← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

أحدهما غير عين إلى أن قال هذا حر أو هذا، ولهذا ذكر الإمام شمس الأئمة- ﵀ هذه المسألة متصلا بذلك الأصل المذكور بتلك المسألة. (وقال أبو حنيفة- ﵁ نعم هو كذلك، لكن على احتمال التعيين) يعني أن أصل هذا الإيجاب يتناول أحدهما بغير عينه على احتمال التعيين. ألا ترى أنهما لو كانا عبدين تناول أحدهما على احتمال التعيين إما ببيانه أو بانعدام المزاحمة بموت أحدهما، فيصح الإيجاب هنا باعتبار هذا المجاز كما هو أصل أبي حنيفة- ﵀ في العمل بالمجاز، وإن تعذر العمل بالحقيقة لعدم صلاحية المحل له، يعني لما كان هذا الإيجاب صالحا لإثبات العتق في حقيقة هذا الكلام في حق العبدين كان صالحا أيضا لإثبات العتق في محل المجاز أيضا، وهذا هو المحل بجامع وجود العينين الذي كان هو محلا صالحا

стр. 807

لدخول كلمة "أو" وله مجاز متعين وهو إيجاب العتق. غير أن هذا الإيجاب في محل الحقيقة يوجب العتق المبهم، وفي محل المجاز يوجب العتق المعين، فكان منزلة موت أحد العبدين قبل البيان في محل الحقيقة. (فتصير شبيها بواو العطف لا عينه)، فشبهه بواو العطف من حيث إنهما متعينان كما في واو العطف وليس هو بعينه من حيث إن كل واحد منهما مراد بالنفي خلاف الواو. (حتى إذا كلم أحدهما يحنث) بخلاف واو العطف، (ولو كلمهما لا يحنث إلا مرة واحدة)؛ لأنه لما حنث بكلام أحدهما لم تبق اليمين فلم يحنث إلا مرة واحدة ولا خيار له في ذلك، ولو كان على حقيقة لكان له الخيار، وهذا لأنه لما كان كلاهما مرادا لم يبق له الخيار، وثبوت الخيار إنما يلزم من كون أحدهما مرادا وليس كذلك (حتى لو استعمل هذا في الإيلاء) بأن قال: والله لا أقرب هذه أو هذه (بانتا جميعا) كما في واو العطف. فلذلك صار عاما أي لما وقعت النكرة في موضع النفي صار عاماً ولا

стр. 808

يمكن إثبات التعميم إلا أن يجعل بمعنى واو العطف؛ لأن الإباحة دليل العموم؛ لأن الإباحة رفع القيد، وعند ارتفاع لقيد تثبت الإباحة على سبيل العموم، فاعتبر هذا برفع القيد الحسي، وكذلك في الشرعيات إذا حلف لا يخرج من داره إلا إلى جنازة فخرج إلى جنازة وفعل أفعالا أخر لم يحنث؛ لأنه موضع الإباحة، وكذلك إذا أذن لعبده في نوع من الأنواع يصير مأذونا في الأنواع كلها لما أنه في موضع الإباحة؛ لأن العبد كان ممنوعا عن التصرفات فيكون الإذن فك الحجر، وبالفك تثبت الإباحة، (وفرق ما بين الإباحة والتخيير) أن الجمع بين الأمرين في التخيير يجعل المأمور مخالفا وفي الإباحة موافقا؛ لأنه إذ جمع بينهما في التخيير يقع الامتثال في أحدهما

стр. 809

ولا يقع في الآخر، وفي الإباحة يقع الامتثال بهما؛ لأن موضع الإباحة موضع التعميم على ما ذكرنا. (وإنما تعرف الإباحة من التخيير بحال تدل عليه) وهي: أن تكون هذا بعد سبق الخطر قبله كما في قوله: (لا يكلم أحدا إلا فلانا أو فلانا/ فإن له أن يكلمهما جميعا)، أو أن يعرف الصفة المرغوبة في كل واحد منهما فكان له رضا في الجمع بينهما كما في قوله: جالس الفقهاء أو المحدثين، أو استعملها في موضع إظهار السماحة والجود كما في قوله: خذ من مالي هذا أو هذا، وهذه دلالات الإباحة وإلا فهي للتخيير، ولا فرق بينهما من حيث الصيغة في نفسها إذ في كل منهما استعمال كلمة "أو" بين الشيئين عند إصدار صيغة الأمر من المتكلم. (قد برئ فلان من كل حق لي قبله إلا دراهم أو دنانير أن له أن يدعي المالين جميعا)؛ لأن صدر الكلام للتحريم معنى؛ لأنه يحرم على نفسه الدعوى فكان الاستثناء في موضع الإباحة.

стр. 810

(وقال محمد- ﵀ بكل قليل أو كثير على معنى الإباحة) يعني لو باع الدار لا يدخل الطريق والشرب في البيع، ولو قال بكل قليل أو كثير يدخل على معنى الإباحة، ومعنى الإباحة فيه أن المشتري كان ممنوعا عن الانتفاع بالطريق والشرب. قيل: قوله: "بكل قليل أو كثير" فكان هذا بعد الحظر فكان موضع إباحة، ولكن فيه نوع إشكال وهو أنه لو ثبت الملك للمشتري في الطريق والشرب بطريق الإباحة لأمكن البائع من الرجوع فيهما ومع ذلك لا يمكن. والجواب عنه: إن الملك هنا للمشتري وإن كان ثابتا في موضع الإباحة لكن ثبت ذلك في ضمن عقد لازم وهو البيع فأعطي له حكم المتضمن في اللزوم فلم يملك البائع الرجوع فيهما لذلك. وقوله: (أوجبت التخيير. مثل قول الرجل: والله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار أن له الخيار). اعلم أن في هذه المسألة نوع تخليط فلا بد من حفظه، فإن قوله: "إن له

стр. 811

الخيار راجع إلى المسألة الأولى دون الثانية قطعا وبتاتا بدليل روايات الكتب المعتمد عليها. منها: ما ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ في "أصول الفقه" على وفق ما ذكرته حيث قال: وعلى هذا قال في "الجامع": لو قال: والله لأدخلن هذه الدار اليوم أو لأدخلن هذه الدار، فأي الدارين دخل بر في يمينه لأنه ذكر الكلمة في موضع الإثبات فتقتضي التخيير في شرط البر، ولو قال: لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار، فأي الدارين دخل حنث في يمينه؛ لأنه ذكرها في موضع النفي فكانت بمعنى ولا، وهكذا أيضا في "شروح الجامع الكبير" في الباب الآخر من أيمانه. وقال المصنف- ﵀ في "شرح الجامع الكبير": رجل قال: والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار، فأيهما دخل حنث؛ لأنه التزم أحد الأمرين، فلو لم يحنث بأحدهما لصارت اليمين واقعة عليهم جميعا معا وذلك باطل. ألا ترى أنه لو عطف بالواو مع إعادة حرف النفي لكان الجواب ما قلنا، فكان هذا أولى. والفصل الثاني: ولله لأدخلن هذه الدار اليوم، أو لأدخلن هذه الدار اليوم أو لأدخلن هذه الدار، فأيهما دخل بر، وإن مضى اليوم قبل أن يدخلهما حنث؛ لأنه التزم دخول إحداهما، فلو لم يبر بدخول إحداهما

стр. 812

لصار ملتزما دخولهما وليس كذلك، وهكذا أيضا في غيره من "شروح الجامع الكبير" ثم لا يمكن أن يقال: إن معناه أن له الخيار أي في المسألة الثانية أيضا بأن يكون مختارا بين الدخول في إحدى هاتين الدارين مع الحنث؛ لأنه لا يطلق في مثله اسم الخير. ألا ترى أنه كيف نفى الخيار قبل هذا في الكتاب في مثل ذلك في قوله في رجل قال: "والله لا أكلم فلانا أو فلانا- إلى قوله- ولا خيار له في ذلك"، ثم يحتمل أن تكون فائدة إعادة ذكر هذه المسألة الثانية مع ذكر نظيرها قبلها هي إعلام أنه لا يتفاوت ذكر كلمة "أو" في موضع النفي بين أن يكون هي في اسمين كما في المسألة الأولى أو بين فعلين كما في هذه المسألة، ففي كل منهما يقتضي التعميم. (ولها وجه آخر ها هنا) أي في الأفعال. (ويحتمل ضرب الغاية) أي ويحتمل صدر الكلام ضرب الغاية لكونه التحريم للفعل. وهو﴾ يَتُوبَ ﴿على الاسم وهو ﴿شَيْء﴾.

стр. 813

(وللمستقبل) وهو﴾ يَتُوبَ ﴿(على الماضي) وهو﴾ لَيْسَ ﴿يعني لو كان قوله:﴾ أَوْ يَتُوبَ ﴿معطوفا على ما قبله لكان لا يخلو إما إن كان معطوفا على﴾ شَيْءٌ ﴿أو معطوفا على﴾ لَيْسَ ﴿، وليس كل واحد منهما صالحا لكونه معطوفا عليه له لما ذكر، فلذلك سقطت ها هنا حقيقة العطف من "أو" فكان أو ها هنا على هذا التقدير بمعنى "إلا أن" على معنى﴾ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴿فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. كذا في "الكشاف" جعل هذا الوجه آخر الوجوه، وذكر فيه قبل هذا إنه معطوف على ما قبله وهو قوله:﴾ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴿وقوله:﴾ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ﴿اعتراض، والمعنى إن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء. وقيل: إن﴾ يَتُوبَ ﴿منصوب بإضمار أن، وإن﴾ يَتُوبَ ﴿في حكم اسم معطوف ب﴾ أو ﴿على الأمر، أو على﴾ شَيْءٌ ﴿أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم إلى آخره. (واستعير) أي حرف "أو" استعير (لما يحتمله) وهو يحتمل الامتداد أي والتحريم يحتمل الامتداد ويكون الامتداد في غير التحريم أيضا كما في قولك:

стр. 814

لألزمنك أو تعطيني حقي،، وعلى هذا قراءة من قرأ:﴾ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴿بالنصب كما في قول الشاعر. لا أستطيع نزوعا عن مؤدتكم ... أو يصنع البين غير الذي صنعا أي حتى يصنع. وعلى هذا كان قوله: أو أدخل هذه الدار الأخرى بالنصب في قوله: والله لا أدخل هذه الدار، (أو أدخل هذه الدار الأخرى)، والله أعلم.

стр. 815

باب حتى (لا يسقط ذلك عنه) أي لا يسقط معنى الغاية عن هذا الحرف إلا مجازا ليكون الحرف موضوعا لمعنى يخصه أي يخص الحرف ذلك المعنى حتى ينتفي الاشتراك، أو المعنى يخص ذلك الحرف لينتفي الترادف، هذا هو الأصل، وقوله: "إلا مجازا" يعني أينما وجد هذا الحرف وجد فيه معنى الغاية إلا إذا استعمل هذا الحرف بمعنى حرف آخر مجازا، حينئذ يسقط عنه معنى الغاية كما في قوله: عبده حر إن لم آتك حتى أتغد عندك، كان هذا هنا للعطف المحض. (فعلمنا أنها وضعت له) أي إن كلمة (حتى) وضعت لمعنى الغاية،

стр. 816

فأصلها كمال معنى الغاية وخلوصها لذلك بمعنى إلى، ولكن الفرق بينهما من وجوه: أحدها- وهو أيسرها مأخذا- أن كلمة (حتى) تدخل في الغاية الوضعية لا في الجعلية، ونعني بالوضعية أن ينتهي بها الغيا أو ينتهي عندها، وعن هذا لا يقال: نمت البارحة حتى نصف الليل؛ لأن الليل لا ينتهي به ولا عنده، وكلمة إلى تدخل فيهما جميع كقوله تعالى:﴾ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ ﴿وقوله:﴾ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ ﴿فالأيدي لا تنتهي بالمرافق ولا عندها، وكذا صح فيها أن يقال: نمت البارحة إلى نصف الليل، وباقي الفروق مذكور في "الموصل" بعبارة تليق به. وتقول: (أكلت السمكة حتى رأسها أو إلى رأسها، فإنه بقي)، اعلم أن المصنف- ﵀ بهذا التفسير بين خلوص معنى الغاية في حتى؛ لأن كلمة إلى خاصة في الغاية لا كلام فيها، فإنها لو ذكرت في هذا المقام بأن قيل: أكلت السمكة إلى رأسها كان معناها هكذا، وهو أن يقال: إن رأسها بقي، فلما جاءت حتى هاهنا في معنى إلى في حق بقاء الرأس علم أن حتى جاءت للغاية الخالصة، فإن حتى لو لم تكن خالصة للغاية ها هنا لجاءت على ما يقوله

стр. 817

أهل النحو، وهو: أن يدخل ما بعدها فيما قبلها، وبه تفارق كلمة إلى أيضا هو فرق آخر بينهما على ما ذكر في كتب النحو بقوله: ومن حق حتى ن تدخل ما بعدها فيما قبلها. ففي مسألتي السمكة والبارحة قد أكل الرأس. ونيم الصباح، بخلاف كلمة إلى. (وهذا على مثال سائر الحقائق) أي الكمال هو الأصل في سائر الحقائق فكذا هنا، فعلى هذا الطريق جعل ها هنا ورود حتى لخلوص معنى الغاية حقيقتها الأصلية، ولكن الاستعمال فيها على وفق ما ذكر في كتب النحو وهو: أن يدخل ما بعدها فيما قبلها. (ثم قد يستعمل للعطف لما بين الغاية والعطف من المناسبة) لما فيهما من التعاقب، فإن المعطوف يعقب المعطوف عليه ويجتمع معه، فكذلك الغاية تذكر بعد لمغيا وتجتمعان، فاستعيرت للعطف.

стр. 818

لهذا (جاءني القوم حتى زيد) فيه معنى العطف؛ لأن زيدا جائي فكان للعطف من هذا الوجه، ومن حيث إن مجئ القوم ينتهي بمجيئه فيه معنى الغاية، وذلك إنما يكون إذا كان (زيد أفضلهم) لا يتوقع مجيئه عادة، فينتهي مجئ القوم بمجيئه، (أو أرذلهم)؛ لأن في العادة إنما يعتبر مجئ الأكابر لا الأراذل، فلما أراد ذكر تعميم مجئ القوم ذكر بهذا الطريق ليعلم به مجئ جميعهم، فكان مجئ الأراذل غاية لانقطاع مجئ القوم. ألا ترى إلى وصل (قولهم: استنت الفصال حتى القرعى) بهذا القول علم بهذا أنه أراد به الأرذل وهذا مثل يضرب لمن يتكلم مع من لا ينبغي أن يتكلم بين يديه لجلالة قدره. يقال: استن الفرس إذا رفع يديه ويطرحهما معا ويضرب برجليه كذلك في العدو، والقريع: الفصيل الذي به قرع- بالتحريك- هو بثر أبيض يخرج بالفصال ودواؤه الملح، فإذا لم يجدوا

стр. 819

ملحاً نتفوا أوباره ونضحوا جلده بالماء ثم جروه على السبخة وجمعه القرعى كمريض ومرضى، ثم ها هنا الاستنان أي العدو لا يتوقع من القريع لضعفه لما اتصل به من القرع، فينتهي استنان سائر الفصال باستنانها. وحاصله أن في حتى لم يكن بد من اعتبار معنى الغاية إما في الأعلى أو في الأدنى، وهو معنى ما ذكر في "المفصل" بقوله: وحتى للغاية والدلالة على أحد طرفي الشيء.

стр. 820

(فكانت حقيقة قاصرة)؛ لأن كمال الغاية هو أن لا تدخل الغاية تحت المغيا على ما أشار إليه قبل هذا بقوله: فأصلها كمال معنى الغاية فيها وخلوصها لذلك بمعنى إلى. وهناك لم تدخل الغاية تحت المغيا، ولما دخلت الغاية هنا تحت المغيا باعتبار وجود معنى العطف فيها حتى دخل زيد تحت الجائين في قوله: جاءني القوم حتى زيد مع وجود معنى الغاية كانت الغاية فيها قاصرة بالنسبة إلى ما ذكر قبله من كمال معنى الغاية فيها، تقول: (ضربت القوم حتى زيد غضبان) يعني ضربت القوم حتى صار زيد غضبان، فصار غضب زيد غاية الضرب. (ومواضعها في الأفعال أن يجعل غاية بمعنى إلى) كقوله تعالى:﴾ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴿. (أو غاية هي جملة مبتدأة) كقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُول﴾

стр. 821

في قراءة من قرأ بالرفع. (وعلامة الغاية أن يحتمل الصدر الامتداد) كقوله تعالى:﴾ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴿(وأن يصلح الآخر دليلا على الانتهاء)؛ لأن الغاية هي التي ينتهي إليها الشيء، فلا بد من الامتداد في الأول والانتهاء في الآخر. (فإن لم يستقم فللمجازاة) وعدم الاستقامة، إما بعدمهما أو عدم أحدهما، فيحمل على المجازاة إذا كان صدر الكلام سببا لما بعده وما بعده يصلح حكما له، فحينئذ يحمل على المجازاة؛ لأن جزاء السبب غاية لسببه، فيكون المجازاة مع قيام معنى الغاية نظير قسم العطف من الأسماء كما قلنا: جاءني القوم حتى زيد، وأكلت السمكة حتى رأسها أنه للعطف مع قيام معنى الغاية، فكذلك ها هنا إنه للمجازاة مع معنى الغاية.

стр. 822

قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ ﴿وما قبله:﴾ قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ﴿إلى قوله:﴾ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ ﴿فالمقاتلة ها هنا تصلح دليلا للامتداد؛ لأنه يقال: قتل شهرا وقاتل سنة، والآخر يصلح للانتهاء؛ لأن نفس الكفر غير مبيح للقتل إذا لم يكن من أهل صلاحية القتال؛ لأن قتل رهابين الكفار وشيوخهم ونسائهم غير مشروع، بل المبيح للقتل كفر المحارب أو صلاحيته، والجزية خلف عن الإسلام وقبول ما هو خلف عن الإسلام يصلح دليل لانتهاء القتال، فلذلك كانت كلمة (حتى) هنا للغاية. (﴾ وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴿) أي كيلا تكون فتنة؛ لأن آخر الكلام لا يصلح لانتهاء صدر الكلام؛ لأن القتال واجب مع عدم الفتنة، فإن القتال واجب وإن لم يبدأ الكفار لقوله تعالى:﴾ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ﴿

стр. 823

الكُفَّار﴾ وقوله تعالى:﴾ ولْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ﴿. ولكن صدر الكلام يصلح سببا لانتفاء الفتنة فلذلك حمل على لام كي. هذا على تقدير تفسير الفتنة بالخراب والقتال. وأما على تقدير تفسيرها بالشرك والكفر كان غاية للقتال؛ لأن القتال ينتهي بانعدام الشرك، وتفسيرها بالشرك أولى بدلالة ما بعدها، وهو قوله تعالى:﴾ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴿ وقوله: (على ما هو موضوع الغايات أنها أعلام الانتهاء من غير أثر) معناه أن الغاية علامة على انتهاء صدر الكلام من غير أن يكون للغاية أثر في انتهاء صدر الكلام، على ما عرف أن علامة الشيء أن تعرف ذلك الشيء ولا توجبه، ولا يضاف ذلك الشيء إليه لا وجودا ولا وجوباً كالإحصان

стр. 824

مع الرجم، فإن الإحصان علامة على وجوب الرجم إذا وجد الزنا من المحصن من غير أن يكون الرجم مضافا إليه لا وجوبا ولا وجودا. ثم معنى قوله:﴾ وزُلْزِلُوا ﴿حركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع،﴾ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ﴿أي إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها﴾ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴿أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة وتماديه في العظم؛ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها، وقرئ﴾ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ﴿بالرفع على أنه في معنى الحال

стр. 825

كقوله: شريت الإبل حتى يجئ البعير يجر بطنه. إلا أنه حال ماض محكية، فلا يكون فعلهم سببا لمقالة الرسول. فإن قيل: فليس لهم الفعل في زلزلوا، بل وقع الزلزال عليهم، فكيف جعل ذلك فعلهم؟ قلنا: فإنهم لما زلزلوا كان التزلزل موجودا منهم؛ لأنهم إذا حركوا كان التحرك موجودا منهم خصوصا على اصطلاح أهل النحو، فإنهم هم الفاعلون بسبب أنهم أسند إليهم الزلزال على بناء المفعول. (والكف عنه محتملة في حكم الحنث لا محالة) يعني أن الضرب لما كان ممتدا بطريق التكرار فالكف عنه الذي حكم الحنث يحتمل الامتداد بالطريق الأولى؛ لأن الكف عن الضرب امتناع، والامتناع عن الشيء أكثر امتدادا من ذلك الشيء، وإنما قال: "والكف منه محتمله لا محالة" لأن صدر الكلام إن لم أضرب فلا بد من كونه ممتدا. أو نقول: "والكف عنه أي عن الضرب محتمله" أي الكف عن الضرب محتمل الضرب أي الامتناع عنه محتمل؛ لأنه يشترط أن يكون فعل الحنق مقدورا حتى يتحقق الحنث. ألا ترى أن من قال: إن لم أقتل فلانا فعبده حر، وفلان ميت وهو لا يعلم بموته لم يحنث؛ لأن شرط الحنث عدم القتل وهو غير ممكن.

стр. 826

(وهذه الأمور دلالات الإقلاع عن الضرب) أي الامتناع عنه؛ لأن الصياح يصلح دليلا على انتهاء الضرب، وكذلك إخواته، وصدر الكلام يحتمل الامتداد؛ لأن الضرب بطريق التكرار يحتمل الامتداد يعني بتجدد أمثاله يمتد كالجلوس وغيره، فيكون الضرب إلى هذه الأمور ممتدا في حكم البر. يعني إذا ضربه إلى هذه الغاية بر في يمينه، فإذا أمسك عن الضرب قبل وجود هذه الأمور حنث لفوات البر فوجب العمل بحقيقتها إذا لم يغلب على الحقيقة عرف هو راجح حينئذ، وفيما نحن فيه لم يغلب فوجب العمل بالحقيقة حتى لو غلب على الحقيقة عرف هو راجح تترك الحقيقة وتحمل على العرف في قولهم: إن لم أضربك حتى أقتلك أو حتى تموت، فإنه يحمل على الضرب الشديد حتى إذا ضربه ضربا شديدا ثم أمسك عن الضرب قبل أن يقتله أو يموت فقد بر، ولو قال: إن لم أضربك حتى يغشى عليك فأميك عن الضرب قبل أن يصير مغشيا عليه حنث؛ لأنه لم يغلب على الحقيقة عرف راجح، فإن الضرب إلى أن يغشى عليه كالضرب إلى أن يشفع فلان وغير ذلك.

стр. 827

(لأن هذا الفعل إحسان) أي فعل التغدي إحسان من المتعدي لصاحب الطعام. فإن قلت: كيف يكون أكل طعام الغير إحسانا لذلك الغير بل هو إحسان لنفسه وهو الأكل؟ قلت: نعم هو أحسان لنفسه وهو ظاهر لكن مع ذلك هو إحسان لصاحب الطعام أيضا. ألا ترى إلى قصة ضيف إبراهيم ﵇ في قوله تعالى:﴾ هل أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ (٢٤) إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا ﴿إلى قوله:﴾ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَاكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴿فلما خاف إبراهيم ﵇ بسبب تركهم الأكل علم أن أكل طعامه إحسان له منهم؛ لأنهم يزيلون به خوفه، فإزالة الخوف من الغير إحسان له. (ولا يصلح إتيانه سببا لفعله)؛ لأنه موقوف على اختيار مختار وفعل بإرادة، والحكم ما يحصل عقيب السبب كالملك عقيب الشراء والحل عقيب النكاح، وفي هذا موقوف على اختيار مختار، فلذلك لم يصلح إتيانه سببا لفعله بخلاف ما إذا كان بين اثنين بأن قال: إن لم آتك حتى تغذيني حيث صار الأول سببا للثاني، والثاني حكما للأول، وإن توقف على فعل مختار؛

стр. 828

لأن الثاني يجعل كأنه فعل من غير اختيار فرارا من اللوم وشين التغيب، فإنه في العرف يعد لوما ويعير على ذلك بأن يأتيه إنسان وهو لا يقدم إليه الطعام، ولا كذلك في مسألتنا فإنه لا يعد من اللوم فافترقا من هذا الوجه. (ولا فعله جزاء لإتيان نفسه)؛ لأنه لا يصلح مكافيا لنفسه؛ لأن المكافئ غير المكافي، ولهذا لأن الجزاء الخير بطريق المكافأة إنما يفعل لكي يكون ذلك داعيا ومحرضا إلى ذلك الفعل الذي صار ذلك الفعل سببا لوجود مثل هذا الجزاء الحسن الذي يحصل من الغير بطريق الشكر لفعله والمكافأة، وذلك إنما يصح له من الغير لا من نفسه لنفسه؛ لأن ذلك مطلق العنان كامل الاختيار فيتمكن من الإقدام على إحراز المحاسن التي يتيسر من غير أن يجازي الجزاء الحسن نفسه لنفسه. فلذلك حمل على العطف المحض لا على المجازاة، ثم بحمل الجزاء المذكور في الكتاب على الجزاء الحسن الذي يحصل من الغير بطريق الشكر يخرج الجواب عن شبهة يقولونها بأن فعل الإنسان يصلح جزاء لفعل نفسه. ألا ترى أن أداء المثل فعل نفسه في كفارة الحج في قتل الصيد الذي هو فعل نفسه أيضا، وكذلك سجدة السهو في صلاته، وكذلك ضمان إتلاف مال الغير كل ذلك فعل منه صلح جزاء لفعل نفسه.

стр. 829

قلنا: قد أوجب الله تعالى تلك الأفعال عليه إما زجر عليه كما في كفارة الصيد أو لجبر النقصان كما في سجدة السهو، وضمان الإتلاف فلا يرد علينا نقضا لما أن الجزاء المذكور هو الذي يجازي به بطريق الشكر، وذلك لا يتصور من نفسه لنفسه. وقوله: (فصار كنه قال إن لم لآتك فأتغد عندك) متصل بقوله: ولو قال: "عبدي حر إن لم آتك حتى أتغدى عندك" لأن قوله: "حتى أتغدى" لا يصلح أن يكون تفسيرا لقوله: " إن لم آتك حتى أغذيك" وقوله: حتى إذا آتاه فلم يتغد ثم تغدى من غير تراخ). فإن قيل: في هذا اللفظ تناقض؛ لأنه لما لم يتغذ حين آتاه ثم تغذى بعده لا بد أن يقع تغذيه متراخيا عن الإتيان فكيف قال بعد ذلك: ثم تغذى من بعد غير متراخ؟ قلنا: المراد من قوله: "لم يتغذ" أي لم يتغذ مقارنا بالإتيان، ولكن تغذى بعد الوصول إليه من غير تراخ، أو معناه من غير تراخ أي من غير تبدل المجلس، فإن الفعل إذ أوتي به من غير تبدل المجلس لا يسمى متراخيا. (وهذه الاستعارة) أي الاستعارة للعطف المحض (اقترحها أصحابنا)

стр. 830

أي قالها، وفي المصادر الاقتراح: جيزي رادر وقت كفتن. (وهذا على مثال استعارات أصحابنا في غير هذا الباب) كما في استعارة البيع والهبة للنكاح، واستعارة العتاق للطلاق، ثم حاصل هذا المجموع هو ما ذكر في خزيادات صاحب الهداية بقوله: "إنه إذا كان للغاية لا يبر في يمينه إذا أقلع عن الفعل قبل وجود الغاية، وفي المجازاة لا يتوقف البر على وجود الفعل الثاني، وفي العطف يتوقف البر على وجودهما، وفي قوله: "إن لم آتك حتى أتغذى" صر كأنه قال: إن لم آتك فأتغذى فما لم يوجد الفعلان لا يبر في يمينه، ولو أتاه في اليوم وتغذى عنده بر في يمينه إلا إذا غني به الفور؛ لأن شرط البر وجود الفعلين بوصف التعقيب، والتعقيب قد يكون بوصف الاتصال، وقد يكون بوصف التراخي، فإذا وجد الفعلان فقد وجد شرط البر، والله أعلم.

стр. 831

باب حروف الجر (ولهذا صحبت الباء الأثمان) إيضاح لقوله: "إن الباء للإلصاق". ووجه الاستدلال به على أن الباء للإلصاق هو أن المبيع صل في البياعات والثمن تبع، وهو معروف بدليل صحة البيع عند عدم ملك الثمن وعدم صحته عند عدم ملك المبيع، وكذلك في الإقالة لا تحتاج صحتها إلى بقاء الثمن وتحتاج إلى بقاء المبيع، ولما كان كذلك لم يكن بد من استعمال الباء في إبدال المعاوضات ليستدل بها على أن هذا البدل بمقابلة ذلك البدل وهو معنى الإلصاق؛ لأنه يلصق هذا بذاك، وفي إلصاق الشيء بالشيء يعلم أن ما دخل فيه الباء تبع كالآلة، وما لم يدخل فيه أصل، كما يقال: كتبت بالقلم، وضربت بالسوط، وتكلمت باللسان، والآلة ليست بمقصودة فتعين دخول الباء في الثمن ليكون داخلا في الآلة في البيع كما في النظائر ليكون المبيع

стр. 832

ملصقاً بالثمن (فيمن قال: إن اشتريت منك هذا العبد بكر من حنطة)، ووصفها أن الكر ثمن) وإنما عين هذه الصورة؛ لأن ما ادعاه من دخول الباء في الأثمان لا يتأتى إلا في هذه الصورة. بيان ذلك مذكور في "النهاية" هو أن الأموال ثلاثة: ثمن محض كالدراهم والدنانير، فإنها خلقت للثمنية سواء صحبها حرف الباء أو لا. ومبيع محض وهو الأعيان التي ليست من ذوات الأمثال كالحيوانات، ومتردد بين كونه مبيعا وثمنا فهو المكيلات والموزونات، فإنها مبيعة باعتبار أنها منتفع بأعيانه ثمن باعتبار أنها مثلية كالدراهم والدنانير، فإن قابلها الدراهم والدنانير فهي مبيعة. وأما إذا كان في مقابلتها عين فإن كانت المكيلاات والموزونات معينة فهي مبيعة وثمن سواء دخل فيها الباء أم لا؛ لأن البيع لا بد له من مبيع وثمن، وليس أحدهما بأن يجعل مبيعا بأولى من الآخر، فجعلنا كل واحد منهما مبيعا من وجه ثمناً من وجه.

стр. 833

وأما إذا كانت غير معينة فإن استعملت استعمال الثمن فهي ثمن بأن يقول: اشتريت هذا العبد بكذا كذا حنطة ويصف ذلك، وإن استعملت استعمال المبيع كانت مبيعة بأن قال: اشتريت منك كذا حنطة بهذا العبد فلا يصح العقد إلا بطريق السلم. كذا في "الذخيره" وغيرها. " إن الكر ثمن يصح الاستبدال به" وإنما ذكر هذا لأن جواز الاستبدال من خاصية الأثمان (بخلاف ما إذا أضاف العقد إلى الكر فقال: اشتريت منك كر حنطة بهذا العبد فإنه يكون سلما)؛ لأنه لما أضاف إليه العقد جعله مبيعا لأن المبيع ما يضاف إليه البيع، والمبيع لا يثبت في الذمة إلا سلما، فلذلك جعل ها هن هذا سلما. (فصار الكر شرطا) أي تبعا؛ لأن ما صحبه الباء لا يصلح مفعول الخبر؛ لأن ما صحبه الباء صار جارا ومجرورا وهو شاغل ومشغول، فلا يصلح أن يكون مشغول الغير.

стр. 834

ولا يقال يقولون: فلان شكر لفلان، وقوله: لفلان شاغل ومشغول ومع ذلك يصلح مفعولا؛ لأنا نقول: إن حرف الجار ها هنا صلة؛ لأنه يستعمل باللام وغير اللام، وشغله لم يكن أصليا بخلاف الباء، فإنه للإلصاق، وفي جعله مفعولا إبطال الإلصاق فلا يجوز، فأمكن أن يجعل شيئا آخر مفعولا وهو خبر في قوله: (إن أخبرتني) خبرا ملصقا بقدومه، والتحقيق فيه أن يقال: إن الباء لما كانت للإلصاق اقتضى الاسم الذي دخل فيه الباء اسما آخر يلصق هو به (ومفعول الخبر) أي ومفعول الثاني للإخبار إنما يجئ بغير حرف الجر كما في قوله: إن أخبرتني خبرا أو إن أخبرتني أن فلانا قد قدم، فلم يصلح لذلك أن يكون الاسم الذي دخل فيه الباء مفعول الخبر؛ لاقتضاء حرف الإلصاق إلصاق الاسم بالاسم الذي هو المفعول الثاني للإخبار في قولك: أن أخبرتني خبرا ملصقا بالقدوم، ومعنى حرف الإلصاق قولهم: مررت بزيد أي التصق مروري بموضع يقرب من زيد.

стр. 835

ولما كان كذلك (والقدوم اسم لفعل موجود) لم يقع لذلك يمينه على الكذب. فإن قيل: يشكل هذا قول من قال لامرأته: إن كنت تحبيني بقلبك فأنت طالق، فقالت: أحب. طلقت وإن كانت كاذبة فيما أخبرت على قولهما خلافا لمحمد. قلنا: إنما وقع ذلك على الإخبار فحسب؛ لأن الإطلاع على ما في القلب غير ممكن على العباد، فجعل اللسان خلفا عن القلب، فطلقت لوجود ما هو خلف عن القلب لا باعتبار أنه صادق أو كاذب، والأصل أن الشيء إذا قام مقام شيء آخر لتعذر الوقوف على ذلك الشيء الآخر، فالملتفت إليه هو الظاهر القائم مقام غيره لا معرفة حقيقة ذلك الغير، بخلاف القدوم فإنه أمر محسوس معاين ولم يتعذر الوقوف عليه، فلذلك اشترط الخبر الملصق بالقدوم الموجود وذلك بالصدق، ومفعول الخبر كلام لا فعل فصار كأنه قال: إن تكلمت بقدوم فلان، فصار المفعول التكلم بقدومه وقد وجد. (وذلك دليل الوجود) أي الإخبار دليل الوجود (لا موجب له)؛ لأن الخبر دليل والمدلول غير ثابت به

стр. 836

وفي "التقويم" الخبر هو الكلام الدال على أمر كان أو سيكون غير مضاف كينونته إلى الخبر وهذا لأن قولهم: ضرب فلان فلانا يدل على وجود الضرب من فلان في الزمان الماضي، ويستحيل أن يثبت الضرب بقولهم: ضرب، فكذلك قوله: "قدم فلان" دليل على قدومه لا أن هذا القول يثبت قدومه بل الإخبار دليل على وجود الصانع، والعالم مثبت الله تعالى ومنشأه، فيستحيل أن يكون العالم مثبتا، فكن شرط الحنث قوله: "قدم فلان" وقد وجد ذلك فيحنث وجد القدوم أو لم يوجد. وقوله: () ولهذا قالوا في قول الرجل: أنت طالق بمشيئة الله إنه بمعنى الشرط)، حتى لا يقع الطلاق كما لا يقع بقوله: أنت طالق إن شاء الله، إيضاح لقوله: "أما الباء فللإلصاق" لما أن بين الإلصاق والشرط مناسبة، فكان كون الباء بمعنى الشرط في قوله: "بمشيئة الله" إنما كان بسبب أن الباء للإلصاق، فوجه المناسبة بينهما أن بالإلصاق يتصل الملصق بالملصق به، ولا وجود للملصق بدون الملصق به، فكذلك المشروط يتصل بالشرط أيضا، ولا وجود للمشروط بدون الشرط فتناسبا فاستعير الإلصاق للشرط، (وكذلك أخواتهما) وهي الرضا والمحبة.

стр. 837

(حتى أوجب مسح بعض الرأس) وذلك أدنى ما يتناوله اسم الرأس ولو ثلاث شعرات، هكذا نص في "المبسوط".

стр. 838

(فيصير تقديره: وامسحوا رؤوسكم)، فيلزمه استيعاب جميع الرأس. (وقد بينا أن التكرار والاشتراك لا يثبت في الكلام أصلا) أي لا يثبت بطريق الأصالة، و (لا يصار إلى إلغاء الحقيقة)، وهي أن الباء للإلصاق، فيلزم من قول الشافعي إلغاء حقيقة الإلصاق، ويلزم من قول مالك حمل الكلام على التوكيد من غير ضرورة، وإذا حمل على التوكيد تلغى حقيقة الإلصاق أيضا، فكان العمل بالحقيقة هو ما قاله أصحابنا- ﵏: إن الباء للإلصاق، ولكن التبعيض والاستيعاب إنما ينشأ من شيء آخر وهو ما

стр. 839

قرره في الكتاب. وقوله: (وأما الاستيعاب في التيمم) إلى آخره جواب لما ورد شبهة على الدعوى الأولى وهي أن الباء للإلصاق، لكن إذا دخل في محل المسح لم يقتض استيعابه. والجواب: أما على رواية الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- فلا يشكل؛ لأنه لا يشترط الاستيعاب لهذا المعنى، وأما على ظاهر الرواية فهو ما ذكره في الكتاب. (وعلى هذا قول الرجل) أي وعلى أن الباء للإلصاق؛

стр. 840

(لأن الاستثناء يناسب الغاية)؛ لأن حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، فكذا في الاستثناء يخالف ما بعده لما قبله، ولأن الغاية تكون متصلة بالمغيا، فكذلك الاستثناء يكون متصلا بالمستثنى منه. [على] (فإن دخلت في المعاوضات المحضة كانت بمعنى الباء)؛ لأن تقريره على ما وضع له فيها متعذر؛ لأن فيها معنى الشرط، والمعاوضات المحضة لا تليق بالشرط لما فيه من الإيجاب بالخطر وهو قمار وذلك لا يجوز، فلذلك استعيرت للباء؛ لأنها مخصوصة لمصاحبة الأعواض وإلصاق بعضها ببعض فاستعير له، (لأن اللزوم يناسب الإلصاق) بل هو أثر الإلصاق، فكان بمنزلة المطاوع للمتعدي؛ لأن اللزوم في اللغة هو اللصوق، واللصوق مطاوع

стр. 841

الإلصاق، والملصق يلزم الملصق به، فكان بينهما تناسب. (وإذا استعملت في الطلاق كانت بمعنى الشرط عند أبي حنيفة- ﵁ حتى) إن الزوج إذا طلقها واحدة عقيب قولها: طلقني ثلاثا على ألف درهم لم يجب شيء، ولكن يقع الطلاق الرجعي؛ لأن كلمة (على) للزوم على ما قلنا، والألف لازم على المرأة بقضية كلمة على. (وليس بين الواقع وهو الطلاق وبين ما لزمها من المال مقابلة)؛ لأن المقابلة من الإضافيات، فيثبت المقابل مع ما يقابله معا معا، وفي المعاوضات يثبت العقد ٩٧٧، ومع المعوض معا معا تحقيقا للمقابلة، ومن ضرورته يلزم توزع أجزاء العوض على أجزاء المعوض، وما نحن فيه ليس بمعاوضة محضة، فلا يتحقق فيه ما يتحقق في المعاوضة المحضة. (بل بينهما معاقبة) أي يثبت أحدهما وهو المشروط عقيب الآخر وهو الشرط، فإن جعل ثلاث تطليقات شرطا لوجوب الألف يتقدم على وجوب

стр. 842

الألف؛ لأن وجوب الألف مشروط، وإن جعل الألف شرطا وهو الظاهر لدخول كلمة "علي" عليها فوجوب المال يتقدم وقوع الطلاق، وهذ معنى الشرط والجزاء وهو بمنزلة حقيقة كلمة "على" للزوم، وبين الشرط والمشروط ملازمة، وقد أمكن العمل بحقيقة هذه الكلمة فيما نحن فيه فيعمل بها. ومعنى الحقيقة بينهما باعتبار المعاقبة؛ لأن حقيقة هذه الكلمة التعلي وفيه التعاقب؛ لأن الصاعد على الشيء فوق ذلك الشيء، وكذلك بين الشرط والمشروط معاقبة، أو معنى الحقيقة بينهما باعتبار الملازمة وفيهما ذلك، فكان العمل بمعنى الشرط عملا بحقيقة كلمة "على" بهذا الطريق؛ لأن الطلاق وإن دخله العوض يصلح تعليقه بالشروط، حتى إن الزوج إذا قال: أنت طالق على ألف أنه يمين لا يملك الرجوع عنه قبل قبول المرأة، ولما كان كذلك لم يتوزع أجزاء المشروط على أجزاء الشرط بل المشروط يثبت عقيب جملة الشرط. والفقه فيه أنه لو توزع أجزار المشروط على أجزاء الشرط يتقدم المشروط على الشرط وهو محال. (وفي المعاوضات المحضة لا يستقيم معنى الشرط) لما فيه من تعليق المال

стр. 843

بالخطر وهو لا يجوز بخلاف تعليق المال بالطلاق؛ لأن المال وقع في ضمن ما يصح فيه التعليق، وما ثبت الشيء في ضمن شيء لا يعطى له حكم نفسه بل يعطى له حكم المتضمن، ثم في مسألتنا جاز أن يقال: تعلق ثلاث تطليقات بألف، تطليقة بثلث الألف، وجاز أن يقال: تعلق الألف بثلاث تطليقات؛ لأن معنى هذا الكلام: إن طلقتني ثلاث تطليقات فعلي ألف درهم. وقول المصنف في الكتاب: "فصار هذا منها طلبا لتعليق المال بشرط الثلاث يقرر الأخير، إلا أنه بقي إشكال وهو أن كلمة "على" دخلت على الألف فكان هو شرط، ووقوع الثلاث مشروطا غير أن الكلام لما كان شيئا واحدا كان دخول كلمة "على" على الألف دخولا في ذاك. والدليل على صحة هذا التقرير الذي ذكرت صريح ما ذكره المصنف- ﵀ في "شرح الجامع الكبير" في هذه المسألة بقوله: ولأبي حنيفة- ﵀ أن كلمة "على" بمعنى الشرط؛ لأن أصلها اللزوم، واستعير للشرط؛ لأنه يلازم الجزاء فصارت طالبة للثلاث بألف كلمة هي للشرط، فصار كل واحد منهما- أي المال والطلاق- شرطا لصاحبه فصار بحكم الاتحاد دخولها على المال مثل دخولها على الطلاق، وهذا بعينه لفظه- ﵀. وما ذكره في "المبسوط" يدل على هذا أيضا فقال: والطلاق مما يحتمل التعليق بالشرط وهذا يدل على أن وجوب المال على المرأة شرط، والطلاق

стр. 844

مشروط - ثم قال بعده: وإنما شرطت لوجوب المال عليها إيقاع الثلاث، وهذا يدل على أن الإيقاع الثلاث شرط ووجوب المال مشروط. فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- ﵀ عن قولهما بأن الألف يتوزع على التطليقات الثلاث في كلمة"على" أيضا كما يتوزع إذا ذكرت بالباء. ألا ترى أنها لو قالت: طلقني وفلانة على ألف درهم فطلقها وحدها كان عليها حصتها من المال بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء، فكذلك ها هنا يجب أن يكون كذلك؟ قلت: إن جوابه أن للمرأة في طلب ثلاث تطليقات بمقابلة العوض غرضا صحيحا، وهو حصول البينونة الغليظة حتى لا تصير في وثاق

стр. 845

نكاحه، وإن أكرهها على ذلك فاعتبرنا معنى الشرط في ذلك لتحصيل مقصودها. وأما في قولها: طلقني وفلانة على كذا فليس لها غرض صحيح؛ لأنه لا غرض لها في طلاق فلانه ليجعل ذلك كالشرط منها. بخلاف ما نحن فيه فإن لها فيها غرضا صحيحا على ما ذكرنا. كذا في "المبسوط"، فصار هذا بمنزلة حقيقة هذه الكلمة. وقد ذكر في " المبسوط" وأبو حنيفة ﵀ يقول: حرف "على" للشرط حقيقة؛ لأنه حرف الالتزام ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم، بل بينهما معاقبة كما يكون بين الشرط والجزاء، فكان معنى الشرط فيه حقيقة والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز. قال الله تعالى:﴾ حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ ﴿وما قبله:﴾ وقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ ﴿؛ أي بشرط أن لا أقول على الله إلا الحق.
следующие страницы →