← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المجاز كما في قوله: لا يضع قدمه في دار فلان. كذا في "شروح الجامع". (وذلك لا ينقطع بالأواني؛ لأنها دون النهر في الإمساك) أي لأن الأواني دون النهر في الإمساك، فلما كان كذلك من اغترف بالأواني من الفرات فشرب منها كان حانث عندهما. وأما إذا شرب من نهر منشبعة من الفرات فلا يحنث؛ لأن ماء الفرات ينقطع من الفرات بالنهر دون الأواني، وفي "نظم الجامع". ولم يحنث بشرب من سري ... وذلك كان ينشعب الفراتا وهذا لأن ماء الفرات إذا جرى في نهر آخر يضاف فعل الشرب إلى ذلك النهر؛ لأن الشرب من الفرات إنما يكون إذا كان الفرات ظرفا للماء الجاري، وهذا الماء جار في نهر لا يسمى فراتا، وإنما قيد في صورة المسألة بقوله: إذا حلف لا يشرب من الفرات"؛ لأنه إذا حلف لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من نهر يأخذ الماء من الفرات كرعا أو في إناء، حنث في يمينه في قولهم جميعا؛ لأنه عقد يمينه ها هنا على ماء الفرات، وهذا الماء ماء الفرات وإن تحول إلى نهر آخر بخلاف الأول، فإنه هناك عقد اليمين على المحل وهو الفرات، والله أعلم.

стр. 702

باب جملة ما تترك به الحقيقة لما ذكر الحقيقة والمجاز، والحال أن الحقيقة قد تترك في مواضع مع أصالتها في الكلام- لم يكن بد من ذكر المعاني الموجبة للترك، فذكرها في هذا الباب. (وهي خمسة) فوجه الحصر على هذه الخمسة هو: أن الموجب إما أن يكون أمرا عاما أو خاصا، فإن كان عاما فهو دلالة الاستعمال والعادة، وإن كان خاصا فلا يخلو إما أن كان في المفرد أو في المركب، فإن كان في المفرد فهو دلالة اللفظ في نفسه، وإن كان في المركب فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى الكلام أم لا، فإن كان فهو دلالة سياق النظم، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى المتكلم أو إلى غيره، فالأول هو دلالة ترجع إلى المتكلم، والثاني هو دلالة في محل الكلام. قوله: (وهو خمسة) أي ما تترك به من الدلائل التي تدل على ترك الحقيقة خمسة أنواع، ثم الفرق بين الاستعمال والعادة، أن العادة: هي مشتقة من العود، فتدل هي على التكرار في الفعل بخلاف الاستعمال فإنه

стр. 703

لا يدل على التكرار في الفعل. (وكذلك نظائرها من العمرة)، فإن العمرة في اللغة: عبارة عن الزيارة يقال: اعتمر فلان فلانا إذا زاره، وفي الشرع: عبارة عن زيارة مخصوصة، وهي زيارة البيت والسعي بين الصفا والمروة مع الإحرام. وقوله: (أو المشي إلى بيت الله) فإنه لو قال: علي المشي إلى بيت الله؛ في القياس لم يلزمه شيء؛ لأنه إنما يجب بالنذر ما يكون من جنسه إيجاب شرعا، والمشي إلى بيت الله ليس بواجب شرع، ولأنه لا يلزمه عين

стр. 704

ما التزم وهو المشي، فلأن لا يلزمه شيء آخر- وهو الحج أو العمرة- أولى، وفي الاستحسان يلزمه حجة أو عمرة. هكذا روي عن علي- ﵁ ولأن في عرف الناس يذكر هذا اللفظ بمعنى التزام الحج أو العمرة، وفي النذور والإيمان يعتبر العرف، فجعلنا هذا عبارة عن التزام حجة أو عمرة مجازا وهو مخير بينهما؛ لأنهما النسكان المتعلقان بالبيت لا يتوسل إلى أدائهما إلا بالإحرام وبالذهاب إلى ذلك الموضع، ثم يتخير إن شاء مشى وإن شاء ركب وأراق دما. (أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة،) فضرب الثوب على حطيم الكعبة في العرف عبارة عن إهداء الثوب إلى مكة. قال الإمام شمس الأئمة ﵀. لو قال: لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة- يلزمه التصدق بالثوب للاستعمال عرفا، واللفظ حقيقة لغير ذلك، ومثاله كثير. ومن ذلك المثال ما لو قال: لله علي أن أذبح الهدي في الحرم يجب عليه ذبح الهدي بالحرم. ومن ذلك أيضا ما لو قال: أن أنحر ولدي أو أذبح ولدي أو أضحي

стр. 705

بولدي - يلزمه ذبح شاة في قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- استحسانا. وقوله: (علي حسب ما اختلفوا)، فإن عند أبي حنيفة ﵀ في قول الحالف لا يشتري رأسا يقع على رأس البقر والغنم، وعندهما يقع على رأس الغنم خاصة. (وكل عام سقط بعضه كان شبيها بالمجاز) هذا جواب إشكال يرد على قوله: وقالوا فيمن لا يأكل رأسا: "إنه يقع على المتعارف".

стр. 706

وكذلك في قوله: لا يأكل بيضا أنه يختص ببيض الإوز والدجاج إلى آخره، فإنه لما أورد هذه الأشياء مثالا للكلام الذي ترك حقيقته بدلالة الاستعمال والعادة. قيل له: كيف يكون هذا الذي ذكرته من قبيل ترك الحقيقة في الكلام، فإن حقيقته مرادة، فإن رأس الغنم مثلا رأس حقيقة، فإنه يحنث بأكله في يمينه: لا يأكل رأسا بالاتفاق، وكذلك بيض الإوز والدجاج بيض حقيقة، وقد أراد هو في يمينه لا يأكل بيضا، فكيف يكون هذه الصور من قبيل ترك الحقيقة؟ فأجاب عنه بهذا وقال: نعم كذلك. إلا أن هذا يشبه المجاز من حيث إن حقيقة العموم هي أن يراد عمومه فلما لم يجر العموم على عمومه تركت حقيقته وكان مجازا، ولما أريد بعض تلك الحقيقة كان حقيقة، فلذلك قلنا: هو حقيقة تشبه المجاز، فحقيقة من حيث إنه أريد به بعض ما تكلم في موضعه الأصلي، ومجاز من حيث أنه تركت حقيقة العموم؛ إذ إجراء العام على عمومه حقيقة. (وهو لحم في الحقيقة)، ولهذا لا يصح نفي اللحمية عن لحم السمك؛ لأن اللحم يتكامل بالدم؛ لأن ما يشتق من اللحم يدل على القوة والشدة،

стр. 707

ومنه قولهم: التحمت الحرب إذا اشتدت، والملحمة الوقعة العظيمة بالفتنة وفيها شدة وإظهار قوة، وإنما تحصل القوة للحم من الدم ولما كان كذلك لم يكن لحم السمك لحما كاملا؛ لأنه لا دم له. (فخرج عن مطلقه) أي عن مطلق اللحم، بدلالة اللفظ أي لفظ اللحم وهو ما ذكرنا. (وكذلك قول الرجل: كل مملوك لي حر لا يتناول المكاتب)؛ لأن المكاتب قاصر في المملوكية؛ لأنه غير مملوك يدا وإن كان مملوكا ذاتا، فلذلك لم يتناوله مطلق اللفظ حتى لو نوى دخل. وكذلك قوله: (امرأته طالق لم يتناول المبتوتة)، لقصور معنى اللفظ؛ لأن النكاح لم يبق لكنه بقي بعض أحكامه، فصار قاصرا فلم يتناوله مطلق اللفظ حتى لو نوى دخلت هي أيضا. (وللمخصوص شبه بالمجاز)؛ لأن الحقيقة في العام أن يجري على عمومه

стр. 708

وكونه مخصوصا مجاز له؛ لأن العام لا يكون مخصوصا إلا بدلالة دلت عليه. (ومن هذا القسم ما ينعكس) يعني في الفصل الأول اللفظ كامل لا يقع على الناقص وههنا عكس ذلك، فإن اللفظ ناقص لا يقع على الكامل كالفاكهة هي اسم للتابع فلا تتناول ما هو أصل من وجه وهو الأشياء الثلاثة وهي: الرطب والرمان والعنب. (وإذا كان كذلك كان فيها) أي في هذه الأشياء الثلاثة. (والاسم ناقص) أي اسم الفاكهة ناقص (مقيد في المعنى) أي مقيد بنقصانه في المعنى. (وكذلك طريقه) أي طريق أبي حنيفة- ﵁ في عدم تناول

стр. 709

الأدنى للأعلى، وإنما صرف الضمير إليه؛ لأنه تقدم ذكره قبل هذا. وكذلك صرح شمس الأئمة ﵀ فقال: وكذلك لو حلف لا يأكل إداما. عند أبي حنيفة- ﵀ لا يتناول ما يتأتى أكله مقصودا؛ لأنه اسم للتابع. (كما في المسألة الأولى) أي في مسألة الفاكهة، فكان فيه رد المحلف إلى المحلف. (وحمل على الإنكار والتوبيخ مجازا) من حيث إن الأمر والتخيير ضد الإنكار والتوبيخ، فجاز ذكر أحد الضدين وإرادة الآخر لملازمة بينهما في المعاقبة، لما أن الأمر والتخيير شرع للمأمور به والذي خير فيه وفتح

стр. 710

لهما، والإنكار والتوبيخ للإذهاب له والإعدام، فكان بينهما ملازمة من حيث التضاد، أو يلزم عند ترك المأمور به ما يوجب الإنكار والتوبيخ، فكان الذي يوجب الإنكار بمنزلة موجب موجب المأمور به، فيجوز إرادته عند دلالة الدليل عليه حمل على إمكان الأمر وإقداره عليه مجازا؛ لأن الأمر الموجب يقتضي إمكان الفعل من المكلف وإقداره عليه؛ لأن تكليف ما ليس في الوسع غير مشروع، فاستعير الأمر للأقدار فيكون ذكر السبب وإرادة المسبب، والمراد بالقدرة هنا القدرة الظاهرة وهي سلامة الآلات والأسباب. فإن قلت: ما الفرق بين قوله تعالى:﴾ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ ﴿هذه صيغة أمر بالمعصية والكفر، وكذلك قوله تعالى:﴾ فَلْيَكْفُرْ ﴿صيغة أمر

стр. 711

بالكفر. فكيف جعل الأول من قبيل ترك الحقيقة بدلالة من قبل المتكلم وجعل الثاني من قبيل ترك الحقيقة بدلالة سياق النظم؟ قلت: كل ما كان ترك الحقيقة فيه من قبل المتكلم لم يذكر فيه سياق يدل على ترك الحقيقة، وكل ما كان ترك الحقيقة فيه بسياق النظم كان في سياقه لا محالة شيء مذكور يدل على ترك الحقيقة في الأول وإن اتفق هذان الموضعان في وصف واحد. ألا ترى أن من دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى حيث تركت حقيقة العموم بدلالة من قبل المتكلم لا بدلالة في السياق؛ لأنه لا سياق له. وأما في قوله: (أنت آمن ستعلم ما تلقى) "كيف ألحق به ما هو الدال في سياقه على نفي حقيقة الأمان، وكذلك في قوله:﴾ فَلْيَكْفُرْ ﴿كيف ألحق في السياق به ما يدل على ترك حقيقة الأمر وهو قوله:﴾ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ﴿وإن كان يعلم ذلك أيضا من قبل المتكلم، ولكن المنظور إليه السياق بخلاف قوله﴾ واسْتَفْزِزْ ﴿لأنه ليس في السياق دليل على ترك حقيقة الأمر بل الدليل فيه من قبل المتكلم. (فحلف لا يتغدى أنه يتعلق به) حتى إنه بعد الحلف لو رجع إلى بيته

стр. 712

وتغدى لم يحنث، لأن المتكلم دعاه إلى الغداء الذي بين يديه، وقد أخرج المجيب كلامه مخرج الجواب، ولما تقيد الخطاب بالمعلوم من إرادة المتكلم يتقيد الجواب به أيضا. فحاصله أن المخرج عنا عن العموم صفة كونه مجيبا؛ إذ الجواب يقتضي إعادة ما في السؤال يقع على الفور ولم يقدر في الكتاب وقت الفور إلى أي وقت يكون. وقال شمس الأئمة- ﵀ في "أصول الفقه": س لو قامت امرأة لتخرج فقال لها: إن خرجت فأنت طالق، فرجعت ثم خرجت بعد ذلك اليوم لم تطلق، ولم يذكر وقته في "المبسوط" بل قال: ونوع من اليمين مؤبد لفظا مؤقت معنى كيمين الفور. وفي "الهداية" إشارة إلى أن ما يقطع الفور فهو كاف وإن قل في نفي

стр. 713

العموم حيث قال: ولو أرادت المرأة الخروج فقال: إن خرجت فأنت طالق فجلست ثم خرجت لم يحنث. (ومثاله كثير) ومن ذلك المثال ما لو قالت له زوجته: إنك تغتسل في هذه الدار الليلة من الجنابة فقال: إن اغتسلت فعبدي حر، ثم اغتسل في غير تلك الليلة أو في تلك الليلة من غير الجنابة لم يحنث. ﴾ ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ ﴿حقيقة هذا الكلام لعموم نفي الاستواء بينهما من جميع الوجوه؛ لأن الفعل المستقبل يقتضي مصدرا منكرا. أما مصدرا فلأن الفعل مركب من الزمان والمصدر، فكان ذكر الفعل ذكرا للمصدر، وأما المنكر فلأنه هو الأصل، إذ المعرف إنما يكون بأحد الأشياء الخمسة على ما وصلناها في "الموصل" فكان التعريف عارضا والأصل عدم العارض، والموضع موضع النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، والعمل بعموم نفي المساواة بينهما من كل الوجوه متعذر لقيام المساواة بينهما في أشياء كثيرة من الوجود والإنسانية والرجولية والتكليف وغيرها، (فوجب الاقتصار) نفي المساواة بينهما.

стр. 714

على ما دل عليه صيغة الكلام (وهي التغاير في) عمى القلب وبصره؛ إذ صرف نفي المساواة إلى الأمر المعلوم في ذهن كل أحد غير مستحسن لعدم احتياجه إلى البيان. وكذلك في قوله تعالى:﴾ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ ﴿على هذا الطريق؛ لأن صيغة العموم إذا أضيفت إلى محل لا يقبل العموم يراد به أخص الخصوص الذي دل عليه الكلام، وهو في الفوز ها هنا وعدمه بدلالة قوله تعالى:﴾ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ ﴿. فإن قلت: على هذا التقرير الذي ذكرته كان هذا من قبيل ما تركت حقيقة الكلام بدلالة سياق النظم لا من قبيل ما تركت حقيقته بدلالة محل الكلام. قلت: لا؛ بل هذا من قبيل الكلام الذي تركت حقيقته بمحل الكلام، وهذا لأنه لما قيل:﴾ ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ ﴿علم أن هذه صيغة العموم، ولم يرد حقيقة العموم بدلالة محل الكلام؛ لأن هذا المحل لا يقبل

стр. 715

ذلك العموم؛ لأن المساواة بينهما ثابتة في وجوه كثيرة على ما ذكرنا. فعلم بموجود المساواة بينهما في وجوه كثيرة أنه لم يرد به حقيقة العموم في نفي المساواة، وإنما نشأ ذلك من محل الكلام، ثم لما انتفى إجراء العام على عمومه بدلالة محل الكلام لم يكن بد من صرفه إلى الخاص الذي دل عليه سياق النظم إن كان في سياقه عليه دلالة، وقد وجدت الدلالة على أخص الخصوص في سياق الكلام في قوله تعالى:﴾ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ ﴿، وهذا بخلاف ما إذا تركت حقيقته بدلالة سياق النظم، فإن في قوله: أنت آمن. كانت حقيقته هي ثبوت الأمان وهو ممكن الحمل على حقيقته لكن لما قرنه بقوله بعد ذلك:"ستعلم ما تلقى" تركت حقيقة الأمان بهذه الدلالة، وأما فيما نحن فيه لم يمكن العمل بحقيقة العموم قبل الرجوع إلى سياقه، فإن هذا عام عندنا حتى يقتل المسلم بالذمي، ويضمن المسلم إذا أتلف خمر الذمي أو خنزيره. (قول النبي ﵇:"إنما الأعمال بالنيات") وحقيقته متروكة، فإن العمل يوجد كثيرا بدون النية، ومعناه: اعتبار الأعمال بالنيات، وتتمة الحديث دليل عليه.

стр. 716

وكذلك قوله تعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴿فإن إعطاء المال للطاعة أو للمعصية من حيث إنه إعطاء لا يتفاوت ذلك، إنما يتفاوت من حيث النية وصار ذكر الخطأ والعمل مجازا عن حكمه وموجبه، فصار كأنه قال: حكم الأعمال، وحكم الخطأ. (وحكمه: نوعان مختلفان) على ما قرر في الكتاب. فصار مشتركا. فإن قيل: ينتقض هذا باسم الشيء فإنه يقع أيضا على السواد والبياض والحركة والسكون وفي الأعيان على الحيوان وغير الحيوان، وغير ذلك من الأسماء المختلفة والمتضادة، فهو عام ليس باسم مشترك، فيجب أن يكون الحكم كذلك وإن كان يقع على الجواز والفساد والثواب والمأثم بأن يكون عاما لا مشتركا- قلنا: لا كذلك، بل هذا- أعني الحكم- من قبيل العين للينبوع والشمس والباصرة والمولى والقرء وغيرها لا من قبيل الشيء؛ لأن الشيء إنما بتناول السواد والبياض لا باعتبار السواد والبياض بل باعتبار الموجود، فالسواد والبياض معنى وراء الشيئية لم يوضع الشيء للسواد والبياض وغيرهما باعتبار ذلك المعنى بل باعتبار معنى الوجود، فلم يكن معنى السواد

стр. 717

والبياض مقصودا في الشيئية بل المقصود هو الوجود فيها. وأما الحكم فإنه يتناول الجواز والفساد والثواب والمأثم قصدا؛ لأن هذه الأحكام شرعية مقصودة كالعين للينبوع والشمس وغيرهما، فلذلك كان الحكم مشتركا. قال الشيخ أبو المعين- ﵀ في "تبصرة الأدلة" في مسألة خلق الأفعال في جواب شبهة المعتزلة في قوله تعالى:﴾ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿وهي أنه لم يبق عاما حيث خص منها ذات الله تعالى. قال في جواب هذا: إن الشيء مشترك. وأما إذا أريد به المحدثات كان عاما؛ لأن الكل بمعنى واحد وهو معنى الوجود، وأما إذا أريد به ذات الله تعالى لم يكن بطريق العموم؛ لأن المعنى مختلف؛ لأنه شيء قديم وواجب الوجود لذاته لا يشبه شيئا من المخلوقات، فيكون الاختلاف بينه وبين خلقه أكثر اختلافا لين الينبوع والشمس والباصرة في حق العين؛ لأنها تشابه بوجوه كثيرة ومع ذلك كان اسم الشيء مشتركا في أنواعه، فاسم الشيء أولى أن لا يكون مشتركا بين الله وبين خلقه، فكانت لفظة الشيء إذا أريد بها القديم لا يجوز دخول المحدث تحتها وإذا أريد بها

стр. 718

المحدث يمتنع دخول القديم تحتها كما في الأسماء المشتركة، وعن هذا قلنا: إن الشيء ليس باسم جنس، والله تعالى- وإن أطلقت عليه لفظة الشيء - ليس من جنس العالم، ولو كانت لفظة الشيء عامة في القديم والمحدث لكانت اسم جنس لما تحتها، وكان القديم نوعا منه والمحدث نوعا آخر، فيختلفان نوعا ويستويان جنسا، والقول بإثبات المجانسة بين القدم والمحدث كفر. (ألا ترى أن الجواز والفساد يتعلق بركنه وشرطه) يعني أن الجواز يتعلق بوجود الركن، والشرط والفساد يتعلق بعدمهما، (والثواب يتعلق بصحة العزيمة) وإخلاص النية، والمأثم يتعلق بعدمهما، وإذا كان المتعلق بهما مختلفا كان المتعلق أيضا مختلفا، وإيضاح الاختلاف بينهما بوجه آخر أيضا وهو: إن الجواز والفساد حكمان دنيويان، والثواب والمأثم حكمان عقبويان، فلا تبنى أحكام الدنيا على أحكام الآخرة ولا على العكس، ولما ثبت الاختلاف بينهما لم ينتظمهما لفظ واحد لا محال. (وإذا صارا مختلفين صار الاسم بعد صيرورته مجازا مشتركا)، فحكم المشترك التوقف (حتى يقوم الدليل على أحد الوجهين)، فبعد ذلك (يصير

стр. 719

مؤولا)، وهو لم يصح حجة على الخصم أيضا كما يحتج الشافعي علينا في الوضوء غير المنوي، وكما يحتج علينا في عدم فساد الصوم في الإكراه والخطأ، فلا يصح احتجاجه لما ذكرنا. يقرره أن في فصل الإكراه والخطأ الإثم مرفوع، فلا يبقى الآخر مرادا وهو الجواز لما أن المشترك لا عموم له، فحصل من هذا أنه لا يصح الاحتجاج به على الخصم لا قبل التأويل؛ لأنه مشترك فلا يصح الاحتجاج بالمشترك، ولا بعد التأويل؛ لأن تأويله لا يكون حجة على خصمه، فلا يصح احتجاجه لما ذكرنا. (وكذلك حكم المأثم على هذا) يعني الحكم الذي هو مأثم متعلق بصحة العزيمة أي عزيمة الفساد، حتى إن من جرى على لسانه شيء من كلام الناس من غير قصده في صلاته تفسد صلاته ولا إثم عليه، فلا يصح الاحتجاج به للخصم علينا في عدم الفساد. (ومن الناس من ظن أن التحريم المضاف إلى الأعيان مثل الخمر والمحارم مجاز).

стр. 720

ذكر ذلك الناس الظانين شمس الأئمة ﵀ بأنهم العراقيون من مشايخنا، وإنما ظنوا ذلك؛ لأن التحريم تكليف والتكليف يقع في الأفعال؛ لأن التحريم والنهي واحد؛ لأن كليهما منع، والعبد إنما يكون ممنوعا عن تحصيل ما هو مقدور له لا ما هو غير مقدور له، والفعل مقدور للعبد؛ لأنه يمتنع عن الفعل ويقدم عليه وينهي عن تحصيل الفعل ويؤمر بأن يمتنع عنه، فأما العين فغير مقدور للعبد حيث لا يمكن له إيجاده ولا إعدامه بالكلية؛ بل له قدرة النقل من محل إلى محل وذلك ليس بإيجاد ولا إعدام من كل وجه، ولما كان كذلك كان معنى قوله تعالى:﴾ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴿وقوله ﵇:"حرمت الخمر لعينها"أي حرم نكاح أمهاتكم وحرم شربها، فلذلك قالوا:"كان وصف العين بالحرمة مجازا".

стр. 721

ولكنا نقول: بأن التحريم متى أضيف إلى المحل كان ذلك أمارة لزومه وتحققه، وهذا ينفي كونه مجازا لما أن اسم المجاز غير لازم لمحل المجاز، ولهذا صح نفيه. أما بيان أمارة لزومه أن العين يبقي فيبقى التحريم ما بقي العين. فأما إذا كانت الحرمة مضافة إلى الفعل، والفعل مما لا يبقى حينئذ يبقى العين مطلقا غير محرم حين انعدم الفعل أو اتصف الفعل بالحل كما في أكل مال الغير ينقلب إلى الحل بالإذن. ومن المشايخ من قال: هذه المسألة بناء على مسألة خلق الأفعال، فإن عندنا جميع الأفعال الاختيارية للحيوانات مخلوقة لله تعالى، وعند المعتزلة لا. لما أن في أفعال العباد ما هو قبيح وشر، ثم لو قلنا بأن الله تعالى يخلق الأفعال القبيحة كان نسبة القبح إلى الله تعالى وهو لا يجوز. قلنا: هذا التعليل يبطل بخلق الله تعالى الأعيان القبيحة، فإن الله تعالى خلق الأعيان القبيحة ولم يلزم من ذلك نسبة القبح إلى الله تعالى، فاضطرت المعتزلة في التفصى عن هذا النقض إلى أن يقول: لا قبح في الأعيان

стр. 722

البتة، وقد ارتكبوا هذا المحال بناء على أصولهم الفاسدة لئلا ينتقض عليهم أصولهم، وقد خرقوا فيه الإجماع لما أن العقلاء أجمعوا على تقسيم الأعيان إلى حسن وقبيح. وقال محمد ﵀ وهو موثوق به في اللغة: رجل اشترى جارية فوجدها قبيحة ولم ينكر أحد عليه لقوله: هذا وهم لم يبالوا بخرق الإجماع في هذا، فلذلك قالوا: إن التحريم إذا أضيف إلى عين يكون مجازا؛ لأن التحريم يقتضي قبح المحرم كالأمر يقتضي حسن المأمور به ولا قبح في العين عندهم، فكان التحريم مضافا إلى حقيقة الفعل الذي هو قبيح، وعندنا لما جاز أن يكون في الأعيان قبح جاز أن يكون العين محرما لكونه قبيحا؛ لأن المنع نوعان: منع الشيء عن العبد، ومنع العبد عن الشيء، فعلى الأولى كان بمنزلة النسخ، وعلى الثاني كان بمنزلة النهي؛ لأن الحكم في الأول امتناع فعل العبد بناء على كون المحل ممنوعا عنه كما قلنا في النسخ، وذلك في تحريم العين حتى لم يبق محلا للتصرف الشرعي أصلا كالخمر لم يبق محلا للشرب أصلا، وكالأم لم تبق محلا للنكاح أصلا بل كانت هي بمنزلة الصخر في حق انفعال النكاح في حقها، كما أن الصخر لا ينفعل النكاح فيه، فكذلك الأم لا ينفعل

стр. 723

نكاح الابن فيها لما أن الفعل يمتنع بناء على عدم المحل، كفعل الصوم ينعدم في الليل بناء على عدم المحل، فيكون الفعل تابعا من هذا الوجه والمحل أصلا. وأما إذا منع عن الفعل مع أن المحل لم يكن محرما لعينه كان الفعل أصلا في المنع والمحل تابعا، فمن قال بأن التحريم المضاف إلى العين مضاف إلى الفعل حقيقة فقد جعل ما هو أصل وهو العين فرعا، وما هو فرع وهو الفعل أصلا. وهو معنى قوله: (وهو غلط فاحش)، وإنما أورد هذا الكلام هنا؛ لأن الحرمة هنا على ظن ذلك البعض من الناس إنما ثبتت بدلالة محل الكلام، فلذلك امتنع ثبوت حكم العموم في قوله تعالى:﴾ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ﴿حتى جازت دباغة جلده، وكذلك في قوله تعالى:﴾ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴿لم يحرم النظر والمس، فلم يكن حراما لعين المحل، وكذلك في قوله ﵇: "حرمت الخمر لعينها" جاز اقترابها وإمساكها للتخليل، فما تركت حقيقة العموم هنا من قبل دلالة محل الكلام كان إيراده هنا أوفق. وقوله: ويصير الفعل تابعا من هذا الوجه، يعني من ضرورة تبديل المحل من الحل إلى الحرمة يتبدل الفعل أيضا من الحل إلى الحرمة، والنسخ إنما يجري

стр. 724

في حق الأفعال، فلذلك قيل قيم المحل مقام الفعل حيث جعل الفعل أصلا، ولكن إنما ينشأ اشتداد الحرمة في الفعل إذا كانت الحرمة مضافة إلى المحل، وفي بيان غلظ الحرمة كانت إضافة الحرمة إلى المحل هي الأصل، فلذلك نسب التجريم إليه ليفيد هذا البيان، وعلى قود ظن بعض الناس كانت إضافة التحريم إلى العين وإلى الفعل سواء في أن الفعل في أصله لم يكن حراما لعينه، (وهو غلظ فاحش)، والله أعلم.

стр. 725

باب حروف المعاني هذه الإضافة إضافة بمعنى اللام أي الحروف التي تأتي للمعني كالترتيب والتراخي وغير ذلك، وكان هذا احترازا عن الحروف التي ليست لها معان كالجيم، والحاء، والخاء، وغيرها، ذكر وجه المناسبة في الكتاب فإنه ما من حرف من حروف المعاني ها هنا إلا له حقيقة ومجاز، فلاق إيرادها عقيب باب الحقيقة والمجاز، ثم وجه تقديم حروف العطف على غيرها وتقديم حرف الواو من بينها على غيرها مذكور في "الوافي".

стр. 726

[الواو] (وقوله تعالى:﴾ إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴿ورود هذا النص لإثباتهما من الشعائر، فلا يتصور فيه الترتيب، وصار الترتيب واجبا بفعل النبي ﵇ لا بمقتضى الواو.

стр. 727

وترتب السجود على الركوع لكون الركوع وسيلة إلى السجود، حتى إن من سقط عنه السجود سقط عنه الركوع، ولا يجوز تقدم الأصل على الوسيلة، فاعتبر هذا بالصلاة مع الوضوء لا لأن الواو يوجب الترتيب مع أن ذلك معارض بقوله تعالى:﴾ واسْجُدِي وارْكَعِي ﴿، ولم يقل أحد بترتيب الركوع على السجود، فلو كان الواو للترتيب لقيل ذلك أيضا. (وهذا حكم لا يعرف إلا باستقراء كلام العرب) فيه علامة الفصل، إذ منه ابتداء كلامنا، فكأنه قال: قلنا إن هذا حكم ... إلى آخره. (وكلاهما حجة عليه) أي الاستقراء والتأمل حجة على بعض أصحاب الشافعي. (فيفهم به اجتماعهما في المجئ من غير تعرض للقران والترتيب في المجئ) حتى إنه يكون صادقا في كلامه أن لو جاء عمر وقبل زيد وعلى

стр. 728

العكس أو جاءا معا. لا تنه عن خلق وتأتي مثله. فلو أتى بالمثل قبل النهي عار أيضا، فعلم أن الواو ليس للترتيب، والمعنى: لا تجمع بين النهي والإتيان بالمثل. وأما الثاني وهو التأمل في موضوع كلام العرب.

стр. 729

(أو عذر دعا إليه) وهو معنى الإبهام والإجمال، ومعنى عذر معنى إذا أريد من الواضع الله تعالى. (فلو كان الواو للترتيب لتكررت دلالة الترتيب وليس ذلك بأصل). فإن قيل: لم يلزم تكرار الدلالة مع سائر الحروف؛ لأن الفاء للترتيب مع الوصل، وثم للترتيب مع التراخي، فلو وضعت الواو لمطلق الترتيب من غير تعرض للترتيب مع الوصل أو التراخي لم يتكرر بهما. قلنا: إن لم يتكرر معهما يتكرر مع "بعد" إذ هو موضوع لمطلق الترتيب، فصح قوله: "لتكررت الدلالة" وأورد على شيخي- ﵀ قوله تعالى﴾ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴿فإن اعتبار العمل الصالح إنما يكون بعد تقديم الإيمان عليه، فكان العمل الصالح مرتبا على الإيمان لا محالة، فعلم أن الواو للترتيب.

стр. 730

قال ﵁ وأثابه الجنة- ترتب العمل الصالح على الإيمان لم يعلم باعتبار الواو، بل علن بآية أخرى وهي قوله تعالى:﴾ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴿، جعل الإيمان شرطا للعمل الصالح، والشرط مقدم على المشروط أبدا، فلذلك ثبت ترتب العمل الصالح على الإيمان لا باعتبار الواو. (ثم انشعبت الفروع إلى سائر المعاني) يعني الفاء للتعقيب وثم للتراخي وغيرهما، وهو كالإنسان أنه لا يتعرض للذكر والأنثى (ثم وضعت لأنواعها أسماء على الخصوص)، وكالتمر؛ إنه جنس وله أنواع مثل: العجوة واللينة والبرلي والصيحاني، وكالبعير جنس وله أنواع فإن البعير بمنزلة الإنسان، والجمل كالرجل، والناقة كالمرأة، والقلوص كالجارية. (وصارت الواو فيما قلنا نظير اسم الرقبة في كونه مطلقا غير عام ولا مجمل) يعني به إن كلمة الواو وضعت لمطلق العطف كما أن الرقبة وضعت

стр. 731

لمطلق الرقبة التي هي عبارة عن البنية السليمة، المطلق متعرض للذات دون الصفات، فيتناول فردا من الأفراد غير عين فلم يكن عاما؛ لأن العام ما له أفراد، والمطلق يمكن العمل به من غير توقف واستفسار، فلم يكن مجملا؛ لأن المجمل لا يمكن العمل به من غير استفسار من المجمل وبيانه، بل كان مطلقا كرقبة ورجل وامرأة وغيرها. (فقال أبو حنيفة- ﵁ موجبه الافتراق) يعني أن الواو للعطف، وإنما يتعلق الطلاق بالشرط كما علقه، وهو علق الثانية بالشرط بواسطة الأولى، فإن من ضرورة العطف هذه الواسطة، فالأولى تتعلق بالشرط بلا واسطة، والثانية بواسطة الأولى، بمنزلة القنديل المعلق بالحبل بواسطة الحلق، ثم عند وجود الشرط ينزل ما يعلق، فينزل كما تعلق، ولكن

стр. 732

هما يقولان: هذا أن لو كان المتعلق بالشرط طلاقا وليس كذلك، بل المتعلق ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط إذا وصل إلى المحل، فإنه لا يكون طلاقا بدون الوصول إلى المحل. (كما إذا حصل التعليق بشروط يتخللها أزمنة كثيرة) يعني لو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم بعد ذلك اليوم أو أيام قال: أنت طالق إن كلمت زيدا، ثم بعد ذلك بأزمنة قال: أنت طالق إن شتمت عمرا، فوجد الشروط تطلق ثلاثا وإن وجد الترتيب عند التعليق، وكذلك إن علق في كل مرة بدخول الدار، وكذلك إن قدم الشرط. (فلا يترك المطلق بالمقيد)، فالمقيد كون موجب هذا الكلام الاجتماع والاتحاد، والمطلق هو كون الواو محتملا للوجوه المختلفة من الترتيب والجمع. أي لا يترك موجب هذا الكلام الذي يوجب الاجتماع لما قررنا بالواو المطلق الذي لا يتعرض للتفرق والترتيب. (وإذا تقدمت الأجزية) فقال قبل الدخول بها:

стр. 733

(أنت طالق وطالق وطالق) إن دخلت الدار، فدخلت طلقت ثلاثا بالاتفاق؛ لأن موجب هذا الكلام الاتحاد والاجتماع؛ لأن في آخر كلامه ما يغير أوله، فتتوقف الجملة الأولى فيتعلق. بخلاف ما إذا تأخرت الأجزية؛ لأنه ليس في آخر كلامه ما يغير أوله، فيتعلق الأول بالشرط قبل التكلم بالثاني والثالث، فيتعلقن على التفرق فنزلن كذلك وهو الفرق لأبي حنيفة- ﵀. (فلا يترك بالواو) يعني لم يترك موجب هذا الكلام وهو الاجتماع والاتحاد على ما قلنا بالواو وهو المطلق، فيحتمل هذا القسم أيضا؛ لأنه مطلق غير متعرض للترتيب، وقوله: (بغير إذن الزوج) قيد اتفاقي، ولهذا لم يذكر الإمام شمس الأئمة- ﵀ في "شروح الجامع" و"أصول الفقه" بل قال: لو تزوج أمتين بغير إذن مولاهما ثم أعتقهما المولى إلى آخره؛ لأن في هذا الحكم الذي ذكره لا يحتاج إلى ذلك القيد، ولكن ذكر الإمام قاضي خان ﵀ في "الجامع" ولو تزوج أمتين في عقدة بغير إذن مولاهما

стр. 734

فأعتق المولى إحداهما بعينها فأجاز الزوج نكاح الأمة لم يجز؛ لأن نكاح الأمة قد بطل فلا تلحقه الإجازة؛ لأنه جمع بينهما في عقدة، وإحداهما حرة لا يصح نكاح الأمة، فكذا إذا صارت إحداهما حرة حالة البقاء. وكذلك لو زوج رجل رجلا يعني بغير إذنه أمتين في عقدة بإذنهما وإذن المولى فأعتقت إحداهما، فالمسألة على ثلاثة أوجه: أحدها- أن يعتقهما بكلام واحد معا بأن قال: أنتما حرتان أو أعتقتكما، فنكاحهما جائز. والثاني- أن يقول: هذه حرة وهذه حرة، وهي على وجهين: إما أن فصل بينهما بالسكوت أو لم يفصل والجواب في الفصلين واحد إن أجاز نكاح الأولى جاز، وإن أجاز نكاح الثانية لم يجز، وكذا إذا أجاز نكاحهما جميع جاز نكاح الأولى في كلمتين منفصلتين بأن قال: هذه حرة وهذه. (فيمن هلك عن ثلاثة أعبد وقيمتهم سواء) إنما قيد باستواء القيمة ليكون كل واحد منهم ثلث المال، فإن أقر به في كلام متصل ومعنى الاتصال

стр. 735

ها هنا هو أن يقول الوارث: (أعتق والدي في مرضه هذا وهذا وهذا) من غير سكوت بينهما، فكان هذا بمنزلة قوله: أعتقهم والدي في مرضه. قال الإمام شمس الأئمة- ﵀ في "الجامع": من أصحابنا من يقول المجموع بحرف الجمع وهو الواو كالمجموع بلفظ الجمع، فكأنه قال: أعتقهم والدي، وهذا ليس بصحيح، فإن الواو عندنا ليس له عمل في الجمع ولا في الترتيب، ولكنا نقول: الكلام موصول بحرف العطف، وفي آخره ما يغير حكم أوله؛ لأن حكم أول الكلام سلامة جميع الثلاث الأول، ويتغير ذلك بآخره فلت يسلم له إلا ثلث الثلاث، وفي مثله يتوقف أول الكلام على آخره؛ كما لو ألحق بآخره شرطا أو استثناء، وهذا بخلاف ما لو قال لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق وطالق وطالق، لم تقع عليها إلا واحدة؛ لأنه ليس في آخر الكلام ما يغير حكم أوله ولم يتوقف أوله على آخره، فإن سكت فيما بين ذلك عتق الأول ونصف الثاني وثلث الثالث وإنما كان هذا هكذا؛ لأنه لما أقر بعتق الأول فقد أقر بالثلث له فعتق من غير سعاية، ثم لم يصلح ما بعده في تغيير حقه؛ لأن المغير إنما يصح بشرط الوصل، وإذا أقر بالثاني فقد زعم أن الثلث بينهم أثلاثا، لكنه لم يصدق في إبطال حق الأول وصدق في إبطال حق

стр. 736

الثاني، ولما أقر بالثالث فقد زعم أن الثلث بينهم أثلاثا، لكنه لم يصدق في إبطال حق الأولين. كما ذكره المصنف- ﵀ في "شرح الجامع الكبير". (لكنه غلط لما قدمنا) وهو قوله: "والأصل في كل قسم منها أن يكون لمعنى خاص ينفرد به، والمشترك والتكرار من غفلة الواضع، وقد جاءت كلمة (مع) للقران، فلو حملنا الواو عليه كان تكرارا". (ولم يقف على التكلم بالثاني)؛ لأنه لم يوجد في آخره ما يقرر أوله؛ لأن الطلاق الثاني يقرر الطلاق الأول في حق رفع القيد، ولما لم يتوقف الأول وقع الطلاق وبانت المرأة من غير عدة، فلم يقع الثاني لذلك. (فسقطت ولايته) أي ولاية الزوج لفوات محل التصرف؛ لأن المرأة بانت من غير عدة فلم تبق محلا للطلاق الثاني. (لا لخلل في العبارة) أي لا يكون الواو للترتيب؛ لأن الواو لو كان للترتيب كان مقيدا بالترتيب، وفي القيد نوع خلل بالنسبة إلى المطلق؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل،

стр. 737

وبيان كماله أنه يتناول الترتيب والمقارنة، والمقيد لا يتناول المطلق. فإن قلت: يشكل على هذا كله ما لو قال لأمرأته قبل الدخول لها: أنت طالق وحد وعشرين، فإنها تطلق ثلاثا عندنا خلافا لزفر مع وجود حرف العطف بين الطلاق الأول والثاني، وليس في آخره ما يغير أوله، وكذلك لو قال لها: أنت طالق إحدى وعشرين تطلق ثلاثا عندنا، وكذلك لو قال لها: أنت طالق واحدة ونصفا كانت طالق ثنتين عندنا ولم يعتبر بالواو. قلت: جعل هذا الكلام في الكل بمنزلة كلام واحد لا واو فيه لما أن هذه الجمل من الكلام ليس لها صيغة بدون الواو التي هي أوجز منها فجعلت لذلك بمنزلة تركيب كلام لا واو فيه كما لو قال: أنت طالق أحد عشر طلاقا، وهناك تطلق ثلاثا بالاتفاق، فكذا في غيره. إلى هذا أشار في "المبسوط". (ثم لم يصح التدارك) أي بإعتاق الثانية؛ لأن نكاح الحرة على الحرة جائز، ولكن لما بطل نكاح الثانية في حكم التوقف لم يكن إعتاقها بعد ذلك تداركا لذلك البطلان لا لاقتضاء واو العطف القران؛ بل باعتبار أن آخر

стр. 738

الكلام هنا يغير أوله؛ لأنه إذا لم تضم الثانية إلى الأولى صح نكاح الأولى، وإذا ضم إليه بطل النكاح الأول؛ لأنه جمع بين الأختين فنزل منزلة الاستثناء والتعليق، فيتوقف الأول عليه فصار كالجمع بكلمة واحدة فلذلك بطلا. كذا ذكره المصنف- ﵀. (إن ضم إلى الأولى لم ستغير نكاح الأولى من الصحة إلى الفساد) بخلاف نكاح الأختين إذا كان في عقدتين بدون إذن الزوج، فإن صدر الكلام فيه توقف على آخره؛ لما أن نكاحهما لو كان في عقدتين توقف كما في الشرط يتوقف أول الكلام عليه. (وعن الوجود إلى العدم) كما في قوله: إن علي ألف درهم إلا مائة، توقف أول الكلام على آخره؛ لأنه لولا استثناء المائة لوجب عليه الألف

стр. 739

كاملاً، فإذا الحق استثناء المائة يغير أول الكلام من وجوب المائة إلى عدمه، فلذلك توقف أول الكلام لوجود المغير في آخره، فلما لم يتغير أول الكلام في مسألة الأمتين بلحوق آخره لم يتوقف أول الكلام على آخره. فإن قيل: نكاح الأختين في عقدة واحدة لا يجوز، ولو عقد نكاحهما بطريق الفضولي في عقدتين متفرقتين يتوقف نكاحهما، وكذلك نكاح الأمة مع الحرة لا يجوز نكاح الأمة، ولو كان نكاحهما بطريق الفضولي لا يتوقف نكاح الأمة، فيجب أن يتوقف نكاحهما كما يتوقف نكاح الأختين؛ بل أولى؛ لأن نكاح الأختين لا يجوز أصلا سواء تقدم نكاح إحداهما على نكاح الأخرى أو اجتمعا، ونكاح الأمة إذا كان متقدما على الجرة جائز، فما وجه الفرق بينهما؟ قلنا: وجه الفرق نشأ من صيغة النص في نكاح الأختين، أضاف الله تعالى الحرمة إلى المباشرين بقوله:﴾ وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ﴿لا إلى المحل، فلم يكن المحل خارجا عن محليته؛ بل الحرام هو فعل الجمع والفعل لم يوجد من الزوج في نكاح الفضولي، فلم تكن الحرمة في حقه ثابتة فيتوقف، وأما نكح الأمة مع الحرة فقد أخرج النبي ﵇ الأمة في ذلك عن

стр. 740

محلية النكاح بقوله: "لا تنكح الأمة على الحرة" فلا تحل عليها بوجه من الوجوه، ولو توقف نكاحها على نكاح الحرة كان نكاح الأمة على الحرة من وجه، وهذا لا يجوز لما عرف من الأصل أن كل حكم يرجع إلى المحل فالابتداء والبقاء فيه سواء/ (ولهذا قلنا: إن قول محمد ﵀ في الكتاب) أي في "الجامع الصغير". وذكر في كتاب الصلاة (وينوي) بالتسليمة الأولى (من عن يمينه من الحفظة والرجال والنساء). (ولا يتصور فيه الترتيب) أي لا يتصور الترتيب في أنهما من الشعائر؛ لأن الترتيب إنما يكون في الأفعال لا في الأعيان، (وصار الترتيب واجبا
следующие страницы →