Полный текст (2 351 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
كذا علل له في "المبسوط".
(ولا يسلب المالكية). ألا ترى أنها إذا وطئت بالشبهة يلزم العقر على الواطئ للمرأة لا للزوج. لم قلنا إن الملك بالنكاح ضروري ليس بأصلي فلا يظهر في حق العقر، فالطلاق لا يسقط إلا ما أثبته النكاح وهو القيد عن التزوج، والحبس عند التزوج بالملك الذي له عليها، فكان حاجتها إلى رفع المانع، وذلك يكون بالطلاق كما يكون برفع القيد عن الأسير؛ لأن المرأة بعد النكاح حرة محبوسة عن التزوج، وبالفرقة يزول المانع من الانطلاق.
(وأما الإعتاق فإحداث القوة) في الذات؛ لأنه لم يبق في الرقيق صفة المالكية، وبالعتق يحدث له صفة المالكية، ولا مشابهة بين إحداث القوة وبين إزالة المانع، وقوله: وأما الإعتاق فإثبات القوة".
فإن قلت: هذا إنما يستقيم على قولهما؛ لأن عندهما الإعتاق إثبات
стр. 667
العتق وهو القوة.
وأما عند أبي حنيفة- ﵁ فعبارة عن إزالة الملك، فكان على هذا بين الطلاق والعتاق مناسبة من حيث إن كل واحد منهما موضوع لإزالة الملك، فينبغي أن تجوز الاستعارة من الجانبين على مذهبه.
قلت: في الطلاق إزالة محضة من غير شائبة إثبات القوة لا من حيث الوضع ولا من حيث الشرع.
وأما العتاق، فإزالة الملك مع دلالته على إثبات القوة نظرا إلى موضوع اللغة، ونظرا إلى حكمه من حصول ولايته على نفسه وصلاحيته للولاية على غيره؛ من القضاء والشهادة والإرث ووجوه التصرف من تملك المال وتمليكه ونفاذ وصيته وإعتاقه وغير ذلك، فكان بين الإزالتين تفاوت فاحش، فلا تصح الاستعارة لفحش التفاوت بينهما.
قوله: (قيل له: وقد قال بعض مشايخنا: إن البيع لا ينعقد بلفظ الإجارة، والإجارة تنعقد به)، وفي هذا منع لقوله: أليس لا يصح أن
стр. 668
يستعار البيع للإجارة؟ فإنه قد استعير عند بعضهم عند إضافة البيع إلى الحر على ما ذكر في الكتاب يعني بل يصح.
وقد ذكر شمس الأئمة- ﵀ جواز استعارة لفظ البيع للإجارة عند إضافة لفظ البيع إلى نفس الحر مطلقا من غير تقييد بذكر بعض المشايخ.
وأما عند إضافة البيع إلى العبد، فإنما لم تصح الإجارة به، لانعدام المحل لا لانعدام الصلاحية للاستعارة، وهذا لأن لفظ البيع إذا أضيف إلى العبد فلا يخلو إما أن أضيف إلى منافع العبد أو إلى رقبته، ولو أضيف إلى منافع العبد لا يصح؛ لأن المنافع معدومة في الحال وهي ليست بصالحة حال عدمها لا للبيع ولا للإجارة.
ألا ترى أنه لو أضاف إليها صريح لفظ المستعار له وهو لفظ الإجارة بأن قال: آجرتك منافع هذا العبد لا يصح، فكذا ما يقوم مقامه وهو لفظ البيع.
وأما إذا أضيف لفظ البيع إلى عين العبد فلا تصح الإجارة أيضا؛ لأن المحل صالح لحقيقة اللفظ، والحقيقة حقيق بأن تراد؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل، فلما وجب العمل بحقيقة اللفظ لتقدمها سقط المجاز فلم تصح الإجارة، حتى إنه لو قال: بعت منافع عبدي هذا شهرا بعشرة دراهم كانت إجارة صحيحة بلفظ البيع، وإن أضيف لفظ البيع إلى منافع العبد لقيام القرينة الدالة على إرادة المجاز. هكذا ذكر في "التقويم".
стр. 669
وقوله: (وذلك يتصور في الحر) أي انعقاد الإجارة بلفظ البيع إنما يتصور في الحر لا في العبد؛ لأن في العيد يصير بيعا لا إجارة.
(لا تصلح محلا للإضافة) أي لعقد الإجارة.
(فكذلك ما يستعار لها) أي فكذلك لفظ البيع الذي استعير للإجارة
(ولكن العين أقيمت مقامها) أي عين الدار أقيمت مقام منافعها (في حق الإضافة في الأصل) أي في حق عقد الإجارة في إثبات الإجارة.
(فكذلك فيما يستعار لها) أي فكذلك في لفظ البيع الذي يستعار للإجارة يعني لما أقيمت العين مقام المنفعة في حق عقد الإجارة عند إضافة لفظ الإجارة إلى العين أقيمت العين أيضا في حق المستعار للإجارة، وهو لفظ البيع الذي أريد به الإجارة مجازا مقام المنفعة، ولكن إنما يكون ذلك إذا أضيف لفظ البيع إلى الحر مع ذكر المدة كما في قول الحر: بعت نفسي منك شهرا.
وأما إذا أضيف لفظ البيع إلى منافع العين وأريد الإجارة فلا يكون للإجارة، كما لو أضيف صريح لفظ الإجارة إلى منافع العين بأن قيل: أجرتك منافع هذه الدار لا يجوز، فكذلك فيما استعير لها وهو لفظ البيع إذا أضيف
стр. 670
إلى منافع العين لا يجوز سوى ما ذكرنا من رواية "التقويم" أن فيه يجوز أيضا عند قيام الدلالة على إردة المجاز.
(وصار هذا كالبيع للنكاح) وكلمة هذا إشارة إلى لفظ البيع إذا أضيف إلى منافع الدار.
وقوله: يستعار للنكاح (في غير محله) أي في غير محل النكاح (وهي المحرم من النساء) أي المحرم من النساء كما هي ليست بمحل لحقيقة لفظ النكاح، فكذلك أيضا ليست هي بمحل للفظ المستعار للنكاح وهو لفظ البيع الذي أريد به النكاح، فكان هذا عين نظير لفظ البيع الذي أريد به الإجارة إذا أضيف إلى منافع العين، فإن هناك لا تصح الإجارة لإضافته إلى المحل الذي لو أضيف إليه حقيقة لفظ الإجارة لا يصح، فكذا إذا أضيف إليه اللفظ المستعار للإجارة، فكذا هنا لما لم يصح النكاح بحقيقة لفظ النكاح إذا أضيف إلى المحرم من النساء، فكذا لا يصح النكاح باللفظ المستعار للنكاح إذا أضيف إلى المحرم من النساء؛ وهذا لأن المستعار لا يكون أقوى حالا من الحقيقة، فلما لم يصح النكاح بصريح لفظ النكاح الذي هو حقيقة في هذا المحل لم يصح هو أيضا باللفظ المستعار للفظ النكاح، وهو لفظ البيع إذا أضيف إلى هذا المحل
стр. 671
فعلم بهذا كله أن عدم جواز استعارة البيع للإجارة فيما لا يجوز لا باعتبار أن الاستعارة في نفسها لا تجوز بينهما، بل باعتبار أن اللفظ المستعار لم يضف إلى محله، حتى إذا أضيف إلى محله وهو عين غير قابل للبيع يجوز كما في استعمال لفظ المستعار له، وهو لفظ الإجارة إنما تنعقد إجارة إذا أضيف إلى العين لا إلى المنفعة، فكذا في اللفظ المستعار له لما أن اللفظ المستعار إنما يعمل على حسب عمل حقيقة لفظ المستعار له، فأينما يعمل فيه حقيقة لفظ المستعار له يعمل اللفظ المستعار في ذلك المحل وما لا فلا.
(ومن أحكام هذا القسم أيضا أن المجاز خلف عن الحقيقة في حق التكلم لا في حق الحكم عند أبي حنيفة) ﵁ أي التكلم بلفظ المجاز مقام التكلم بلفظ الحقيقة بأن التلفظ بلفظ الأسد عند إرادة الرجل الشجاع به مقام التلفظ بلفظ الرجل الشجاع، ثم الحكم الثابت بلفظ المجاز كالحكم الثابت بلفظ الحقيقة كما في الوكالة، فإن الحكم الثابت بالوكيل كالحكم الثابت بالموكل حتى حل للموكل وطء جارية اشتراها الوكيل لموكله كما لو باشر شراءها بنفسه، وكذلك التراب مع الماء، فإن الخلفية هناك في حق الآلة وهي: الماء والتراب، وأما حصول الطهارة فيهما بطريق الأصالة، لأن حصول الطهارة حكم لهما فلا خلفية فيه.
(وعندهما المجاز خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم)؛ لأن الحكم هو
стр. 672
المقصود، فكان اعتبار الأصالة والخلفية فيما هو المقصود أولى، وبعد هذا إجماع بينهم أن شرط الخلف انعدام الأصل في الحال على احتمال الوجود، فعند أبي حنيفة- ﵀ لما كانت الأصالة والخلفية في حق التكلم كان المنظور إليه والملتفت له تتبع صحة اللفظ وتصوره لغة من غير أن ينظر إلى صحته من حيث الشرع، فكان ذلك عنده كعمل الاستثناء، فإن الاستثناء تتبع صحته من حيث اللفظ على أن يكون عبارة عما وراء المستثنى، وإن لم يصادف أصل الكلام محلا صالحا له من حيث الحكم باعتبار أنه تصرف من المتكلم في كلامه، حتى إذا قال لامرأته: أنت طالق ألفا إلا تسعمائة تسعة وتسعين لم تقع إلى واحدة، ومعلوم أن المحل غير صالح لما صرح به، ومع ذلك كان الاستثناء صحيحا؛ لأنه تصرف من المتكلم في كلامه فهنا أيضا كذلك، وعندهما لما كان المجاز خلفا عن الحقيقة في حق إثبات الحكم كان المنظور إليه والملتفت له توهم صحة حكم الحقيقة، حتى يصير المجاز خلفا عنها في حق إثبات الحكم.
أما لو كان الحكم مستحيلا بمرة لا يمكن أن يجعل المجاز خلفا عن الحقيقة في إثبات الحكم، لأنه لا حكم للحقيقة أصلا، فكيف يصح المجاز عنه خلفا في إثبات الحكم المستحيل كما عند أبي حنيفة- ﵁ إن التكلم لما لم يصح لغة أصلا لا يصير مجازه خلفا عنه في التكلم؛ لأنه لم يصح تكلما، فكذا هنا.
ثم في قوله (لعبده وهو أكبر سنا منه: هذا ابني لا يعتق عندهما)؛ لأن حكم حقيقة كلامه ها هنا، وهو إثبات البنوة محال، والمجاز خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم، ففي كل موضع يصلح أن يكون السبب منعقدًا
стр. 673
لإيجاب الحكم الأصلي، يصلح أن يكون منعقدا لإيجاب الحكم الخلفي كما في قوله: ليمسن السماء، وفي كل موضع لم يوجد في السبب صلاحية الانعقاد للحكم الأصلي لا ينعقد موجبا للحكم الخلفي كما في اليمين الغموس، وكما في حق الحائض والنفساء أنهما لما لم تخاطبا بآية الوضوء لم تخاطبا بآية التيمم.
قال أبو حنيفة- ﵀ المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم. أي التكلم بلفظ المجاز خلف عن التكلم بلفظ الحقيقة حتى إن قوله: هذا أسد، للإنسان الشجاع مجاز عن قوله: هذا أسد في حقيقة للهيكل المخصوص.
هكذا كان تقرير أستاذي مولانا فخر الدين المايمرغي- ﵀-
стр. 674
فإن قيل: كيف يستعار قوله: هذا أسد عن قوله: هذا أسد وهما جميعا على عبارة واحدة؟
قلنا: يجوز ذلك عند قرينة دالة على المجاز بأن أشار إلى إنسان بقوله: هذا أسد، أو يقول: رأيت أسدا يرمي، ولا يبعد أن يختلف الشيء باختلاف صفته اسما وحكما.
ألا ترى إلى العصير هو حلال شربه، فإذا تخمر صار حراما، ثم إذا تخلل يصير أيضا حلالا، وتغير الأسماء والأحكام باعتبار تغير الصفات وهو في ماهيته شيء واحد وهو ماء العنب، وكذلك قوله: هذا أسد عند الاستعمال في الموضوع له حقيقة وعين هذا اللفظ عند الاستعمال في المستعار له مجاز بسبب اختلاف في محله.
واقرب من ذلك ما إذا أعطى رجل رجلا عشرة دراهم مثلا بأن يعطي مثلها للرجل المعطي غدا أو بعد غد إن ذكر لفظ البيع لا يجوز؛ لأنه ربا، وإن ذكر لفظ القرض يجوز؛ لأنه في معنى العارية، وفي كلتا الصورتين هو إعطاء الدراهم بمقابلة ما يأخذ مثل تلك الدراهم وهو شيء واحد، فيتغير الاسم والحكم بسبب شيء اقترن به، فكذلك هاهنا كان قوله: هذا ابني لعبده الذي هو أكبر سنا منه مجازا عن قوله: هذا ابني لعبده الذي هو يولد مثله لمثله، فلو قال ذلك في الذي يولد مثله لمثله كان يثبت البنوة والحرية لمصادفة حقيقة كلامه محلها، وفي الذي لا يولد مثله لمثله يثبت الحرية التي هي لازمة البنوة لقيام هذا المجاز مقاام تلك الحقيقة، وإن تخلف هذا المجاز لتلك الحقيقة في إثبات
стр. 675
البنوة للتعذر لم يتخلف في إثبات لازمته لعدم التعذر فيثبت، وهذا لأن المجاز لما كان خلفا عن الحقيقة في التكلم كان الشرط فيه أن يكون الكلام الحقيقي في نفسه مفيدا، وإفادته ها هنا بكونه مبتدأ وخبرا موضوعا للإيجاب بصيغته وقد وجد، فكان هذا الكلام عاملا في إيجاب الحكم الذي يقبله بطريق المجاز وهو الحرية، وإن تعدد العمل بحقيقة كلامه وهي إثبات البنوة؛ لأن ذلك إنما يعتبر إذا كانت الأصالة والخلفية في حق الحكم، وليس كذلك على ما قررنا؛ لأنه إن لم يتعذر كان الكلام عاملا بحقيقته، وعند التعذر بالعمل بحقيقته صير إلى مجازه؛ لأن هذا أولى من الإلغاء، فصار كأنه قال: عتق علي من حين ملكته بأن البنوة سبب لهذا، فإنه إذا ملك ابنه يعتق عليه من حين ملكه، فيجعل هذا النسب كناية عن موجبه مجازا، وتصحيح كلام العاقل واجب ما أمكن.
فإن قلت: يشكل على هذا التقرير الذي قاله أبو حنيفة- ﵁ من أنه يتبع صحة الكلام لغة وأفادته في أن يكون المجاز خلفا عن الحقيقة لا
стр. 676
استحالته من حيث الحكم، لكن إذا كان لذلك الكلام الذي استحال حكمه حكم آخر لازم غير مستحيل يثبت ذلك كما في صورة النزاع.
أما إذا قال لعبده الصبي الصغير: هذا جدي، أو لعبده هذه ابنتي، أو لأمته هذا ابني، أو قال لغلامه: أعتقتك قبل أن أخلق حيث لا يعتق من هؤلاء بهذا الكلام، وكذلك لو قال في غير هذا الباب لو قال: قطعت يد فلان وله علي الأرش، فأخرج فلان يده صحيحة لم يستوجب شيئا.
قلت: أما في مسائل الإعتاق ففيه منع، وعلى ذلك التقدير لا يحتاج إلى الفرق على قوله، وعلى تقدير التسليم إذا قال لعبده: هذه ابنتي.
قلنا: الأصل إلى المشار إليه إذا لم يكن من جنس المسمى فالعبرة للمسمى كما لو باع فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج فالبيع باطل، والذكور والإناث من بني آدم جنسان مختلفان، فإذا لم يكن المشار إليه من جنس المسمى تعلق الحكم بالمسمى وهو معدوم، ولا يمكن تصحيحه إيجابا ولا إقرارا في المعدوم، فلا يمكن أن يجعل البنت مجازا عن الابن بوجه، وكذا عكسه.
ألا ترى أنه لا يعتق وإن احتمل أن يكون ولده بأن كان يولد مثله لمثله بخلاف ما نحن فيه، فإنه إن كان يولد مثله لمثله يعتق بالاتفاق، وتثبت البنوة إن كان مجهول النسب، وفي معروف النسب تثبت لازمة البنوة وهي الحرية بطريق المجاز، وكذا قوله لعبده الصغير: هذا جدي ففيه منع وتسليم، وعلى تقدير التسليم نقول: لا موجب لهذا الكلام في ملكه إلا بواسطة الأب، وتلك الواسطة غير ثابتة وبدونها لا موجب لكلامه حتى يجعل كناية عن
стр. 677
موجبه مجازاً، وبخلاف قوله: أعتقتك قبل أن أخلق؛ لأنه لا موجب فيما صرح به- فكذا للذي يقوم مقامه لما أن الإعتاق قبل الخلق إعتاق قبل الملك، ولو أعتقه قبل أن يملكه ثم يملكه لم يلزمه العتق، فكذا هنا؛ لأنه لما لم يكن لصريحه حكم العتق لم يكن لما كنى عنه أيضا حكم العتق- وكذلك قوله: قطعت يدك؛ لأنه لا موجب للجرح بعد البرء إذا لم يبق له أثر، فلا يمكن تصحيح كلامه بأن يجعل كناية عن موجبه، فلهذا كان لغوا. هذا كله مما أشار إليه في "المبسوط" و"الأسرار".
(بخلاف الندى؛ لأنه لاستحضار المنادي) أي لو قال: يا ابني لا يعتق؛ لأن الاستعارة إنما تصح لإثبات معنى والمعنى غير مرعي في الندى؛ لأنه لاستحضار المنادي (بصورة الاسم لا يمعناه، فإذا لم يكن المعنى مقصودا لم تجب الاستعارة لتصحيح معناه)، وإنما صير إلى الاستعارة فيما سبق؛ كي لا يلغو الكلام، وها هنا الكلام صحيح من غير أن يستعار للحرية لحصول المقصود وهو استحضار المنادي، فلا ضرورة في استعارة هذا الكلام للحرية بخلاف قوله: (با حر فإنه يستوي نداؤه وخبره) لما ذكر في
стр. 678
الكتاب (أن العمل بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز)؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل؛ لأن الخلف لا يوجد مع وجود الأصل.
وحاصل هذا الأصل ما ذكره شمس الأئمة السرخسي- ﵀ بقوله:
الكلام على ضربين: حقيقة ومجاز، وأنه لا يحمل على المجاز إلا عند تعذر حمله على الحقيقة، فتمس الحاجة- لذلك- إلى معرفة الحقيقة والمجاز، والطريق في ذلك هو النظر في السبب الداعي إلى تعريف ذلك الاسم في الأسماء الموضوعة لا لمعنى، وإلى تعريف المعنى في المعنويات، فما كان أقرب في ذلك فهو أحق، وما كان أكثر إفادة فهو أولى بأن يجعل حقيقة، وذلك يكون بطريقتين: التأمل في محل الكلام، والتأمل في صيغة الكلام.
أما بيان التأمل في المحل، ففي قوله تعالى:﴾ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴿حملنا على المجامعة دون المس باليد؛ لأنه إذا حمل على المس باليد كان تكرارا لنوع حدث واحد، وإذا حمل على المجامعة كان بيانا لنوعي الحدث في التيمم، فكان هو أكثر فائدة مع أنه معطوف على ما سبق، والسابق ذكر نوعي الحدث، فإن قوله تعالى:﴾ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ ﴿أي وأنتم محدثون، ثم
стр. 679
قال: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴿، ثم قال:﴾ وإن كُنتُم مَّرْضَى ﴿إلى قوله:﴾ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴿، فبدلالة محل الكلام يتبين أن المراد الجماع دون المس باليد.
وأما بيان الدلالة من صيغة الكلام ففي قوله تعالى:﴾ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴿إنها الحيض دون الأطهار؛ لأن اللفظ إما أن كان مأخوذا من القرء الذي هو الاجتماع إلى آخره.
وقوله: (لأن القرء للحيض حقيقة وللطهر مجاز).
فإن قلت: جعل المصنف ﵀ القرء من الأسماء نظير المشترك بين الحيض والطهر في بيان المشترك ثم كيف جعل ها هنا نظير الحقيقة والمجاز حيث جعل الطهر مجازا له وبينها منافاة؛ لأن الاسم المشترك حقيقة في أنواعه؟
قلت: لا يبعد أن يسمى الشيء الواحد باسمين مختلفين.
ألا ترى أن الغائط الذي هو المطمئن من الأرض لما أطلق على الحدث جعلوه في قوله تعالى:﴾ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ ﴿في موضع مجازا وفي موضع كناية، فالمجاز باعتبار أنه أطلق في غير موضعه الأصلي لاتصال بينه وبين الحدث بطريق المجاورة، والكناية باعتبار وجود الملازمة بينهما من حيث العادة. إذ الكناسة هي ذكر اللازم وإرادة الملزوم، فكذلك ها هنا جاز أن
стр. 680
يكون القرء مشتركا بين الحيض والطهر للاستعمال فيهما على السواء، وجاز أن يكون للحيض حقيقة دون الطهر لقوة دلالته على الحيض من وجوه الاشتقاق الذي ذكر في الكتاب.
ولا شك أن ما هو أكثر دلالة على شيء بحسب الاشتقاق كان هو أحق بذلك من غيره على ما ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀.
ثم قوله: (إنه مأخوذ من الجمع) أي أن لفظ القرء مأخوذ من القرء الذي هو الجمع (وهو معنى حقيقة هذه العبارة) أي كونه للجمع حقيقة للقرء (لغة) لا للطهر؛ لأن الاجتماع صفة الدم؛ لأن الاجتماع حقيقة يوجد في قطرات الدم على وجه لا بد منه ليكون حيضا، فإنه ما لم تمتد رؤية الدم لا يكون حيضا، فكان الحمل عليها أولى من الحمل على الطهر؛ لأن الطهر زمان انقطاع الدم لا اجتماع الدم، فكان ما وضع له اللفظ موجودا في
стр. 681
الحيض، فكان هو أقرب إلى الحقيقة.
(وكذلك العقد لما ينعقد حقيقة)؛ لأن العقد شد بعض الجسم وربط بعضه بالبعض من عقد الحبل، والعقد في الكلام: اسم لربط كلام بكلام. نحو ربط لفظ اليمين بالخبر الذي فيه رجاء الصدق لإثبات حكم وهو الصدق منه أعني البر، وكذلك عقد البيع ربط الإيجاب بالقبول لإثبات حكم وهو الملك، ثم يستعار لما يكون سببا لهذا الربط وهو عزيمة القلب، فكان ذلك دون العقد الذي هو ضد الحل فيما وضع الاسم له، فحمله عليه يكون أحق، وبهذا الذي ذكرنا يبطل قول الخصم حيث يطلق لفظ عقد اليمين على اليمين الغموس الذي فيه القصد، فقال: العقد عبارة عن القصد، فإن العزيمة تسمى عقيدة.
(وكذلك النكاح للجمع في لغة العرب) يعني نحن نحمله على الوطء، والخصم يحمله على العقد، وأصل الخلاف في قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا
стр. 682
نَكَح﴾ وقلنا: موطوءة الأب على الابن حام سواء كان ذلك بالعقد أو بالزنا حملا للنكاح على الوطء لا على العقد، وعند الشافعي مزنية الأب لا تحرم على الابن حملا للنكاح على العقد، فما قلناه أحق؛ لأن الاسم في أصل الوضع لمعنى الضم والالتزام يقول: انكح الصبر أي التزمه وضمه إليك، ومعنى الضم في الوطء بتحقق حقيقة، ولهذا يسمى جماعا، ثم العقد يسمى نكاحا باعتبار أنه سبب يتوسل به إلى ذلك المضم.
فعلم به أن الوطء أحق به إلا في الموضع الذي يتعذر حمله على الوطء، فحينئذ يحمل على ما هو مجاز عنه، وهو العقد كما في قوله تعالى:﴾ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴿.
وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى، ومن تلك الأمثلة قوله تعالى: ﴿لا
стр. 683
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ﴿.
قال علماؤنا- ﵏ اللغو ما يكن خاليا عن فائدة اليمين شرعا ووضعا، فإن فائدة اليمين إظهار الصدق من الخبر، فإذا أضيف إلى خبر ليس فيه احتمال الصدق كان خاليا عن فائدة اليمين فكانوا لغوا، وقال الشافعي: اللغو ما يجري على اللسان من غير قصد، ولا خلاف في جواز إطلاق اللفظ على كل واحد منهما، ولكن ما قلناه أحق؛ لأن ما يجري من غير قصد له اسم آخر موضوع وهو الخطأ الذي هو ضد العمد، والسهو الذي هو ضد التحفظ.
فأما ما يكون خاليا عن الفائدة لمعنى في نفسه لا لحال المتكلم وهو عدم القصد، فليس له اسم موضوع سوى أنه لغو فحمله عليه أولى.
ألا ترى إلى قوله تعالى:﴾ وإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ﴿، يعني الكلام الفاحش الذي هو خال عن فائدة الكلام بطريق الحكمة دون ما يجري من غير قصد، فإن ذلك لا عتب فيه، وأصل الخلاف في هذا راجع إلى أن الغموس هل هو داخل تحت اللغو أم لا؟ فعندنا هو داخل خلافا له.
стр. 684
قوله: (ولهذا قال ألو حنيفة- ﵁ في الدعوى) إيضاح لقوله: إن العمل بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل.
(في رجل له أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة) قيد بالبطون المختلفة إذ لو كانوا في بطن واحد لا يثبت هذا الحكم، بل عند دعوى أحدهم يثبت نسب الآخرين؛ لأن الحكم في التوأمين ذلك إذ من ضرورة ثبوت أحدهما ثبوت الآخر؛ لأنهما خلق من ماء واحد. (إنه يعتق من كل واحد ثلثه)؛ لأن قول المولى: أحد هؤلاء ولدي؛ صار بمنزلة قوله: أحد هؤلاء حر؛ لأن العمل بثبوت النسب لا يمكن إذا مات قبل البيان لكونه مجهولا، فلما كان هذا بمنزلة الحقيقة لم يعتبر أبو حنيفة- ﵀ ما يصيب الأوسط والآخر من قبل أمهما؛ لأن الإصابة منة قبيل الإيجاب المضاف إليه حقيقة؛ لأنه يصيبه من نفسه بلا واسطة، وما يصيب الولد من قبل أمه بمنزلة المجاز؛ لأنه لم يرد به حقيقته، بل أريد به غيره كما في المجاز، لأن المجاز إنما يصح
стр. 685
بواسطة وهي القرينة، والاتصال بين محل المجاز وبين الحقيقة، فلم يعتبر المجاز عند الحقيقة.
وذكر في دعوى "المبسوط" أمة لها ثلاثة أولاد ولدتهم في بطون مختلفة وليس لهم نسب معروف فقال المولى في صحته: أحد هؤلاء ابني ثم مات قبل أن يبين، لم يثبت نسب واحد منهم؛ لأن المدعي نسبه مجهول، ونسب المجهول لا يمكن إثباته من أحد؛ لأنه إنما يثبت في المجهول ما يحتمل تعليقه بالشرط ليكون متعلقا بخطر البيان، والنسب لا يحتمل التعليق بالشرط، فلا يثبت في المجهول والجارية تعتق؛ لأنه أقر لها بأمية الولد، وهي معلومة، وأم الولد تعتق بموت مولاها من جميع المال، ويعتق من كل واحد من الأولاد ثلثه في قول أبي حنيفة- ﵁ لأن دعوى النسب إذا لم تعمل في إثبات النسب كانت إقرارا بالحرية، فكأنه قال: أحدهم حر، فيعتق ثلث كل واحد منهم من جميع المال، وعلى قول محمد- ﵀ يعتق من الأكبر ثلثه ومن الأوسط نصفه والأصغر كله؛ لأن الأكبر إن كان هو المقصود بالدعوى فهو حر، وإن كان المقصود هو الأصغر أو الأوسط لم يعتق الأكبر، فهو حر في حال عبد في حالين فيعتق ثلثه.
стр. 686
وأما الأوسط فإن كان هو المقصود فهو حر، وكذلك إن كان المقصود هو الأكبر؛ لأنه ولد أم الولد فيعتق بموت المولى كما تعتق أمه، وإن كان المقصود الأصغر لم يعتق الأوسط، فهو يعتق في حالين ولا يعتق في حال، وأحوال الإصابة حالة واحدة في الروايات الظاهرة بخلاف أحوال الحرمان، فلهذا يعتق نصفه.
وأما الأصغر فهو حر بيقين سواء كان المقصود هو الأوسط أو الأكبر أو هو، إلا أن أبا حنيفة- ﵁ لم يعتبر هذه الأحوال؛ لأنه مبني على ثبوت النسب، ولم يثبت النسب، ولأن جهة الحرية مختلفة وحكمه مختلف، فإنه إذا كان مقصودا بالدعوة كان حر الأصل، وإذا كان المقصود غيره كانت حريته بطريق التبعية للأم بعد موت المولى، وبين كونه مقصودا وتبعا منافاة، فلا يمكن اعتبار الجهتين جميعا.
فلهذا قال: يعتق من كل واحد منهم ثلثه، وقد روي عن أبي يوسف مثل قول محمد- رحمهما الله- إلا في حرف واحد وهو أنه قال: يعتق من الأكبر نصفه؛ لأن حاله تردد بين شيئين فقط، إما أن يكون ثابت النسب من المولى فيكون حرا كله أو لا يكون ثابت النسب منه فلا يعتق منه شيء، فلهذا قال: عتق نصفه وسعى في نصف قيمته. كذا في "المبسوط".
وقيل: إنما صار أحوال الحرمان أحوالا وأحوال الإصابة حالة واحدة؛
стр. 687
لأن عدم الشيء يجوز أن يكون لمعان شتى كما إذا قيل: إن زيدا غير مالك للنصاب؛ لأنه لم يكتسب، ولأنه لم يرث، ولأنه لم يتصدق عليه، ولأنه لم يوهب له، فيجتمع انعدام هذه الأسباب في حق عدم الملك.
وأما إذا ملك النصاب فلا بد أن يكون سبب ملك النصاب شيئا واحدا لا غير من تلك الأسباب، ومحال أن يتعدد سبب الملك عند وجود الملك، وهكذا ذكر أيضا علاء الدين- ﵀ في "زياداته" وجه الفرق بين الإصابة والحرمان.
وذكر في "الأسرار" من تعليل محمد- ﵀ في هذه المسألة.
ألا ترى أن الأم تصير أم ولد له، لو كان كناية عن قوله: أحدهم حر لما صارت الأم أم ولد له، وكذلك قيل في أمة لرجل ولدت ابنا فزوجه أمة له أخرى فولدت منه ابنا فنظر المولى إلى الابنين فقال: أحدهما ابني، ثم مات عتق نصف الأكبر وكل الأصغر، وعلى ما قاله أو حنيفة- ﵀ يجب أن يعتق نصف كل واحد منهما.
(وكذلك لو حلف لا يشرب من هذا البئر لم يقع على الكرع) فالكرع
стр. 688
والكروع: دهان بر آب نهادن بوقت آب خوردن جعله في المصادر من باب علم، وجعل في "الصحاح" من باب منع، وجعل كسر الراء فيه لغة أخرى.
وقال في "المغرب" الكرع: تناول الماء بالفم من موضعه، ومنه كره عكرمة الكرع في النهر؛ لأنه فعل البهيمة يدخل فيه أكارعه، فالكراع ما دون الكعب من الدواب وما دون الركبة من الإنسان، وجمعه أكرع وأكارع.
стр. 689
(وعلى هذه الجملة يخرج قولهم) أي على الأصل الذي ذكر وهو قوله: أن العمل بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز (أن الأم تصير أم ولد له) ولو لم يكن بطريق الحقيقة لما صارت أنه أم ولد له.
(وقال في "الجامع") أي قال في "الجامع الكبير في الباب الثالث عشر من كتاب الإقرار منه فقال: رجل له عبد ولعبده ابن وللابن ابنان في بطنين مختلفتين، فقال المولى في صحته: أحد هؤلاء ولدي، وكل واحد منهم يولد مثله لمثله، ثم مات قبل أن يبين، فإن الأول يعتق ربعه ويسعى في الباقي إلى آخره. قيد بقوله: في بطنين مختلفين"، إذ لو كانا في بطن واحد يعتق كل واحد منهما جميعا؛ لأن أحد التوأمين إذا صار ولدا لشخص أو حافدا له صار
стр. 690
الآخرُ أيضاً ولدًا أو حافدا ضرورة وإن لم يدع، فلذلك قال: في بطنين مختلفتين ليتأتى التفريع المذكور في الكتاب وهو عتق البعض من كل واحد منهم. فقلنا: يعتق من الأول ربعه ويسعى في الباقي، (ومن الثاني ثلثه ومن كل واحد من الآخرين ثلاثة أرباعه) ويسعى في ربع قيمته.
أما النسب فلا يثبت إذا مات قبل البيان؛ لأنه لو ثبت في المجهول لبقي متعلقا بالبيان، وتعليق النسب بالشرط باطل؛ لأنه إخبار عن أمر كائن، والتعليق إنما يكون في أمر معدوم، فلذلك لم يصح تعليقه.
أما وجه التقسيم فإن الأول لو كان مرادا عتق هو وعتق أولاده جميعا، فيعتق الأولاد ها هنا عند إرادة الأول باعتبار سراية أنه ملك أولاده وحافده لا لمعنى أن الأب صار حرا؛ لأن الأب لو كان حرا لا يلزم أن يكون ولده حرا، وإنما يلزم ذلك في حرية الأم، لكن بطريق أن الأول لو كان ولده لكان أولاده حفدة له وهم ملكه، فيعتقون عليه؛ لان (من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه).
стр. 691
وأما لو كان الثاني مرادا فعتق هو وولداه لما ذكرنا ولا يعتق الأول، وإن كان أحد الآخرين مرادا عتق هو ولم يعتق الأول والثاني وأحد الآخرين، فيعتق الأول في حال ولا يعتق في ثلاثة أحوال وهو ما ذكرنا، وأحوال الحرمان أحوال فعتق زبعه لذلك، والثاني يعتق في حالين ولا يعتق في حالين كما ذكرنا، وأحوال الإصابة حالة واحدة وأحوال الحرمان أحوال فيعتق في حال ولا يعتق في حالين، فيعتق ثلثه، وأحد الآخرين حر بيقين؛ لأنه حر بكل حال والآخر يعتق في ثلاثة أحوال وهي ما إذا أراد به نفسه أو أباه أو جده، ولا يعتق في حال وهو ما إذا كان المراد به أخاه، وأحوال الإصابة حالة واحدة، فيعتق حينئذ في حال ولا يعتق في حال، فاجتمع لهما عتق رقبة ونصف عتق رقبة، فيتصنف بينهما إذ ليس أحدهما أولى من الآخر فيعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه ويسعى كل منهما في الربع الآخر.
ثم قيل: هذا الذي ذكره هنا قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله-
فأما على قول أبي حنيفة- ﵁ ينبغي أن يعتق من كل واحد منهم ربعه؛ لأن من أصله أن الإقرار بالنسب إذا لم يفد إثبات النسب للجهالة ينقلب إقرارا بالعتق كما مر في المسألة الأولى وهي أن من له جارية ولها ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال: أحد هؤلاء ولدي. يعتق من كل واحد منهم ثلثه عنده، ولا يستغل باعتبار الأحوال فهذا كذلك، وإذا صار إقرارا بالحرية صار كأنه قال: احدهم حر بين أربعة نفر، فيعتق هناك ربع
стр. 692
كل واحد منهم وهنا كذلك، والأصح أنن هذا قولهم جميعا، وأبو حنيفة- ﵀ يفرق بين هذه المسألة وبين تلك المسألة التي مرت فيقول: هناك جهة الحرية مختلفة في الحكم فمنها باعتبار النسب ومنها باعتبار أمية الولد من قبل أن ابن أم الولد له حكم أم الولد وهما يختلفان؛ لأن باعتبار النسب تتجزأ الحرية في الحال فيكون مقصودا، وباعتبار أمية الولد يتأخر إلى ما بعد الموت ويكون تبعا. لأمه وبين كونه تبعا ومقصودا تضاد، فلهذا لم يعتبر الأحوال هناك.
وأما ها هنا فجهة الحرية واحدة باعتبار النسب وهذا لأنه ابنه أو ابن ابنه وهو في كل ذلك مقصود، فلهذا اعتبر الأحوال. كذا في "شرح الجامع الكبير" للإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ وغيره.
(وأما في الأكبر سنا منه فلأبي حنيفة- ﵀ طريقان). إنما قال هذا؛ لأن العتق في المسألة السابقة وهو في الأصغر سنا منه، ويلد مثله لمثله يثبت العتق فيه وفي أولاده بقوله: أحد هؤلاء ولدي"؛ لاحتمال النسب وهذا الاحتمال في الأكبر سنا منه غير ثابت حقيقة فبأي طريق قال ذلك أبو حنيفة- ﵀ فيه؟ فقال في جوابه: فأما في الأكبر سنا منه فلأبي حنيفة طريقان".
стр. 693
(أحدهما - أنه تحرير مبتدأ من قبل) أنه ذكر السبب وإرادة المسبب فيكون هذا إنشاء إعتاق، (ولهذا قلنا في رجلين ورثا عبدا فقال أحدهما: هذا ولدي يغرم لشريكه) نصف قيمته إذا كان موسرا (كما إذا أعتقه)؛ لأنه لو كان بطريق النسب لا يضمن؛ لأنه إذا ورث ابنه هو وغيره لا يضمن لشريكه.
فعلم أنه بمنزلة تحرير مبتدأ، فعلى هذا الطريق لا تصير أنه أم ولد له؛ لأن هذا إنشاء إعتاق في ولدها، وذلك لا يؤثر في صيرورة الأم أم ولد له البتة.
(وحق الأم لا يحتمل الوجود بابتداء تصرف المولى) يعني أن أمومية الولد لا يحتمل الثبوت بإنشاء تصرف فيها ففي ولدها أولى، وهذا لأن (أمومية الولد) حكم الفعل المخصوص على الخصوص والخلوص، فلا يحتمل أن تصير حكما لقول بطريق الإنشاء بأن تقول: أنشأت فيك أمومية الولد.
(والثاني) - وهو الوجه الأول في الكتاب أنه جعل (إقرارا بحرية الولد) من حين ملكه، فصار قوله: هذا ابني لأكبر سنا منه" إقرارا بعتقه من حين ملكه؛ لان ما صرح به وهو البنوة سبب لحريته من حين ملكه، وهذا الطريق هو الأصح، فقد قال في كتاب الإكراه: إذا أكره على أن يقول لعبده هذا ابني فأقدم عليه لا يعتق عبده، والإطراه يمنع صحة الإقرار بالعتق لا صحة
стр. 694
إنشاء العتق.
فعلم أن الأصح ما ذكرنا، فعلى هذا الطريق تصير أنه أم ولد له؛ لأن هذا الحق يحتمل الإقرار فيثبت في حق الأم أيضا؛ لأن هذا الكلام سبب موجب هذا الحق في الأم أيضا، فإذا جعل هذا الكلام مجازا عن الإقرار بالعتق عن حكم حقيقة هذا الكلام جعل إقرارا أيضا بكون الأم أم ولد له؛ لأنه من حكم حقيقة هذا الكلام أيضا، ووجوب الضمان في مسألة كتاب الدعوى بهذا الطريق أيضا، وهو الإقرار بالحرية لا باعتبار إنشاء التحرير؛ لأنه لو قال: عتق علي من حين ملكته يضمن لشريكه، فكذلك إذا قال: هذا ابني؛ لأن موجب هذا الكلام عتقه من حين ملكه فلا ضرورة تدعونا إلى جعله تحريرا مبتدأ وهو إخبار.
وحاصله أن ما قاله أبو حنيفة- ﵀ في الأكبر سنا منه هذا ابني يحتمل أن يكون ثبوت العتق في العبد بهذا اللفظ باعتبار أن اللفظ إقرار منه بالعتق، أو بهذا اللفظ ينشيء العتق فيه ويحدثه من غير إقرار، وعلى تقدير الإقرار بكون العبد حرا يكون إقرارا أيضا بأن أمه أم ولد له، وأمومية الولد تثبت بطريق الإقرار، وهو معنى قوله: (لأنه يحتمل الإقرار) أي لأن كونها أم ولد يحتمل الإقرار، ولكن لا تثبت أمومية الولد بطريق الإنشاء، وهو معنى قوله: (وحق الأم لا يحتمل الوجود بابتداء تصرف المولى) وقوله:
стр. 695
بابتداء تصرف المولى "احتراز عن تصرف المولى في أمومية الولد بطريق الإقرار وهو صحيح؛ لأن ذلك ليس بتصرف في أمومية الولد ابتداء، بل هو إخبار عن كونها أم الولد وهو صحيح، فتثبت به أمومية الولد.
(وقد تتعذر الحقيقة والمجاز معا إذا كان الحكم ممتنعا)؛ لأن الحكم إذا كان ممتنعا بحقيقة اللفظ كان ممتنعا أيضا بالاستعارة عنها كما قلنا ذلك في المحرم من النساء، فإن النكاح فيها كما لا يثبت بحقيقة لفظ النكاح فكذلك لا يثبت باللفظ المستعار عنها، وهو لفظ البيع أو لفظ الهبة، ثم جعل النكاح ها هنا مستعارا عنه مع أنه مستعار له في الحقيقة، كان كجعل وضع القدم مستعارا عن الدخول في قوله: "قلنا وضع القدم صار مجازا عن الدخول"، مع أن الدخول مستعار له لوضع القدم لما أن وضع القدم في الدار سبب للدخول فيها، كذلك البيع أو الهبة سبب لملك المتعة الذي هو موجب النكاح، فكان في كل منهما ذكر السبب وإرادة المسبب وهو جائز.
وقوله: (إذا استحال حكمه) وهو الحرية (ومعناه) وهو ثبوت النسب.
стр. 696
وقيل: "حكمه" أي حكم الحقيقة وهو البنتية ها هنا، وحكمه" أي حكم المجاز وهو الحرية لا يثبت ها هنا واحد منهما، وكذلك قلنا أيضا بعدم جواز الإجارة بحقيقة لفظ الإجارة إذا أضيفت إلى المنافع، نقول أيضا بعدم جواز الإجارة باللفظ المستعار عنها كلفظ البيع إذا أضيف إلى المنافع، لم يثبت الحقيقة ولا المجاز؛ لعدم إضافة اللفظ إلى محلهما، وهذا لأن الاستعارة لإثبات حكم الحقيقة في محل المجاز ليعمل عمله في محل الحقيقة كما قلنا في القياس لإثبات حكم النص في الفرع، فإذا كان الحكم ممتنعا بالحقيقة لم تصح الاستعارة؛ لأن مثال المجاز من الحقيقة مثال القياس من النص، ومن شرط صحة القياس ثبوت الحكم في المنصوص عليه على وجه لا يتغير عند القياس، فإذا تغير حكم النص بالقياس بطل القياس، فكذلك ها هنا إذا تعذر حكم الحقيقة بالمجاز بطلت الاستعارة، وهو معنى قوله: (لأن التحريم الثابت بهذا الكلام لو صح معناه مناف للملك فلم يصح حقا من حقوق الملك) وقوله: مناف للملك" أي لملك النكاح أي الحرمة الثابتة بهذا الكلام لم تصلح حقا من حقوق الملك، وهذا لأن حكم الحقيقة انتفاء المحلية والحرمة المؤبدة، فكان منافيا وجود النكاح فلم يصلح أن يستعار هذا؛ لأنه لو استعير تغير حكم الحقيقة؛ لأن الحرمة الثابتة بتفريق الزوج تعتمد صحة النكاح ووجوده، والحرمة الثابتة لحكم الحقيقة منافية للنكاح، فيستحيل أن تثبت مرتبة على صحة النكاح، فتغير حكم الحقيقة، بطلت الاستعارة وبطلت الحقيقة أيضا فلغا كلاهما.
стр. 697
فإن قلت: إذا لم يثبت موجب حقيقة كلامه وهو البنتية باعتبار تكذيب القاضي فلم لم يثبت لازمة تلك الحقيقة وهي الحرمة المؤبدة كما ثبت ذلك في قوله: وهو أكبر سنا منه عند أبي حنيفة- ﵁ فإنه لما لم يثبت موجب حقيقة كلامه وهو النسب ثبت لازمه وهو الحرية، وكما قالوا جميعا في الأصغر سنا منه إذا اشتهر نسبه من الغير، وقال له: هذا ابني، يعتق بالاتفاق ولم يثبت نسبه باعتبار اشتهار نسبه من الغير ويثبت لازمه وهو الحرية؟
قلت: لا وجه لذلك هاهنا؛ لأن في حكم الحرمة ها هنا بهذا الطريق إقرارا بها على المرأة لا على نفسه؛ لأن ملك الحل واقع عليها، ولو أثبتنا لازم حكم الإقرار ها هنا كان هو واقعا عليها؛ لأن العين هي التي يتصف بالحرمة، وهو مكذب شرعا في إقراره على غيره، وهذا لأن المرأة حرة مالكة على نفسها، فلم يصح إقرار الغير عليها بخلاف العبد، فإنه ليس بمستبد بنفسه وهو في حق الملك بمنزلة سائر الجمادات المملوكة، والإقرار ببطلان الملك فيها إقرار على نفسه فصح، ولأن الفرقة الصادرة من جانب الزوج إنما تثبت شرعا بالطلاق أو بالمستعار عن الطلاق الذي يعمل عمل الطلاق، والطلاق يستدعي سابقة النكاح، والبنتية مانعة للنكاح فكيف تكون البنتية موجبة للذي هو يثبت بالنكاح، وهو الفرقة الصادرة من جانب الزوج شرع بناء على صحة النكاح؟ يوضحه أن المجاز يقرر حكم الحقيقة فيما هو فيه، وحكم الحقيقة ها هنا انتفاء المحلية والحرمة المصمتة الباتة التي لا تنكشف أصلا، ومثل هذه الحرمة لا تثبت
стр. 698
في محل المجاز لو كان هو مجازا عن الطلاق، ولو كان هو مجازا عن الطلاق مع ذلك كان فيه تغيير حكم الحقيقة في المجاز، والمجاز وضع للتغير في اللفظ لا في الحكم. بخلاف قوله: هذا ابني، فإنه يعمل مثل عمله في محل حقيقته؛ لأن عمله في الحقيقة عتقه من حين ملكه لا انتفاء الملك من الأصل، فكذا يعمل في محل المجاز بالعتق من حين ملكه، فاتحد الحكم ولم يتغير، فلذلك صح ولم يلغ، وقوله: فإن الحرمة لا تقع به أبدا عندنا" غير أنه إذا دام على هذا اللفظ إنما يفرق القاضي بينهما لا باعتبار أن هذا اللفظ يوجب الحرمة، فإنه لو كان يوجب الحرمة لكان لا يشترط الدوام كما في الرضاع وغيره من المحرمات، لكنه لما دام على ذلك ولا يقربها وصار ظالما في حقها وصارت هي كالمعلقة لا ذات بعل ولا مطلقة. فرق بينهما دفعا للظلم، ولأن الإمساك بالمعروف لما فات، تعين التسريح بالإحسان.
فلم تصلح حقا من حقوق الملك" أي لم تصلح الحرمة الثابتة بهذا الكلام الصادر من الزوج حقا من حقوق ملك النكاح كالطلاق، فلو جعل هذا الكلام مجازا عن الطلاق لصار حقا من حقوق ملك النكاح. لما أن الطلاق يملك بالنكاح، فكذا مجازه (وهو التجريم في الفصلين متعذر) أي الحرمة الثابتة بطريق المجاز عن الطلاق متعذر في فصل معروفة النسب التي يولد مثلها لمثله وفي فصل المرأة التي هي أكبر سنا منه.
(لأن الرجوع عنه صحيح) أي الرجوع عن الإقرار بالنسب صحيح.
стр. 699
والدليل على صحته ما أشار إليه في الفرائض بقوله: ثم المقر له بالنسب على الغير إذا مات المقر على إقراراه ففي تقييده بقوله: "إذا مات المفر على إقراره" دليل على أنه إذا رجع عن إقراره بالنسب يصح رجوعه، ثم لما صح رجوعه عن إقراره بالنسب في قوله لامرأته: هذه بنتي، وهي معروفة النسب عن الغير عند تكذيب القاضي إياه، لم يبق الإقرار ولم تثبت به الحرمة في محل المجاز؛ لأنه لا إقرار، إذ لو ثبتت الحرمة كانت ثابتة بناء على إقراره ولم يبق الإقرار بالرجوع عنه فيما يحتمل الرجوع عنه، فكذلك ما بني عليه وهو الحرمة لما أن هذا الإقرار بالنسب لم يصلح أن يقوم مقام الإقرار بالطلاق؛ لأنه لا يصلح أن يكون حقا من حقوق ملك النكاح لما بينا.
وأما في قوله: هذا ابني" وإن كان مكذبا حقيقة إذا كان العبد أكبر سنا منه أو شرعا فيما إذا كان صغيرا ونسبه مشهور من الغير، فهو قائم مقام قوله: "عتق علي من حين ملكته" فكان هذا إقرارا منه بالعتق، والرجوع عن العتق لا يصح، وإن كان يصح رجوعه من الإقرار بالنسب.
(وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- العمل بعموم المجاز أولى).
والدليل على جواز العمل بعموم المجاز ما ذكره في "الكشاف" في سورة
стр. 700
النحل في قوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ﴿الآية. سأل نفسه بقوله: إن سجود المكلفين على خلاف سجود غيرهم، فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟
ثم قال: قلت المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم انقياده لإرادة الله تعالى، وأنها غير ممتنعة وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا، فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد، وهذا التخريج يؤيد صحة القول بعموم المجاز في القرينة.
(وعندهما يقع على شرب ماء يجاور الفرات)، فلذلك يحنث عندهما إذا شرب من الفرات بالكرع أو بالاغتراف بالإناء أو بيده؛ عملاً بعموم
стр. 701
المجاز كما في قوله: لا يضع قدمه في دار فلان. كذا في "شروح الجامع".
(وذلك لا ينقطع بالأواني؛ لأنها دون النهر في الإمساك) أي لأن الأواني دون النهر في الإمساك، فلما كان كذلك من اغترف بالأواني من الفرات فشرب منها كان حانث عندهما.
وأما إذا شرب من نهر منشبعة من الفرات فلا يحنث؛ لأن ماء الفرات ينقطع من الفرات بالنهر دون الأواني، وفي "نظم الجامع".
ولم يحنث بشرب من سري ... وذلك كان ينشعب الفراتا
وهذا لأن ماء الفرات إذا جرى في نهر آخر يضاف فعل الشرب إلى ذلك النهر؛ لأن الشرب من الفرات إنما يكون إذا كان الفرات ظرفا للماء الجاري، وهذا الماء جار في نهر لا يسمى فراتا، وإنما قيد في صورة المسألة بقوله: إذا حلف لا يشرب من الفرات"؛ لأنه إذا حلف لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من نهر يأخذ الماء من الفرات كرعا أو في إناء، حنث في يمينه في قولهم جميعا؛ لأنه عقد يمينه ها هنا على ماء الفرات، وهذا الماء ماء الفرات وإن تحول إلى نهر آخر بخلاف الأول، فإنه هناك عقد اليمين على المحل وهو الفرات، والله أعلم.
стр. 702
باب جملة ما تترك به الحقيقة
لما ذكر الحقيقة والمجاز، والحال أن الحقيقة قد تترك في مواضع مع أصالتها في الكلام- لم يكن بد من ذكر المعاني الموجبة للترك، فذكرها في هذا الباب.
(وهي خمسة) فوجه الحصر على هذه الخمسة هو: أن الموجب إما أن يكون أمرا عاما أو خاصا، فإن كان عاما فهو دلالة الاستعمال والعادة، وإن كان خاصا فلا يخلو إما أن كان في المفرد أو في المركب، فإن كان في المفرد فهو دلالة اللفظ في نفسه، وإن كان في المركب فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى الكلام أم لا، فإن كان فهو دلالة سياق النظم، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى المتكلم أو إلى غيره، فالأول هو دلالة ترجع إلى المتكلم، والثاني هو دلالة في محل الكلام.
قوله: (وهو خمسة) أي ما تترك به من الدلائل التي تدل على ترك الحقيقة خمسة أنواع، ثم الفرق بين الاستعمال والعادة، أن العادة: هي مشتقة من العود، فتدل هي على التكرار في الفعل بخلاف الاستعمال فإنه
стр. 703
لا يدل على التكرار في الفعل.
(وكذلك نظائرها من العمرة)، فإن العمرة في اللغة: عبارة عن الزيارة يقال: اعتمر فلان فلانا إذا زاره، وفي الشرع: عبارة عن زيارة مخصوصة، وهي زيارة البيت والسعي بين الصفا والمروة مع الإحرام.
وقوله: (أو المشي إلى بيت الله) فإنه لو قال: علي المشي إلى بيت الله؛ في القياس لم يلزمه شيء؛ لأنه إنما يجب بالنذر ما يكون من جنسه إيجاب شرعا، والمشي إلى بيت الله ليس بواجب شرع، ولأنه لا يلزمه عين
стр. 704
ما التزم وهو المشي، فلأن لا يلزمه شيء آخر- وهو الحج أو العمرة- أولى، وفي الاستحسان يلزمه حجة أو عمرة. هكذا روي عن علي- ﵁ ولأن في عرف الناس يذكر هذا اللفظ بمعنى التزام الحج أو العمرة، وفي النذور والإيمان يعتبر العرف، فجعلنا هذا عبارة عن التزام حجة أو عمرة مجازا وهو مخير بينهما؛ لأنهما النسكان المتعلقان بالبيت لا يتوسل إلى أدائهما إلا بالإحرام وبالذهاب إلى ذلك الموضع، ثم يتخير إن شاء مشى وإن شاء ركب وأراق دما.
(أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة،) فضرب الثوب على حطيم الكعبة في العرف عبارة عن إهداء الثوب إلى مكة.
قال الإمام شمس الأئمة ﵀. لو قال: لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة- يلزمه التصدق بالثوب للاستعمال عرفا، واللفظ حقيقة لغير ذلك، ومثاله كثير.
ومن ذلك المثال ما لو قال: لله علي أن أذبح الهدي في الحرم يجب عليه ذبح الهدي بالحرم.
ومن ذلك أيضا ما لو قال: أن أنحر ولدي أو أذبح ولدي أو أضحي
стр. 705
بولدي - يلزمه ذبح شاة في قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- استحسانا.
وقوله: (علي حسب ما اختلفوا)، فإن عند أبي حنيفة ﵀ في قول الحالف لا يشتري رأسا يقع على رأس البقر والغنم، وعندهما يقع على رأس الغنم خاصة.
(وكل عام سقط بعضه كان شبيها بالمجاز) هذا جواب إشكال يرد على قوله: وقالوا فيمن لا يأكل رأسا: "إنه يقع على المتعارف".
следующие страницы →