم لذلك في حق دفع إلزام عدم الضمان. (لأنه ليس بمال)؛ لأن جلد الميتة جزء الميتة، والميتة ليست بمال، والجزء لا يخالف الكل. (غير مشروع بوصفه وهو الفضل في العوض). يقال: بيع رابح، وبيع خاسر. علم بهذا أن الفضل وصف للبيع كالنقصان. (وكذلك الشرط الفاسد) أي المفسد (في البيع مثل الربا)؛ لأن الربا عبارة عن: الفضل الخالي عن العوض المستحق بعقد البيع وهذا كذلك، فكان الشرط المفسد فيه مثل الربا.

стр. 488

(يعدم الوصف من شهادته)، وهو الأداء حتى يخرج القاذف من أن يكون أهل اللعان؛ لأن اللعان أداء وأداؤه فاسد بعد هذا النهي، ويبقى الأصل حتى ينعقد النكاح بشهادته. (صوم يوم العيد حسن مشروع بأصله) إلى أن قال: (بل هو طاعة انضم إليه وصف هو معصية) لا يعني بقوله: (انضم إليه وصف) صفة زائدة على وجود الصوم؛ لأن العرض لا يقوم بالعرض وإنما عنى به أن للصوم في هذا اليوم جهة في الإعراض، فصار قبيحًا من حيث إنه إعراض لا من حيث إنه صوم، فكان صوم يوم العيد مشروعًا بأصله لمصادفته وقت الصوم؛ لأن يوم العيد يوم كسائر الأيام، فكان مشروعًا في نفسه، ولكن هو متضمن لرد الضيافة باعتبار أن هذا اليوم يوم أكل وشرب وبعال وهذا المعنى باعتبار صفة اليوم، وهو أنه يوم عيد فيثبت القبح في الصفة دون الأصل. فإن قيل: لم يصادف هذا الصوم وقته؛ لأنه تعين هذا اليوم للأكل

стр. 489

والشرب بالحديث فيخرج عن وقتية الصوم كما خرج الليل عن وقتيته لتعينه للأكل والشرب لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ قلنا: نجمع بين ما ذكرت وبين ما تمسك محمد بن الحسن-﵀ بحديث النهي عن صوم يوم العيد فقال: أفينهانا عما لا يتكون أو عما يتكون؟ فنقول: على قضية ما ذكرت ينبغي ألا يصح الصوم ولا النذر لتعينه للأكل والشرب، وعلى موجب ما ذكر محمد بن الحسن-﵀ من النكتة ينبغي أن يصح، والأصل في المتعارضين الجمع، فجمعنا.

стр. 490

وقلنا: لا يجوز الصوم ابتدًاء عملًا بما ذكرت ويصح النذر بما ذكر محمد-﵀ من النكتة، ولئن صام صار صومه صومًا شرعيًا، وكان الصوم مستحق الفطر، ولا يضمن بالشروع عملًا بما ذكرت. وقيل: إنما افترق هذان الحكمان من قبل أن الصوم إعراض منه عن الضيافة فكان هو مطالبًا بالكف عنه شرعًا لا بإتمامه، فلا يكون الإفطار جناية منه على حق الشرع، ولا يبقى في عهدته حتى يحتاج إلى القضاء. فأما بالنذر فلا يصير مرتكبًا للحرام، فيصح نذره ويؤمر بالخروج عنه بصوم يوم آخر، فبه يتم التحرز. عن ارتكاب الحرام، ولكن لو صام فيه خرج عن موجب نذره؛ لأنه التزم المشروع في الوقت ويتيقن بأنه أدى المشروع في الوقت إذا صام، فيسقط عنه الواجب وإن كان الأداء فاسدًا منه. كمن نذر أن يعتق عبدًا بعينه فعمي ذلك العبد أو كان أعمى يتأدى المنذور بإعتاقه، وإن كان لا يتأدى بإعتاقه شيء من الواجبات، لما أن العبد مستهلك باعتبار وصفه، قائم باعتبار أصله، وكذلك الصوم في هذا اليوم مشروع باعتبار أصله، فاسد الأداء باعتبار وصفه، ولهذا لا يتأدى واجب آخر بصوم هذا اليوم؛ لأن ذلك وجب في ذمته كاملًا، وبصفة الفساد والحرمة في الأداء ينعدم الكمال ضرورة.

стр. 491

(ألا ترى أن الصوم يقوم بالوقت) أي يوجد به كما نقول: قيام العرض أي وجوده به، وهذا إيضاح كونه طاعة (ولا فساد فيه)؛ لأنه يوم كسائر الأيام من طلوع الشمس وغروبها. وأما القبح فباعتبار شيء آخر وهو كونه متضمنًا للإعراض عن ضيافة الله تعالى. (والنهي يتعلق بوصفه وهو أنه يوم عيد) وإنما قال: إن قوله: (يوم عيد) صفة لليوم؛ لأن الصفة هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، فلليوم أوصاف من كونه حارًا وباردًا وأول الشهر وعاشره ويوم عيد، أو لأن الصفة هي المعنى الذي يقع به التفرقة بين المشتركين وهذا كذلك؛ لأن بكونه يوم عيد يقع التفرقة بين هذا اليوم وبين سائر الأيام. (والمتناول من جنس الشهوات بأصله طيب بوصفه)؛ لأن بإراقة الدم تزول المعصية بأول قطرة منه كما جاء في الحديث فبقى اللحم طيب

стр. 492

الوصف، أو لأنه داخل تحت قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (فصار تركه طاعة بأصله) من حيث إن الصوم يقوم باليوم ولا فساد فيه من حيث إنه يوم كسائر الأيام. (معصية بوصفه) وهو لزوم رد ضيافة الله تعالى باعتبار أنه يوم عيد إنما وصف المعصية متصل بذاته فعلًا؛ لأن رد الضيافة إنما ينشأ من فعل الصوم. (لا باسمه ذكرًا) أي لا تتصل المعصية به وقت نذره به بسبب نذره، فلما كان نذره خاليًا عن المعصية صح نذره؛ لأنه نذر بالطاعة نظرًا إلى أن الصوم طاعة.

стр. 493

(وهو منسوب إلى الشيطان) وذلك في حديث الصنابحي- ﵁ أن النبي ﵇ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وقال: (إنها تطلع بين قرني الشيطان، وإن الشيطان يزينها في عين من يعبدها حتى يسجدوا لها، فإذا ارتفعت فارقها، وإذا كان عند قيام الظهيرة قارنها، وإذا مالت فارقها، وإذا دنت للمغيب قارنها، وإذا غربت فارقها، فلا تصلوا في هذه الأوقات) كذا في (المبسوط).

стр. 494

قرن الشيء قوته، أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له وقوة الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها فيها، والتثنية للمبالغة، ولا يقال: لما كان تسويل الشيطان في هذه الأوقات لعبدة الشمس كان ينبغي أن يباح الصلاة في هذه الأوقات بل أن يستحب رغمًا للشيطان وردًا لتزيينه؛ لأنا نقول: النسبة إلى الشيطان كافية في إيراث الكراهة كما في ظرف المكان في كراهة الوقوف في بعض المواضع من بطن عرنة ووادي محسر لنسبتهما إلى الشيطان فكذلك في ظرف الزمان في

стр. 495

بعض الأوقات، وهذا لأن في بعض الطاعات لزوم رغم الشيطان، ولكن في بعضها ورد الحديث بالنهي عن الطاعة في ذلك الزمان أو المكان، فعلينا الانقياد أو التسليم غلي موجب ما ورد به الحديث. (وهو سببها، فصارت الصلاة ناقصة لا فاسدة). وقوله: وهو سببها كأنه جواب إشكال يرد على قوله "وهو ظرفها لا معيارها"؛ بأن يقال: لما كان الفساد وصف للصلاة من حيث الوقت، جب ألا تنتقص الصلاة بذلك كالصلاة في الأرض المغصوبة حيث يتأدى فيها الكامل وإن ورد النهي عنها أيضًا، لما أن ذلك ظرف مكان وهذا ظرف زمان فيستويان في الظرفية فيجب أن يستويا في عدم إيراث النقصان. فأجاب عنه وقال: نعم كذلك، إلا أن الوقت سبب للصلاة وقد اتصف السبب بالنقصان فظهر ذلك في المسبب، وهو الصلاة إذ الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب، فلذلك لا يتأدى به الكامل بخلاف ظرف المكان، فإنه لا سببية فيه، فلم يورث النقصان فتأدى به بالكامل. وقوله: لا فاسدة "نتيجة لقوله: لا معيارها" يعني لما لم يكن الوقت معيارًا للصلاة كان الفساد المتمكن في الوقت اقل اتصالًا بالصلاة بالنسبة إلى الصوم، فإن الوقت في الصلاة معيار له، والمعيار مستغرق لجميع ما يودي فيه، فكان القبح الثابت في المعيار أكثر اتصالًا بالمؤدي، فكثر تأثيره في
следующие страницы →