Полный текст (2 351 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الثاني، ولما أقر بالثالث فقد زعم أن الثلث بينهم أثلاثا، لكنه لم يصدق في إبطال حق الأولين. كما ذكره المصنف- ﵀ في "شرح الجامع الكبير".
(لكنه غلط لما قدمنا) وهو قوله: "والأصل في كل قسم منها أن يكون لمعنى خاص ينفرد به، والمشترك والتكرار من غفلة الواضع، وقد جاءت كلمة (مع) للقران، فلو حملنا الواو عليه كان تكرارا".
(ولم يقف على التكلم بالثاني)؛ لأنه لم يوجد في آخره ما يقرر أوله؛ لأن الطلاق الثاني يقرر الطلاق الأول في حق رفع القيد، ولما لم يتوقف الأول وقع الطلاق وبانت المرأة من غير عدة، فلم يقع الثاني لذلك.
(فسقطت ولايته) أي ولاية الزوج لفوات محل التصرف؛ لأن المرأة بانت من غير عدة فلم تبق محلا للطلاق الثاني. (لا لخلل في العبارة) أي لا يكون الواو للترتيب؛ لأن الواو لو كان للترتيب كان مقيدا بالترتيب،
وفي القيد نوع خلل بالنسبة إلى المطلق؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل،
стр. 737
وبيان كماله أنه يتناول الترتيب والمقارنة، والمقيد لا يتناول المطلق.
فإن قلت: يشكل على هذا كله ما لو قال لأمرأته قبل الدخول لها: أنت طالق وحد وعشرين، فإنها تطلق ثلاثا عندنا خلافا لزفر مع وجود حرف العطف بين الطلاق الأول والثاني، وليس في آخره ما يغير أوله، وكذلك لو قال لها: أنت طالق إحدى وعشرين تطلق ثلاثا عندنا، وكذلك لو قال لها: أنت طالق واحدة ونصفا كانت طالق ثنتين عندنا ولم يعتبر بالواو.
قلت: جعل هذا الكلام في الكل بمنزلة كلام واحد لا واو فيه لما أن هذه الجمل من الكلام ليس لها صيغة بدون الواو التي هي أوجز منها فجعلت لذلك بمنزلة تركيب كلام لا واو فيه كما لو قال: أنت طالق أحد عشر طلاقا، وهناك تطلق ثلاثا بالاتفاق، فكذا في غيره. إلى هذا أشار في "المبسوط".
(ثم لم يصح التدارك) أي بإعتاق الثانية؛ لأن نكاح الحرة على الحرة جائز، ولكن لما بطل نكاح الثانية في حكم التوقف لم يكن إعتاقها بعد ذلك تداركا لذلك البطلان لا لاقتضاء واو العطف القران؛ بل باعتبار أن آخر
стр. 738
الكلام هنا يغير أوله؛ لأنه إذا لم تضم الثانية إلى الأولى صح نكاح الأولى، وإذا ضم إليه بطل النكاح الأول؛ لأنه جمع بين الأختين فنزل منزلة الاستثناء والتعليق، فيتوقف الأول عليه فصار كالجمع بكلمة واحدة فلذلك بطلا. كذا ذكره المصنف- ﵀.
(إن ضم إلى الأولى لم ستغير نكاح الأولى من الصحة إلى الفساد) بخلاف نكاح الأختين إذا كان في عقدتين بدون إذن الزوج، فإن صدر الكلام فيه توقف على آخره؛ لما أن نكاحهما لو كان في عقدتين توقف كما في الشرط يتوقف أول الكلام عليه.
(وعن الوجود إلى العدم) كما في قوله: إن علي ألف درهم إلا مائة، توقف أول الكلام على آخره؛ لأنه لولا استثناء المائة لوجب عليه الألف
стр. 739
كاملاً، فإذا الحق استثناء المائة يغير أول الكلام من وجوب المائة إلى عدمه، فلذلك توقف أول الكلام لوجود المغير في آخره، فلما لم يتغير أول الكلام في مسألة الأمتين بلحوق آخره لم يتوقف أول الكلام على آخره.
فإن قيل: نكاح الأختين في عقدة واحدة لا يجوز، ولو عقد نكاحهما بطريق الفضولي في عقدتين متفرقتين يتوقف نكاحهما، وكذلك نكاح الأمة مع الحرة لا يجوز نكاح الأمة، ولو كان نكاحهما بطريق الفضولي لا يتوقف نكاح الأمة، فيجب أن يتوقف نكاحهما كما يتوقف نكاح الأختين؛ بل أولى؛ لأن نكاح الأختين لا يجوز أصلا سواء تقدم نكاح إحداهما على نكاح الأخرى أو اجتمعا، ونكاح الأمة إذا كان متقدما على الجرة جائز، فما وجه الفرق بينهما؟
قلنا: وجه الفرق نشأ من صيغة النص في نكاح الأختين، أضاف الله تعالى الحرمة إلى المباشرين بقوله:﴾ وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ﴿لا إلى المحل، فلم يكن المحل خارجا عن محليته؛ بل الحرام هو فعل الجمع والفعل لم يوجد من الزوج في نكاح الفضولي، فلم تكن الحرمة في حقه ثابتة فيتوقف،
وأما نكح الأمة مع الحرة فقد أخرج النبي ﵇ الأمة في ذلك عن
стр. 740
محلية النكاح بقوله: "لا تنكح الأمة على الحرة" فلا تحل عليها بوجه من الوجوه، ولو توقف نكاحها على نكاح الحرة كان نكاح الأمة على الحرة من وجه، وهذا لا يجوز لما عرف من الأصل أن كل حكم يرجع إلى المحل فالابتداء والبقاء فيه سواء/
(ولهذا قلنا: إن قول محمد ﵀ في الكتاب) أي في "الجامع الصغير".
وذكر في كتاب الصلاة (وينوي) بالتسليمة الأولى (من عن يمينه من الحفظة والرجال والنساء).
(ولا يتصور فيه الترتيب) أي لا يتصور الترتيب في أنهما من الشعائر؛ لأن الترتيب إنما يكون في الأفعال لا في الأعيان، (وصار الترتيب واجبا
стр. 741
بفعله) أي وجوب تقديم الصفا في السعي على المروة إنما صار بفعل النبي ﵇ لا بمقتضى الواو في النص.
فإن قيل: أفعال النبي ﵇ غير موجبة عندنا على ما مر قلنا: نعم كذلك إلا أن فعله هاهنا صار بيانا لمجمل قوله ﵇: "إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا"، لما أن السعي بين الشيئين لا بد أن يكون له مقدم ومؤخر وهو مجمل، فبين ذلك بفعل النبي ﵇ في تقديم الصفا على المروة في الشعري، ولأن مواظبة النبي ﵇ على الشيء بدون الترك تدل على الوجوب، وواظب النبي ﵇ على بداية السعي من الصفا من غير ترك، فكان هو دليلا على الوجوب لا مجرد الفعل.
(كما قال أصحابنا- ﵏ في الوصايا بالقرب: النوافل) كالوصية ببناء الرباطات والسقايات والمساجد، وإنما قيد بالنوافل؛ لأنه إذا أوصى بأشياء من الفرائض والنوافل وأخر الفرائض كما في أداء الزكاة وغيرها، فإنه تقدم الفرائض على النوافل، وإن أخرها الموصي لما عرف.
стр. 742
(وأما قول الرجل: لفلان علي مائة ودرهم) إلى آخره، فإيراده هنا لسبب أن واو العطف هنا موجود، والعطف يقتضي المغايرة، وقد اختلف حكمه في هذه المسائل حتى صارت المائة دراهم في قوله: مائة ودرهم "وما صارت المائة أثوابا في قوله: مائة وثوب" فأورد هنا ليعلم أن الاختلاف ليس من قضية العطف بل (لأصل آخر يذكر هو في بابه إن شاء الله).
(ولهذا قلنا: إن الجملة الناقصة تشارك الأولى فيما تتم به الأولى بعينه) يعني أن الكلام الثاني إذا كان ناقصا يشارك الكلام الأول في عين ما تم به الكلام الأول ضرورة ثبوت الشركة؛ لأنه لو أفرد الثاني بالخبر لم يكن هذا شركة في خبر الكلام الأول؛ لأنه حينئذ يصير كالجملة المنفردة بالخبر ولم تكن
стр. 743
ناقصة، نظيره: إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة، فإن فلانة تشارك الأولى في عين ذلك الشرط حتى لو دخلت الأولى طلقتا (ولا يقتضي الاستبداد به).
(كأنه أعاده) يعني كأنه أفرد الثانية بشرط على حدة، كأنه قال: وفلانة إن دخلت الدار؛ لأنه لو جعل كذلك لم تطلق فلانة بدخول الأولى الدار، فعلم أن الجملة الناقصة تشارك الكلام الأول في عين ما تم به الأول، وهذا في تمام الأول بالشرط. ونظير آخر فيه ما قال في الكتاب بقوله: (إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق. إن الثاني يتعلق بعين ذلك الشرط) إذ لو لم يتعلق بعين ذلك الشرط بل جعل كأنه قال: وطالق إن دخلت الدار تقع تطليقتان عند أبي حنيفة- ﵁ أيضا، وإن كانت المرأة قبل الدخول بها؛ لأنه حينئذ يصير كأنه قال لامرأته قبل الدخول بها: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار تقع تطليقتان بالاتفاق، وحيث
стр. 744
وقعت عليها تطليقة واحدة- علم أن الثاني يتعلق بعين ذلك الشرط في الأول، وأما إذا كانت المرأة مدخولا بها لم يقع التفاوت بين ما أفرد الخبر للثاني أو لم يفرد، (فصار الثاني ضروريا) أي صار إفراد الكلام الثاني وهو الجملة الثانية بخبر على حدة ضروريا كما في جاءني زيد وعمرو، فإن تقديره وجاءني عمرو لاستحالة الاشتراك في الخبر الأول.
(والأول أصليا) أي وصار اشتراك الجملة الناقصة في عين ما تم به الكلام أصليا كما إذا قال: لفلان علي ألف درهم ولفلان، يكون الألف بينهما. ذكر هذه المسألة في "الجامع الكبير" في باب من إقرار الوارث بالعتق بعد موت المورث من كتاب الإقرار، وفرق بين هذه المسألة وبين من قال لامرأته قبل الدخول: أنت طالق وطالق وطالق أنه تقع عليها واحدة ولا تقع الثلاث، والفرق أن آخر الكلام إذا غير أوله توقف عليه كما توقف على الشرط والاستثناء، وفي مسألة الإقرار بألف درهم إذا اتصل آخر الكلام بأوله صار حق الأول ناقصا فتوقف عليه.
وأما في الطلاق فلا يتغير أول الكلام بآخره؛ لأن التحريم حكم الكل فذلك لم يتوقف عليه.
فإن قيل: يشكل على هذا قوله: هذه طالق ثلاثا وهذه؛ أن الثانية تطلق ثلاثا أيضا، وإن كان الخبر صالحا بأن يجعل لهما جميعا بأن يقسم الثلاث
стр. 745
عليهما فتقع لكل واحدة منهما تطليقتان؛ لأن عند القسمة يصيب لكل واحدة منهما طلاق ونصف، ولم يجعل كذلك بل أفرد الثانية بالخبر، كما في جاءني زيد وعمرو مع أنه لا ضرورة فيه في إفراد الثانية بالخبر.
قلنا: فيه ضرورة؛ لأنه ذكر الثلاث وهي محرمة للمحل حرمة غليظة، وعند القسمة لا تكون محرمة للمحل، فيقع حينئذ على خلاف ما أصدره الزوج، وهذا لأنا ذكرنا أن الطلاق إذا قرن بالعدد كان الاعتبار للعدد لا لقوله: أنت طالق حتى إذا ماتت المرأة قبل قوله: ثلاثا لا يقع الطلاق بقوله: أنت طالق، وهو وإن صادفها في حالة الحياة، ولما كان كذلك قد أشرك الزوج الثانية للأولى في إيقاع الحرمة الغليظة، ولا يحصل ذلك إذا قسمت الثلاث بينهما، ولأن عند القسمة يزداد الثلاث إلى الأربع، والزوج لم يتلفظ به ووقوع الطلاق متعلق باللفظ، فلما لم يقبل الشركة بهذين المعنيين أضمر للثانية مثل الخبر الأول ضرورة فكان مثل قوله: جاءني زيد وعمرو.
(ومن عطف الجملة قول الله تعالى) أي ومن عطف الجملة على الجملة بدون إثبات المشاركة بينهما﴾ وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ﴿في قصة القذف) هذا مبتدأ وخبر غير مشارك للأول؛ لأن الاشتراك إنما يكون للافتقار، وهذه
стр. 746
مسألة تامة.
وأما قوله:﴾ ولا تَقْبَلُوا ﴿وإن كانت تامة تثبت الشركة فيها؛ لأنها ناقصة من وجه آخر وهو كونها مفتقرة إلى السبب- فلذلك تعلقت بعين ما تعلق به الجد، وأما قوله:﴾ وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ﴿فحكاية حال قائمة بهم بمعنى، ثم فسقوا أي خرجوا من أمر ربهم، وهو لا يصلح جزاء للقذف لأنهم فسقوا فسموا فاسقين، والدليل على الانقطاع عن الأول أن الأئمة لم يخاطبوا به، وإقامة الحد مما يخاطب به الأئمة.
ومثل قوله تعالى:﴾ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ ﴿وما قبله﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ﴿وقوله:﴾ ويَمْحُ ﴿إنما صح وجه التمسك به في حالة الوقف حيث يوقف عليه بالواو، ولو كان مجزوما لوقف عليه بدون الواو، وهو في خط المصحف بدون الواو، وهو غير متعلق بالأول على أن يكون داخلا في جزاء الشرط بل هو مطلق، واستئناف الكلام ومعناه: يذهب الله الباطل ويزيله، وهذا لأن محو الله الباطل غير متعلق بمشيئته بل هو يمحوه على الإطلاق.
والدليل عليه قوله تعالى:﴾ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ البَاطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ﴿.
فعلم بهذا أن محو الباطل غير متعلق بالمشيئة، فلا يجوز عطفه على جزاء
стр. 747
شرط المشيئة لذلك، ولأن قوله تعالى:﴾ َأن يُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴿مرفوع. علم أن المعطوف وهو﴾ ويَمْحُ اللَّهُ ﴿مرفوع أيضا.
وذكر في "الكشاف": فإن قلت: إن كان﴾ ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ ﴿كلاما مبتدأ غير معطوف على﴾ يَخْتِمْ ﴿فما بال الواو ساقطة في خط؟
قلت: كما سقطت في قوله تعالى:﴾ ويَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ ﴿أيضا وقوله:﴾ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴿، على أنها مثبتة في بعض المصاحف، قال قتادة
стр. 748
﴿فَإن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ﴿: أي ينسيك القرآن فلا تبلغه ولا يكذبونك، وقال مقاتل: أي يختم بالصبر حتى لا تجد غصة التكذيب.
(ومثل قوله تعالى:﴾ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ ﴿هذا على قول من يقول بوجوب الوقف عند قوله:﴾ إلاَّ اللَّهُ ﴿.
((وهذا معنى) أي كونه للحال (يناسب معنى الواو)؛ لأن الواو لمطلق الجمع والحال تجامع ذا الحال فكان فيها الجمع، فصحت الاستعارة لها؛ لأن مطلق الجمع يحتمل الجمع المكيف.
стр. 749
(واختلف مسائل أصحابنا على هذا الأصل، فقالوا في رجل قال لعبده: أد إلي ألف وأنت حر. أن الواو للحال حتى لا يعتق إلا بالأداء).
اعلم أن ها هنا أربع مسائل:
إحداها- هذه.
والثانية- وهي أنه لو قال: أد إلي ألفا فأنت حر؛ عتق في الحال أدى أو لم يؤد.
والثالثة- إذا قال: إذا أديت إلي ألفا وأنت حر؛ عتق في الحال أيضا.
والرابعة- إذا قال: إذا أديت إلي ألفا فأنت حر؛ فإنه لا يعتق فيها إلا بالأداء؛ لأن جواب الشرط بالفاء دون الواو، فإن الجزاء يتصل بالشرط على أن يتعقب نزوله وجود الشرط، وحرف الفاء للوصل والتعقيب، فيتصل به الجزاء على الشرط لأنه يوجب تعليقه بالشرط، فكان تنجيزا.
وأما جواب الأمر بحرف الواو على معنى أنه بمعنى الحال أي وأنت حر
стр. 750
في حال أدائك.
فأما حرف الفاء في صيغة الأمر يكون بمعنى التعليل بقول الرجل: أبشر فقد أتاك الغوث بمعنى لأنه أتاك الغوث، فإذا قال: أد إلي ألفا فأنت حر معناه لأنك حر، فلهذا يتنجز به العتق في الحال. كذا ذكر في باب الأول في المأذون الكبير في "المبسوط" وهذا لأن الواو لما كانت للحال والأحوال شروط كما في قوله لأمته: إن دخلت الدار راكبة فأنت حرة. يجعل الركوب شرطا أيضا كالدخول.
وقيل: إن الحرية لما كانت حالا للأداء لا تسبق الأداء؛ لأنه معمول الأداء، والمعمول لا يتقدم على العامل.
فإن قلت: كيف وجه تفسير هذا الكلام في "المبسوط" أي وأنت حر في حال الأداء، والواو إنما دخلت على قوله: وأنت حر، وهو جعل معنى الحال في الأداء؟
قلت: لما كان هذا المجموع عبارة عن كلام واحد جاز تقديم المؤخر وتأخير المقدم على حسب ما يسوق معنى الكلام إليه.
ألا ترى إلى ما ذكر في "الجامع" قال: كل امرأة أتزوجها إن دخلت الدار فهي طالق ثلاثا فتزوج امرأة ثم دخل الدار، ثم تزوج أخرى تطلق التي تزوجها بعد الدخول خاصة على طريق التقديم والتأخير، فصار كأنه قال: إن
стр. 751
دخلت الدار كل امرأة أتزوجها طالق كما في قوله تعالى:﴾ ولا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴿. معناه إن كان الله يريد أن يغويكم، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، ثم معنى الكلام يسوق إلى ما ذكره في "المبسوط" لأن مثل هذا الكلام إنما يذكر للتحريض على أداء المال، ولا يتأتى ذلك إلا على ذلك التقدير.
(وقالوا فيمن قال لامرأته: أنت طالق وأنت مريضة أو أنت تصلين) إلى آخره، وفي "المبسوط" وإن قال: أنت طالق وأنت تصلين طلقت للحال؛ لأن قوله: وأنت تصلين، ابتداء، فإن قال: عنيت إذا صليت لم يصدق في القضاء؛ لأن الشرط لا يعطف على الجزاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن هذا اللفظ بمعنى الحال تقول: دخلت على فلان وهو يفعل كذا أي في تلك الحالة، فيكون معنى هذا أنت طالق في حال اشتغالك بالصلاة، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى لاحتمال لفظة ما نوى، وكذلك لو قال: أنت طالق مصلية في القضاء تطلق في الحال، وإن قال: عنيت إذا صليت دين فيما بينه وبين الله تعالى لمعنى الحال، وأهل النحو يقولون: إن قال: مصلية بالرفع لا يدين فيما بينه وبين الله، وإن قال مصلية بالنصب حينئذ يصدق في القضاء
стр. 752
أيضا وهو نصب على الحال.
وكذلك قوله: أنت مريضة. إذا قال: عنيت إذا مرضت صدق في القضاء عند أهل النحو، وعند الفقهاء يدين فيما بينه وبين الله تعالى.
(وقالوا في المضاربة إذا قال لرجل: خذ هذا المال مضاربة واعمل به في البر إن هذه الواو لعطف الجملة لا للحال حتى لا يصير شرطا).
وكذلك لو قال: خذه مضاربة بالنصف واعمل به في الكوفة فله أن يعمل به حيث شاء؛ لأن الواو للعطف، والشيء لا يعطف على نفسه، وإنما يعطف على غيره.
وقد تكون الواو للابتداء خصوصا بعد الجملة الكاملة، وقوله: خذه
стр. 753
مضاربة بالنصف جملة تامة، وقوله: واعمل عطف فتكون مشورة أشار به عليه لا شرطا في الأمر الأول.
فإن قيل: لماذا لم يجعل لمعنى الحال كما قال في قوله: أد إلي ألفا وأنت حر.
قلنا: لأنه غير صالح للحال هاهنا فحال العمل لا يكون وقت الأخذ، وإنما يكون العمل بعد الأخذ مع أن الواو تستعار للحال مجازا، وإنما يصار إليه للحاجة إلى تصحيح الكلام، والكلام صحيح ههنا باعتبار الحقيقة، فلا حجة إلى حمل حرف الواو على المجاز. كذا في "المبسوط".
لأن حال الخلع حال المعاوضة وفي المعاوضات لا يعطف أحد العوضين على آخر إنما يلصق أحدهما بالآخر. كما في قوله: احمل هذا المتاع إلى بيتي ولك درهم.
стр. 754
وقوله: (لأن الحال فعل) كما لو قال: خذ هذه الألف مضاربة تعمل بها في الكوفة، (أو اسم فاعل) كما لو قال: خذ هذه الألف مضاربة عاملا بها في الكوفة، فلو عمل بها في غير الكوفة كان ضامنا في الصورتين.
وأما ما يجئ من الحال التي ليست هي بفعل ولا اسم فاعل من الجمل الاسمية والظرفية كقوله: كلمته فوه إلى في، ولقيته عليه جبة وشيء.
(وأما قوله: أد إلي ألفا وأنت حر)، فصيغته للحال باعتبار أن قوله: "حر"صيغة نعت من الجزاء من حد علم بمعنى العتق، فكان قوله: "وأنت حر" بمعنى وأنت عتيق، وصار كأنه قال: أد إلي كونك حراً أو حال
стр. 755
أدائك على ما ذكرنا.
(وصدر الكلام غير مفيد) أي أول قوله: "أد إلي ألفا وأنت حر" غير مفيد شيئا إلا بآخره، فإنه يصير به تعليقا بأداء المال، وههنا أول الكلام إن صدر من الزوج بأن قال: أنت طالق وعليك ألف درهم كان إيقاعا مفيدا منه بدون آخره فل حاجة إلى أن يحمله على الحال، وإن صدر منها فهو التماس صحيح منها، فلهذا لا يحمل على واو الحال.
الضريبة: وظيفة يأخذها المالك من عبده. وقوله: أد إلي ألفا لا يصلح ضريبة؛ لأن الضريبة على أداء الألف من غير عقد واصطلاح بينهما لا يكون؛
стр. 756
لأن الضريبة لا تزيد في شهر على عشرين أو ثلاثين درهما، فكان ذكر ألف دلالة على الحال.
فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- ﵁ عن قولهما: لا يستقيم هنا حمل الواو على العطف الذي هو حقيقته؛ لأنه لا يعطف أحد العوضين على الآخر وذلك معنى الباء، فكان مستعارا لها لا محالة؟
قلت: بل يستقيم إجراء الواو على حقيقته التي هي للعطف، فإن معنى قولها لزوجها: طلقني ولك ألف درهم، أي ولك ألف درهم في بيتك فلا حاجة لك إلي، بل لك سعة أن تتزوج غيري أو تشتري جارية، فكان عطف الجملة على الجملة، ففي عطف الجمل بعضها على بعض لا يطلب تمام المناسبة، أو بمعنى الابتداء فيكون وعدا منها إياه المال، والمواعيد لا تتعلق بها اللزوم، ولأن أكثر ما في الباب أن يكون حرف الواو محتملا لجميع ما ذكرنا، والمال لا يجب بالشك. إلى هذا أشار في "المبسوط".
стр. 757
[الفاء]
(إن وجوه العطف منقسمة على صلاته) يعني مطلق العطف كلي لا وجود له في الخارج، وإنما وجوده في الخارج بأحد الأقسام الثلاثة، وهو: القران، والوصل مع التعقيب، والترتيب مع الفصل.
فمعنى قوله:"على صلاته" أي على حروفه وكلماته، وسماها صلات العطف؛ لأنه لا وجود للعطف بدون هذه الأوجه، كما لا وجود للموصول بدون الصلة كالذي وغيره. (فإذا هو لا يكفيه أنه يضمن) لأن الفاء
стр. 758
للوصل والتعقيب، فكأنه قال: إن كفاني قميصا فاقطعه. بخلاف ما إذا قال: اقطعه، فقطعه فإذا هو لا يكفيه قميصا فإنه لا يكون ضامنا لوجود الإذن مطلقا. (حتى يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه فدل ذلك على كونه معتقا حكم للشراء بواسطة الملك)؛ لأن الإعتاق يستحيل أن يكون حكما للشراء بلا واسطة؛ لأن الشراء لإثبات الملك إزالة إلا أن الشراء حكمه الملك، والملك في القريب سبب للعتق فكان العتق حكم الشراء بواسطة الملك، والحكم كما يضاف إلى العلة يضاف إلى علة العلة.
(وقد تدخل الفاء على العلل أيضا إذا كان ذلك مما يدوم) أي كان من حق الفاء أن تدخل على أحكام العلل لا على العكس؛ لأن الحكم مرتب على العلة وهو موضوع الفاء كما ذكر. إلا أن العلة لما كانت مما يدوم صارت بمعنى المتراخي من الحكم، فلذلك صح دخوله على العلل.
(فقد أتاك الغوث) فهذا على سبيل بيان العلة للخطاب بالبشارة، ولكن لما كان ذلك ممتد صح ذكر حرف الفاء مقرونا به.
стр. 759
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: "وقد تدخل الفاء على العلل فصار معنى كلامه ههنا: انزل لأنك آمن فالآمان ممتد (ولم يجعل بمعنى التعليق كأنه أضمر الشرط). هذا جواب لسؤال سائل بأن قال: لم لا يضمر حرف الشرط حتى يكون هذا الذي دخل فيه جزاء للشرط كما في قول من قال لخياط بعد قوله: نعم، "فاقطعه" فحينئذ كان الآمان معلقا بالنزول لوا يثبت قبله، فأجاب عنه بقوله: (لأن الكلام صح بدون الإضمار) يعني أن الإضمار في الكلام إنما جاز باعتبار الحاجة، ولما لم يحتج إلى الإضمار في تصحيح الكلام لم يجز الإضمار بدون الحاجة والضرورة.
فإن قلت: ففي صورة العلة لا يصح الكلام أيضا بدون الإضمار.
ألا ترى أنه كيف ذكر تقديره بقوله: وتقديره أد إلي ألفا فإنك قد عتقت، ولما كان كذلك كان إضمار الشرط أولى؛ لأن ذلك طريق مسلوك في أفصح اللغات. قال الله تعالى:﴾ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴿، أي إن لم تعرفه فذلك الذي يدع اليتيم.
قلت: نعم كذلك، إلا أن هذا الذي ذكره من التقدير ليس ببيان
стр. 760
للإضمار، بل هو بيان وإيضاح لعلية قوله: فأنت حر، ولهذا لا يجتمع معه، فصار هذا التقدير الذي ذكره هو أصل الكلام، وما هو المذكور قائما مقامه ونائبا منابه، فالنائب مع المنوب لا يجتمعان بخلاف إضمار الشرط، فكان إضمارا، وفيما نحن فيه يصح بدون الإضمار؛ لأنه قار على أصله إلا أنه غير واضح، فأوضح ذلك المبهم بهذا التقدير، فلا يكون إضمارا بل يكون تفسيرا للمبهم.
وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: (وإنما الإضمار ضروري في الأصل) يعني إنما يصار إلى الإضمار عند الضرورة لا عند عدمها.
(ولهذا قلنا فيمن قال: لفلان علي درهم فدرهم) بصحة الكلام بدون الإضمار لعدم احتياجه إليه، وقلنا: إنه يلزمه درهمان، فذلك لتحقيق معنى العطف؛ إذ المعطوف غير المعطوف عليه، واعتبار معنى الوصل والترتيب في الوجوب لا في الواجب وهو الدرهم كالقوم المجتمع في مكان لا يقال: هذا أول وهذا آخر بل يقال: دخل هذا أولا وذلك آخرا، فكذلك ها هنا لا يقال:
стр. 761
هذا الواجب أول وهذا آخر، ولكن يقال: وجب هذا أولا وذلك آخرا لما أن الترتيب إنما يكون في الأفعال لا في الأعيان، أو هو عبارة عن الواو مجازا؛ لأن معنى الترتيب لغو، فكان حرف الفاء صلة للتأكيد، فكأنه قال: درهم ودرهم، ولكن ما قلناه أحق؛ لأن الشافعي يضمر ليسقط به اعتبار حرف الفاء والإضمار لتصحيح ما وقع عليه لا لإلغاء به.
الإعراب: سخن بإعراب كفتن وبيان كردن يقال: أعرب كلامه إذا لم يلحن في الإعراب.
والإعجام خلاف الإعراب، فهو أن يلحن في إعراب كلامه. قيل الشعر لرؤبة، وقيل للخطيئة وترتيبه:
(والشعر لا يستطيعه من يظلمه) إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
стр. 762
زلت به إلى الحضيض قدمه (يريد أن يعربه فيعجمه).
أي فهو يعجمه- رفع يعجمه- لأنه استأنفه ولو نصب لفسد المعنى.
وفي "الصحاح" فيعجمه أي يأتي به عجميا أي يلحن فيه.
قال الفراء: رفعه على المخالفة يريد أن يعربه ولا يريد أن يعجمه.
стр. 763
وقال الأخفش: رفعه لوقوعه موقع المرفوع؛ لأنه أراد أن يقول: يريد أن يعربه فيقع موقع الإعجام، فلما وضع قوله: فيعجم موضع قوله: فيقع رفعه.
وقيل: يريد أن يعربه أي يظهره فيعجمه أي عين ذلك الإعراب إعجام له.
كقوله تعال:﴾ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ ﴿أي عين ذلك البيان إضلال له كقوله تعالى:﴾ وإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾
стр. 764
فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ ﴿بين بهذه الآية أن القرآن وإن كانت آياته آية قاطعة في الحجة لكن إن كانت في موضع الإيمان يزداد منها الإيمان لمن آمن، وفي غير موضع الإيمان يزداد منها الكفر لمن كفر، فكذلك ها هنا إذا كان إعراب الشعر في موضعه تزداد فيه الفصاحة، وإذا كان في غير موضعه يزداد فيه الإبهام والإعجام.
(إلا أن هذا لا يصح إلا بإضمار فيه ترك الحقيقة، والحقيقة أحق ما أمكن).
فإن قيل: لو قال الخصم: وفيما قلتم أيضا ترك الحقيقة وهو أن يكون الفاء مستعارا للواو، وما الفرق بين التركين؟
قلنا: ما قلناه أولي؛ لأن في استعارة الفاء للواو تقريرا لحقيقة الكلام، وهي: أن المعطوف غير المعطوف عليه، والخصم أضمر لتغيير حقيقة الكلام وهي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، فيلزم على قوله شيئان:
أحدهما- ترك الحقيقة وهي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه،
والثاني- إلغاء حرف الفاء المذكور، وهو أقبح من ترك الحقيقة، وليس على قولنا إلا استعارة حرف لحرف عند وجود المناسبة بينهما، وهي سائغة شائعة.
стр. 765
[ثم]
(قولا بكمال التراخي)؛ لأن ثم وضع للتراخي، فلو كان معنى وجود التراخي في وجود الطلاق دون التكلم بالطلاق لكان معنى التراخي فيه موجودا من وجه دون وجه، فيظهر أثره في حكم التكلم أيضا قولا بكماله، واثر هذا الاختلاف ظهر في الفروع كما ذكر في الكتاب.
وحاصله إنه إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن كلمت فلانا، فعند أبي حنيفة- ﵁ إن كانت مدخولا بها تقع في
стр. 766
الحال ثنتان والثالثة تتعلق بالكلام، وإن لم يكن دخل بها تقع واحدة في الحال ويلغو ما سوى ذلك، وإذا قدم الشرط فقال: إن كلمت فلانا فأنت طالق ثم طالق ثم طالق، فإن كان قد دخل بها تعلقت الأولى بالشرط ووقعت الثانية والثالثة في الحال، وإن كان لم يدخل بها تعلقت الأولى بالشرط ووقعت الثانية في الحال والثالثة لغو، وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- سواء قدم الشرط أو أخر تتعلق الثلاث بالشرط إلا أن عند وجود الشرط إن كانت مدخولا بها تطلق ثلاثا وإن كانت غير مدخول بها تطلق واحدة.
فأبو حنيفة- ﵁ يقول: ثم للتعقيب مع التراخي، فإذا دخل بين الطلاقين كان معناه سكتة بينهما، وهما يقولان: ثم للعطف ولكن مقيدا بالتراخي، فلوجود معنى العطف يتعلق الكل بالشرط، ولمعنى التراخي يقع مرتبا عند وجود الشرط. كذا في "المبسوط".
فإن قيل: كلمة ثم إذا أدخلت بين الطلاقين لو كانت هي بمنزلة سكتة على قول أبي حنيفة- ﵁ كان ينبغي أن لا تقع الطلقة الثانية والثالثة سواء كانت المرأة مدخولا بها أو لم تكن؛ لأنه حينئذ يكون بمنزلة قول الرجل لامرأته: أنت طالق، ثم قال بعد سكتة: أنت طالق؛ هناك لا تقع إلا واحدة؛ لأن الثاني يقع لغوا لعدم المبتدأ.
стр. 767
قلت: يضمر المبتدأ بدلالة العطف لتصحيح كلامه؛ لأن قوله: "طالق""في المرة الثانية خبر، والخبر يفتقر إلى المبتدأ، فيصير كأنه قال: ثم أنت طالق، فتقع واحدة في الحال في غير المدخول بها.
فإن قيل فقوله: "طالق" كما هو محتاج إلى المبتدأ كذلك هو محتاج إلى الشرط أيضا، فيجب أن يضمر الشرط في الثاني لكي يتعلق هو أيضا بالأول.
قلنا: احتياجه إلى المبتدأ ليس كاحتياجه إلى الشرط؛ لأنه لو لم يضمر المبتدأ لكان كلامه في الثاني لغوا محضا ملحقا بنعيق الغراب، ولا كذلك الشرط؛ لأن لكلامه صحة بدونه والإضمار إنما كان للحاجة والحاجة اندفعت بإضمار المبتدأ حتى صح الكلام في الطلاق الثاني ووقعت الغنية عن إضمار الشرط.
فإن قلت: كيف احتيج إلى إضمار الشرط في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق وعبدي حر مع استقلال قوله:" وعبدي حر" بفائدته حتى تعلقا جميعا بالشرط؟
قلت: ليس اتصال الجمل بالواو كاتصالها بثم، فلو كان مقصود الحالف تعليق كل الطلقات لذكرها بحرف الواو، فإن حرف ثم بمنزلة السكتة عند أبي حنيفة
-
стр. 768
رضي الله عنه- فكان أثرها في قطع التعليق عنده.
وقد يستعار ثم لمطلق العطف كما أن الرقبة وضعت لمطلق الرقبة التي هي عبارة عن البنية السليمة، والمطلق متعرض للذات دون الصفات، فيتناول فردا من الأفراد غير عين فلم يكن عاما؛ لأن العام ما له أفراد والمطلق يمكن العمل به من غير توقف واستفسار فلم يكن مجملا؛ لأن المجمل ما لا يمكن العمل له من غير استفسار من المجمل وبينه، بل كان مطلقا كرقبة ورجل وامرأة وغيرها.
فقال أبو حنيفة- ﵁: موجبه الافتراق؛ يعني أن الواو للعطف، وإنما يتعلق الطلاق بالشرط كما علقه وهو علق الثانية بالشرط بواسطة الأولى، فإن من ضرورة العطف هذه الواسطة، فالأولى تتعلق بالشرط بلا واسطة والثانية بواسطة الأولى بمنزلة القنديل المعلق بالحبل بواسطة الحلق، ثم عند وجود الشرط ينزل ما تعلق فينزل كما تعلق، ولكن هما يقولان: هذا أن لو كان المتعلق بالشرط طلاقا، وليس كذلك بل المتعلق ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط إذا وصل إلى المحل، فإنه لا يكون طلاقا بدون الوصول إلى المحل كما إذا حصل التعليق بشروط يتخللها أزمنة كثيرة، يعني لو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم بعد ذلك بيوم أو أيام قال: أنت طالق إن كلمت زيدا، ثم بعد ذلك بأزمنة قال: أنت طالق إن شتمت عمرا، فوجد الشروط تطلق ثلاثا، وإن وجد الترتيب عند التعليق،
стр. 769
وكذلك إن علق في كل مرة بدخول الدار، وكذلك إن قدم الشرط فلا يترك المقيد بالمطلق، فالمقيد كون موجب هذا الكلام الاجتماع والاتحاد، والمطلق هو كون الواو محتملا للوجوه المختلفة من الترتيب والجمع أي لا يترك موجب هذا الكلام الذي يوجب الاجتماع لما قررنا بالواو المطلق الذي لا يتعرض للتفرق والترتيب.
(وقد يستعار ثم لمعنى واو العطف مجازا للمجاورة التي بينهما) إذا تعذر العمل بحقيقة ثم، وبيان المجاورة بينهما أن الواو لمطلق العطف، فكان يحتمل معنى ثم؛ لأن المطلق إنما يكون وجوده في الخارج بحسب ما يحتمله من المقيدات، فتثبت المجاورة بينهما بسبب الاحتمال.
(قال الله تعالى:﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿أي وكان، فإن أول الآية قوله تعالى:﴾ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ (١١) ومَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ ﴿إلى قوله﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿).
فقد عد الأعمال الصالحة، ثم ذكر الإيمان بعده بكلمة ثم، فلو عمل بحقيقتها يلزم أن تكون الأعمال الصالحة المنجية من عذاب النار قبل الإيمان وليس كذلك؛ لأن عمل الكافر وإن كان صالحا من حيث الظاهر كتخليص الأسارى وإطعام الجائعين والصدقات فليس بمنج شيئا من العذاب؛ لأن كونه
стр. 770
مؤمناً شرط لصحة عمله وانعقاده منجيا من العذاب بفضل الله.
﴾ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ﴿أي والله شهيد لتعذر العمل بحقيقة ثم؛ لأنه للترتيب ولا ترتيب في صفات الله تعالى، لما أن الله تعالى قديم بجميع صفاته العلى، وأول الآية لقوله تعالى:﴾ وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ﴿.
(ولهذا قلنا في قول النبي ﵇ "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه": إنه يحمل على حقيقته)؛ لأن الإتيان بالذي هو خير هو الحنث، فتجب الكفارة بعده لا محالة فكان ثم على حقيقته؛ لأن الكفارة واجبة بعد الحنث بالإجماع،
стр. 771
ويروى "فليكفر يمينه ثم ليأت بالذي هو خير" فحملنا ههنا كلمة ثم على واو العطف؛ لأن العمل بحقيقتها غير ممكن؛ لأن التكفير قبل الحنث غير واجب بالإجماع. فكان المجاز متعينا تحقيقا لما هو المقصود) وهو الوجوب؛ لأن البر في اليمين واجب.
وهو الأصل في الإيمان، والكفارة تجب خلفا عن البر، فلو أجريت على حقيقتها لم يحصل المقصود وهو الوجوب.
ألا ترى أنه لو كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز، وقوله: "فليكفر عن يمينه" شامل للكفارة بالمال والصوم، فتحمل كلمة ثم على المجاز ليبقى أمر التكفير موجبا، ولا يقال إن ثم إذا استعير للواو والواو لمطلق العطف فيقتضي الجواز كيف ما كان؛ لأنا نقول: ثم إنما استعير للواو ليكون العمل بالأمر واجبا على موجبه وهو الوجوب، فبسبب هذا المعنى قلنا: لا يجوز قبل الحنث إذ لو جاز لوجب تقرير ثم على الحقيقة إذ لا فائدة في الاستعارة لبقاء الحكم الثابت بالحقيقة بعد الاستعارة.
فإن قيل: إن كان في قول الشافعي ترك الحقيقة وهو ترك إجراء الأمر على حقيقته ففي قولكم أيضا ترك الحقيقة، وهو ترك العمل بحقيقة ثم، فمن أين ظهر رجحان قولكم على قوله؟
стр. 772
قلنا: فيما قاله الشافعي ترك الحقيقة في الموضعين وهو ترك العمل بموجب الأمر، وترك العمل بجواز التكفير قبل الحنث حيث أراد بهذا جواز التكفير قبل الحنث ولا يجوز الصوم، وفيما قلنا تحقيق المقصود وهو القول بوجوب الكفارة فيما هو مقتض للوجوب.
والأولى فيه أن يقال: إن فيما قاله الشافعي ترك الحقيقة في أمر الشارع وهو فعل بلا خلف، وفيما قلنا ترك الحقيقة في ثم، وهو حرف بخلف وأمر الحرف أسهل من أمر الفعل؛ لما أن الحروف هي الوصلات تنوب بعضها مناب البعض في الأغلب، والاعتبار لقوة الأثر في التعليل، وإنما قلنا هذا أولى؛ لأن على التقرير الأول لزوم الترجيح بكثرة العلل وذلك لا يجوز، والرجحان لا يثبت بكثرة العلل.
ألا ترى أن أربعة شهود تعارض الشاهدين في الدعوى ولا يترجح الأكثر على الأقل، والذي يؤيد ما قلنا ما قاله في "المبسوط" في المعنى وهو أن مجرد اليمين ليس بسبب لوجوب الكفارة؛ لأن أدنى حد السبب أن يكون مؤديا إلى الحكم طريقا له، واليمين مانعة من الحنث محرمة له، فكيف تكون موجبة لما يجب بعد الحنث؟
ألا ترى أن الصوم والإحرام لما كان مانعا أي لما كان كل واحد منهما مانعا
стр. 773
مما يجب به الكفارة وهو ارتكاب المحظور لم يكن بنفسه سببا لوجوب الكفارة بخلاف الجرح فإنه طريق مفض إلى زهوق الروح.
فعلم بهذا أن الاعتبار في الأسباب للسبب الذي هو مفض إلى حكمه وضعا لا للسبب الذي ينعقد سببا للحكم بعد ارتفاع المانع، ولئن سلمنا أن اليمين سبب فالكفارة إنما تجب خلفا عن البر الواجب باليمين ليصير عند أدائها كأنه تم على بره ولا معتبر بالخلف في حال بقاء الأصل، وقبل الحنث ما هو الأصل باق وهو البر، فلا تكون الكفارة خلفا كما لا يكون التيمم طهارة مع القدرة على الماء.
وذكر هذا السؤال والجواب بعبارة أخرى: وقيل: فإن قيل: إذا حملته على واو العطف يلزم المجاز في ثم، ولو عملت بحقيقة ثم يلزم المجاز في الأمر، فيتساوي في ترك الحقيقة والعمل بالمجاز، فلم حملتم ثم على الواو؟
قلنا: لأنا لو حملنا ثم على الواو يحصل منه الإيجاب، ويكون المجاز معمولا من كل وجه، وفيما قاله الخصم تترك الحقيقة ولا يحصل العمل بالمجاز من كل وجه؛ لأن التكفير بالصوم لا يجوز قبل الحنث عنده، فحملناه على هذا المجاز تحقيقا لما هو المقصود وهو إيجاب الكفارة؛ لأن المقصود بالحديث إيجاب الكفارة.
(وإذا صح أن يستعار ثم للواو فالفاء به أولى) أي لما جاز استعاره ثم للواو مع بعد ثم عن الواو فلأن تستعار الفاء للواو أولى من استعارة ثم للواو؛
стр. 774
لأن الفاء أقرب إلى الواو بالنسبة إلى ثم، فالقرب والمجاورة من أسباب الاستعارة مع اتحاد كلها في معنى العطف.
والدليل على أن جواز الفاء بالواو أقرب من جواز الواو بثم شيئان:
أحدهما- أن المشايخ اختلفوا في موجب الفاء كما اختلفوا في موجب الواو لقرب معناهما، ولم يختلفوا في ثم لبعد معناها عن معنى الواو.
والثاني- أن الواو لمطلق الجمع، والفاء للوصل والتعقيب، وفي الجمع معنى الوصل موجود.
وأما ثم فللتراخي، فالجمع أو الوصل مع التراخي ضدان، فعلم أن جواز الفاء بالواو أقرب من جواز ثم بالواو. (ولهذا قال بعض مشايخنا فيمن قال لامرأته) إلى آخره. هذا لإيضاح استعارة الفاء للواو، فإن الفاء في هذه المسألة بمعنى الواو على قول بعض المشايخ (والمراد به الطحاوي ﵀.
وقال في "المبسوط": ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. ذكر الطحاوي أن هذا أيضا على الاختلاف، فإن حرف الفاء للعطف كحرف الواو فتطلق ثلاثا عندهما، والأصح أنها تطلق واحدة عند وجود الشرط- يعني بالاتفاق- لأن الفاء للتعقيب في أصل الوضع لا لعطف مطلق، فإن كل حرف موضوع لمعنى خاص، وإذا كان للتعقيب ففي كلامه تنصيص
стр. 775
على أن الثانية تعقب الأولى، فتبين بالأولى لا إلى عدة بخلاف الواو (إلا أن الحقيقة أولى، فلذلك اخترنا الاتفاق) يعني تطلق واحدة بالاتفاق في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. (وإذا قدم الجزاء بحرف الفاء فعلى هذا أيضا) أي لا تقع إلى واحدة على الأصح، يعني إذا قال: أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت الدار هو بمنزلة الواو عند الطحاوي. إذا دخلت الدار طلقت ثلاثا كما في التعليق بالواو.
[بل]
(على سبيل التدارك) أي على سبيل تدارك الغلط بإقامة الثاني مقام الأول، وإظهار أن الأول كان غلطا كما لو قال لامرأته: أنت طالق واحدة بل
следующие страницы →