← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ويروى "فليكفر يمينه ثم ليأت بالذي هو خير" فحملنا ههنا كلمة ثم على واو العطف؛ لأن العمل بحقيقتها غير ممكن؛ لأن التكفير قبل الحنث غير واجب بالإجماع. فكان المجاز متعينا تحقيقا لما هو المقصود) وهو الوجوب؛ لأن البر في اليمين واجب. وهو الأصل في الإيمان، والكفارة تجب خلفا عن البر، فلو أجريت على حقيقتها لم يحصل المقصود وهو الوجوب. ألا ترى أنه لو كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز، وقوله: "فليكفر عن يمينه" شامل للكفارة بالمال والصوم، فتحمل كلمة ثم على المجاز ليبقى أمر التكفير موجبا، ولا يقال إن ثم إذا استعير للواو والواو لمطلق العطف فيقتضي الجواز كيف ما كان؛ لأنا نقول: ثم إنما استعير للواو ليكون العمل بالأمر واجبا على موجبه وهو الوجوب، فبسبب هذا المعنى قلنا: لا يجوز قبل الحنث إذ لو جاز لوجب تقرير ثم على الحقيقة إذ لا فائدة في الاستعارة لبقاء الحكم الثابت بالحقيقة بعد الاستعارة. فإن قيل: إن كان في قول الشافعي ترك الحقيقة وهو ترك إجراء الأمر على حقيقته ففي قولكم أيضا ترك الحقيقة، وهو ترك العمل بحقيقة ثم، فمن أين ظهر رجحان قولكم على قوله؟

стр. 772

قلنا: فيما قاله الشافعي ترك الحقيقة في الموضعين وهو ترك العمل بموجب الأمر، وترك العمل بجواز التكفير قبل الحنث حيث أراد بهذا جواز التكفير قبل الحنث ولا يجوز الصوم، وفيما قلنا تحقيق المقصود وهو القول بوجوب الكفارة فيما هو مقتض للوجوب. والأولى فيه أن يقال: إن فيما قاله الشافعي ترك الحقيقة في أمر الشارع وهو فعل بلا خلف، وفيما قلنا ترك الحقيقة في ثم، وهو حرف بخلف وأمر الحرف أسهل من أمر الفعل؛ لما أن الحروف هي الوصلات تنوب بعضها مناب البعض في الأغلب، والاعتبار لقوة الأثر في التعليل، وإنما قلنا هذا أولى؛ لأن على التقرير الأول لزوم الترجيح بكثرة العلل وذلك لا يجوز، والرجحان لا يثبت بكثرة العلل. ألا ترى أن أربعة شهود تعارض الشاهدين في الدعوى ولا يترجح الأكثر على الأقل، والذي يؤيد ما قلنا ما قاله في "المبسوط" في المعنى وهو أن مجرد اليمين ليس بسبب لوجوب الكفارة؛ لأن أدنى حد السبب أن يكون مؤديا إلى الحكم طريقا له، واليمين مانعة من الحنث محرمة له، فكيف تكون موجبة لما يجب بعد الحنث؟ ألا ترى أن الصوم والإحرام لما كان مانعا أي لما كان كل واحد منهما مانعا

стр. 773

مما يجب به الكفارة وهو ارتكاب المحظور لم يكن بنفسه سببا لوجوب الكفارة بخلاف الجرح فإنه طريق مفض إلى زهوق الروح. فعلم بهذا أن الاعتبار في الأسباب للسبب الذي هو مفض إلى حكمه وضعا لا للسبب الذي ينعقد سببا للحكم بعد ارتفاع المانع، ولئن سلمنا أن اليمين سبب فالكفارة إنما تجب خلفا عن البر الواجب باليمين ليصير عند أدائها كأنه تم على بره ولا معتبر بالخلف في حال بقاء الأصل، وقبل الحنث ما هو الأصل باق وهو البر، فلا تكون الكفارة خلفا كما لا يكون التيمم طهارة مع القدرة على الماء. وذكر هذا السؤال والجواب بعبارة أخرى: وقيل: فإن قيل: إذا حملته على واو العطف يلزم المجاز في ثم، ولو عملت بحقيقة ثم يلزم المجاز في الأمر، فيتساوي في ترك الحقيقة والعمل بالمجاز، فلم حملتم ثم على الواو؟ قلنا: لأنا لو حملنا ثم على الواو يحصل منه الإيجاب، ويكون المجاز معمولا من كل وجه، وفيما قاله الخصم تترك الحقيقة ولا يحصل العمل بالمجاز من كل وجه؛ لأن التكفير بالصوم لا يجوز قبل الحنث عنده، فحملناه على هذا المجاز تحقيقا لما هو المقصود وهو إيجاب الكفارة؛ لأن المقصود بالحديث إيجاب الكفارة. (وإذا صح أن يستعار ثم للواو فالفاء به أولى) أي لما جاز استعاره ثم للواو مع بعد ثم عن الواو فلأن تستعار الفاء للواو أولى من استعارة ثم للواو؛

стр. 774

لأن الفاء أقرب إلى الواو بالنسبة إلى ثم، فالقرب والمجاورة من أسباب الاستعارة مع اتحاد كلها في معنى العطف. والدليل على أن جواز الفاء بالواو أقرب من جواز الواو بثم شيئان: أحدهما- أن المشايخ اختلفوا في موجب الفاء كما اختلفوا في موجب الواو لقرب معناهما، ولم يختلفوا في ثم لبعد معناها عن معنى الواو. والثاني- أن الواو لمطلق الجمع، والفاء للوصل والتعقيب، وفي الجمع معنى الوصل موجود. وأما ثم فللتراخي، فالجمع أو الوصل مع التراخي ضدان، فعلم أن جواز الفاء بالواو أقرب من جواز ثم بالواو. (ولهذا قال بعض مشايخنا فيمن قال لامرأته) إلى آخره. هذا لإيضاح استعارة الفاء للواو، فإن الفاء في هذه المسألة بمعنى الواو على قول بعض المشايخ (والمراد به الطحاوي ﵀. وقال في "المبسوط": ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. ذكر الطحاوي أن هذا أيضا على الاختلاف، فإن حرف الفاء للعطف كحرف الواو فتطلق ثلاثا عندهما، والأصح أنها تطلق واحدة عند وجود الشرط- يعني بالاتفاق- لأن الفاء للتعقيب في أصل الوضع لا لعطف مطلق، فإن كل حرف موضوع لمعنى خاص، وإذا كان للتعقيب ففي كلامه تنصيص

стр. 775

على أن الثانية تعقب الأولى، فتبين بالأولى لا إلى عدة بخلاف الواو (إلا أن الحقيقة أولى، فلذلك اخترنا الاتفاق) يعني تطلق واحدة بالاتفاق في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. (وإذا قدم الجزاء بحرف الفاء فعلى هذا أيضا) أي لا تقع إلى واحدة على الأصح، يعني إذا قال: أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت الدار هو بمنزلة الواو عند الطحاوي. إذا دخلت الدار طلقت ثلاثا كما في التعليق بالواو. [بل] (على سبيل التدارك) أي على سبيل تدارك الغلط بإقامة الثاني مقام الأول، وإظهار أن الأول كان غلطا كما لو قال لامرأته: أنت طالق واحدة بل

стр. 776

ثنتين إنها تطلق ثلاثا أي لو قال لامرأته التي دخل بها، وأما إذا قاله لغير المدخول بها فإنها تطلق واحدة على ما ذكر في الكتاب بعيد هذا. (وقلنا نحن) أي عندنا: يجب ألفان. وقعت ثنتان لما قلنا إشارة إلى قوله: "ويراد بالجملة الثانية كمالها بالأولى، وهذا في الأخبار ممكن" لأن الغلط في الأخبار ممكن.

стр. 777

(ويتصل بهذا أن العطف متى تعارض له شبهان اعتبر أقواهما) أي متى تعارض للعطف معطوف عليهما اثنان. (مثاله: ما قال) محمد- ﵀ (في "الجامع) أي في الباب الثامن عشر من أيمان "الجامع الكبير" بقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار، لا بل هذه لامرأة أخرى؛ أنه جعل عطفا على الجزاء دون الشرط) حتى إذا دخلت الأولى الدار طلقتا، ولو دخلت الثانية لم تطلق واحدة منهما؛ لأنه تعارض للعطف شبهان: أحدهما- أنت طالق، ومعناه لا بل هذه طالق،

стр. 778

والشبه الآخر- (التاء في قوله: "دخلت") ومعناه لا بل هذه إن دخلت فأنت طالق، وحكمه لو كان كذلك إن دخلت الثانية طلقت الأولى. وقال المصنف- ﵀ هذا الذي ذكره محمد- ﵀ يحتمل وجوها ثلاثة: أحدها- أن يكون تقديره: لا بل هذه طالق إن دخلت أنت، وهو الذي اختاره محمد- ﵀ والثاني- لا يل هذه إن دخلت هذه المرأة الدار فأنت طالق، ولم يحمل على هذا إلا بالنية. والثالث- أنت طالق إن دخلت هذه الدار لا بل هذه المرأة الأخرى. إن دخلت فهي طالق، ولم يحمل على هذا أصلا أي لا بالنية ولا بغيرها. وقال الإمام قاضي خان- ﵀ في "شرح الجامع": وإذا جعلنا هذا رجوعا عن الجزاء، والرجوع عن الأول لم يصح، وإقامة الثانية مقام الأولى صحيح، فيتعلق طلاق الثانية بدخول الأولى حسب تعلق طلاقها بدخولها، فإذا دخلت الأولى الدار يقع الطلاق عليهما، وإن نوى به الرجوع عن الشرط صحت نيته لأنه نوى ما يحتمله لفظه، وأيتهما دخلت وقع الطلاق على الأولى قضاء وديانة؛ لأن طلاق الأولى كان متعلقا بدخولها، وهو قصد الرجوع عن دخول الأولى بإقامة دخول الثانية مقام دخول الأولى، فيتعلق

стр. 779

طلاق الأولى بدخول الثانية، والرجوع عن الأول لم يصح، وإقامة الثاني مقام الأول صحيح، فيتعلق طلاق الأولى بدخول الثانية حسب تعلق طلاقها بدخولها، فأيتهما دخلت وقع الطلاق على الأولى وتطلق الثانية أيضا بدخول الأولى؛ لأن كلامه كان رجوعا عن الجزاء ظاهرا، وطلاق الثانية كان متعلقا بدخول الأولى، والرجوع عنه لم يصح، فبقي معلقا كما كان. وقوله: (وذلك قبيح) أي العطف على الضمير المرفوع المتصل الذي هو غير مؤكد بالضمير المرفوع المنفصل كما في قوله تعالى:﴾ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴿. فإن قلت: كيف حصر جواز العطف على الضمير المتصل المرفوع بما أكد

стр. 780

هو بالضمير المرفوع المنفصل وهو حسن أيضا عند وجود الفاصل، وإن لم يؤكد هو بالضمير المرفوع المنفصل كما في قوله تعالى:﴾ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومَن تَابَ مَعَكَ ﴿، وقوله:﴾ ومَن تَابَ ﴿معطوف على الضمير المستكن في﴾ فَاسْتَقِمْ ﴿أي فاستقم أنت وليستقم من تاب، وكذلك قوله تعالى﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وامْرَأَتُهُ ﴿، وقوله﴾ وامْرَأَتُهُ ﴿معطوفة على الضمير المرفوع في﴾ سَيَصْلَى ﴿أي سيصلى هو وامرأته. هكذا صرح فيهما صاحب "الكشاف". قلت: ذلك عند النحويين، وأما عند الفقهاء وبعض أهل التفسير فقوله:﴾ ومَن تَابَ ﴿مرفوع؛ لأنه أدرج وليستقم بدلالة قوله:﴾ فَاسْتَقِمْ ﴿فكان هو حينئذ عطف الجملة على الجملة، ورفعية قوله:﴾ ومَن تَابَ مَعَكَ ﴿بعامل مضمر

стр. 781

كرفعية رجال في قوله تعالى﴾ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ﴿على قراءة من قرأ على بناء المفعول لا أن يكون معطوفا على الضمير المتصل المرفوع. وذكر المصنف- ﵀ وأما قوله تعالى:﴾ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا ﴿، ولم يؤكده بالضمير المنفصل وهو نحن، واختار اللغة الأخرى، وكتاب الله منزه عما يقبح فإنما حسن ذلك لإعادة حرف النفي، وهو قوله:﴾ ولا آبَاؤُنَا ﴿تقول: ما فعلت كذا ولا فلان فيحسن، وتقول: ما فعلت كذا وفلان فيقبح حتى تقول: أنا وفلان. وحاصله إنا عطفنا ها هنا على الجزاء فقط؛ لأنا إن عطفناه على الشرط كان جائزا لكنه قبيح، فيصار إليه عند تعذر العطف على الجزاء، كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار لا بل فلان. أنه جعل عطفا على الشرط وإن كان قبيحا؛ لأنه تعذر العطف على الجزاء؛ لأن فلانا يستحيل أن يكون طلاقا فيصار إليه وإن لم يكن مستحسنا عند الفقهاء للضرورة، وإنما قبح ذلك؛ لأن الضمير المرفوع لما لم يقم بنفسه وهو التاء في قوله: "دخلت"كان موجودا له شبه العدم، فمن حيث إنه موجود جاز العطف، ومن حيث إن له شبها بالعدم قبح العطف، فإذا تعارضا عطف على ما هو جائز مستحسن، ولم يعطف على ما هو قبيح؛ لأن الجائز المستحسن أقوى من الجائز القبيح إلا إذا مست

стр. 782

الضرورة حينئذ يصار إليه، ولا يلغى لأن إلغاء تصرفه أقبح بخلاف ضمير المفعول، فإن العطف عليه جائز وإن كان متصلا كما في قوله تعالى:﴾ فَأَخَذْنَاهُ وجُنُودَهُ ﴿لما عرف أنه في حكم الانفصال بسبب أنه فضلة في الكلام. وقوله: (وذلك أن الفاعل مع الفعل كشيء واحد) وقد قيل في اتحاد الفاعل مع الفعل عشرة أوجه: وأوردنا أربعة أوجه منها في "الموصل" والأشهر منها مسألة يضربان وضربنا- بسكون الباء- وقد ذكرنا وجههما في "الموصل". (فإذا استويا) أي إذا استويا في حسن العطف بأن يحسن العطف على كل واحد منهما اعتبر أقربهما كما في قوله: (إن لفلان علي ألف درهم إلا عشرة دراهم ودينارا)، فإن لعطف الدينار تعارض الشبهين؛ لأنه يحسن

стр. 783

العطف على عشرة وهو المستثنى، ويحسن العطف على ألف درهم وهو المستثنى منه، فيعطف على عشرة دراهم حتى صارا مستثتيين عن الألف، فيلزم عليه ألف درهم ناقصا بعشرة دراهم وقيمة دينار؛ لأن المستثنى وهو عشرة دراهم أقرب من الدينار إلى الألف، فيترجح بالقرب كما هو الأصل في التعارض. فإن قيل: يجب أن يعطف الدينار على الألف وإن كان أبعد، فإن استثناء الدينار من الدراهم مختلف فيه فيعطف على الألف ليكون استثناء الدراهم من الدراهم. قلنا: لا انفصال عما احترز بهذا الطريق فإنه حينئذ يصير استثناء الدراهم من الدينار وهو أيضا مختلف فيه، وذلك لأنه لو عطف على الألف صار المستثنى منه ألفا ودينارا، فيكون استثناء عشرة من الألف والدينار، وإذا كان كذلك كان عطف الدينار على العشرة أولى لكونها أقرب. وفي "المبسوط" ما يدل على أن هذا التقرير فيما إذا كان المقر له اثنين. أما إذا كان واحدا فالاستثناء من الجنس جواب الاستحسان، وإن كان أبعد فقال: ولو قال لفلان علي ألف درهم ولفلان علي مائة دينار إلا درهما جعل ذلك استثناء من الدينار؛ لأن المستثنى موصول بالإقرار بالدنيانير، وحقيقة الاستثناء ما يكون موصولا بالمستثنى منه، وهذا على أصل أبي حنيفة

стр. 784

وأبي يوسف- رحمهما الله- ظاهر؛ لأن عندهما سواء جعلته مستثنى من الأول أو من الآخر كان الاستثناء صحيحا، فلما استويا تترجح الدنانير لاتصال المستثنى بها، ولو قال: لرجل واحد علي ألف درهم ومائة دينار إلا درهما، في القياس هذا الاستثناء من الدنانير أيضا؛ لأنه متصل بالدينار، ولكنه استحسن فقال: إذا كان المقر له واحدا فالاستثناء من الدراهم؛ لأنا إن جعلنا المستثنى من الدينار صح باعتبار المعنى، وإن جعلناه من الدراهم صح باعتبار الصورة والمعنى، وضرر النقصان في الوجهين يدخل على واحد، فكان جعله من الدراهم أولى.

стр. 785

[لكن] (وأما لكن فقد وضع للاستدراك بعد النفي). الاستدراك: دريافتن جيزي. (فأما نفي الأول فيثبت بدليله) أي بدليل النفي وهو حرف النفي كما في قوله تعالى:﴾ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴿(بخلاف كلمة بل)، فإن موجبيها جميعا- وهما نفي الأول وإثبات الثاني- يثبتان بنفي استعمال كلمة بل. (الاتساق): الانتظام، والمراد من الاتساق ها هنا إمكان التوفيق بين المتنافيين (فإذا اتسق الكلام تعلق النفي بالإثبات الذي وصل به) يعني يثبت النفي والإثبات جميعا كما في قولنا: ما جاءني زيد لكن عمرو، وهذا

стр. 786

الاستدراك إنما يصح أن لو توهم متوهم عدم مجئ عمرو، وعند سماع نفي مجئ زيد لدوام ملازمة كل واحد منهما بالآخر، فأزال ذلك الوهم بهذا الاستدراك، فكان كل واحد من النفي والإثبات في محزه فيصح. وكذلك (لو أقر رجل بعبد هو في يده أنه لفلان)، وقال فلان: ما كان لي قط لكنه لفلان آخر ووصل، فهو للمقر له الثاني)، ولا يكون هذا ردا لإقرار المقر؛ لأن من الجائز أن يكون هذا معروفا بكونه له، ثم وقع في يد المقر بسبب من الأسباب فأقر أنه له، فقوله: "ما كان لي قط" لا يكون تكذيبا له؛ لأن عنده أنه ليس له لكنه لفلان، فالكلام الأول مع الثاني ليس بمتنافيين، فإذا وصل به قوله: "لكنه لفلان" كان بيانا أنه نفي ملكه إلى الثاني بإثبات الملك له بقوله: "لكن" وإن قطع كلامه كان محمولا على نفي ملكه أصلا كما هو الظاهر وهو رد للإقرار، ثم قوله: "ولكن لفلان" شهادة بالملك للثاني على المقر، وبشهادة الفرد لا يثبت الملك.

стр. 787

(وقالوا في المقضي له بدار بالبينة- إلى أن قال- إن الدار للمقر له وعلى المقضي له القيمة). فإن قيل: هذا إنما يستقيم فيما إذا قدم الإقرار، ثم قال: "لم يكن لي قط" فقبلنا في حق البعض دون البعض، أما إذا قال: " ما كانت لي قط ولكنها لفلان" فقد أكذب شهوده أولا، فلا يصح إقراره بعد إكذاب الشهود؛ لأن الإقرار لا يصح إلا في الملك. قلنا: الكلام صدر جملة واحدة فلا يفصل البعض عن البعض في حق الحكم؛ لأن الكلام يتم بآخره؛ لأن أول الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يغير أوله، وها هنا أيضا النفي معلق بالإثبات، فصار بمنزلة قوله: أنت طالق إن دخلت الدار، وذكر صورة هذه المسألة في "شروح الجامع" بقوله: رجل ادعى دارا في يد رجل أنها داره، والذي في يده يجحد ذلك، فأقام المدعي البينة أنها داره، فقضى القاضي له بها، ثم أقر المقضي له أنها لفلان لا حق لي فيها، وصدقه المقر له، وقال المقضي عليه: إن المقضي له قد أكذب شاهديه فأنا أحق بها، فلا شيء للمقضي عليه وهي للمقر له؛ لأن قوله: "هي لفلان لا حق له فيها" يحتمل أنها صارت له بسبب تمليكها إياه بعد

стр. 788

الحكم بالبيع منه، وإذا احتمل ذلك والأصل في الإقرار القصر على أدنى ما يمكن فلم يبطل القضاء بالشك. فإن قيل: هذا التقرير إنما يصح أن لو احتمل الوقت التمليك. أما إذا لم يكن بين القضاء والإقرار زمان يحتمل التمليك فيه فكيف يمكن التوفيق بين الدعوى لنفسه وبين الإقرار لغيره أنها له بسبب تمليكي إياها له بعد القضاء؟ قلنا: يحمل ذلك على إمكان التوفيق، وإن كان نادرا بأن باعها قبل القضاء وبقي خصما؛ لأنه لم يسلمها إلى المقر له، وبقيت النسبة إليه باعتبار حق الحبس يعني يقول المدعي: إن الدار كانت لي من الأصل وقد كنت بعتها قبل القضاء من المقر له على أني بالخيار ثلاثة أيام حتى بقيت الدار على ملكي في مدة الخيار، فصحت النسبة إلي بهذا الطريق، ثم إن المقضي عليه استولى على الدار وغصبها مني، ثم لما قضى القاضي بالدار انقضت مدة الخيار عقيبه بلا فصل، فأمكن الجمع بين هذا الإقرار والدعوى الأولى والشهادة بهذا الوجه، ولما احتمل هذا لم يبطل الحكم بالشك، ولا شيء للمقضي عليه على أحد لهذا الاحتمال. فإن قال المقضي له: هي دار فلان ولم تكن لي قط أو بدأ، فقال: ما كانت لي قط ولكنها لفلان، فإن صدقه المقر له في ذلك كله فقد تصادقا أن الدعوى والبينة والحكم كل ذلك كان باطلا، فوجب رد الدار على المقضي

стр. 789

عليه، وإن قال المقر له: كانت الدار للمقر ولكنه وهبها لي بعد القضاء وقبضتها وهي لي بالهبة، فإنه يدفع الدار إلى المقر له ويضمن المقر قيمة الدار للمقضي عليه؛ لأنه أقر ببطلان القضاء، وإنه يبطل الإقرار، والإقرار حق عليه، والقضاء حق له، فإذا كذبه المقر له أي في قوله: "لم يكن لي قط" بطل ما له دون ما عليه، وإذا لم يبطل إقراره بقي الدار للمقر له ويضمن قيمة الدار للمقضي عليه؛ لأنه لما أقر ببطلان القضاء قد أقر على نفسه بوجوب رد الدار على المقضي عليه، وبالإقرار للغير صار متلفا للدار، والدار تضمن بالإتلاف عند الكل كما تضمن بالشهادة الباطلة. وهذا الجواب ظاهر فيما إذا بدأ بالإقرار وثني بالنفي، وإن بدأ بالنفي وثني بالإقرار، فكذلك الجواب وينبغي أن لا يصح إقراره ويرد الدار على المقضي عليه؛ لأنه لما قال: "ما كانت لي قط" بطل القضاء، فإذا قال:"ولكنها لفلان" فقد أقر بعد بطلان القضاء ووجوب الرد على المقضي عليه فلا يصح إقراره، إلا أنا نقول: بأن الإقرار وإن كان مؤخرا فهو مقدم؛ لأنه قصد صحة الإقرار، ولا صحة له إلا بالتقديم، والكلام يحتمل التقديم والتأخير دون الإلغاء، ويقدم بشرط أن يكون موصولا ويضمن قيمة الدار للمقضي عليه. (إلا أنه بالإسناد صار شاهدا على المقر له) أي إلا أن المقضي له بإسناد

стр. 790

الملك لنفسه بالنفي بقوله: "ما كانت لي قط" صار شاهدا على المقر له لما ذكرنا أن قوله: "ما كانت لي قط" يتضمن بطلان الإقرار؛ لأنه يتضمن بطلان القضاء للتناقض، وإقراره للمقر له إنما يصح على تقدير بقاء الملك له ببقاء القضاء له، فلما تضمن هذا بطلان القضاء له وبطلان الملك لنفسه لزم منه بطلان الإقرار له، وهو ضرر للمقر له، فلذلك كان بقوله: " ما كانت لي قط شاهدا" على المقر له، ومعنى قوله: إلا أنه بالإسناد صار شاهدا للمقر له هو أنه لما قال: "لكنها لفلان" أقر ببطلان القضاء أيضا للتناقض بدعواه لنفسه، ثم إقراره بها للغير وفي بطلان القضاء بطلان الإقرار له فكان شاهدا على المقر له إلا أن أول الكلام يتوقف على آخره، فصار هذا تمليكا مطلقا للمقر له بقوله: "لكنها لفلان" ونفيه الملك عن نفسه أولا لم يعمل في إبطال الإقرار لما ذكرنا أن النفي يؤخر والإقرار بها له يقدم؛ لأن مقصوده من ذلك صحة الإقرار للمقر له فيصح. (وجعل لكن مبتدأ) وإنما تعرض بقوله: "لكن" لأن كون قوله: "لا أجيز النكاح" للفسخ إنما نشأ من ذكر قوله: "لكن"عقيبه. إلى هذا أشار في "شروح الجامع". ألا ترى أنه لو قال: لا أجيز النكاح إلا بزيادة الخمسين أو حتى تزيدني خمسين درهما لا ينفسخ العقد بل يتوقف؛ لأن قوله: لا أجيز إلا بزيادة" استثناء بعد النفي فيكون إجازة لشرط الزيادة، ويصير قوله: "لا أجيز" عبارة عن الكف عن الإجازة لا عن الفسخ؛ لأن الكف عن الإجازة هو الذي

стр. 791

يحتمل الاستثناء وهو الذي يحتمل الغاية أيضا في قوله: "حتى تزيدني فأما الفسخ فلا يحتمل الاستثناء ولا الغاية، فإذا كان كذلك لم يصر إجازة ولا فسخا. وأما في قوله: "لا أجيز النكاح ولكن أجيزه بمئة وخمسين" فيبطل النكاح رضي الزوج بالزيادة أو لم يرض؛ لأن قوله: "لا أجيز" مطلقه للفسخ؛ لأن النفي حصل مطلقا إلا أن يدخل عليه ما يدل على أن المراد به الإمساك عن الإجازة لا الفسخ، وهذا لأن قوله: "ولكن أجيزه بمئة وخمسين" كلام مبتدأ مستقل بنفسه بخلاف الاستثناء والشرط. قال الله تعالى:﴾ ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴿فرق بين هذا وبين ما لو قال لغيره: لك علي ألف درهم من ثمن بيع ولكن من قرض أو غصب لزم المقر ألف درهم، ولو جعل ابتداء كلام غير موصول بالأول لا يلزمه، كما لو قال المقر له: ليست من ثمن بيع وسكت، ثم قال بعد ذلك: ولكن من قرض أو غصب لا يلزمه شيء. ووجه الفرق بينهما أن قوله: "ليست من ثمن بيع نفي للجهة والسبب، فانتفى السبب وبقي الوجوب على حاله حتى لو نفي أصل الوجوب بأن قال: "ليس لي عليك شيء" ثم قال: "ولكن من غصب أو قرض" لا يلزمه شيء.

стр. 792

أما قوله: "هلا أجيز النكاح" رد للنكاح فيبطل النكاح، حتى لو قال: "لا أجيز النكاح بمئة ولكن أجيزه بمئة وخمسين" لا يبطل النكاح. وقوله: (الكلام متسق) أي كلام المقر له مع كلم المقر متوافقان لا متنافيان؛ لأنهما توافقا في أصل الواجب وإن اختلف في السبب. وقال شمس الأئمة- ﵀ ولو قال: لفلان علي ألف درهم قرض، فقال فلان: لا ولكنه غصب فإنه يلزمه المال؛ لأن الكلام متسق فيتبين آخره أنه نفي للسبب لا أصل المال، وأنه قد صدقه في الإقرار بأصل المال ولا تفاوت في الحكم بين السببين، والأسباب مطلوبة للأحكام فعند انعدام التفاوت يتم تصديقه له فيما أقر به فيلزمه المال. ] أو [ (وأما أو فإنها تدخل بين اسمين) كقوله تعالى:﴾ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن ﴿(أو فعلين) كقوله تعالى:﴾ ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن

стр. 793

دِيَارِكُم﴾. (ولم يوضع للشك، وليس الشك بأمر مقصود يقصد بالكلام وضعا). في هذا نفي لقول الإمام القاضي أبي زيد- ﵀ فإنه يجعلها للشك، وكذلك أهل النحو يجعلونها للشك، فقال: ليس كذلك؛ لأن الشك إنما يجئ لأمر عارض وهو ليس بمقصود من الكلام حتى يوضع له لفظ؛ لأن وضع الألفاظ للإفهام في الأصل، وبالشك يختل الإفهام فل يجوز أن يكون للاختلال الذي يجئ من الشك لفظ موضوع وإنما جاء الشك من قبل محل الكلام وهو الخبر، فإنها إذا استعملت في الخبر تناولت أحد

стр. 794

المخبر بهما وذلك غير عين فأفضى إلى الشك وهذا هو الصحيح؛ لأن الخبر دليل على ثبوت المخبر ولا يثبت لمخبر به بالخبر لما عرف أن الخبر لفظ دل على أمر كان أو سيكون غير مضاف كينونته إلى الخبر، فإذا تساوى الدليلان على التعارض من غير رجحان لأحدهما على الآخر جاء الشك، فعلم أن الشك إنما جاء من محل الكلام لا من نفس كلمة "أو"، ولهذا إذا استعملت في الإنشاء لا تحتمل الشك وهي حقيقة فيه لا مجاز. (ولو استعملت في الابتداء) كما في قوله: إيت زيدا أو عمرا، (والإنشاء) كقول الرجل: هذا حر أو هذا، فعلى هذا كان ما ذكره بعدها نظيرا لهما على طريق اللف والنشر. (حتى جعل البيان إنشاء من وجه وإظهارا من وجه) أي جعل تعيين العتق المبهم في أحدهما إنشاء من وجه وإظهارا من وجه، وكذلك في الطلاق، حتى لو قال لعبديه: هذا حر أو هذا، فمات أحدهما فقال المولى:

стр. 795

كنت أردت بذلك الميت لا يصدق ويعتق الحي عملا بجهة الإنشاء؛ لأن قيام المحل بالحياة شرط إنشاء من كل وجه لما أجبر، وكذلك لو كان هذا في الطلاق المبهم بين المرأتين لو ماتت إحداهما قبل التعيين طلقت الباقية؛ لأنه إنما كان لا يتعين قبل الموت في إحداهما لمزاحمة الأخرى معها وقد زالت بالموت، فإذا خرجت إحداهما من أن تكون محلا للطلاق تعينت الأخرى، وإن قال: عينت الميتة حين تكلمت صدق في حق نفسه حتى بطل ميراثه عنها ولا يصدق في إبطال الطلاق على الحية؛ لأن الطلاق يعين فيها شرع فلا يملك صرف الطلاق عنها بقوله، وكذلك لو كانت تحته حرة وأمه فقال في مرض موته: هذه طالق ثنتين أو هذه، ثم أعتق المولى الأمة فقال الزوج: أردت بذلك الأمة؛ تحرم عليه الأمة حرمة غليظة عملا بكونه بيانا، وجعل الزوج فارا وترث المرأة التي كانت أمة عملا بكونها إنشاء. (ويبيع أيهما شاء) يعني لا يشترط اجتماعهما على البيع بخلاف ما لو قال: وفلانا حيث يشترط هناك اجتماعهما؛ لأن "أو" في موضع الابتداء

стр. 796

تخيير، فينظر إن كان هو منفردا بذلك الفعل فالاختيار له، وإن كان تمام ذلك الفعل موقوفا على الآخر كان الآخر كالتوكيل المبهم؛ لأن تمام ذلك الفعل بالاختيار، فيكون الاختيار لمن إليه تمام الفعل، والوكالة لا تتم إلا بالقبول، والتوكيل صح استحسانا. قال في وكالة "المبسوط": وإذا كان لرجل عدل زطي فقال لرجلين: أيكما باعه فهو جائز، وكذلك لو قال: وكلت هذا أو هذا ببيعه فباعه أحدهما في القياس لا يجوز لجهالة من وكله ببيعه وفي الاستحسان يجوز؛ لأن هذه جهالة مستدركة فتحملت فيما هو مبني على التوسع، ثم قال: قد نص على القياس والاستحسان ها هنا ولم ينص في توكيل الواحد ببيع أحد العبدين حتى تكلف بعضهم للفرق فقال: الجهالة فيما تناولته الوكالة بالبيع دون الجهالة فيمن هو وكيل بالبيع لما بينا في الإقرار أن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار، وجهة المقر له تمنع من ذلك، ولكن الأصح أن القياس والاستحسان في الفصلين، والتخيير لا يمنع الامتثال كما في كفارة اليمين. (إلا أن يكون من له الخيار معلوما) أي خيار التعيين (في اثنين أو ثلاثة فيصح استحسانا). وقال في "الأسرار": إذا اشترى ثوبين بعشرة على أنه بالخيار يأخذ أيهما

стр. 797

شاء ويرد الآخر، وكذلك أحد الأثواب الثلاثة، فهذا الشرط جائز استحسانا عندنا، وعند زفر لا يجوز قياسا، كما لو اشترى أحد الأثواب الأربعة على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء ويرد الآخر. ووجه الاستحسان أن فساد البيع بالجهالة مثل الفساد بالشرط، فلما احتملت الجهالة الشرط في مدة الثلاث نفيا للغبن فلأن تحتمل الجهالة من الثلاث نفيا للغبن أولى، فوجه الأولوية باعتبار أن الأعيان الثلاثة تحتمل الأوصاف الثلاثة، وهي: الجيد، والوسط، والردئ بخلاف الأيام، ثم هناك لم يتحمل أكثر من ثلاثة أيام فكذا ها هنا (لكنه يوجب خطرا)؛ لأنه يحتمل أن يختار هذا فيكون هو المبيع ويحتمل أن يختار ذلك فيكون هو المبيع، فهذا يشبه القمار، وشبهة الحرمة ملحقة بحقيقة الحرمة، فالقياس أن لا يجوز لما ذكرنا من شبهه بالقمار إلا أنه صح في الثلاث استحسانا بدلالة

стр. 798

النص وهي أن النبي ﵇ شرع شرط الخيار، بخلاف القياس ونبهنا على العلة وهي دفع الغبن والخسران، فكأنه قال للمشتري: لك ولاية دفع الغبن وهذا في معناه؛ لأن دفع الغبن كما يحصل بالتأمل في عين واحد يحصل باختيار عين واحد من الأعيان، بل ها هنا أقوى فكان في معناه، وإنما قلنا في الثلاث دون ما فوقه؛ لأن الأعيان لا تخلو عن جيد ووسط وردئ، فاندفعت الحاجة بالثلاثة فيبقى ما وراءها على قضية القياس. (لزمه الأقل) أي عينا؛ لأنه لا فائدة في التخيير بين القليل والكثير في الجنس الواحد بل يثبت الأقل لكونه متعينا في اليسر، والتخيير لليسر. (وقال أبو حنيفة- ﵁ يصار إلى مهر المثل) أي يحكم مهر المثل في الوجوه كلها حتى أنه لو تزوجها على ألف حالة أو ألفين إلى سنة فعند أبي حنيفة- ﵁ ينظر على مهر مثلها، فإن كان ألفين أو أكثر فالخيار لها عن شاءت أخذت الألفين إلى سنة وإن شاءت أخذت الألف حالا، وإن

стр. 799

كان مهر مثلها أقل فالخيار إليه إن شاء أعطاها الألف الحالة وإن شاء أعطاها الألفين إلى سنة؛ لأن كل واحد من المالين أنقص من صاحبه من وجه وأزيد من وجه، وإن كان مهر مثلها فيما بين ذلك فلها مهر مثلها وعندهما الخيار للزوج لتشككنا في وجود الأكثر إلا أن يرضى هو بالأكثر، فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف ما يختار الزوج بالإجماع؛ لأنه الأقل. كذا ذكره الإمام التمرتاشي- ﵀ وقال في "المبسوط" وغن تزوجها على ألف درهم أو ألفي درهم فعلى قول أبي حنيفة- ﵀ يحكم مهر المثل، فإن كان مهر مثلها ألفا أو أقل فلها الأقل، وإن كان ألفين أو أكثر فلها ألفان، وإن كان أكثر من ألف وأقل

стр. 800

من ألفين فلها مهر مثلها، وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- لها الألف في الوجوه كلها، (يتعين باختياره من طريق الفعل). قيد به لئلا يظن تعيينه بالاختيار من طريق القول، فإنه لو عين أحد الأشياء الثلاثة بالقول لا يتعين، بل يتعين في ضمن الفعل كما في أجزاء وقت الصلاة للصلاة، حيث يتعين الجزء الواحد من الأجزاء سببا للصلاة من حيث الفعل لا من حيث القول، ثم إذا تعين أحد هذه الأشياء الثلاثة بالفعل لا يبقى غيره محتملا للواجب ولكن يبقى مباحا، فأوجب التخيير على احتمال الإباحة حتى إذا فعل الكل جاز. فإن قيل: إذا فعل الكل بأن وكل بكل نوع إنسانا ففعلوه معا ينبغي أن لا يجوز؛ لأنه لم يثبت التخيير فلم تثبت الإباحة؛ لأن الإباحة تثبت في ضمن التخيير. قلنا: قد أثبت الله تعالى التخيير بقوله:﴾ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴿الآية، فتثبت الإباحة في ضمنه فيبقى ما لم يقم الدليل المزيل. بخلاف ما لو قال: بع هذا أو هذا، فإن هناك ثبوت الاختيار بدون الإباحة على ما يجئ لقيام الدليل على عدم الإباحة فيهما جميعا؛ لأنه لا يرضي ببيع كليهما.

стр. 801

(فأما أن يكون الكل واجبا فلا) أي هذه الأنواع الثلاثة جائزة إذا فعلها، ولكن الواجب أحدها بخلاف ما زعم بعض الفقهاء إن الكل واجب؛ لأن كل واحد منها يحتمل أن يكون واجبا على سبيل البدل، فإذا فعل الكل وليس أحدها بأولى مما سواه فيقع الكل واجبا. (وكذلك قولنا في كفارة الحلق) هو قوله تعالى:﴾ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴿وجزاء الصيد وهو قوله تعالى:﴾ فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ ﴿. فأما قوله تعالى﴾ إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ ﴿(فقد جعله بعض الفقهاء للتخيير)، وهو مالك عملا بحقيقة كلمة (أو) فإنها للتخيير، وقد ورد بيانه على هذا المثال بالسنة في حديث جبريل ﵇.

стр. 802

وهي ما روى محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس- ﵃ أنه قال: "وادع رسول الله ﵇ أبا بردة- هلال بن عويمر الأسلمي- فجاءه أناس يريدون الإسلام

стр. 803

فقطع عليهم أصحاب أبي بردة الطريق، فنزل جبريل على رسول الله ﵉ بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال صلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان منه في الشرك- وفي رواية عطية عنه: ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي". وفي هذا الخبر دليل على أن "أو" ليست للتخيير إنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية كما يقال لمن يسأل عن حدود الكبائر هي: الجلد، أو الرجم، أو القطع لا يراد به التخيير. ذكر إمام الهدى- ﵀ في هذه الآية: إن الأصل فيه أن كلمة "أو"

стр. 804

متى ذكرت بين الأجزية المختلفة الأسباب يراد بها الترتيب كما في هذه الآية، وإلا فهي للتخيير كما في قوله تعالى:﴾ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴿الآية. وقوله: (فاستغنى عن بيانها) أي عن بيان أنواع المحاربة، فصارت أنواع الجزاء مقابلة بأنواع المحاربة؛ لأن جزاء الشيء يقابل سببه، كما يقال: الرجم يقابل زنا المحصن، والجلد يقابل زنا غير المحصن، وجناية المحاربة معلومة وهي مختلفة، فتنقسم الأجزية على حسب أنواع الجناية وهو معنى قوله: (فأوجبت التفصيل والتقسيم على حسب أحوال الجناية) لما أن الجزاء يناسب الجناية، فيقابل الخفيف الخفيف، والغليظ الغليظ إذ الغليظ في

стр. 805

مقابلة الخفيف والخفيف في مقابلة الغليظ لايحسن ولا يناسب. (ثم قتله أو صلبه) أي مع القطع؛ لأن الجناية تحتمل الاتحاد يقال: قطع الطريق والتعدد وهو أخذ المال وقتل النفس، فإن كل واحد منهما على الانفراد يوجب الجزاء، فإذا اجتمعا كان موجبهما أيضا يتعدد، فكان متعددا بنفسه متحدا بأثره وهو قطع الطريق وانقطاع المارة، والشيء قد يعلم بأثره كما يعلم بمؤثره، وكذلك من الجائز أن المقصود هو القتل بأن كان القطاع مواترين للمارة، وأخذ المال وقع تبعا لا قصدا، ومن الجائز أن أخذ المال هو الأصل وقتل النفس وقع تبع حتى لا يقوم أحد من يطلبهم، فلذلك خير أبو حنيفة- ﵀ الإمام بين إقامة حد أخذ المال والقتل عملا بالتعدد، وبين إقامة حد القتل عملا بالاتحاد. وقوله: (ولهذا قال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- فيمن قال لعبده) يتعلق بكلام قبل هذا بورق وهو قوله: فإن استعملت في الخبر تناولت

стр. 806

أحدهما غير عين إلى أن قال هذا حر أو هذا، ولهذا ذكر الإمام شمس الأئمة- ﵀ هذه المسألة متصلا بذلك الأصل المذكور بتلك المسألة. (وقال أبو حنيفة- ﵁ نعم هو كذلك، لكن على احتمال التعيين) يعني أن أصل هذا الإيجاب يتناول أحدهما بغير عينه على احتمال التعيين. ألا ترى أنهما لو كانا عبدين تناول أحدهما على احتمال التعيين إما ببيانه أو بانعدام المزاحمة بموت أحدهما، فيصح الإيجاب هنا باعتبار هذا المجاز كما هو أصل أبي حنيفة- ﵀ في العمل بالمجاز، وإن تعذر العمل بالحقيقة لعدم صلاحية المحل له، يعني لما كان هذا الإيجاب صالحا لإثبات العتق في حقيقة هذا الكلام في حق العبدين كان صالحا أيضا لإثبات العتق في محل المجاز أيضا، وهذا هو المحل بجامع وجود العينين الذي كان هو محلا صالحا

стр. 807

لدخول كلمة "أو" وله مجاز متعين وهو إيجاب العتق. غير أن هذا الإيجاب في محل الحقيقة يوجب العتق المبهم، وفي محل المجاز يوجب العتق المعين، فكان منزلة موت أحد العبدين قبل البيان في محل الحقيقة. (فتصير شبيها بواو العطف لا عينه)، فشبهه بواو العطف من حيث إنهما متعينان كما في واو العطف وليس هو بعينه من حيث إن كل واحد منهما مراد بالنفي خلاف الواو. (حتى إذا كلم أحدهما يحنث) بخلاف واو العطف، (ولو كلمهما لا يحنث إلا مرة واحدة)؛ لأنه لما حنث بكلام أحدهما لم تبق اليمين فلم يحنث إلا مرة واحدة ولا خيار له في ذلك، ولو كان على حقيقة لكان له الخيار، وهذا لأنه لما كان كلاهما مرادا لم يبق له الخيار، وثبوت الخيار إنما يلزم من كون أحدهما مرادا وليس كذلك (حتى لو استعمل هذا في الإيلاء) بأن قال: والله لا أقرب هذه أو هذه (بانتا جميعا) كما في واو العطف. فلذلك صار عاما أي لما وقعت النكرة في موضع النفي صار عاماً ولا

стр. 808

يمكن إثبات التعميم إلا أن يجعل بمعنى واو العطف؛ لأن الإباحة دليل العموم؛ لأن الإباحة رفع القيد، وعند ارتفاع لقيد تثبت الإباحة على سبيل العموم، فاعتبر هذا برفع القيد الحسي، وكذلك في الشرعيات إذا حلف لا يخرج من داره إلا إلى جنازة فخرج إلى جنازة وفعل أفعالا أخر لم يحنث؛ لأنه موضع الإباحة، وكذلك إذا أذن لعبده في نوع من الأنواع يصير مأذونا في الأنواع كلها لما أنه في موضع الإباحة؛ لأن العبد كان ممنوعا عن التصرفات فيكون الإذن فك الحجر، وبالفك تثبت الإباحة، (وفرق ما بين الإباحة والتخيير) أن الجمع بين الأمرين في التخيير يجعل المأمور مخالفا وفي الإباحة موافقا؛ لأنه إذ جمع بينهما في التخيير يقع الامتثال في أحدهما

стр. 809

ولا يقع في الآخر، وفي الإباحة يقع الامتثال بهما؛ لأن موضع الإباحة موضع التعميم على ما ذكرنا. (وإنما تعرف الإباحة من التخيير بحال تدل عليه) وهي: أن تكون هذا بعد سبق الخطر قبله كما في قوله: (لا يكلم أحدا إلا فلانا أو فلانا/ فإن له أن يكلمهما جميعا)، أو أن يعرف الصفة المرغوبة في كل واحد منهما فكان له رضا في الجمع بينهما كما في قوله: جالس الفقهاء أو المحدثين، أو استعملها في موضع إظهار السماحة والجود كما في قوله: خذ من مالي هذا أو هذا، وهذه دلالات الإباحة وإلا فهي للتخيير، ولا فرق بينهما من حيث الصيغة في نفسها إذ في كل منهما استعمال كلمة "أو" بين الشيئين عند إصدار صيغة الأمر من المتكلم. (قد برئ فلان من كل حق لي قبله إلا دراهم أو دنانير أن له أن يدعي المالين جميعا)؛ لأن صدر الكلام للتحريم معنى؛ لأنه يحرم على نفسه الدعوى فكان الاستثناء في موضع الإباحة.

стр. 810

(وقال محمد- ﵀ بكل قليل أو كثير على معنى الإباحة) يعني لو باع الدار لا يدخل الطريق والشرب في البيع، ولو قال بكل قليل أو كثير يدخل على معنى الإباحة، ومعنى الإباحة فيه أن المشتري كان ممنوعا عن الانتفاع بالطريق والشرب. قيل: قوله: "بكل قليل أو كثير" فكان هذا بعد الحظر فكان موضع إباحة، ولكن فيه نوع إشكال وهو أنه لو ثبت الملك للمشتري في الطريق والشرب بطريق الإباحة لأمكن البائع من الرجوع فيهما ومع ذلك لا يمكن. والجواب عنه: إن الملك هنا للمشتري وإن كان ثابتا في موضع الإباحة لكن ثبت ذلك في ضمن عقد لازم وهو البيع فأعطي له حكم المتضمن في اللزوم فلم يملك البائع الرجوع فيهما لذلك. وقوله: (أوجبت التخيير. مثل قول الرجل: والله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار أن له الخيار). اعلم أن في هذه المسألة نوع تخليط فلا بد من حفظه، فإن قوله: "إن له
следующие страницы →