Полный текст (2 351 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
في "الصحاح" و"المغرب".
(وكذلك لو قال: علي دينار غير عشرة بالرفع) إلى قوله: (وما يقع من الفصل بين المعارضة والبيان) نذكره في باب البيان معناه أن عند محمد- ﵀ لا يصح استثناء الدراهم من الدنانير؛ لأن صدر الكلام لا يتناول المستثنى لغة فاستثناؤها من الدنانير كاستثناء الثوب من الدينار، ولا معارضة بين ثبوت الدينار عليه وبين انتفاء الدراهم عنه كما في الثوب عندهما هذا الاستثناء صحيح بطريق بيان التغيير، وهو أنه تكلم بالباقي
стр. 877
بعد الثنيا وهو من جنس البيان لا من قبيل المعارضة، والفرق بين البيان والمعارضة يذكر في باب البيان إن شاء الله تعالى، واستثناء الدراهم من الدنانير أمكن أن يجعل بيانًا بخلاف استثناء الثوب، فتعين للمعارضة ولا معارضة، يجب الدينار كله إلى آخره.
[سوى]
(وسوى وغير مثل إلا في قوله: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة أو غير ثلاثة أو سوى ثلاثة) فهي صدقة على المساكين، والجواب في الكل واحد، فإن كان في يده أربعة دراهم أو خمسة دراهم لا يجب عليه التصدق؛ لأن الشرط كون الدراهم في يده سوى ثلاثة ولم يوجد. بخلاف ما لو قال: إن كان في يدي من الدراهم سوى ثلاثة فإنه يجب التصدق بما زاد على الثلاث،
стр. 878
لا يتوقف على وجود الثلاث؛ لأن شرط الحنث هاهنا أن يكون من الدراهم في يده، فدرهم ودرهمان من الدراهم.
[حروف الشرط]
[حرف إن]
(وأما حرف إن وهو الأصل في باب الشرط)؛ لأنه حرف موضوع للشرط في أصله بخلاف سائر كلمات الشرط، ولأن غيرها إنما تعمل عمل الشرط إذا تضمن معنى إن، فلذلك كانت هي الأصل في الباب، (وأثره أن يمنع العلة عن الحكم أصلًا) أي أثر الشرط أن يمنع العلة عن انعقادها علة للحكم بل تبقى معدومة كما كانت (حتى يبطل التعليق) أي إلى أن يبطل التعليق. يعني إذا وجد الشرط وهو دخول الدار مثلًا في تعليق الحكم بدخول الدار لم يبق تعليقًا، فحينئذ يصير ما ليس بعلة علة، وعند الشافعي أثره أن يمنع الحكم عن العلة لا العلة عن انعقادها علة، بل العلة علة موجبة للحكم في الحال، ويمتنع الحكم بوجود إن، وأثر هذا الخلاف بيننا وبينه إنما يظهر في
стр. 879
قوله للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، على ما يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى.
إذا قال (إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثًا)، فإنه ما دام حيًا يتصور البر وهو الطلاق، فإذا قرب موته أو موتها على وجه لا يسع فيه قوله: أنت طالق بل يسع فيه أنت أو أقل حينئذ فات البر وهو التطليق، فوجد الشرط وهو عدم التطليق فتقع ثلاث تطليقات، فإن قيل: المعلق بالشرط كالملفوظ عند وجود الشرط فكيف تقع ثلاث تطليقات ولا يسع فيه أنت طالق ثلاثًا؟
قلنا: هو أمر حكمي فلا يشترط فيه ما يشترط في حقيقة الإرسال والتطليق؛ لأن شرط هذا وأهلية هذا إنما يشترط عند التعليق لا عند وجود الشرط.
ألا ترى أن المعلق إذا علق طلاق امرأته ثم جن فوجد الشرط وهو مجنون يقع الطلاق، وإن لم يتصور منه حقيقة الطلاق شرعًا.
وقوله: (فتطلق في آخر حياته)، وفائدة الطلاق في ذلك الوقت إنها
стр. 880
تبين بالطلاق عن زوجها لا بالموت، حتى إنها لو كانت غير مدخولة لا ترث؛ لأنها بانت لا إلى عدة، ويجب لها نصف المهر لا كله، ولما بانت بالطلاق قبل الموت من غير عدة الطلاق لم تجب عليها عدة الوفاة أيضًا.
[حرف إذا]
(فيجازى بها مرة ولا يجازى بها أخرى) أي تستعمل للشرط مرة ولا تستعمل له أخرى، وإنما قال: يجازي مكان قوله: تستعمل للشرط؛ لأن الجزاء لازم للشرط، فكان ذكر الجزاء ذكرًا للشرط، ولأن فيه إشارة إلى أن المقصود من ذكر الشرط والجزاء هو الجزاء، ووجود الشرط وسيلة له بطريق الانقلاب، والمجازاة بها لازمة.
стр. 881
(في غير موضع الاستفهام). أما في موضع الاستفهام فإنها لا تستعمل استعمال الشرط، فلذلك لا يجزم بها فيقال: متى يخرج زيد- برفع يخرج- لأن الاستفهام عبارة عن طلب الفهم عن وجود الفعل، فلا يليق هناك إضمار حرف إن، واستعمالها للشرط لا يكون بدون إضمار إن.
وأما إذا لم يكن الاستفهام فيه مقصودًا فيصح إضمار حرف الشرط فيها فنقول: متى تخرج أخرج، فإنه يصح أن يقول في معناه: إن تخرج أخرج يجزم الشرط والجزاء.
(وإذا تدخل للوقت على أمر كائن) أي يستعمل كلمة (إذا) في الوقت الواقع في الحال كقول الشاعر:
стр. 882
وإذا تكون كريهة أدعى لها.
وتستعمل أيضًا في حق الوقت المستقبل الذي هو آت لا محالة كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، وكذلك استعملت مقام جزاء الشرط الذي هو مقام الفاء، والجزاء إنما يكون عند وجود الشرط وهو في ذلك الوقت كائن لا محالة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي فهم يقطنون، وإذا كان كذلك كان استعمال إذا في الأوقات المعلومة لا محالة، والمعلومية منافية لمعنى الشرط إذ الشرط إنما يكون في الوقت المبهم أيكون أم لا؟ على ما ذكر قبل هذا إن كلمة إن هي الأصل في باب الشرط، وهي تدخل على كل أمر معدوم على خطر الوجود، وما كان معلومًا كان منافيًا لكلمة هي أصل في الشرط، ولئن كان شرطًا على الطريق الاستعارة للشرط ينبغي أن لا يسقط عنه معنى الوقت لأن الوقت معناه الأصلي، فكان مثل متى إذا استعمل للشرط، فإنه لا يسقط عنه معنى الوقت مع لزومه للشرط في غير موضع الاستفهام فأولى أن لا يسقط معنى الوقت
стр. 883
من إذا؛ لأنه غير لازم للشرط على ما ذكرنا من استعماله في الأوقات المعلومة، وهذا معنى قوله: (وإذا كان كذلك كان مفسرًا من وجه ولم يكن مبهمًا فلم يكن شرطًا) أي لما استعمل إذا في الأمر الواقع في الحال وفي الأمر المستقبل الذي هو كائن لا محالة، وفي المفاجأة التي هي جزاء الشرط كان ما دخل هو عليه مفسرًا لا مبهمًا، فلا يليق حينئذ لمعنى الشرط؛ لأن الشرط أمر مبهم وجوده.
وقوله: (وقد يستعمل فيه) أي وقد يستعمل إذا في الشرط.
فإن قيل ففي قوله: (إلا أنه قد يستعمل فيه مستعارًا مع قيام معنى الوقت) جمعًا بين الحقيقة والمجاز؛ لأن حقيقة إذا للوقت على ما ذكرنا، ثم لو استعير هو للشرط مع قيام معنى الوقت كان جمعًا بينهما، وهو لا يجوز على ما مر.
قلنا: عدم جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز كان للمنافاة كما في لفظ الأسد لو أريد الهيكل المخصوص به مع إرادة الرجل الشجاع.
أما هاهنا فلا منافاة بين الوقت المعدوم وبين الشرط. إذ الشرط أمر معدوم على خطر الوجود، فيجوز أن يكون الفعل الذي يوجد في الوقت شرطًا لشروط معدوم؛ لأن كلا منهما معدوم فيجوز أن يجتمعا لعدم المنافاة،
стр. 884
وهذا لأن الوقت ظرف لجميع الأفعال، والامتناع عن الظرف الذي هو شرط وقوع الطلاق الثلاث فعل من الأفعال، فكان الوقت ظرفًا له كما في سائر شروط الطلاق في التعليق غير أن الوقت في حق وجود شرط سائر التعليقات مقدر وهنا مصرح، فإن تقدير قولك: إن دخلت الدار فأنت طالق أي في الوقت الذي دخلت فيه الدار أنت طالق؛ لأن الدخول لا يوجد إلا في وقت من الأوقات، غير أن ذلك الوقت المقدر في قوله: إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثًا لم يعمل به؛ لأن الوقت إنما يعمل به بالتصريح أو بكلمة هي موضوعة للوقت، وتصريح ما قدر من الوقت في سائر التعليقات لا يكون منافيًا للشرط.
والدليل على أن الجمع بين الحقيقة والجاز جائز عند عدم المنافاة مسألة (حتى) في قولهم: جاءني القوم حتى زيد، فإن (حتى) في حقيقتها للغاية ثم استعيرت هي للعطف. قلنا: بقاء معنى الغاية التي هي حقيقتها لعدم المنافاة بينهما فكذلك استعارة كلمة (أو) لمعنى الواو في موضع النفي مع بقاء معناها الأصلي كما عرف في قوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ وهو كثير النظير.
(فصار الطلاق مضافًا إلى زمان خال عن إيقاع الطلاق) أي لما لم يسقط معنى الوقت من إذا حينئذ كان الطلاق مضافًا إلى وقت خال عن إيقاع
стр. 885
الطلاق، فيقع الطلاق لوجود شرط الحنث وهو وجود الوقت الخالي عن إيقاع الطلاق.
(ووقع الشك في انقطاع المشيئة فلا تبطل بالشك). يعني لما كان في إذا معنى الشرط الخالص كإن ومعنى الوقت كمتى على التعارض خرج الأمر من يدها بالقيام عن مجلسها لو جعلناها بمعنى إن؛ لأنها للتمليك والتمليكات تقتصر على المجلس، ولو جعلناها بمعنى متى لا يخرج بل هي عامة في الأوقات كلها فصار كأنه قال: أنت طالق في أي وقت شيءت فلا يقتصر على المجلس، وكان المر في يدها فلا تبطل، وعمل أبو حنيفة- ﵁-
стр. 886
في المشيئة في إذا بمعنى الوقت، وفي إذا لم أطلقك بمعنى الشرط، ومعنى كليهما راجع إلى الأصل الذي ذكر، وهو أن الأصل الثابت قبل الشك لا يزول بالشك، وفي الطلاق لم تكن طالقًا قبل هذا فلا تطلق بهذا نظرًا إلى جانب الشرط، وفي المشيئة كان الأمر في يدها فلا يخرج عن يدها بالقيام عن المجلس نظرًا إلى جانب الوقت، وهذا أصل مطرد لأبي حنيفة- ﵀.
في غاية المسائل كما في خروج وقت الظهر وبقائه، وكون دار الإسلام دار الحرب وبقائها، وكون العصير خمرًا وبقائه عصيرًا، وبطلان السكنى وبقائها فيمن حلف لا يسكن هذه الدار وغيرها.
[متى]
(فاسم للوقت المبهم بلا اختصاص) سواءً كان لمحض الاستفهام عن الوقت أو الاستفهام مع الشرط، فإنك تقول في الشرط: متى تأتني
стр. 887
أكرمك؛ أي إن تأتيني يوم الجمعة أكرمك؛ وإن تأتني يوم السبت أكرمك إلى حد فيه من الإطالة، فأتى بمتى للإيجاز مشتملًا للأزمنة كلها، كما في أين مشتملًا للأمكنة كلها، ثم لما كان متى لا تخص وقتًا دون وقت كان مشاركًا لإن في تردد ما دخل فيه بين أن يوجد وبين أن لا يوجد كما في إن.
(فيلزم في باب المجازاة) أي المجازاة لازمة في متى في غير موضع الاستفهام على ما ذكرنا كما أن إن لازمة للشرطية، والتفاوت بينهما في ثبوت الوقت وانتفائه.
стр. 888
(أنت طالق لولا صحبتك) أي لا يقع الطلاق لما فيه من معنى الشرط؛ لأن لولا لامتناع الشيء لوجود غيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، فامتناع انتفاء الزكاء لوجود فضل الله، فصار كأن الطلاق معلق بعدم صحبتها، وإذا كانت الصحبة موجودة لم يوجد الشرط، فلا يقع الطلاق.
وقوله: (وما أشبه ذلك) قال الإمام شمس الأئمة- ﵀: قال- محمد ﵀ في قوله: أنت طالق لولا دخولك الدار: أنها لا تطلق ويجعل هذه الكلمة بمعنى الاستثناء.
(آمنوني على عشرة من أهل الحصن) أي من أهل الحرب (ففعلنا) أي أجاب أهل الإسلام لالتماس أهل الحرب، (والخيار إليه) أي إلى رأس الحصن؛ لأنه شرط ذلك لنفسه بكلمة على، وهو مبني على ما ذكر من حكم كلمة على، فإنها في أصلها للزوم، ثم تستعار هي لمعنى الشرط في غير
стр. 889
المعاوضات المحضة؛ لما أن بين العالي والمعلو معاقبة كما بين الشرط والمشروط، وتلك الاستعارة التي تستعار لمعنى الشرط بمنزلة الحقيقة عند أبي حنيفة- ﵀ على ما مر، ولما كان كذلك كان رأس الحصن في قوله: آمنوني على عشرة شارطًا الأمان لنفسه، فكان الخيار إليه بخلاف ما لو قال: (آمنوني وعشرة) أو فعشرة أو ثم عشرة، فالخيار في تعيين العشرة إلى من آمنهم؛ لأن المتكلم عطف آمانهم على آمان نفسه من غير أن شرط لنفسه في آمانهم شيئًا.
(ولو قال: بعشرة فمثل قوله: وعشرة) في أن الأمان وقع له ولعشرة سواه، (والخيار إلى إمام المسلمين) لما أن البلاء للإلصاق، فلابد له من ملصق وملصق به، وهو يقتضي المغايرة، فلابد أن يكون هو غير العشرة، ثم رأس الحصن لم يشترط لنفسه شيئًا، فلا يكون الخيار له كما لو ذكره بالواو.
(ولو قال: في عشرة وقع على تسعة سواه، والخيار إلى الإمام) إما هو أحد العشرة، فلأن معنى الظرف في العدد بهذا يتحقق؛ لأن معنى الظرف في العدد بأن يكون معدودًا منهم، ولن يكون كذلك إلا بأن يكون واحدًا من
стр. 890
العشرة.
ألا ترى أنه إذا قيل في الفارسية فلان درين ده أست يفهم منه أنه من العشرة وغيره تسعة وأما الخيار في التسعة إلى الذين آمنهم لا إلى رأس الحصن؛ لأنه ما شرط لنفسه شيئًا في أمان من ضمهم إلى نفسه ليكونوا عشرة.
(ولو قال: آمنوني إلى عشرة وقع على عشرة لا غير، ولرأس الحصن أن يدخل نفسه فيهم، والخيار فيهم إليه).
أما وقوع الأمان على العشرة لا غير، لأن الأمان وقع عليها، فلو قلنا بعشرة سواه كان وقوع الأمان حينئذ على أحد عشر، والإمام لم يوقعه على ذلك.
وأما ولاية إدخال نفسه فيهم فلدلالة؛ لأنه لما آمن تسعة غيره فلن يؤمن نفسه أولى، وكذلك ثبوت الخيار إليه لثبوت هذه الدلالة؛ لأن إمام المسلمين لما ثبت لرأس الحصن هذه الدلالة لأجله كان الخيار إليه.
(وذلك يخرج على هذا الأصل) أي على هذا الأصل الذي ذكرنا قبل هذا من حروف المعاني التي تتعلق بمسائل الأمان لا أن يكون ذلك إشارة إلى ما اتصل بهذا من كلمة إذا، ومتى، وأو، ولولا.
стр. 891
ولهذا ذكر الإمام شمس الأئمة- ﵀ مسائل الآمان التي تختص بحروف المعاني في مواضع تلك الحروف.
[حرف كيف]
(فإن استقام وإلا بطل) أي إن كان المسئول عنه ذا أحوال يستقيم السؤال عنه بهذه الكلمة، وإن لم يستقم فيبطل معنى كيف، فصار ذكر كيف وعدم ذكره بمنزلة، حتى لو قال لعبده: (أنت حر كيف شيءت أنه إيقاع) في الحال عند أبي حنيف- ﵀ ولا يتعلق بمشيئته؛ لأن كيف للاستيصاف ولا أوصاف للحرية فلا يتعلق بمشيئته.
(وفي الطلاق تقع الواحدة) في الحال؛ لأن للطلاق أوصافًا من البينونة الخفيفة والغليظة والرجعة، (ويبقى الفضل في الوصف) وهو البينونة (والقدر) وهو الثنتان والثلاث (وهو الحال مفوضًا) إشارة إلى الفضل (بشرط نية الزوج).
стр. 892
فإن قيل: ينبغي أن لا تشترط نية الزوج؛ لأن الزوج فوض الطلاق إليها على أي صفة شاءت.
قلنا: كلمة كيف وضعت للسؤال عن الحال، والحال في الطلاق نوعان: صفة وعدد، فصارت الكلمة بمنزلة الاسم المشترك، فتشترط نية الزوج لتعيين جهة المفوض إليها. كذا في "مبسوط" المصنف.
(وقالا: ما لا يقبل الإشارة فحاله) أي كونه بائنًا ورجعيًا، (ووصفه) أي كونه سنيًا وبدعيًا بمنزلة أصله وهو نفس الطلاق، وهذا لأن ما لا يتأتى الإشارة إليه حاله ووصفه بمنزلة ذاته من حيث إن كل واحد منهما مما لا يشار إليه، فإذا تعلق الوصف بمشيئتها تعلق الأصل لا محالة، فإن الزوج إذا أوقع الواحدة ليس له أن يثلثها عندهما، فكذلك من قام مقامه فلهذا يتعلق أصل الطلاق ووصفه بمشيئتها. (فتعلق الأصل بتعلقه) أي يتعلق الوصف يعني أجمعنا على أن وصف الطلاق متعلق بمشيئتها، فيجب أن يكون أصله أيضًا متعلقًا بمشيئتها.
стр. 893
[حرف كم]
(وأما كم فاسد للعدد الذي هو الواقع) أي الثابت فيما استعمل هو فيه حتى إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق كم شيءت كان الطلاق بعدده ثابتًا ومفوضًا إليها، فلا تطلق ما لم تشأ، وتتوقت المشيئة بالمجلس؛ لأنه ليس فيها ما تنبئ عن الوقت، فتطلق نفسها على أي عدد شاءت، فإن ردت الأمر كان ردًا؛ لأن هذا خطاب في الحال فيقتضي الجواب في الحال.
[حرف حيث]
(وحيث اسم لمكان مبهم). وكذلك أين، ولهذا لو قال: أنت طالق حيث شيءت أو أين شيءت أنه لا يقع ما لم تشأ، وتتوقف مشيئتها بالمجلس؛ لأنه ليس فيها معنى الوقت حتى يقتضي عموم الأوقات بخلاف قوله: إذا شيءت ومتى شيءت، حيث لا يقتصر فيهما على المجلس لتعلق الطلاق بالزمان، ولأن حيث وأين لما كانا من أسماء المكان ولا تعلق للطلاق بالمكان لغا ذكر المكان، فعلى هذا كان ينبغي أن يلغي المشيئة أيضًا؛ لأن عند إلغاء
стр. 894
المكان بقي قوله: أنت طالق شيءت فلا يتعلق هناك بالمشيئة فكذا هنا، إلا أن قوله: حيث شيءت يفيد ضربًا من التأخير، وحرف الشرط أيضًا يفيد ضربًا من التأخير فيشتركان في تحقيق معنى التأخير، فيجعل مجازًا عن حرف الشرط، فلذلك لا يقع بدون المشيئة، وكذلك في أين. والله أعلم.
* * *
стр. 895
باب الصريح والكناية
(حتى استغنى عن العزيمة وكذلك الطلاق والعتاق)، فلذلك إذا أضيف العتق إلى المحل مبتدأ أو وصف أو خبر كان موجبًا للحكم، حتى إذا قال: يا حر، أو هذا الشخص الحر، أو قد حررتك- يعتق، وكذلك في الطلاق.
(وحكم الكناية أن لا يجب العمل به إلا بالنية) وما يقوم مقامها من دلالة الحال، (وذلك مثل المجاز قبل أن يصير متعارفًا) كما في قولهم: فلان كثير الرماد قبل أن يصير متعارفًا في إثبات الجود، وكذلك في قول من قال: لا
стр. 896
يضع قدمه في دار فلان، فإنه في حق الدخول كناية قبل أن يصير متعارفًا فيه.
(إلا في قول الرجل: اعتدي؛ لأن حقيقتها) أي حقيقة كلمة اعتدي، أو أراد بقوله: اعتدي العدة؛ لأنه يدل على العدة.
وحاصله إن لقوله: بائن وحرام وأخواتهما تأثيرًا في قطع النكاح، فإذا نوى الطلاق انقطع النكاح بهذه الألفاظ فكان الطلاق بائنًا.
أما الاعتداد فحقيقته (للحساب، ولا أثر له في قطع النكاح)، فإذا نوى الطلاق لا يمكن أن يقال: وقع الطلاق بائنًا لما قلنا، ولكن وقع الطلاق بطريق الاقتضاء؛ لأن الأمر بالاعتداد لا يصح إلا وأن يكون الطلاق واقعًا، فثبت الطلاق تصحيحًا للأمر بالاعتداد، وهذا هو الاقتضاء، ولكن إنما يصح هذا بعد الدخول، فأما قبل الدخول فلا يمكن القول بالاقتضاء؛ لأن ثبوت المقتضى لصحة المقتضي، وهاهنا المقتضي وهو العدة لا يصح؛ لأن العدة غير واجبة بالإجماع فانعدم معنى الاقتضاء فجعل مستعارًا محضًا؛ لأن
стр. 897
الطلاق سبب لوجوب العدة على ما هو الأصل؛ لأن الطلاق قبل الدخول إنما يباشر الزوج أو وجد نادرًا بعارض لما أن النكاح لم يوضع لهذا، بل المقصود منه الدخول والعوارض غير داخلة تحت القواعد، فكان الطلاق علة لوجوب العدة بالنظر إلى أصله، (فاستعير الحكم له).
(زمعة) - بفتحتين-.
(كان دلالة على الصريح لا عاملًا لموجبه)؛ لأنه إذا نوى بقوله: (أنت واحدة) الطلاق كان هذا اللفظ دلالة على وجود الطلاق؛ لأن وجود صفة الطلاق ولا طلاق محال، فلذلك كان دلالة على وجود الموصوف وهو الطلاق لا محالة؛ لا أن قوله: "واحدة" عاملة لموجبها، فكان رجعيًا لما أن المدلول هنا الطلاق وهو تعقب الرجعة، وقد ذكرنا وجه إضمار الطلاق دون البائن في "الوافي".
стр. 898
(فصار جنس الكنايات بمنزلة الضرورات) أي الأصل في الكلام هو الصريح؛ لأنه وضع للإفهام، والمراد من الكلام الإفهام، وإنما يعمل بالكنايات لانعدام الصريح الذي يدل على ما دل عليه الكناية، ويعمل بها كي لا يلغى كلام المتكلم، فصار بمنزلة الضرورات التي لا يؤتى بها إلا للحاجة.
(فقال له آخر: صدقت لم يحد المصدق)؛ لأن ما تلفظ به كناية عن القذف لاحتمال التصديق وجوهًا مختلفة أي كنت صادقًا فيما مضى فكيف تتكلم بهذه الكلمة الشنعاء.
(وكذلك إذا قال: لست بزان يريد التعريض للمخاطب لم يحد) وقال مالك- ﵀: يحد، وكان في هذا اختلاف الصحابة، فعمر- ﵁ كان لا يوجب الحد في مثل هذا ويقول في حالة المخاصمة مع الغير مقصودة بهذا اللفظ نسبة صاحبه إلى شين وتزكيته لنفسه لا أن يكون
стр. 899
قذفًا للغير، وأخذنا بقوله لأنه إن تصور معنى القذف بهذا اللفظ فهو بطريق المفهوم والمفهوم ليس بحجة (بخلاف من قذف رجلًا بالزنا فقال آخر: هو كما قلت)؛ لأن فيه كاف التشبيه وهو يوجب العموم عندنا في المحل الذي يحتمله، ولهذا قلنا في قول علي ﵁: "إنما أعطيناهم الذمة، وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا": إنه مجرى على العموم فيما يندرئ بالشبهات، وما يثبت مع الشبهات، فهذا الكاف أيضًا موجبه العموم؛ لأنه حصل في محل يحتمله، فيكون نسبة له إلى الزنا قطعًا بمنزلة كلام الأول.
وهذا مثل من قال لآخر: أشهد أنك زان، فقال الآخر: وأنا أشهد أيضًا. لا حد على الآخر؛ لأن قوله: "أشهد" كلام محتمل فلا يتحقق به القذف إلا أن يقول: أنا أشهد عليه بمثل ما شهدت به، فحينئذ يكون قاذفًا له؛ كذا في "مبسوط" الإمام شمس الأئمة- ﵀ وأصول فقهه. والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 900
باب وجوه الوقوف على أحكام النظم
(﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ فسيق الكلام لإيجاب النفقة على الوالد)، فأول الآية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية، ومعنى الآية- والله أعلم- والأمهات المطلقات يرضعن أولادهن أي هن أحق بإرضاع الأولاد من أجنبيات ليسترضعهن الآباء؛ لأنهن أرق عليهم وألطف بهم، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي الأب وأريد به الجمع ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ وهذا على طريق الأجر؛ لأنهن تحتجن إلى ما يقمن به أبدانهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي من غير إسراف ولا تقصير. ومنهم من حمل الآية على الوالدات المنكوحات، وجعل
стр. 901
الرزق والكسوة والنفقة دون الأجر، فظاهر الآية تدل على أنها في المطلقة؛ لأن ما قبلها وما بعدها في حق المطلقات. كذا في "التيسير".
ودلت الآية على أن الأم أحق برضاع ولدها وليس للأب أن يسترضع غيرها إذا أرضعته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وهذا أمر، وإن كان صيغته الخبر، ودلت أيضًا على أن الأم مخيرة بين أن ترضع أو لا ترضع؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فبهذا يندفع سؤال من سأل: لما كانت الوالدات مأمورات بالإرضاع كان ينبغي أن يجب الإرضاع عليها.
قلنا: ذلك الأمر مصروف إلى الاستحباب بهذا الدليل، ولقوله تعالى أيضًا: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وذكر في "الكشاف" ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾. أي وعلى الذي يولد له وهو الوالد، -وله في محل الرفع على الفاعلية نحو ﴿عَلَيْهِمْ﴾ في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ -.
(لأنه نسب إليه بلام الملك) أجمعوا على أنه لا يصير أحق به ملكًا؛ لأن الولد لا يصير ملكًا للوالد، فدل أنه اختص بالأب نسبًا فكان نسبه إلى الآباء فإن قلت: ما فائدة تخصيص نسبة الأولاد إلى الآباء مع أن الولد كما ينسب
стр. 902
إلى الأب فكذلك نسب إلى الأم؟
فيقال: هذا ولد فلانة كما يقال: هذا ولد فلان، فالولد بجملته منسوب إلى كل واحد منهما كاملًا، وكذلك نصيب الولد في الإرث بينهما على السواء؟
قلت: فائدته تظهر في حق الأمور التي تميز بها بين نسب ونسب، فيصلح الولد لذلك الأمر إن اعتبرنا فيه جانب الأب، ولا يصلح له إن اعتبرنا فيه جانب الأم.
كما في الإمامة الكبرى وهي الخلافة، فإن كان أبوه قرشيًا يصلح الولد لها وأمه أي نسب كانت، وفي عكسه لا يصلح الولد لها، وكذلك في الكفارات يعتبر نسب الآباء دون الأمهات، وكذلك في اعتبار مهر المثل يعتبر نسب الآباء دون الأمهات.
(وفيه إشارة إلى أن للأب حق التمليك)، والفرق بين حق التمليك وحق الملك فلمن له حق التملك ولاية، وأن يجعل ذلك الشيء ملكًا لنفسه في المستقبل.
فأما في الحال فليس له فيه ملك بوجه من الوجوه كالشفيع له أن يتملك الدار المبيعة إن شاء.
وأما ليس فيه حق الملك بوجه في الحال، وحق الملك عبارة عن الملك من وجه في الحال كالمكاتب، فإن له حق الملك في نفسه حتى لا يملك المولى وطء الجارية المكاتبة؛ لأن لها في نفسها حق ملك وهو ملك اليد، وليس
стр. 903
للأب في مال الابن من وجه، ولهذا يملك الابن وطء جاريته، فلو كان للأب في ماله ملك من وجه لما ملك الابن وطء جاريته.
(وعليه تبنى مسائل كثيرة) منها: أن الأب لا يحد بوطء جارية ابنه وإن علم حرمتها عليه.
ومنها أن نفقة الأب تفرض على الابن إن كان محتاجًا والابن موسر.
سواء كان الأب قادرًا على الكسب أو لم يكن.
هكذا ذكره الإمام خواهر زادة- ﵀ بخلاف الابن إذا كان بالغًا وهو قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته باعتبار أن للأب زيادة فضله على الولد.
ألا ترى أنه يستحق مال ولده باعتبار الحاجة الضرورية كالنفقة وتعتبر الضرورة كاستيلاد جارية الابن بخلاف الولد، ولم يكن هذا الفرق بينهما إلا باعتبار؛ لأنه الملك في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾.
ومنها أن نفقة خادمة الأب واجبة على الابن سواء كانت الخادمة امرأة
стр. 904
أو جارية، بخلاف نفقة خادمة الابن حيث لا تجب على الأب. كذا في "النفقات البرهانية" و"فتاوى قاضي خان".
(وفيه إشارة إلى أن النفقة تستحق بغير الولاد) أي وفي آخر هذه الآية إشارة إلى هذا، وهو قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وهي نفقة ذوي الأرحام.
فإن قيل: هذا الحكم معلوم بعبارة النص، فإن النص سيق لإيجاب النفقة وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ وبعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ معطوف عليه، فكان ذلك عبارة لا إشارة، فكيف سماه إشارة النص؟
قلنا: نعم سيق الكلام لإيجاب النفقة على الوارث، لكن لم يسق الكلام على أن يأخذ الاشتقاق علة لإثبات النفقة. ألا ترى أن النفقة لا تجب إذا لم يكن أهلًا للإرث بأن كان الوارث كافرًا سوى قرابة الولاد.
стр. 905
(وهو اسم مشتق من معنى) أي اسم مأخوذ من اسم له معنى، فإن الوارث مأخوذ من الإرث، فيجب أن يكون الإرث علة لوجوب النفقة، فلذلك وجب بناء الحكم على معناه كما في (الزاني والسارق).
فإن قلت: لو كان وجوب النفقة مبنيًا على علة الإرث ينبغي أن تدور وجوبها مع الإرث أينما دار وجودًا وعدمًا كما في الزاني والسارق وليس كذلك، فإنا نجد وارثًا في غير الولاد، وليس عليه النفقة، وغير وراث وجبت عليه النفقة، فإن الرجل المعسر إذا كان له خال وابن عم يكون نفقته على خاله ويحرز ميراثه ابن عمه.
قلت: وجوب النفقة مبني على علة الإرث، لكن الاعتبار لأهلية الإرث لا لإحرازه، فالحاصل أن تأثير إحراز الإرث في وجوب النفقة إنما هو في ذوي الأرحام لا في غيرهم، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام تعتبر أهلية الإرث لا إحرازه. بيان ذلك أن الرجل إذا كان له عم
стр. 906
وخال فالنفقة على العم دون الخال؛ لأنهما استويا في المحرمية وترجح العم على الخال بكونه وارثًا حقيقة، وكذلك إذا كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على العمة والخالة على قدر ميراثها، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام فالمعتبر هو أهلية الإرث لا إحرازه، كما ذكرناه في صورة الخال وابن العم، فإن النفقة على الخال؛ لأنه ذو رحم محرم منه والإرث لابن العم؛ لأنه عصبه وهو مقدم على ذوي الأرحام.
قال شمس الأئمة السرخسي- ﵀: وفيه دليل أيضًا على أن النفقة للوالدين على الأولاد لا تكون باعتبار ميراثهما، فإنه اعتبر صفة الوراثة في حق سائر القرابات، فعرفنا أن فيما بين الأولاد والأب إنما يعتبر نفس الولاد؛ ولهذا قلنا في أصح الروايتين: أن المعسر إذا كان له ابن وبنت وهما موسران فنفقته عليهما نصفان، ثم معنى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي وعلى وارث الصغير عند عدم الأب مثل ما كان على الأب من أجر إرضاع الولد للمرضعة.
(وفيه إشارة إلى استواء الكل في الحظر؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ أي الكف عن هذه الجملة، فكان حظر الكل بطريق واحد) أي
стр. 907
الكف عن هذه الأشياء المذكورة في الآية ثبت بخطاب واحد، فكان الكل كشيء واحد لما عرف أن الأمرين المختلفين فصاعدًا لا يجوز أن يراد بلفظ واحد لما ذكرنا في المشترك، إلا أن يجعل الأشياء المختلفة واحدة في المعنى فحينئذ يراد باللفظ الواحد. كالأشياء المختلفة والمتضادة يتناولها اسم الشيء، إذًا الكل في معنى الشيئية وهو الوجود واحد، (فلم يكن للجماع اختصاص ولا مزية)، فلذلك قلنا: إن الكفارة إذا وجبت بالجماع وجبت بالأكل والشرب لكونها واحدة تقديرًا.
ألا ترى أن غسل جميع اليدين لما وجب بخطاب واحد وهو قوله ﴿فاطهروا﴾ صار جميع اليدين كعضو واحد حتى جاز نقل البلة من عضو إلى عضو بخلاف الوضوء، فإن نقل البلة من اليد إلى الرجل ومن الوجه إلى اليد لا يجوز؛ لأن كل واحد من هذه الأعضاء ثبت بخطاب على حدة، ولا يلزم أن الصلاة وجبت بخطاب واحد والأركان فيها متفاوتة في القوة والضعف، فإن السجدة أقوى من الركوع والقيام؛ لأنا نقول: إن الأصل فيه ما ذكرنا. إلا إذا قام الدليل على مزية البعض، وفي الصلاة قام الدليل على مزية البعض، فإن من سقط عنه السجود سقط عنه القيام والركوع، وإن كان قادرًا عليهما، ولأن الصلاة عبادة والعباد تنبئ عن التذلل والتواضع، يقال:
стр. 908
طريق معبد أي مذلل، والتواضع والتذلل في السجود أكثر، فصار أقوى لهذا.
فأما فيما نحن فيه لم يقم الدليل على مزية البعض فكان الكل سواء.
(وفيه إشارة إلى أن النبية في النهار منصوص عليه لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾)؛ لأنه لما أباح هذه الأشياء إلى آخر الليل والصوم عبادة تفتقر إلى النية، وقوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ أمر بالإتمام فكان امتثال هذا الأمر إنما يقع بعد الفجر لا محالة، عملًا بكلمة التراخي وهي ثم، والإتمام فعل اختياري لا يتصور بدون العزيمة، فتكون النية في النهار منصوص عليها (إلا أنا جوزنا تقديم النية على الصبح بالسنة) لا لأن يكون الليل أصلًا فيه؛ لأن النية لصيرورة الإمساك عبادة، وفعل الصوم قط لا يوجد في الليل، فجواز النية في الليل لا يكون أصلًا بل يكون الجواز في الليل ثابتًا بالسنة.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير ينبغي أن تكون النية في النهار أفضل، والأمر بخلافه.
قلنا: النية في الليل أفضل؛ لأنه يكون عملًا بالسنة والكتاب جميعًا؛ لأنا
стр. 909
جوزنا النية في النهار بإشارة النص وهي غير نافية لجواز النية في الليل، وعملنا بالسنة في الأفضلية كما فعلنا في غير هذا في الوضوء المنوي والوضوء المرتب ومع التسمية، فيكون هذا مكملًا لما كان فرضًا في التسمية والنية والترتيب والوضوء وغير ذلك.
(فالإطعام جعله طاعمًا) أي آكلًا كسائر الأفعال كالإجلاس جعله جالسًا. (خلافًا لبعض الناس) وهو حمدان بن سهل وهو يقول: لا يتأدى
стр. 910
بالتمليك، وإنما بالتمكين فقط لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، والإطعام فعل متعد لازمه طعم يطعم وذلك الأكل دون الملك، ففي التمليك لا يوجد حقيقة الإطعام والكلام محمول على حقيقته. كذا في "المبسوط".
(أن الإباحة جزء من التمليك في التقدير)؛ لأن الطعام قضاء حاجة واحدة وهي حاجة الأكل، وللمساكين حوائج كثيرة، (والملك سبب لقضاء الحوائج) وقضاء الحوائج أمر باطن، (فأقيم الملك مقامها والتمليك بمنزلة قضائها كلها). ألا ترى أن الفقير صار مصرفًا في الزكاة لهذا؛ لأن الصرف إليه سبب دفع الحاجة.
فعلم أن الإباحة جزء من التمليك، فالتعدية إلى التمليك في الإطعام
стр. 911
تعدية إلى الإباحة إلى غيرها من الحوائج، فكان أولى بالجواز (فاستقام تعديته) أي بطريق الدلالة، (وهو مشتمل على هذا المنصوص عليه) وهو الإطعام الذي يدل على الإباحة، ومشتمل على غير المنصوص عليه من حاجة قضاء الدين وحاجة أجرة البيت وحاجة ما يشتري في البيت وغيرها.
(لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال) أي قبل حصول المقصود بالثوب من دفع الحر والبرد وغير ذلك؛ لأن من الجائز أن يسترد المعسر الثوب قبل ذلك، وإنما قال هذا تأكيدًا لعدم جواز التعدية؛ لأنها لو كانت كاملة لا يجوز التعدية لكونها جزءًا من الكل والمنصوص عليه وهو الكل، فكيف وهي قاصرة! بخلاف الإباحة في الطعام؛ لأنه إذا وجد الأكل لا يمكن الاسترداد فلا
стр. 912
يلزم من عدم جواز الإباحة في الثوب عدم جواز الإباحة في الطعام، لما أنهما يختلفان في تحصيل المقصود عند الإباحة.
والأولى في هذا أن يقال ما قال شيخي- ﵀ في معنى قوله: "لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال" وهو أن الكفارة إنما تقع كاملة إذا خرج العين الذي يكفر به عن ملك المكفر، وحصل سد خلة الفقير عنده، فلذلك لا يتحقق في إعارة الثوب وإباحته؛ لأن المكفر إذا أعار الثوب للفقير إلى أن يبلى ويهلك في يده حينئذ خرج ذلك العين عن ملك المالك المكفر، وعند ذلك تتجدد حاجة الفقير، ولا يخرج المكفر عن عهدة الكفارة به؛ لأن ركن الكفارة على ما ذكرنا لم يوجد بخلاف الإطعام، فإن عين الطعام يخرج عن ملك المكفر إذا أكل الفقير، وبه يقضي حاجة الفقير، ولذلك وقع الفرق بين إباحة الطعام وإعارة الكسوة وإباحتها.
(فهما في طرفي نقيض) أي إباحة الطعام وإعارة الثوب على ما بينا من قضاء حاجة الفقير في إباحة الطعام، وتجدد حاجته في إعارة الثوب عند انقضاء الثوب، أو أراد بطرفي نقيض الإطعام والكسوة؛ لما أن الإطعام فعل والكسوة عين، والفعل مع اللافعل نقيضان، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟
(وكان قول الشافعي في قياس الطعام بالكسوة في الفرع والأصل معا غلطًا).
أما في الفرع فظاهر؛ لأن الكفارة في الفرع الذي هو الإطعام اسم للفعل
стр. 913
المخصوص على ما ذكرنا، فكان جعله تمليكًا غلطًا في الفرع؛ لأنه خلاف مقتضى النص؛ لأن النص يقتضي الجواز بالإباحة وهو لم يجوز فكان غلطًا، أو كونه غلطًا في الفرع هو أن شرط صحة القياس أن لا يكون المقيس الذي هو الفرع منوص عليه، وهو قد قاس المنصوص مع خلاف ما اقتضاه النص على منصوص آخر.
وأما الغلط في الأصل: فإن المنصوص عليه في الأصل الذي هو الكسوة عين، والفعل غير منصوص، فإنما يشترط الفعل في الأصل ليصير العين كفارة؛ لأن العين بدون الفعل لا يكون كفارة، فكان الفعل فيه ضمنيًا وتبعًا وفي الفرع قصدًا، فكان في قياسه قياس الفعل القصدي على الفعل الضمني، فإثبات التسوية بينهما مع وجود هذا التفاوت كان غلطًا في الأصل؛ لأن القياس في هذا أن يكون الفعل الذي هو التمليك في الأصل منصوصًا عليه على وجه لا تجوز الإباحة فيه حتى يكون قياس الإطعام عليه مثلًا له، وليس كذلك فكان غلطًا.
(ومن قضية الإطعام الحاجة إلى الطعم) فلما تجددت الحاجة بتجديد الأيام كان المسكين الواحد في المعنى المساكين كان المقصود سد الخلة، وذلك يتجدد بتجدد الأيام، فكان هو في اليوم الثاني بمعنى مسكين آخر بتجدد سبب
стр. 914
الاستحقاق له، ولأن الإطعام يقتضي طعامًا لا محالة، فمعنى الآية ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، وقد أدى ذلك بخلاف الشاهد الواحد، وإن كرر شهادته في مجلسين لا يصير في معنى شاهدين؛ لأن المقصود هناك طمأنينة القلب، فبتكرار الواحد شهادته لا يحصل المقصود، فكان المسكين الواحد بمنزلة رأس الواحد في باب صدقة الفطر حيث يكون رأسًا آخر في السنة الثانية باعتبار تجدد وصف المؤنة.
فكذلك نصاب الزكاة يتجدد باعتبار تجدد الحول القائم مقام النماء، والقاطع لشغب أن أربعة أمنًا من شعير لما صلحت أن يصير أربعين منا باعتبار تجدد السبب حتى جاز أداء أربعة أمنا مقام أربعين منا بأن يؤدي أربعة أمنا من شعير إلى مسكين، ثم يشتريها منه ويؤديها إلى مسكين آخر حتى تمت عشرة مساكين بهذا الطريق، وجازت الكفارة بهذا الطريق صلح أيضًا أن يكون المسكين الواحد في اليوم الثاني مسكينًا آخر، وهذا لأن لتجدد السبب تأثيرًا في تغيير العين، فكذلك لتجدد الوصف كما في الزكاة على ما ذكرنا. وقوله: (وجوزتم ذلك) أي مع أنه ليس فيه عدد ولا قضاء الحوائج المتجددة.
стр. 915
(هذا الذي تقول حاجة اللبوس) أي حاجة الثوب الذي يلبس، فإن اللبس اسم لما يلبس، وأجاب في "المبسوط" عن هذا السؤال بقوله: قلنا نعم، الحاجة إلى الملبوس كذلك أي يتجدد بتجديد الأيام- وإنما يتجدد في كل ستة أشهر- ولكنا أقمنا التمليك مقامه في باب الكسوة- أي مقام تجديد الحاجة- والتمليك يتحقق في كل يوم، وإذا أقيم الشيء مقام غيره سقط اعتبار حقيقته في نفسه، وهذا لأن الحاجة لا نهاية لها إلا أنه لا يجوز أداء الكل دفعة واحدة للتنصيص على تفريق الأفعال، وذلك بتفريق الأيام في حق الواحد، وقد يحصل أيضًا بتفريق الدفعات في يوم واحد، إلا أنه ليس لذلك حد معلوم، فقدرنا بالأيام وجعلنا تجدد الأيام في حق الواحد كتجدد الحاجة تيسيرًا.
(فكان يجب أن يصح الأداء على هذا متواترًا)؛ لأنه كلما أدى إلى الفقير هلك في يده واحتاج إلى كسوة أخرى، فصار محللا لأداء كسوة
следующие страницы →