Полный текст (2 351 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الإلصاق، والملصق يلزم الملصق به، فكان بينهما تناسب.
(وإذا استعملت في الطلاق كانت بمعنى الشرط عند أبي حنيفة- ﵁ حتى) إن الزوج إذا طلقها واحدة عقيب قولها: طلقني ثلاثا على ألف درهم لم يجب شيء، ولكن يقع الطلاق الرجعي؛ لأن كلمة (على) للزوم على ما قلنا، والألف لازم على المرأة بقضية كلمة على.
(وليس بين الواقع وهو الطلاق وبين ما لزمها من المال مقابلة)؛ لأن المقابلة من الإضافيات، فيثبت المقابل مع ما يقابله معا معا، وفي المعاوضات يثبت العقد ٩٧٧، ومع المعوض معا معا تحقيقا للمقابلة، ومن ضرورته يلزم توزع أجزاء العوض على أجزاء المعوض، وما نحن فيه ليس بمعاوضة محضة، فلا يتحقق فيه ما يتحقق في المعاوضة المحضة.
(بل بينهما معاقبة) أي يثبت أحدهما وهو المشروط عقيب الآخر وهو الشرط، فإن جعل ثلاث تطليقات شرطا لوجوب الألف يتقدم على وجوب
стр. 842
الألف؛ لأن وجوب الألف مشروط، وإن جعل الألف شرطا وهو الظاهر لدخول كلمة "علي" عليها فوجوب المال يتقدم وقوع الطلاق، وهذ معنى الشرط والجزاء وهو بمنزلة حقيقة كلمة "على" للزوم، وبين الشرط والمشروط ملازمة، وقد أمكن العمل بحقيقة هذه الكلمة فيما نحن فيه فيعمل بها.
ومعنى الحقيقة بينهما باعتبار المعاقبة؛ لأن حقيقة هذه الكلمة التعلي وفيه التعاقب؛ لأن الصاعد على الشيء فوق ذلك الشيء، وكذلك بين الشرط والمشروط معاقبة، أو معنى الحقيقة بينهما باعتبار الملازمة وفيهما ذلك، فكان العمل بمعنى الشرط عملا بحقيقة كلمة "على" بهذا الطريق؛ لأن الطلاق وإن دخله العوض يصلح تعليقه بالشروط، حتى إن الزوج إذا قال: أنت طالق على ألف أنه يمين لا يملك الرجوع عنه قبل قبول المرأة، ولما كان كذلك لم يتوزع أجزاء المشروط على أجزاء الشرط بل المشروط يثبت عقيب جملة الشرط.
والفقه فيه أنه لو توزع أجزار المشروط على أجزاء الشرط يتقدم المشروط على الشرط وهو محال.
(وفي المعاوضات المحضة لا يستقيم معنى الشرط) لما فيه من تعليق المال
стр. 843
بالخطر وهو لا يجوز بخلاف تعليق المال بالطلاق؛ لأن المال وقع في ضمن ما يصح فيه التعليق، وما ثبت الشيء في ضمن شيء لا يعطى له حكم نفسه بل يعطى له حكم المتضمن، ثم في مسألتنا جاز أن يقال: تعلق ثلاث تطليقات بألف، تطليقة بثلث الألف، وجاز أن يقال: تعلق الألف بثلاث تطليقات؛ لأن معنى هذا الكلام: إن طلقتني ثلاث تطليقات فعلي ألف درهم.
وقول المصنف في الكتاب: "فصار هذا منها طلبا لتعليق المال بشرط الثلاث يقرر الأخير، إلا أنه بقي إشكال وهو أن كلمة "على" دخلت على الألف فكان هو شرط، ووقوع الثلاث مشروطا غير أن الكلام لما كان شيئا واحدا كان دخول كلمة "على" على الألف دخولا في ذاك.
والدليل على صحة هذا التقرير الذي ذكرت صريح ما ذكره المصنف- ﵀ في "شرح الجامع الكبير" في هذه المسألة بقوله: ولأبي حنيفة- ﵀ أن كلمة "على" بمعنى الشرط؛ لأن أصلها اللزوم، واستعير للشرط؛ لأنه يلازم الجزاء فصارت طالبة للثلاث بألف كلمة هي للشرط، فصار كل واحد منهما- أي المال والطلاق- شرطا لصاحبه فصار بحكم الاتحاد دخولها على المال مثل دخولها على الطلاق، وهذا بعينه لفظه- ﵀.
وما ذكره في "المبسوط" يدل على هذا أيضا فقال: والطلاق مما يحتمل التعليق بالشرط وهذا يدل على أن وجوب المال على المرأة شرط، والطلاق
стр. 844
مشروط - ثم قال بعده: وإنما شرطت لوجوب المال عليها إيقاع الثلاث، وهذا يدل على أن الإيقاع الثلاث شرط ووجوب المال مشروط.
فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- ﵀ عن قولهما بأن الألف يتوزع على التطليقات الثلاث في كلمة"على" أيضا كما يتوزع إذا ذكرت بالباء.
ألا ترى أنها لو قالت: طلقني وفلانة على ألف درهم فطلقها وحدها كان عليها حصتها من المال بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء، فكذلك ها هنا يجب أن يكون كذلك؟
قلت: إن جوابه أن للمرأة في طلب ثلاث تطليقات بمقابلة العوض غرضا صحيحا، وهو حصول البينونة الغليظة حتى لا تصير في وثاق
стр. 845
نكاحه، وإن أكرهها على ذلك فاعتبرنا معنى الشرط في ذلك لتحصيل مقصودها.
وأما في قولها: طلقني وفلانة على كذا فليس لها غرض صحيح؛ لأنه لا غرض لها في طلاق فلانه ليجعل ذلك كالشرط منها. بخلاف ما نحن فيه فإن لها فيها غرضا صحيحا على ما ذكرنا. كذا في "المبسوط"، فصار هذا بمنزلة حقيقة هذه الكلمة.
وقد ذكر في " المبسوط" وأبو حنيفة ﵀ يقول: حرف "على" للشرط حقيقة؛ لأنه حرف الالتزام ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم، بل بينهما معاقبة كما يكون بين الشرط والجزاء، فكان معنى الشرط فيه حقيقة والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز.
قال الله تعالى:﴾ حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ ﴿وما قبله:﴾ وقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ ﴿؛ أي بشرط أن لا أقول على الله إلا الحق.
стр. 846
[من]
(وأما (من) فللتبعيض هو أصلها) قال في "الجامع" لو قال: إن كان في يدي من الدراهم إلا ثلاثة فجميع ما في يدي صدقة، فإذ في يده أربعة فهو حانث؛ لأن الدرهم الرابع بعض الدراهم، وكلمة (من) للتبعيض، ولو قالت المرأة لزوجها: اخلعني على ما في يدي الدراهم فإذ في يدها درهم أو درهمان تلزمه ثلاثة دراهم؛ لأن (من) هنا صلة لتصحيح الكلام، فإن الكلام لا يصح إلا بها حتى إذ قالت: اخلعني على ما في يدي دراهم كان الكلام مختلا، وفي الأول لو قال: إن كان في يدي دراهم كان الكلام صحيحاً.
стр. 847
وكلمة (من) للتبعيض في أصل الوضع فحمل عليه، وقد تكون لابتداء الغاية وللتمييز كما في باب من مديد، وبمعنى الباء قال الله تعالى:﴾ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴿وقد تكون للصلة كما في قوله تعالى:﴾ يَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾، إلا أن أصلها للتبعيض، وجعل في كتب النحو كونها لابتداء الغاية أصلها وسائر المعاني راجعا إليه كما عرف في "المفصل"
] إلى [
(وأما (إلى) فلانتهاء الغاية)، وإنما قال هكذا ولم يقل للغاية؛ لأن الغاية نوعان، كما يقال في "من" إنها لابتداء الغاية و (إلى) لانتهاء الغاية.
стр. 848
أي الغاية التي بها ينتهي صدر الكلام، (ولذلك استعملت في آجال الديون) لأن الدين إذا كان مؤجلا يصير حالا عند الأجل، فينتهي التأجيل به.
(وإن لم يكن له نية يقع للحال عند زفر).
وأما عندنا فلا يقع إلا بعد مضي شهر، فعند زفر لما وقع في الحال كان ذكر التأجيل بقوله: "إلى شهر" لغوا لما أن الواقع من الطلاق لا يحتمل التأجيل، وقلنا نحن: إن الواقع لا يحتمل الأجل، ولكن الإيقاع يحتمل ذلك؛ لأن علمه في التأخير، والإيقاع يحتمل التأخير، وكلام العاقل مهما أمكن تصحيحه لا يجوز إلغاؤه، وها هنا ممكن بإدخال حرف (إلى) على أصل الإيقاع لا على الحكم فقلنا به. كذا في "المبسوط".
(والتأجيل لا يمنع الوقوع) كما في الدين، فإن الدين واقع ثم يتأجل، والطلاق إذا وقع لا يمكن تأجيله، فلذلك يقع في الحال.
(وقلنا: إن التأجيل لتأخير ما يدخل عليه، وها هنا دخل على أصل الطلاق)، وأصله يحتمل التأخير بالتعليق بمضي شهر أو بالإضافة إلى ما بعد
стр. 849
الشهر فكان مؤخرا أصله لذلك.
وأما أصل الثمن لا يحتمل التأخير بالتعليق والإضافة؛ لأن البيع مبادلة المال بالمال، ولو تأخر وجوب الثمن لم تتحقق مبادلة المال بالمال، فلا يتحقق البيع، فإذا تعذر تأخير وجوب أصل الثمن حملنا الكلام هناك على تأخير المطالبة.
وأما ها هنا فيحتمل التأخير بهذين الوجهين، فلذلك قلنا: لا يقع في الحال عملا بكلمة (إلى) احترازا عن إلغاء ذكر الغاية فيقع الطلاق بعد مضي الشهر.
(والأصل في الغاية إذا كان قائما بنفسه لم يدخل في الحكم)، وهذا احتراز عن قوله تعالى:﴾ إلَى المَرَافِقِ ﴿، فإن معنى القيان بنفسه أنه في وجوده لا يفتقر إلى غيره. أي إلى محل آخر مثل ما قلنا في المرافق؛ لأن صدر الكلام تناولها، فلا يكون ذكر الغاية لمد الحكم إليه، فيكون لإسقاط ما وراءها، ونظير هذا أيضا قوله: والله لا أكلم فلانا شهرا. صدر الكلام يتناول الشهر فما فوقه، فيكون ذكر الشهر لإخراج ما وراءه عن صدر الكلام لا لمد
стр. 850
الحكم إليه بخلاف الصوم، فإن مطلقه يتناول ساعة، فكان ذكر الغاية لمد الحكم إليها فلا يدخل في الحكم.
(ولهذا قال أبو حنيفة- ﵀ هذا لإيضاح قوله: إلا أن يكون صدر الكلام يقع على الجملة، فكانت الغاية لإخراج ما وراءها فيبقى داخلا بمطلق الاسم فكذلك ها هنا.
فبيان هذه المسألة مذكور في باب الخيار في البيع من بيوع "المبسوط" فقال: إذا اشترى الرجل شيئا على أنه بالخيار إلى الغد أو إلى الليل أو إلى الظهر، فله الغد كله والليل كله ووقت الظهر كله في قول أبي حنيفة- ﵁، وقال ألو يوسف ومحمد- رحمهما الله: الخيار إلى طلوع الفجر وإلى أن تغيب الشمس، ولا تدخل الغاية في الخيار عندهما؛ لأن الغاية حد والحد لا يدخل في المحدود. كما لو قال: بعت منك من هذا الحائط إلى هذا الحائط لا يدخل الحائطان في البيع، وكذلك لو حلف لا يكلم فلانا إلى رمضان لا يدخل الحد، ولأبي حنيفة- ﵀ في المسألة حرفان:
أحدهما- إن البدل الذي في جانب من له الخيار باق على ملكه سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، والملك الثابت له بيقين لا يزال بالشك.
والثاني- إن الغاية في كل موضع تكون لمد الحكم إلى موضع الغاية لا يدخل الغاية كما في الصوم لما عرف، وفي كل موضع ذكر الغاية لإخراج ما
стр. 851
وراءها فيبقى موضع الغاية داخلا، وها هنا لو شرط الخيار مطلقا ثبت الخيار مؤبدا ولهذا فسد العقد، فكان ذكر الغاية لإخراج ما وراءها، فيبقى موضع الغاية داخلا، ولكن يشكل على هذه الطريقة فصل اليمين.
وروى الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- أن الغاية تدخل في اليمين، فنأخذ في اليمين على هذه الطريق بتلك الرواية.
وقوله: (وكذلك في الآجال في الأيمان) وهي جمع يمين بمعنى الحلف. لا الأثمان في البياعات على ما وقع في بعض النسخ؛ بدليل ما ذكرنا من رواية الحسن في اليمين من رواية "المبسوط".
وكذلك ذكر شمس الأئمة- ﵀ في "أصول الفقه" في هذا الموضع وقال: وفي اليمين إذا حلف لا يكلم فلانا إلى وقت كذا تدخل الغاية في رواية الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- لأن مطلقه يقتضي التأبيد، فذكر الغاية لإخراج ما وراءها، ولا تدخل في ظاهر الرواية؛ لأن في حرمة الكلام ووجوب الكفارة بالكلام في موضع الغاية شكا، ولأن ما ذكره من إيضاح الأصل الذي ذكره بقوله: "إلا أن يكون صدر الكلام يقع على الجملة، فتكون الغاية لإخراج ما وراءها، فيبقى داخلا بمطلق الاسم" إنما يصح في اليمين لا في الثمن.
стр. 852
وقال في (قوله: لفلان علي من درهم) إلى آخره. أي وقال أبو حنيفة- ﵀ لم يدخل؛ (لأن مطلق الاسم لا يتناوله) أي لأن مطلق اسم الدرهم لا يتناول العاشر فلا يدخل العاشر، وفي مثل هذا لا يدخل الحد في المحدود. كما في مسألة بيع الأرض من هذا الحائط إلى هذا الحائط، ولأن الأصل هو ما قاله زفر: إن الحد لا يدخل في المحدود، وما لا يقوم بنفسه حد ذكرا وإن لم يكن واجبا إلا أن الغاية الأولى لا بد من إدخالها؛ لأن الدرهم الثاني والثالث واجب، ولا يتحقق الثاني بدون الأول، فلأجل هذه الضرورة أدخلنا الغاية الأولى، ولا ضرورة في إدخال الغاية الثانية، فأخذنا فيها بالقياس.
(وقالا: يدخل) أي يدخل العاشر؛ لأنه ليس بقائم بنفسه، وهذا لأنا ذكرنا أن معنى القائم بنفسه هو أن لا يكون مفتقرا في وجوده إلى غيره، والعاشر مفتقر في وجوده إلى غيره وهو التسعة، فكان غير قائم بنفسه، فيدخل كما في قوله تعالى:﴾ إلَى المَرَافِقِ ﴿، وهذا لأن العاشر في الإقرار والثالث في الطلاق لما كانا غايتين لم يكن بد من وجودهما ليصلح غاية، ووجود العاشر بوجوبه ووجود الثالث من الطلاق بوقوعه، فلذلك دخلا.
стр. 853
(وكذلك هذا في الطلاق) يعني لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لا تخل الغاية الثانية؛ لان مطلق الكلام وهو مطلق الطلاق لا يتناوله وفي ثبوته شك، ولكن الغاية الأولى تدخل للضرورة، وعندهما تدخل الغايتان؛ لان هذه الغاية لا تقوم بنفسها فلا تكون غاية ما لم تكن ثابتة.
وقوله: (وإنما دخلت الغاية الأولى للضرورة). إنما ال هذا لدفع شبهة، وهي أن يقال: إذا لم يكن صدر الكلام متناولا للجملة ينبغي أن لا تدخل الغاية الأولى أيضا كما لو قال: بعت من هذا الحائط إلى هذا الحائط فقال في جوابها: إنما دخلت الغاية الأولى للضرورة؛ لأن الطلقة الثانية داخلة في الكلام بالاتفاق، وهي لا تكون ثابتة قبل ثبوت الأولى.
] في]
(وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- هما سواء) أي حكم في غد
стр. 854
كحكم غدا، لأن الظرف هو غد في الحقيقة فلا يختلف حكمه بحذف حرفه وإثباته.
كقولهم: دخلت الدار وفي الدار.
ولأبي حنيفة- ﵀ (إن حرف الظرف إذا سقط اتصل الطلاق بالغد بلا واسطة) فيكون جميع الغد مفعولا، وإذا قال: في غد جعل المفعول جزءا من الغد، كذا ذكر في "بديع الإعراب" وجزء من الغد مبهم، فإليه تعينه؛ لأن الإبهام جاء منه.
(فيصدقه القاضي) إلا أنه إذا لم يكن له نية يقع في الجزء الأول من الغد لعدم المزاحمة بخلاف قوله: غدا. حيث لا يصدق فيه في نية آخر النهار.
وقيل: المعنى فيه هو أن قوله: "غدا" يصير ظرفا بطريق الضرورة؛ لأن الظرفية ثبتت فيه لا بلفظ الظرف الذي يدل عليها، والثابت بالضرورة يثبت
стр. 855
بقدر الضرورة، فلا يكون عاما حتى تصح نية آخر النهار.
وأما في قوله: "في غد" تثبت الظرفية بلفظ ظرف يدل عليها، والثابت باللفظ يحتمل النية؛ لأن النية لتعيين ما احتمله اللفظ فصحت نيته، ولكن لما كان لفظ "في" حقيقة في الظرفية، وحقيقة الظرف لا تستوعب المظروف كان محل المظروف وهو الطلاق في الظرف، وهو في غد بمنزلة المجمل في جزء من الغد غير معين، فلذلك صدقه القاضي في نيته آخر النهار.
(وإن صمت الدهر فعلى كذا أنه يقع على الأبد) إلى آخره، يعني أنه لو قال: إن صمت الدهر فعبدي حر، فإنه يقع على صوم الأبد، ولو قال: إن صمت في الدهر فعبدي حر؛ إنه يقع على صوم ساعة. كذا ذكره المصنف في "شرح الجامع الصغير".
(أنت طالق في مكان كذا) كقوله: في مكة يقع الطلاق في الحال؛ لأن الطلاق فعل ولا اتصال للفعل بالمكان؛ لأن الطلاق إذا كان واقعا في مكان
стр. 856
يكون واقعاً في الأماكن كلها.
فعلم بهذا أن المكان لا يصلح ظرفا للطلاق، فإن الظرف الحقيقي إنما يكون أن لو وجد المظروف في ظرف لا يوجد في ظرف آخر حال وجوده في الظرف الأول كالحنطة في الجوالق لا يكون تلك الحنطة في جوالق أخر حال كونها موجودة في الجوالق الأول، وليس ها هنا كذلك، ولما لغى معنى الظرفية ها هنا بقي قوله" أنت طالق" مطلقا فوقع في الحاال، وهذا لأن المكان الذي أضيف إليه الطلاق موجود في الحال، فكان هذا بمنزلة تعليق الطلاق بأمر كائن، فيكون تنجيزا بخلاف ما إذا أضيف إلى زمان، فإن الفعل يتصل بالزمان؛ لأنه إذا جعل وقته غدا لا يكون واقعا قبل ذلك، فإن الزمان إذا كان معدوما كان الطلاق المضاف إليه معدوما لا محالة.
وإذا قال: أنت طالق في دخولك الدار يتعلق بدخول الدار كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار؛ لأن الدخول لا يصلح ظرفا لكونه فعلا، والفعل لا يصلح ظرفا لشيء، وبين الظرف والمظروف مقارنة، كما أن بين الشرط والمشروط مقارنة من حيث إنه لا يتحلل بينهما زمان؛ بل متصل بالمشروط، وإن كان يعقبه فيستعر للشرط تصحيحاً لكلامه.
стр. 857
(وعلى هذا مسائل "الزيادات" أنت طالق في مشيئة الله تعالى) إلى آخره.
هاهنا عشرة ألفاظ: المشيئة، والإرادة، والمحبة، والرضى، والأمر، والحكم، والإذن، والقضاء، والقدرة، والعلم. لو قال لامرأته: أنت طالق بمشيئة الله تعالى أو بإرادة الله أو بمحبته أو برضاه لا يقع الطلاق أصلا، ولو قال: أنت طالق بمشيئة فلان، أو بإرادته، أو بمحبته، أو برضاه لا يقع الطلاق حتى يشاء فلان في المجلس، ولو قال: أنت طالق بأمر الله، أو بإذن الله، أو بحكمه، أو بقضائه، أو بقدرته، أو بعلمه يقع الطلاق في الحال.
وكذلك إن أضاف إلى العبد فقال: أنت طالق بأمر فلان إلى آخره يقع في الحال، ولو ذكر بحرف اللام وقال: أنت طالق لمشيئة الله أو لمشيئة فلان أو غيرها من الألفاظ يقع الطلاق في الحال سواء أضافها إلى الله أو أضافها إلى العبد؛ لأن حرف اللام للتعليل والإخبار عن السبب، قال ﵇:
стр. 858
"صوموا لرؤيته" فكان هذا إيقاع الطلاق والإخبار عن العلة، ولا يلتفت إلى وجود العلة فصار كأنه قال: أنت طالق؛ لأن فلانا شاء وأراد وأحب، ولو ذكر بكلمة (في) فإن أضافها إلى الله بأن قال: أنت طالق في مشيئة الله أو في إرادة الله أو في محبته أو غيرها من الألفاظ لا يقع الطلاق في الألفاظ كلها أصلا إلى في العلم، فإنه يقع الطلاق فيه في الحال؛ لأن كلمة (في) للظرف حقيقة.
وإذا تعذر حمله على الظرفية بأن صحب الأفعال يحمل على التعليق لما بينهما من المناسبة من حيث الاتصال والمقارنة غير أنه إنما يصح حمله على التعليق إذا كان الفعل مما يصح وصفه بالوجود وبضده ليصير في معنى الشرط، فيكون تعليقا، والمشيئة والإرادة والرضا والمحبة مما يصح وصف الله تعالى به وبضده، فإنه يصح أن يقال: شاء الله كذا أو لم يشأ كذا، وأراد ولم يرد، وأحب ولم يحب، وكذلك الأمر والرضا والحكم والقضاء والتعليق بمشيئة الله تعالى إبطال بخلاف العلم، فإنه لا يصح وصف الله بضده لأن علمه محيط بجميع الأشياء، وأنه كائن في الأزل، والتعليق به تحقيق وتنجيز
стр. 859
فيقع الطلاق في الحال ويشكل على هذا القدرة، فإنه لا يصح وصفه بضدها، ومع ذلك لا يقع الطلاق في القدرة، والأصح من الجواب: إن القدرة تذكر ويراد بها التقدير، وقرئ قوله تعالى:﴾ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ ﴿بالتشديد والتخفيف، والتقدير مما يصح وصف الله تعالى به وبضده؛ لأنه يصح أن يقال: قدر الله كذا ولم يقدر كذا، فكان بمنزلة المشيئة والإرادة.
فلا يقع الطلاق بخلاف العلم لما ذكرنا، ولو أضافها إلى العبد بأن قال: أنت طالق في مشيئة فلان، ففي المشيئة والإرادة والمحبة والرضى والهوى يتعلق الطلاق بوجود الفعل في الحال حتى يقتصر على المجلس؛ لأن هذه الألفاظ للتمليك، وفي غيرها من الألفاظ يتعلق بوجود مطلق الفعل ولا يقتصر على المجلس؛ لأن الشرط مطلق لانعدام معنى التمليك فيها. كذا في "الزيادات البرهانية".
وقوله: (إلا في علم الله) أي فإن الطلق فيه يقع بأن قال: أنت طالق في علم الله يقع الطلاق، وفي أخواته لا يقع البتة؛ لأن علم الله يستعمل في المعلوم وقد أضاف الطلاق إلى معلوم الله، وإنما يكون الطلاق في معلوم الله إذا كان الطلاق واقع؛ لأنه إذا لم يكن واقعا لم يكن الطلاق في معلوم الله بل عدمه في معلوم الله، لهذا يقع الطلاق لاستحالة جعل معلومه شرطا؛ لأن الشرط أمر معدوم على خطر الوجود، وهذا فيما نحن فيه محال بخلاف
стр. 860
أخواته، فإنه يصح أن يقال: إن شاء الله وإن حكم الله وإن قدر، ولا يقال إن علم الله؛ لأن جميع المذكورات معلومة، ولأن تقدير قوله: أنت طالق في معلوم الله أنت طالق في هذا المحل؛ لأن هذا المحل في معلوم الله فيقع الطلاق في الحال كما في قوله: (أنت طالق في الدار) وأنت طالق في مكة على ما ذكرنا.
(لفالن علي عشرة دراهم في عشرة دراهم يلزمه عشرة)؛ لأن الدراهم لا تصلح ظرفا فيلغو، ولا يقال ينبغي أن يحمل على معنى الواو على معنى (مع) كيلا يلغو؛ لأنا نقول: المجاز خلاف الأصل؛ لأن الأصل هو الحقيقة، وشغل الذمة خلاف الأصل، وبراءة الذمة عن الدين أصل، فاجتمع أمران حينئذ كل منهما خلاف الأصل، ولكلامه بدون المصير إلى المجاز وجه،
стр. 861
وهو أن يراد به تكثير أجزاء العشرة فلا ضرورة إلى المصير إلى ما هو خلاف الأصل.
стр. 862
[حروف القسم]
وقوله (وكذلك في سائر الأسماء والصفات) غاير بينهما بالعطف، وجعل بعضها أسماء وبعضها صفات وليس كذلك، بل كلها صفات غير اسم الله تعال، فكان ذكره أسماء باعتبار السمع، وذكره صفات باعتبار الأصل.
أما السمع فقد جاء في الحديث، قال النبي ﵇: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"، وكذلك جاء في القرآن أيضا بتسمية الأسماء،
стр. 863
قال الله تعالى:﴾ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ﴿.
وأما الأصل فنقول: إن كلها صفات في أصل الوضع سوى اسم الله تعالى. إلى هذا أشار في "الكشاف" حيث قال:
فإن قلت: اسم هو- يعني اسم الله تعالى- أم صفة؟
قلت: بل اسم غير صفة ألا تراك تصفه ولا تصف به، وفي قوله: "ألا تراك تصفه ولا تصف به" إشارة إلى أن الاسم الذي تصف به كان صفة، وجميع أسماء الله تعالى سوى اسم الله بهذه المثابة كما في﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وفي قوله تعالى﴾ هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ ﴿الآية، فكانت صفات، ولأنه صرح بتسمية اسم الصفة على الرحمن الرحيم بعد هذا بقوله: وهو من الصفات الغالبة كالدبران.
وقال بعده: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه؟
стр. 864
فعلم بهذا أن تسمية الأسماء لغير اسم الله تعالى من صفاته باعتبار ورود السمعيات من الكتاب والسنة وإلا فهي كلها صفات في الأصل مع أن بعضهم قال بوقوع اسم الله صفة أيضا استدلالا بقوله تعالى:﴾ صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴿﴾ اللَّهِ الَّذِي ﴿بطريق النعت للأولـ، وعند الأكثرين هو بدل وليس بنعت. إلى هذا أشار المصنف- ﵀ في "الجامع".
(فلم يكن لها اختصاص) أي فلم يكن للباء اختصاص بالدخول في المظهر بل تدخل في المضمر أيضا على ما ذكر، أو لم يكن له اختصاص بالدخول في القسم بل كما تدخل في القسم تدخل في المعاوضات أيضا حيث يقال: اشتريت هذا بكذا واحمل هذا الطعام بدرهم. إلا أنه لا يحسن إظهار الفعل ها هنا بخلاف الباء حيث يحسن إظهار الفعل بها قال الله تعالى:﴾ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾.
стр. 865
[الواو]
(لصار مستعارًا بمعنى الإلصاق) أي لصار مجرى كمجرى الباء في جميع الوجوه ولا ضرورة فيه، ولأنه لو صار مستعارًا لمعنى الإلصاق من كل وجه لجاز أن يستعمل الواو في موضع كان الباء فيه لمحض الإلصاق، ويقال: إن أخبرتني وقدوم فلان مكان قوله: إن أخبرتني بقدوم فلا، ولجاز أن يقال: مررت وزيد مكان قوله: مررت بزيد ولم يقل به أحد.
(فتصير الاستعارة عامة في بابها) أي في باب الاستعارة.
وقوله: (ويشبه قسمين) معطوف على قوله: "فتصير" أي لو أظهر فعل القسم مع واو القسم، ويقول: أحلف أو أقسم والله لكان مشابهًا لقسمين وهو يريد الواحد، فكان المذكور خلاف ما أراد فلا يجوز، ولا يرد هذا الكلام في استعمال الباء القسمية مع فعل القسم؛ لأن الباء في حقيقته للإلصاق، فيقتضي الملصق والملصق به، فيظهر الفعل لضرورة تحقيق معنى الإلصاق، حتى لو لم يظهر فهو مقدر فيه، فلا يلزم عند الإظهار مشابهة قسمين. إذ إظهار الفعل من ضرورات مقتضى الباء.
стр. 866
(فإنهما من حروف الزوائد). معنى هذا أن الزيادة أينما وقعت وقعت من هذه الحروف، وليس معناه أين ما وقعت هذه الحروف وقعت زوائد؛ لأن قولك: اليوم تنساه أو سألتمونيها كل من هذه الحروف أصول هاهنا ومجموعها من حروف الزوائد.
(وقد ذكر في "الجامع" ما يتصل بهذا الأصل في قول الرجل: والله الله والله الرحمن الرحيم) أي قال: والله الرحيم، والذي في "الجامع" رجل قال: والله والرحمن لا أكلمك، فكلمه لزمته كفارتان؛ لأن قوله: والله مقسم به، وقوله: والرحمن معطوف عليه، فكان غيره في تسمية الحالف فتعدد الاستشهاد فتعدد الهتك يعني عند الحنث، فتعددت الكفارة؛ لأنها جزاء الهتك، ولو قال: والله والله لا أكلمك ثم كلمه فعليه كفارة
стр. 867
واحدة، وكذلك لو قال: والله الرحمن وعند تكرار الواو لو نوى رد الكلام كان يمينًا واحدًا، يعني إذا نوى بالواو في والرحمن واو القسم فقطع كلامه قبله كأنه سكت ثم استأنف، وقال: والرحمن لا أكلمك، ولم يحمل عليه بغيرنية. كذا في "جامع المصحف"﵀.
وقال الإمام شمس الأئمة- ﵀ في "الجامع": ولو أن رجلا قال والله والرحمن لا أكلمه، فكلمه وجب عليه كفارتان؛ لأنه عطف أحد الاسمين على الآخر بحرف العطف وهو الواو إلا أن يكون نوى فيكون يمينًا واحدةً؛ لأن هذا اللفظ قد يذكر للتأكيد عادة، ويكون مراده من إعادة حرف الواو الصلة، فكان نظير قوله: والله الرحمن لا أكلمك وهو يمين واحدة، ولو قال: والله الله لا أكلمك، أو قال والله والله لا أكلمك، فهذه يمين واحدة، إلا في رواية شاذة عن محمد- ﵀ يقول: إنه يمينان؛ لأنه لا يمكن جعل الكلمة الثانية صفة للأولى، فكانتا يمينين، وفي ظاهر الرواية يقول: كرر الكلمة الواحدة فلا يقصد بتكرار الكلمة الواحدة إلا معنى التأكيد، فكانت يمينًا واحدة بخلاف قوله: والله الرحمن، فإن الكلمة الثانية فيها معنى غير معنى الكلمة الأولى، فلم تكن تكرارًا إلا أن ينويه.
قلت: فحصل من هذا كله إن ذكر الاسمين بدون الواو لا يوجب يمينين،
стр. 868
وذكرهما بالواو يوجب يمينين إلا عند النية على اليمين الواحدة كان يمينا واحدة،
وأما في الاسم الواحد كاسم الله فإن فيه بتكرار الاسم بالواو يكون يمينًا واحدة في ظاهر الرواية بدون نية الاتحاد.
(إن ذلك صلة وضعت للقسم) أي كلمة بنفسها وضعت للقسم حيث يوصف بها المقسم به، فكانت هي بمنزلة الباء في بالله لا أن يكون جمعًا ليمين بدليل وصل همزتها، فلو كانت جمعًا لكانت همزتها للقطع كما في أكلب وأرجل في جمعي كلب ورجل.
وقال في "الصحاح": وألفه ألف الوصل عند أكثر النحويين، ولم تجيء في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها.
(وأما لعمر الله) وقد ذكرنا في "الموصل" أنه لا يكتب الواو بعده
стр. 869
لاختصاصه بالقسم ارتفع اللبس بينه وبين عمر، وهو في الأصل مصدر عمر الرجل من باب علم بقي، يقال: عمر يعمر عمرًا وعمرًا على غير قياس؛ لأن قياس مصدره التحريك، واستعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح دون الآخر، وإذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء.
قلت: لعمر الله واللام لتوكيد الابتداء، والخبر محذوف والتقدير لعمر الله قسمي، ولعمر الله ما أقسم به، فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وهو للقسم أيضًا، وقلت: عمر الله ما فعلت كذا، وعمرك الله ما فعلت، ومعنى لعمر الله وعمر الله أحلف ببقاء الله ودوامه.
وإذا قلت: عمرك الله فكأنك قلت: بتعميرك الله أي بإقرارك له بالبقاء. كذا في "الصحاح"، ولما كان معنى لعمر الله قائمًا مقام لبقاء الله أقسم به في الاستعمال الغالب صار صريحًا في ذلك المعنى فبعد ذلك لا يحتاج إلى قولهم أقسم بالله لتأدى ذلك المعنى بهذا الاستعمال الصريح في معناه فلذلك لم يجمع بينهما.
[أسماء الظروف]
(ومن هذا الجنس أسماء الظروف) أي ومن جنس الكلمات أو الألفاظ
стр. 870
التي تجر الأسماء أسماء الظروف، والجنسية هاهنا باعتبار عمل الجر لا غير لما أن الأسماء لم تكن من جنس الحروف.
[مع]
(أنه يقع ثنتان معًا قبل الدخول) أي مع أنه قال ذلك لغير المدخول بها، وكذلك في المدخول بها؛ لأنه لما وقع في غير المدخول بها فأولى أن يقع في المدخول بها.
[قبل]
(وقبل للتقديم) إلى آخره، وحاصله إن كلمة (قبل) بالضمير مثل كلمة (بعد) بدون الضمير في أنه تقع الثنتان فيهما، وفي العكس ينعكس الحكم لانعكاس العلة، فلذلك انعكس حكمهما بحسب وجود الضمير وعدمه، فإنه إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق واحدة قبل واحدة تقع واحدة؛ لأن معناه أنت طالق واحدة قبل واحدة أخرى تقع عليك، فبانت
стр. 871
بالأولى ولم يبق محلًا للثانية، وهذا المعنى إنما يحصل في بعد إذا كان بالكناية بأن يقول: أنت طالق واحدة بعدها واحدة أي بعدها واحدة أخرى تقع عليك.
وأما إذا قال: قبلها واحدة صار كأنه قال: قبلها أخرى وقعت عليك، فكان وقوع الواحدة بالإنشاء، ووقوع الأخرى بالإقرار فتكون اثنتين، ولا يحتاج في صحة الإقرار إلى بقاء العدة.
[بعد]
وقوله: (هذا الحرف) إشارة إلى قوله: "إن الظرف إذا قيد بالكناية كان صفة لما بعده، وإذا لم يقيد كان صفة لما قبله" وتقريره في قوله: جاءني زيد قبله عمرو، وقوله: جاءني زيد بعد عمرو سواء في المعنى؛ لأن القبلية إذا كانت صفة لعمرو تكون البعدية صفة لزيد لا محالة، والبعدية إذا كانت صفة
стр. 872
لزيد تكون القبلية صفة لعمرو لا محالة، فلهذا استويا في المعنى، وفي قوله: جاءني زيد قبل عمرو تكون القبلية صفة لزيد، وكذلك في قوله: بعده عمرو تكون القبلية صفة لزيد أيضًا ضمنًا، لكون البعدية صفة لعمرو قصدًا، فلذلك استويا.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين مسألة الإقرار في عين هذه الصورة حيث خالف حكم مسألة بعد، فإنه لو قال: لفلان علي درهم بعد درهم أو بعده درهم يلزمه درهمان.
أما لو قال: درهم قبل درهم يلزمه درهم واحد، ولو قال: قبله، فعليه درهمان كما ذكرها هنا.
قلت: لأن الطلاق بعد الطلاق هنا لا يقع، وأما الدرهم بعد الدرهم، فيجب دينًا في الذمة لبقاء المحل. كذا في "المبسوط" في باب من الإقرار بألفاظ مختلفة.
[عند]
(و (عند) للحضرة) وقد يراد به الحكم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أي في حكم الله.
стр. 873
(حتى إذا قال: لفلان عندي ألف درهم كان وديعة) إلا أن يقول: دين، (وعلى هذا) أي على تخريج المسائل على كلمات الظروف. (قلنا: إذا قال: أنت طالق كل يوم طلقت واحدة) ولو قال أنت طالق في كل يوم تطلق ثلاثًا في ثلاثة أيام؛ هاتان المسألتان بلا خلاف بين أصحابنا الثلاثة فكان ثبوت حكم هاتين المسألتين على هذا الطريق شاهدا عدل لأبي حنيفة- ﵁ في مسألة الغد في الفرق بين حذف حرف الظرف وإثباته، وذكر في "المبسوط" قبيل باب طلاق الأخرس: ولو قال لامرأته- وقد دخل بها-: أنت طالق كل يوم، فإن لم يكن له نية لم تطلق إلا واحدة عندنا، وعن زفر- ﵀ تطلق ثلاثًا في ثلاثة أيام؛ لأن قوله: أنت طالق إيقاع، وكلمة
стр. 874
"كل" تجمع الأسماء، فقد جعل نفسه موقعًا للطلاق عليها في كل يوم وذلك بتجدد الوقوع حتى تطلق ثلاثًا.
ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق في كل يوم طلقت ثلاثًا في كل يوم واحدة، ولكنا نقول: صيغة كلامه وصف قد وصفها بالطلاق في كل يوم وهي بالتطليقة الواحدة، تتصف في الأيام كلها، وإنما جعلنا كلامه إيقاعًا لضرورة تحقيق الوصف وهذه الضرورة ترتفع بالواحدة.
ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق أبدًا لم تطلق إلا واحدة بخلاف قوله: في كل يوم؛ لأن حرف "في" للظرف والزمان ظرف للطلاق من حيث الوقوع فيه فما يكون اليوم ظرفًا له لا يصلح الغد ظرفًا له، فيتجدد الإيقاع لتحقيق ما اقتضاه حرف "في" وفي قوله: كل يوم إن قال أردت أنها طالق كل يوم تطليقة أخرى فهو كما نوى، وتطلق ثلاثًا في ثلاثة أيام؛ لأنه أضمر حرف "في".
وذكر شمس الأئمة- ﵀ في "أصول الفقه" بعد ذكر حكم كلمات الظروف كما ذكر في الكتاب: لأنه إذا لم يثبت في كلامه شيئًا من الظروف يكون الكل ظرفًا واحدًا، فلا تقع إلا واحدة وإن تكررت الأيام، وإذا ذكر شيئًا من أسماء الظروف يتفرد كل يوم بكونه ظرفًا على حدة، وإنما يتحقق ذلك إذا وقعت تطليقة في كل يوم.
стр. 875
[حروف الاستثناء]
(يلزمه درهم إلا دانقًا)، فالدرهم أربعة عشر قيراطًا، ويكون العشرة منه على وزن سبعة مثاقيل، والدانق- بفتح النون وكسرها- سدس الردهم، وقيل: الدانق قيراطان، والقيراط نصف الدانق، وأصله قراط- بالتشديد- لأن جمعه قراريط، وأبدل الياء من إحدى حرفي التضعيف. كذا
стр. 876
في "الصحاح" و"المغرب".
(وكذلك لو قال: علي دينار غير عشرة بالرفع) إلى قوله: (وما يقع من الفصل بين المعارضة والبيان) نذكره في باب البيان معناه أن عند محمد- ﵀ لا يصح استثناء الدراهم من الدنانير؛ لأن صدر الكلام لا يتناول المستثنى لغة فاستثناؤها من الدنانير كاستثناء الثوب من الدينار، ولا معارضة بين ثبوت الدينار عليه وبين انتفاء الدراهم عنه كما في الثوب عندهما هذا الاستثناء صحيح بطريق بيان التغيير، وهو أنه تكلم بالباقي
стр. 877
بعد الثنيا وهو من جنس البيان لا من قبيل المعارضة، والفرق بين البيان والمعارضة يذكر في باب البيان إن شاء الله تعالى، واستثناء الدراهم من الدنانير أمكن أن يجعل بيانًا بخلاف استثناء الثوب، فتعين للمعارضة ولا معارضة، يجب الدينار كله إلى آخره.
[سوى]
(وسوى وغير مثل إلا في قوله: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة أو غير ثلاثة أو سوى ثلاثة) فهي صدقة على المساكين، والجواب في الكل واحد، فإن كان في يده أربعة دراهم أو خمسة دراهم لا يجب عليه التصدق؛ لأن الشرط كون الدراهم في يده سوى ثلاثة ولم يوجد. بخلاف ما لو قال: إن كان في يدي من الدراهم سوى ثلاثة فإنه يجب التصدق بما زاد على الثلاث،
стр. 878
لا يتوقف على وجود الثلاث؛ لأن شرط الحنث هاهنا أن يكون من الدراهم في يده، فدرهم ودرهمان من الدراهم.
[حروف الشرط]
[حرف إن]
(وأما حرف إن وهو الأصل في باب الشرط)؛ لأنه حرف موضوع للشرط في أصله بخلاف سائر كلمات الشرط، ولأن غيرها إنما تعمل عمل الشرط إذا تضمن معنى إن، فلذلك كانت هي الأصل في الباب، (وأثره أن يمنع العلة عن الحكم أصلًا) أي أثر الشرط أن يمنع العلة عن انعقادها علة للحكم بل تبقى معدومة كما كانت (حتى يبطل التعليق) أي إلى أن يبطل التعليق. يعني إذا وجد الشرط وهو دخول الدار مثلًا في تعليق الحكم بدخول الدار لم يبق تعليقًا، فحينئذ يصير ما ليس بعلة علة، وعند الشافعي أثره أن يمنع الحكم عن العلة لا العلة عن انعقادها علة، بل العلة علة موجبة للحكم في الحال، ويمتنع الحكم بوجود إن، وأثر هذا الخلاف بيننا وبينه إنما يظهر في
стр. 879
قوله للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، على ما يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى.
إذا قال (إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثًا)، فإنه ما دام حيًا يتصور البر وهو الطلاق، فإذا قرب موته أو موتها على وجه لا يسع فيه قوله: أنت طالق بل يسع فيه أنت أو أقل حينئذ فات البر وهو التطليق، فوجد الشرط وهو عدم التطليق فتقع ثلاث تطليقات، فإن قيل: المعلق بالشرط كالملفوظ عند وجود الشرط فكيف تقع ثلاث تطليقات ولا يسع فيه أنت طالق ثلاثًا؟
قلنا: هو أمر حكمي فلا يشترط فيه ما يشترط في حقيقة الإرسال والتطليق؛ لأن شرط هذا وأهلية هذا إنما يشترط عند التعليق لا عند وجود الشرط.
ألا ترى أن المعلق إذا علق طلاق امرأته ثم جن فوجد الشرط وهو مجنون يقع الطلاق، وإن لم يتصور منه حقيقة الطلاق شرعًا.
وقوله: (فتطلق في آخر حياته)، وفائدة الطلاق في ذلك الوقت إنها
стр. 880
تبين بالطلاق عن زوجها لا بالموت، حتى إنها لو كانت غير مدخولة لا ترث؛ لأنها بانت لا إلى عدة، ويجب لها نصف المهر لا كله، ولما بانت بالطلاق قبل الموت من غير عدة الطلاق لم تجب عليها عدة الوفاة أيضًا.
[حرف إذا]
(فيجازى بها مرة ولا يجازى بها أخرى) أي تستعمل للشرط مرة ولا تستعمل له أخرى، وإنما قال: يجازي مكان قوله: تستعمل للشرط؛ لأن الجزاء لازم للشرط، فكان ذكر الجزاء ذكرًا للشرط، ولأن فيه إشارة إلى أن المقصود من ذكر الشرط والجزاء هو الجزاء، ووجود الشرط وسيلة له بطريق الانقلاب، والمجازاة بها لازمة.
следующие страницы →