← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1653

أحكام عقود التمويل في الفقه الإسلامي

عبد الله المعيدي

Полный текст (199 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والعلة في ذلك: ١) (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر) (١). وربط الثمن الآجل بمؤشر عام وإن كان منضبطاً، ويتحدد في المستقبل، فلا يخرج هذا عن الغرر، والجهالة. وأما استدلال من أجازه بأن الجهالة أو الغرر آيلة إلى العلم على وجهٍ غير مؤدٍّ إلى الشقاق والنزاع فغير مسلم، كذلك قياسُهم "المرابحة بربح متغير" على البيع بالسعر أو بما يبيع به الناس قياس مع الفارق؛ إذ البيعُ بما ينتهي به السعر إنما يُراد به سعر السوق عند التعاقد، لا سعر السوق في المُستقبل، بينما تحديدُ الثمن في "المرابحة بربح متغير" مربوط بمعيار ومؤشر يتحدد في المستقبل، وقد يكون بينه وبين التعاقد مدة طويلة - سنة أو أكثر - وبين الصورتين فرق كبير وبونٌ شاسع (٢). ٢) أن (المرابحة بربح متغير) صيغة محرمة؛ لاشتمالها على الزيادة في الدين الثابت في ذمة المدين، وهو ربا الديون المُجمع على تحريمه. ووجه ذلك: أن الثمن الآجل - الدين - إذا تحدد مقداره عند إبرام العقد ألفاً، ثم عند حلول أجله ارتفع المؤشر، فأصبح الدين واجب السداد ألفاً وخمسين؛ فإن الدائن يكون بذلك قد زاد في الدين الثابت في ذمة مدينه (٣).

стр. 107

وقد ذهب بعض الباحثين لجواز المرابحة بربح متغير (١). عقود تمويل المتاجرة بالهامش: أيضاً من أنواع عقود التمويل المستجدة، تمويل المتاجرة بالهامش. وعرفت عقود التمويل بالهامش (أو المتاجرة بالهامش Margin Trading) بأنها: الاقتراض من شركة الوساطة المالية التي يتاجر المستثمر من خلالها في الأوراق المالية؛ وشراء الأوراق المالية من خلال دفع جزءٍ من ثمنها من أموال المستثمر الخاصة، والجزء الآخر من المال المقترض من شركة الوساطة المالية، على أن تكون جميع هذه الأوراق المالية رهناً حتى سداد قرض شركة الوساطة المالية (٢). وهذا النوع من التمويل يشتمل على عدة محاذير ومخالفاتِ شرعيةٍ، من أبرزها تمويل المتاجرة بالهامش بالقروض الربوية. وقد صدرت قرارات المجامع الفقهية والهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية بتحريم هذا النوع، لما اشتمل عليه من ربا صريح (٣). وهذا شامل لكل أنواع المتاجرة بالتمويل بالهامش والموجود في عقود التعاملات المالية، سواء كان في أسواق الأوراق المالية، أو العملات أو المعادن أو السلع الدولية. ومن أبرز صور تمويل المتاجرة بالهامش التي طبقتها المصارف الإسلامية منتجات ثلاثة، هي:

стр. 108

١) تمويل المتاجرة في الأسهم بالهامش عبر عقد القرض بدون فوائد: وقد ذهبت المجامع الفقهية والهيئات الشرعية إلى تحريم هذا البديل. ومن ذلك: قرار المجمع الفقهي الإسلامي الصادر في دورته الثامنة عشرة المنعقدة في ١٠ - ١٤/ ٣/ ١٤٢٧ هـ بشأن المتاجرة بالهامش، حيث ورد فيه: «اشتراط الوسيط على العميل أن تكون تجارته عن طريقه، يؤدي إلى الجمع بين سلف ومعاوضة (السمسرة)، وهو في معنى الجمع بين سلف وبيع المنهي عنه شرعاً في قول الرسول ﷺ : (لا يحل سلف وبيع .. )؛ وهو بهذا يكون قد انتفع من قرضه، وقد اتفق الفقهاء على أن كل قرض جر نفعاً فهو من الربا المحرم» وكذلك فقد نصت الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي على تحريم هذا المنتج كما في قرارها ذي الرقم: (٣١٩). ٢) تمويل المتاجرة في الأسهم بالهامش عبر عقد التورق المنظم: والتورق المنظم قد صدر قرار بتحريمه من المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته: ١٧ التي عُقدت بتاريخ ١٩ - ٢٣/ ١٠/ ١٤٢٤ هـ، وكذلك صدر قرار بتحريمه برقم: ١٧٩ من مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته: ١٩ التي عُقدت بتاريخ ١٠٥/ ٥/ ١٤٣٠ هـ، وكذلك صدر بتحريمه قرار (٢/ ١٩) من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته: ١٩ التي عُقدت بتاريخ ٨ - ١٨/ ٧/ ١٤٣٠ هـ، وعليه فيحرم هذا البديل. ٣) شراء المديونيات المؤجلة على الغير: من أنواع عقود التمويل المستجدة، شراء المديونيات المؤجلة على الغير. وهذا النوع من التمويل له صور كثيرة أكثرها محرمة، وله صور جائزة وهي التي جاءت في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة بشأن

стр. 109

موضوع: (بيع الدين)، والذي جاء فيه: «يرى المجمع أن البديل الشرعي لحسم الأوراق التجارية، وبيع السندات، هو بيعها بالعروض (السلع) شريطة تسلم البائع إياها عند العقد، ولو كان ثمن السلعة أقل من قيمة الورقة التجارية؛ لأنه لا مانع شرعاً من شراء الشخص سلعة بثمن مؤجل أكثر من ثمنها الحالي» (١). كذلك فقد نص مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره ذي الرقم: ١٥٨ (٧/ ١٧) على الآتي: «من صور بيع الدين الجائزة: بيع الدائن دينه لغير المدين في إحدى الصور التالية .. بيع الدين بسلعة معينة» (٢). * * * * *

стр. 110

المبحث الخامس: السلم أولاً: تعريف السلم: السلم: هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد. شرح التعريف: (عقد على موصوف) فلا بد أن تكون السلعة موصوفةً غير معيّنة؛ بل يوصف نوعها لا عينها؛ ولا يصح أن يكون السلم على سلعة معينة بعينها؛ إذ يمكن أن تباع بيعاً. (في الذمة) فلا يصح أن يكون على السلعة الموصوفة الموجودة في المكان الفلاني التي وصفها كذا وكذا … ؛ لأن هذا موصوف معين وليس في الذمة. (مؤجل) وهذا هو الأصل؛ أن تكون السلعة مؤجلة. (بثمن مقبوض في مجلس العقد) فإن كان مؤجلاً لم يصح البيع؛ لأنه بيع دين بدين. - مثال: أن يدفع المشتري (المُسْلِم) الآن (خمسة آلاف) ريال نقداً؛ على أن يعطيه البائع (المُسْلَم إليه) بعد ستة أشهر (مئتي) كيلو تمر إخلاص. - صورة السلم: أعطيك عشرة آلاف ريال الآن على أن تسلم لي مائة كيلو تمر من نوع كذا تسلمها لي في وقت كذا، ويستفيد كل من المسلم والمسلم إليه، فأحدهما يستفيد بالانتفاع برأس المال بهذه العشرة آلاف، والآخر يستفيد بالرخص؛ لأن قيمة مائة كيلو تمر مثلا تكون أكثر من عشرة آلاف، لكن باعتبار أنه قدم له رأس المال كان هناك شيء من تخفيض الثمن، فكل منهما ينتفع بهذا، فهنا السلم فيه دين، وهذا الدين فيه زيادة. ثانياً: أركانه: العاقدان: المُسْلِم (المشتري)، والمُسْلَم إليه (البائع).

стр. 111

رأس مال السلم (الثمن). المُسْلَم فيه (المبيع). الصيغة. ثالثاً: حكمه: السلم جائز بالكتاب والسنة والإجماع: فمن الكتاب، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ يعم ما إذا كان الدين هو الثمن أو المثمن، فإن كان الدين هو المثمن فهذا هو السلم، قال ابن عباس ﵄: (أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلّه الله في كتابه وأَذِن فيه)، ثم قرأ هذه الآية. ومن السنة: حديث ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يُسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال ﷺ : (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) (١). وأما الإجماع، فقد حكاه ابن المنذر وغيره. فالسلم مشروع بإجماع العلماء، يسميه بعضهم بيع المحاويج؛ لأنه في الغالب يلجأ إليه الفقراء، وهو مشروع بإجماع العلماء. رابعاً: الحكمة من السلم. وهو من محاسن الشريعة؛ لأن فيه توسعة على الناس وتيسيراً عليهم، وذلك أن أرباب الزروع والثمار وشتى أنواع التجارات تمر بهم مراحل يحتاجون فيها إلى

стр. 112

تمويلٍ نقدي لمشروعاتهم المختلفة فجوز لهم السلم دفعا للحاجة، كما أن فيه مصلحة للطرفين: فالمشتري (المُسْلِم) ينتفع بنقص الثمن؛ والبائع (المُسْلَم إليه) ينتفع بتعجيله، وفيه كذلك فائدة للمجتمع في دعم عملية التنمية والنشاط التجاري مع رخص الثمن. والسلم نوع من أنواع البيع، فيصح بكل ما يصح به البيع، ويصح بلفظ: السلم والسلف. خامساً: شروطه: ما دام السلم بيعاً فإنه يُشترط له شروط البيع، وله شروط خاصة به، وهي: الشرط الأول: أن يكون فيما يمكن ضبطه بالصفة: كالمكيل والموزون والمعدود والمزروع، وعليه فلا يصح السلم فيما لا يمكن أن ينضبط بالصفة؛ لأنه يختلف كثيراً فيفضي إلى المنازعة والشقاق، وينبغي التنبيه إلى أن بعض الفقهاء المتقدمين يذكرون أشياء كانت في زمانهم مما لا ينضبط بالصفة - كالأواني مثلاً - والآن يمكن ضبط كثير منها بالصفة بسبب التقدم الصناعي والتقني، وعليه فيصح السلم فيها. الشرط الثاني: أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهراً بحيث يقطع النزاع: كأن يذكر الجنس والنوع والبلد واللون والجودة، ووجه اشتراط ذلك: أن العلم بالمبيع شرط، والعلم يحصل بالرؤية أو بالوصف والرؤية متعذرة، فلم يبق إلا الوصف. الشرط الثالث: أن يكون على موصوف في الذمة: فلا يصح على بستان معيّن أو شجرة معينة، حاضر أو غائب؛ لأنه لا يؤمن تلفه أو انقطاعه. الشرط الرابع: أن يذكر قدر المُسْلَم فيه، فيذكر قدره كيلاً، ووزناً، وعدداً. الشرط الخامس: أن يذكر أجلاً معلوماً له أثر في الثم، ولا يصح أن يكون الأجل غير معلوم، كقدوم فلان وقدومه غير معلوم، وكان قدومه معلوماً فالأجل

стр. 113

معلوم، وكذلك لا يصح عند الحنابلة أن يقول: أسلمت إليك إلى وقت الحصاد والجذاذ؛ لأن ذلك مجهول، فإن انضبطت هذه الأمور صح السلم إليها. الشرط السادس: أن يكون المسلم فيه مما يغلب على الظن وجوده عند حلول الأجل. الشرط السابع: أن يكون الثمن كله مقبوضاً في مجلس العقد: فلا يصح تأجيل الثمن كله؛ لئلا يكون من بيع الدين بالدين، وإن أجّل بعضه صح العقد في المقبوض وبطل في المؤجل. الشرط الثامن: أن لا يكون المسلم فيه مما يلزم فيه التقابض؛ لأن السلم فيه يفضي إلى ربا النسيئة. سادساً: مسائل معاصرة في السلم: المسألة الأولى: التصرف في دين السلم قبل قبضه: إذا أراد المسلم (المشتري) أن يبيع المسلم فيه (المبيع) قبل قبضه، فهل يجوز أو لا؟ فيه قولان: الجواز وعدمه، وهو قول الجمهور، وهو أحوط وأبرأ للذمة، سواء باعه على المسلم إليه أو على غيره، لقول النبي ﷺ : (إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه) (١). المسألة الثانية: السلم الموازي. - صورته: أن يعقد المصرف عقدين منفصلين مع مزارعين في محصول معين: يكون في أحدهما مسلِماً ويدفع الثمن نقداً، ويكون في الآخر مسلَماً إليه في محصول من جنس المذكور في العقد الأول وبالأوصاف نفسها؛ بثمنٍ أعلى من الثمن الذي في العقد الأول؛ ويكون الأجل هنا -غالباً- بعد أجل العقد الأول.

стр. 114

- مثاله: [العقد الأول] وقع المصرف عقد سلم مع المزارع (س)؛ دفع فيه المصرف (مليون ريال) سلماً في (مئتي طن أرز) بمواصفات معينة؛ على أن يكون موعد التسليم بعد ثمانية أشهر من تاريخ توقيع العقد. [المصرف هنا هو المسلِم، والمزارع (س) هو المسلَم إليه]. [العقد الثاني] ثم وقع المصرف نفسه -في اليوم التالي- عقد سلم: مع المزارع (ص) يُسْلِم المصرف إليه (مئتي طن أرز) من جنس المعقود عليه في العقد الأول وبالمواصفات نفسها؛ بثمنٍ قدره (مليون وثمانمئة ألف ريال) على أن يكون موعد التسليم بعد عشرة أشهر من تاريخ توقيع العقد. [المصرف هنا هو المسلَم إليه، والمزارع (ص) هو المسلِم]. - حكمه: جائز؛ لأن العقدين مختلفان لا اتصال بينهما؛ ولا يرتبط أحدهما بالآخر ولا يضرّ به. ضوابط السلم الموازي: ١) الفصل بين العقدين، فلا يكون المحصول (المسلَم فيه) في العقد الأول هو عين (المسلَم فيه) في العقد الثاني؛ لئلا يكون قد باع السلعة قبل قبضها. بل يكون من جنسه وبالأوصاف نفسها، فيستقل كل عقد بأركانه ولا يبقى بينهما اتصال. ٢) امتلاك المصرف للأرز امتلاكاً حقيقياً. ٣) قبض المصرف للأرز قبل تسليمه للمزارع (ص). ٤) أن يتحمل المصرف مسؤوليته كاملة. فلو تعذّر تسليم المحصول في العقد الأول؛ فإنه يجب على المصرف توفير محصول العقد الثاني - حسب المواصفات- من السوق.

стр. 115

المسألة الثالثة: السلم بسعر السوق يوم التسليم. - صورته: أن يدفع (المُسلِم) إلى (المسلَم إليه) الثمن في سلعة موصوفة؛ لكن لا يعيّن مقدارها وقت العقد؛ وإنما يعلّق تحديد الكمية بسعر السلعة أو بأنقص منه بنسبة معلومة يوم التسليم. فإذا حان وقت التسليم احتُسِب الثمن المدفوع (رأس مال السلم) وفق قيمة الوحدة من البضاعة (المُسلَم فيها). - مثاله: أن تشتري شركة ب (مئة ألف ريال نقداً) نوعاً محدداً من النفط وبأوصاف منضبطة دون تحديد الكمية، ويكون التسليم بعد سنة، على أن يكون سعر البرميل وقت التسليم أقل من سعر السوق بنسبة (١١%). فإذا كان سعر البرميل وقت التسليم (٩٠ ريالاً)، فإن البائع (المسلَم إليه) يحتسب سعر البرميل للشركة (المسلِم) ب (٨٠ ريالاً)، ويتم تحديد الكمية بواسطة قسمة رأس مال السلم على السعر المتفق عليه. (١٠٠. ٠٠٠ ÷ ٨٠= ١٢٥٠ برميلاً). - حكمه: هذه المسألة موضع خلاف بين العلماء، والراجح القول بجوازها؛ وهو الأظهر من مذهب أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. فقد سئل ابن تيمية مسألة: رجل استلف (من السلف وهو السلم) من رجل دراهم إلى أجل على غلة؛ بحكم أنه إذا حل الأجل دفع إليه الغلة بأنقص مما تساوي بخمسة دراهم؛ فهل يحل أن يتناول ذلك منه على هذه الصفة أم لا؟ فأجاب ﵀: «إذا أعطاه عن البيدر كل غرارة بأنقص مما يبيعها لغيره بخمسة دراهم وتراضيا على ذلك جاز. فإن هذا ليس بقرض، ولكنه سلف بناقص عن السعر بشيء، وقدْر هذا بمنزلة أن يبيعه بسعر ما يبيعه الناس أو بزيادة درهم في كل غرارة أو نقص درهم في كل غرارة. وقد تنازع الناس في جواز البيع بالسعر؛ وفيه قولان في مذهب أحمد؛ والأظهر في الدليل أن هذا جائز، وأنه ليس فيه خطر ولا غرر، لأنه لو أُبطل مثل هذا العقد

стр. 116

لرددناهم إلى قيمة المثل، فقيمة المثل التي تراضوا بها أولى من قيمة مثل لم يتراضيا بها. والصواب في مثل هذا العقد أنه صحيح لازم .... إلخ». ولكن الأولى أن يكون تحديد النقص بالنسبة لا بقدر معين، قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في تعليقه على الاختيارات: «ينبغي أن يكون معلوماً بالجزء المشاع؛ كأن يقول: بنازل عشرة في المئة عن قيمته وقت حلوله؛ لأنه إذا جعله شيئاً معيناً بالقدر فقد يستغرق كثيراً من الثمن أو قليلاً». ومن أدلة الجواز: ١) أن هذه الصيغة لا يترتب عليها جهالة تفضي إلى النزاع؛ فإن المسلِم يعلم أنه سيستفيد الشراء بأقل مما في السوق بنسبة ثابتة هي (١١% كما في المثال السابق) سواء أكان سعر البرميل في السوق (ألف ريال أو عشرة ريالات)، وكذا المسلَم إليه؛ يعلم أن خسارته ثابتة عما في السوق بنسبة (١١% كما في المثال السابق). ٢) أن التعامل المذكور تعامل بما يؤول إلى العلم؛ وما يؤول إلى العلم لا يعدّ مجهولاً، وما يقع من الجهالة اليسيرة مغتفر في السلم؛ لأنه قد روعي في إباحة عقد السلم شيء من الغرر قد يصيب أحد العاقدين بسبب تغير سعر السوق. بل قد يقال: إن هذا التعامل أقرب إلى العدل؛ لأن سعر (المسلَم فيه) مهما ارتفع أو انخفض فإن كلا العاقدين يعلم النسبة التي سيختلف بها الثمن المعقود عليه عن سعر السوق، بخلاف ما لو كان المقدار محدداً سلفاً؛ فإنه ربما ارتفع سعر (المسلَم فيه) إلى مستوى يفضي إلى خسارة (المسلَم إليه) خسارة غير متوقعة؛ لأنه مطالب بتوفير المقدار المحدد مهما بلغ سعره، وربما انخفض سعر (المسلَم فيه) إلى مستوى يفضي إلى خسارة (المسلِم) خسارة غير متوقعة؛ لأنه ليس له إلا المقدار المتفق عليه في العقد.

стр. 117

٣) أننا لو أبطلنا هذا العقد لرددناهما إلى قيمة المثل؛ مع أنهما لم يتفقا عليه. فإرجاعنا إياهما إلى ما اتفقا عليه (سعر السوق- ١١%) أولى من إرجاعهما إلى ما لم يتفقا عليه. المسألة الرابعة: تضمّن عقد السلم شرطاً جزائياً: جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة أنه «لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه؛ لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير» (١). * * * * *

стр. 118

المبحث السادس: عقد الاستصناع أولاً: تعريفه: لغة: مصدر استصنع؛ بمعنى: طلب الصنع؛ أي: طلب عمل الشيء صنعاً. اصطلاحاً: عقد على موصوف في الذمة، يُشترط فيه العمل، بثمن معلوم. ثانياً: حكمه: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الاستصناع: من السلم، وليس عقداً جديداً، فلهذا فيشترط له شروط السلم عندهم، وصرحوا بعدم جوازه وصحته إذا لم تتوفر فيه شروط السلم، والتي من أبرزها: تعجيل الثمن، فلا بد من أن يعجل المستصنع الثمن للصانع وإلا لم يصح (١). وذهب الحنفية إلى أنه: عقد مستقل، وهو الراجح، وهو جائز، ومن أدلة جوازه: ١) حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ اصطنع خاتماً من ذهب، وجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه، فاصطنع الناس خواتيم من ذهب، فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: (إني كنت اصطنعته، وإني لا ألبسه)، فنبذه، فنبذ الناس (٢). ٢) الإجماع العملي: فالناس على هذا العقد من القديم، قال الكاساني: «الناس تعاملوه في سائر الأعصار من غير نكير؛ فكان إجماعاً منهم على الجواز» (٣).

стр. 119

٣) الحاجة الماسة إليه في العصر الحاضر؛ إذ فيه مصلحة لسدّ حاجات الناس ومتطلباتهم؛ نظراً لتطور الصناعات تطوراً كبيراً، فالصانع يحصل له الارتفاق ببيع ما يصنع على وفق ما يشترطه المستصنِع، والمستصنِع يحصل له الارتفاق في سدّ حاجته بما يراه مناسباً من الصناعات. ثالثاً: الفرق بين الاستصناع والسلم: الفرق من وجهين: ١) أن الاستصناع خاص بما تدخله الصناعة، وأما السلم فهو عام لما تدخله الصناعة وما لا تدخله. ٢) يُشترط في السلم تعجيل الثمن، ولا يُشترط ذلك في الاستصناع- كما سيأتي-. رابعاً: لزوم العقد: اختلف الفقهاء: هل عقد الاستصناع لازم أو جائز؟ على قولين: الراجح منهما أنه: عقد لازم إذا كان مطابقاً للمواصفات والشروط التي اتفقا عليها؛ لما يترتب على ذلك من مراعاة مصلحة الطرفين وعدم الإضرار بهما، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، حيث جاء فيه ما نصه: «إن عقد الاستصناع - وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة - ملزم للطرفين إذا توفرت فيه الأركان والشروط»، وإذا جاء المصنوع مخالفاً للمواصفات والمقاييس المشروطة فإن للمستصنع حينئذ الخيار بفوات الوصف. خامساً: شروط عقد الاستصناع: ١) تحديد أوصاف السلعة المستصنَعة ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة بما يمنع التنازع وقت التسليم.

стр. 120

٢) أن يكون على موصوف في الذمة. ٣) تحديد أجل معلوم لتسليم السلعة. ٤) ولا يُشترط في عقد الاستصناع تعجيل الثمن، بل يجوز تعجيله، أو تأجيله، أو تعجيل بعضه وتأجيل بعضه، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة. سادساً: تضمّن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً: جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة أنه «يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة» (١). مثاله: اتفق رجل مع مقاول بناء أن يبني له بيتاً خلال سنة، واشترط عليه شرطاً جزائياً بأنه إذا تأخر المقاول في تسليم البيت خلال المدة المحددة فإنه سيخصم عليه مئة ريال عن كل يوم تأخير، فهذا لا بأس به إذا اتفقا عليه، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة - كما جاء في القرار- مثل: سوء في الأحوال الجوية لا يمكن العمل فيها. سابعاً: نهاية عقد الاستصناع: ينتهي عقد الاستصناع بواحد من الأمور الآتية: ١) تمام الصنع وتسليم السلعة والثمن. ٢) إقالة أحد المتعاقدين للآخر. ٣) موت الصانع إذا كان مقصوداً لذاته (إذا كانت مؤهلاته الشخصية محل اعتبار)، وعليه فلا ينفسخ عقد الاستصناع بموت المستصنع، ولا بموت الصانع إذا

стр. 121

لم يكن مقصوداً لذاته، ويلزم ورثة الصانع بتسليم المبيع، ويلزم ورثة المستصنع بقبولها. ثامناً: تطبيقات معاصرة للاستصناع: تطبيقات الاستصناع المعاصرة كثيرة، حيث يمكن تطبيقه على كل ما دخلت فيه الصناعة، من الطائرات والصواريخ، إلى صنع الأحذية والأثواب ونحوها، كما يشمل أيضاً بناء العقارات وتصنيع المباني الجاهزة وغيرها. تاسعاً: من تطبيقات الاستصناع المعاصرة: أولاً: الاستصناع المتوازي: - حكمه: جائز؛ لأن العقدين مختلفان لا اتصال بينهما، ولا يرتبط أحدهما بالآخر ولا يضرّ به. - ضوابط الاستصناع الموازي: ١) الفصل بين العقدين. ٢) امتلاك الشركة (أ) - في المثال السابق - للسيارات امتلاكاً حقيقياً. ٣) قبض الشركة (أ) للسيارات من المصنع قبل تسليمها للمعرض. ٤) أن تتحمل الشركة في [العقد الثاني] مسؤوليتها كاملة بصفتها مالكاً، فتضمن الصنع والإنتاج، ولا تكون ملكيتها صوريةً بأن تتخلى عن واجباتها كضمان تلف السيارات، أو ضمان الصيانة. ثانياً: الاستصناع في التمويل العقاري: يعد من أبرز تطبيقات الاستصناع المعاصرة، ومن صوره: الاستصناع في تخطيط الأحياء وتعبيدها وإنارتها، والاستصناع في بناء العقارات بعد وصفها وصفاً دقيقاً مزيلاً للجهالة، وكثيراً ما يكون الثمن في الصورتين منجمّاً، وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورته السادسة بجدة في الفترة

стр. 122

(١٧ - ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ) بشأن موضوع: (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها) ما يأتي: «من الطرق المشروعة التي يُستغنى بها عن الطرق المحرمة لتوفير المسكن بالتملك .. أن تُملك المساكن عن طريق عقد الاستصناع- على أساس اعتباره لازماً -، وبذلك يتم شراء المسكن قبل بنائه، بحسب الوصف الدقيق المزيل للجهالة المؤدية للنزاع، دون وجوب تعجيل الثمن، بل يجوز تأجيله بأقساط يُتفق عليها، مع مراعاة الشروط والأحوال المقررة لعقد الاستصناع لدى الفقهاء الذين ميّزوه عن عقد السلم».

стр. 123

المبحث السابع: الإجارة المنتهية بالتمليك عقد الإجارة المنتهية بالتمليك من العقود المعاصرة التي ظهر التعامل بها حديثاً، وكتبت فيها البحوث والفتاوى لبيان حكمها الشرعي، من قبل هيئات الفتوى، والمجامع الفقهية، والبحوث والرسائل العلمية، وغيرها، وكثير من الباحثين في هذه المسألة المعاصرة تجده يعتني ببيان صورها، وتكييفها الفقهي دون التركيز على تعريف فقهي يوضح المسألة. أولاً: تعريفه: عرفت الإجارة المنتهية بالتمليك بعدة تعاريف ومن ذلك: «عقد بين طرفين يؤجر فيه أحدهما لآخر سلعة معينة مقابل أجرة معينة يدفعها المستأجر على أقساط خلال مدة محددة، تنتقل بعدها ملكية السلعة للمستأجر عند سداده لآخر قسط بعقد جديد» (١). «تمليك المنفعة، ثم تمليك العين نفسها في آخر المدة» (٢). ثانياً: نشأة هذا العقد (٣): نشأ هذا العقد عام ١٨٤٦ م في إنجلترا تحت اسم الهايربيرشاس [Hire-Purchase]، ثم انتشر هذا العقد، وانتشر استعماله - بصفة خاصة - من قِبل شركات السكك الحديدية التي تأسست لتمويل شراء مركبات شركات الفحم والمحاجر، كانت هذه المؤسسات تقوم بشراء المركبات لحسابها، ثم تسلمها لمناجم

стр. 124

الفحم بناء على عقد البيع الإيجاري؛ لما في هذا العقد من ضمان وحماية لحقوق المؤجر الذي كان له الحق في فسخ العقد، واسترداد الأموال المسلمة للمستأجر بمجرد إخلال هذا الأخير بسداد قسط واحد من الأقساط المتفق عليها. ثم ازدادت أهمية هذا العقد بامتداده إلى شركات المقاولات وغيرها. ثم ظهر عقد الليسنج [Leasing] في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٥٣ م، ثم ظهر في فرنسا تحت تسمية [Credit Bail] عام ١٩٦٢ م، وهذا العقد يعتبر حالة جديدة للإجارة المنتهية بالتمليك، إلا أنه اتخذ طابعاً جديداً يتمثل في تدخل طرف ثالث بين طرفي العقد الأصليين - المؤجر والمستأجر -، هذا الطرف الثالث هو الذي يقوم بتمويل العقد بشراء أموال معينة هي في العادة تجهيزات ومعدات صناعية وإنشائية، ثم يقوم بتأجيرها لمن يتعاقد معهما لفترة متفق عليها بينهما، وتكون هذه الفترة طويلة الأجل نسبياً حتى تتمكن المؤسسة المالية التي تقوم بتمويل المشروع من حصولها على المبالغ التي أنفقتها على التمويل، وبنهاية الفترة المتفق عليها يكون للمستأجر المتعاقد مع المؤسسة عدة خيارات وهي: إعادة السلعة المؤجرة له إلى المؤسسة المالكة. تمديد مدة الإيجار لفترة أو فترات أخرى. بعد ذلك انتقل هذا العقد إلى الدول الإسلامية من خلال البنوك الإسلامية التي جعلت الإيجار المنتهي بالتمليك جزءاً من العمليات الأساسية التي تقوم بها، ومن البنوك الإسلامية التي طبقت هذا العقد بنك ماليزيا الإسلامي. وقام بنك مصر إيران للتنمية بالاشتراك مع هيئة التمويل الدولية، وشركة مانوفاكتشورز ليسنج الأمريكية في تأسيس شركة متخصصة في الإيجار المنتهي بالتمليك في مصر، وطبق هذا العقد أيضاً بيت التمويل الكويتي بدولة الكويت.

стр. 125

كما جعل البنك الإسلامي للتنمية عقد الإيجار المنتهي بالتمليك جزءاً من العمليات الاستثمارية التي يقوم بها، حيث قام بتطبيق هذا العقد في عام ١٣٩٧ هـ، ومنذ تطبيق عقد الإيجار المنتهي بالتمليك وحتى عام ١٤١٠ هـ استفاد من هذا العقد أكثر من عشرين دولة إسلامية. أما في المملكة العربية السعودية فقد اتجه كثير من البنوك والشركات إلى تطبيق هذا العقد في الوقت الحاضر، وأقبل عليه كثير من أفراد المجتمع. ثالثاً: صور عقد الإجارة المنتهي للتمليك: للإجارة المنتهية بالتمليك ثلاث صور: الصورة الأولى: عقد إجارة مقرون ببيع السلعة في نهاية المدة، فيقول مثلاً: آجرتك هذه السيارة مدة ثلاث سنوات، في كل شهر ألف ريال، وفي نهاية المدة تدفع مبلغ - مثلاً - عشرة آلاف ريال وتنتقل ملكية السيارة إليك. فالعقد في البداية عقد إجارة، انتهى بعقد هبة أو عقد بيع؟ عقد بيع لأنه سيدفع عوضًا مقابل انتقال تلك السلعة. هذه الصورة - كما سبق - تنتقل فيها ملكية السلعة إلى المستأجر بمجرد سداد القسط الإيجاري الأخير تلقائياً، ودون حاجة إلى إبرام عقد جديد، ودون ثمن سوى ما دفعه من المبالغ التي تم سدادها كأقساط إيجارية لهذه السلعة المؤجَرة خلال المدة المحددة، والتي هي في الحقيقة ثمن هذه السلعة. فالإجارة هنا ساترة للبيع، فالعقد صِيغَ في بدايته على أنه إجارة، وأنه بيع في نهايته، والبيع هنا مراد، ولكن الإجارة ساترة له. وهذه الصورة باطلة ولا تصح؛ وذلك لما يلي: ١) أن كل مبيع لابد له من ثمن، وهنا لا يوجد ثمن وقت تمام البيع - أي في نهاية مدة الإجارة - إذ إن ما دفع كان أجرة.

стр. 126

٢) أن الأجرة المقدرة للسلعة في المدة المحددة ليست أجرة المثل، بل روعي فيها أنها هي ثمن السلعة، مع إضافة ما قد يكون من ربح متفق عليه. الصورة الثانية: أن تكون عقد إجارة مقرونة بهبة للسلعة محل العقد، بحيث تنتقل ملكية السلعة محل العقد في نهاية المدة بدون عوض. مثال ذلك: أن يقول صاحب السلعة؛ المالك للسلعة وهو الذي نفترض أنه بائع، أن يقول للمشتري: آجَرْتُكَ هذه السلعة - لنفرض أنها سيارة - لمدة ثلاث سنوات، تدفع في كل شهر مثلاً ألف ريال، وفي نهاية المدة بعد الثلاث سنوات يكون لك حق تملُّك السلعة بلا عوض. هنا العقد تضمن عقد إجارة ابتداءً انتهى، بهبة السلعة، وقد انتقلت السلعة بلا عوض للمشتري؛ وهو في الحقيقة يسمى هنا مستأجرًا. القول الأول: عدم جواز تعليق عقد الهبة على شرط مستقبل، وهذا قول الجمهور من الحنفية والشافعية، والحنابلة. وعللوا قولهم هذا: بأن الأصل في العقود أن تكون منجزة. القول الثاني: أن تعليق عقد الهبة على شرط مستقبل جائز ولا بأس به، وهو رأي المالكية. وعللوا قولهم هذا: بأن المتبرع متفضل، والمتفضل يقبل تبرعه على الصورة التي أرادها ما دام لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالاً. الصورة الثالثة: من صور الإجارة المنتهية بالتمليك: عقد إجارة مقرون بوعد - وليس باتفاق وإنما هو مجرد وعد - من المُؤْجِر للمستأجِر ببيع السلعة أو هبته لها في نهاية المدة، فهو يقول: آجرتك هذه السيارة مدة ثلاث سنوات بألف ريال

стр. 127

شهريًّا، وفي نهاية هذه المدة أعدك وعدًا أن أبيعك هذه السلعة بعشرة آلاف ريال، أو أعدك وعدًا أن أمنحك هذه السلعة مجانًا. فهنا التملك الأخير جاء بالوعد وليس بعقد أو اتفاق بينهما. وينبني حكم هذه المسألة على مسألة الوفاء بالوعد، وهل هو لازم أم لا، وسبق أن ذكرنا أن القول الراجح في هذه المسألة: وهو أنه لا يجوز أن يكون الوعد ملزماً في عقود المعاوضات، وأنه يجب أو يستحب - على رأي الجمهور- الوفاء بالوعد ديانة وقضاء. وعليه فإذا كان الوعد ملزماً هنا فلا يجوز العقد، وإن كان الوعد غير ملزم فتجوز هذه الصورة. رابعاً: تخريج الإجارة المنتهية بالتمليك فقهياً: للإجارة المنتهية بالتمليك عدة تخريجات لا تخلو من اعتراضات، وأقرب التخريجات لهذا العقد: هو: إن الإجارة المنتهية بالتمليك هي عقد إجارة مع وعد بالهبة أو بالبيع، وعلى هذا يجب أن يكون التمليك اللاحق بوعد لا أن يكون بشرط ولا باتفاق. مثاله: كأن تكون صفة الإجارة أن يقول: آجرتك هذه السلعة هذه المدة وأعدك ببيعها في نهاية المدة بسعر كذا وكذا، أو أعدك بهبتها لك بسعر كذا وكذا، أو أنت بالخيار في نهاية المدة في أن تتملكها بسعر كذا وكذا، أو أن تتملكها بدون عِوض، فهو إما أن يذكر الوعد أو التخيير، فالتخيير مثل الوعد تمامًا. أما إذا كان التمليك اللاحق بشرط أو باتفاق فإن هذا لا يصح. وعلى هذا التخريج يجب أن تُطَبَّق أحكام الإجارة في فترة الإجارة، ثم في نهاية المدة يكون للطرفين الحق في إنشاء عقد جديد؛ إما عقد بيع أو عقد هبة.

стр. 128

خامساً: حكم هذا العقد: الإجارة المنتهية بالتمليك جائزة من حيث الأصل بعدة شروط: الشرط الأول: أن يكون هناك عقدان منفصلان، فعقد تُطبَّق فيه أحكام الإجارة في فترة الإجارة، وأحكام التَّمَلُّك في فترة التملك؛ لأن الإجارة المنتهية لها فترتان: فترة إجارة يليها فترة تَمَلُّك، فلا بد من تطبيق أحكام الإجارة في فترة الإجارة، وأن تكون الإجارة حقيقية وليست صورية، وليست ساترة للبيع. ولهذا فإذا جمع في الإجارة بين عقدين منفصلين على محل واحد في عقد واحد في وقت واحد، فلا يصح، وهذه الصورة هي التي صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وقرار هيئة كبار العلماء بتحريمها. الشرط الثاني: أن يكون الوعد بالتمليك غير مُلْزِم، سواء كان وعدًا بالتمليك بالبيع أو بالهبة، يجب ألا يكون ملزِمًا. الشرط الثالث: أن تكون نفقات الصيانة غير التَّشْغِيلِيَّة مثل تغيير الزيت مثلاً، والفرامل ونحو ذلك، على المستأجر. وتكون الصيانة الأساسية: للسيارة مثلاً؛ كالعطل في محرك السيارة، فمثل هذه الصيانة على المُؤْجِر. الشرط الرابع: إذا اشتمل العقد على تأمين وهذا كثير في عقود الإجارة المنتهية بالتمليك في السيارات؛ أن المُؤْجِر الذي يُؤْجِر السيارة يشترط التأمين، فهنا إذا اشتمل العقد على تأمين فلا بد من أمرين: ١) أن يكون التأمين تعاونيًّا لا تجاريًّا؛ لأن التأمين التجاري محرم. ٢) أن يكون التأمين على المُؤْجِر. مسألة: من صور الإيجار المنتهي بالتمليك أنه يؤدي في بعض صوره إلى اشتراط عقد في عقد، وقد مر معنا أن من شروط جواز عقد الإجارة المنتهي بالتمليك: أن

стр. 129

لا يكون هناك شرط في العقد ببيع السلعة في نهاية عقد الإجارة، وإنما يحصل التملك للسلعة بدون عِوض، فهو إما أن يذكر الوعد أو التخيير، فالتخيير مثل الوعد تمامًا. أما إذا كان التمليك اللاحق بشرط أو باتفاق فإن هذا لا يصح. وقد ذهب جمهور العلماء إلى منع اشتراط عقد في عقد، وهذا القول هو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. واستدلوا: بما جاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك) (١). وبحديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة)، وفسروا الحديث بأن المراد به اشتراط عقد في عقد (٢). وذهب بعض أهل العلم - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - إلى جواز اشتراط عقد في عقد إلا إذا كان أحدهما معاوضة والآخر تبرع، كالجمع بين البيع والقرض، أو بين الإجارة والقرض، لحديث: (لا يحل سلف وبيع)، وأما في غير ذلك فيجوز، واستدلوا بأن الأصل في المعاملات والشروط الحل والصحة. وأما قوله ﷺ : (ولا شرطان في بيع). فقد اختلف العلماء في تفسير الحديث على أقوال منها: القول الأول: أن المراد به التردد بين النقد والنسيئة في صيغة واحدة، كأن يقول: بعتك بكذا نقداً وبكذا نسيئة، فيقبل الآخر على الإبهام - أي لم يحدد أي الصفقتين قَبِل.

стр. 130

القول الثاني: أن المراد به اشتراط شرطين فاسدين في العقد، وهذا قول عند الحنابلة، وعليه فيكون اشتراط شرطين فاسدين يبطل العقد، أما اشتراط شرطين صحيحين أو أكثر فإنه يصح، ويصح العقد. ولعل هذا القول هو أقرب الأقوال إلى التفسير الصحيح للحديث، وأن اشتراط شرطين فأكثر صحيح لا يفسد العقد؛ لأنه لما كانت هذه الشروط لا تؤثر في صحة العقد وهي منفردة فيلزم ألا تؤثر فيه وهي مجتمعة. فإن الحديث ظاهر أنه بعيد عن هذه المسألة، فإن البيع في هذه المسألة قد اقترن بشرط واحد، وهو أن يبيعه هذه السلعة بكذا، بشرط أن يبيعه تلك السلعة بكذا، وليس فيه شرطان، وإنما يوجد العقد، ويوجد شرط فيه، فالأول يطالب بمقتضى العقد، والثاني بمقتضى الشرط. وأما نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة، فإن المراد به - كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره - بيع العينة، حيث تضمن بيع مؤجل وبيع حاضر، وتضمن أيضاً الشرطين: شرط التأجيل، وشرط الحلول (١). التأجير المقترن بوعد بالتمليك بأجرة متغيرة (٢): والمراد بالأجرة المتغيرة هي الأجرة المؤجلة التي يتفق العاقدان عليها، وتربط بمؤشر منضبط محدد في العقد في آجال مستقبلية محددة، وفق آلية محددة. هذا وإن آلية ربط الأجرة بمؤشر قد تكون على صيغ وصور عدة-كما مر معنا-، إلا أن أبرزها وأكثرها تطبيقاً في المصارف الإسلامية في الوقت الحاضر هي توزيع

стр. 131

سداد الأصل (١) والربح على أقساط إيجارية دورية طوال مدة الإجارة. ويُراد بذلك أن يتم تحديد الأقساط الإيجارية بشكل تشتمل فيه على سداد الأصل - أي: تكلفة العين المؤجرة على المصرف - في أقساط دورية محددة (سنوية، أو نصف سنوية، أو ربع سنوية) موزعة على كامل مدة عقد الإجارة، ويُضاف إليه - أي: إلى الأصل - دفع الربح على الجزء القائم غير المسدد من الأصل فحسب، والذي يتحدد بناءً على مقدار المؤشر المتفق عليه (٢). وهذا النوع من التمويل يعد من أهم عقود التمويل المعاصرة، وهناك إقبال كبير عليه من قبل المصارف الإسلامية، والكلام عليه يطول جداً؛ لأنه مركب من عقود كثيرة. وأصله وهو التأجير مع الوعد بالتمليك محل خلاف كبير أيضاً، وقد سبق ذكر ضوابط جوازه (٣)، وإذا تحققت هذه الضوابط بقي محل الإشكال في حكم ربط الأجرة المؤجلة بمؤشر منضبط معلوم. حكم التأجير المقترن بوعد بالتمليك بأجرة متغيرة. اتفق الفقهاء في المذاهب الأربعة على أن العلم بالأجرة شرط لصحة الإجارة. وعليه فقد ذهب كثير من الفقهاء المعاصرين إلى تحريم هذه المعاملة، والعلة هنا هي ما سبق ذكره في مسألة المرابحة بربح متغير.

стр. 132

وذهب لجواز هذه المعاملة كثير من الفقهاء المعاصرين، ونصت فتاوى وقرارات عدد من المجامع والندوات الفقهية، والهيئات الشرعية للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على جواز كون الأجرة متغيرة، ومنها: المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (١)، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (٢)، وندوة البركة الحادية عشرة للاقتصاد الإسلامي (٣)، والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي (٤)، والهيئة الشرعية لمصرف الراجحي (٥)، وأشارت هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي المصري إلى إمكانية جعل الأجرة متغيرة (٦). * * * * *

стр. 133

المبحث السابع: الشركات تعتبر الشركات أحد مصادر التمويل الإسلامي، وهناك أنواع كثيرة من الشركات في سوق التمويل الإسلامي؛ ولذلك لابد من ذكر مقدمة يسيرة عن الشركات في الفقه الإسلامي. أولاً: تعريف الشركة: الشركة لغة: هي الاختلاط؛ أي خلط أحد المالين بالآخر، بحيث لا يمتازان عن بعضهما. الشركة اصطلاحاً: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف. ثانياً: حكم الشركات: أجمع الفقهاء على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها. ثالثاً: أقسام الشركات (١): الشركة قسمان: شركة أملاك، وهي الشركات الإجبارية في القوانين الوضعية، وشركة عقود، وهي الشركات الاختيارية في القوانين. القسم الأول: شركة أملاك: وهي اجتماع في استحقاق، ومثاله كثبوت العقار لاثنين في أكثر. القسم الثاني: شركة العقود: وهي اجتماع في تصرف، وهي خمسة أنواع: شركة العنان، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه، والمضاربة. وهذا التقسم عند الحنابلة، وقسمها الحنفية إلى ستة أنواع: وهي شركة الأموال، وشركة الأعمال، وشركة الوجوه. وكل نوع من هذه الأنواع إما مفاوضة وإما عنان. وعند المالكية والشافعية أربعة أنواع: شركة العنان، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه.

стр. 134

واتفق العلماء على أن شركة العنان والمضاربة جائزة صحيحة. وأما الأنواع الأخرى فقد اختلفوا في مشروعيتها. ١) شركة العنان: وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه، ويكون الربح بينهما، وهي جائزة بالإجماع كما ذكر ابن المنذر، وإنما اختلف في بعض شروطها. وهذا النوع من الشركات هو السائد بين الناس؛ لأن شركة العنان لا يشترط فيها المساواة لا في المال ولا في التصرف، فيجوز أن يكون مال أحد الشريكين أكثر من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة والآخر غير مسؤول، ويجوز مع ذلك أن يتساويا في الربح أو يختلفا، فيوزع الربح بينهما حسب الشرط الذي اتفقا عليه، أما الخسارة فتكون بنسبة رأس المال فحسب، عملاً بقاعدة: «الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين». ٢) شركة المفاوضة: المفاوضة في اللغة. وسمي هذا النوع من الشركة مفاوضة لأن كل واحد منهما يفوض التصرف إلى صاحبه على كل حال في غيبته وحضوره، وهي شركة يتساوى فيها الشركاء في المال والتصرف والربح والخسارة. ٣) شركة الوجوه: هي شركة بين اثنين أو أكثر، من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن يشتريا في ذممهما بالنسيئة (أي بمؤجل)، ويبيعا بالنقد، بما لهما من وجاهة عند الناس، ويكون الربح بقدر ذلك حصة الملك (أي حسب الضمان)، وأما الخسارة: فهي على قدر ضمان كل من الشركاء اتفاقاً. ٤) شركة الأبدان: وهي أن يشترك اثنان على أن يتقبلا في ذمتهما عملاً من الأعمال، ويكون الكسب بينهما كالخياطة والحدادة والصباغة ونحوها. ٥) شركة المضاربة: وسيأتي الكلام عليها بالتفصيل.

стр. 135

رابعاً: أركان الشركة: أركان الشركة عند الجمهور ثلاثة: عاقدان، ومعقود عليه، وصيغة. خامساً: دراسة لبعض أنواع الشركات: شركة المضاربة: هذه الشركة اختلف الفقهاء فيها، فبعضهم يدرجها ضمن الشركات وبعضهم يجعلها خارج الشركات، ولهذا أفردتها هنا مستقلة. أولاً: تعريفها: المضاربة لغة: المضاربة والقراض والمقارضة بمعنى واحد، والمضاربة هي في لغة أهل العراق تسمى مضاربة، وفي لغة أهل الحجاز تسمى قراضاً، وهو مشتق من القرض وهو القطع؛ لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها، ويعطيه قطعة من الربح، أو مشتق من المقارضة: وهي المساواة لتساويهما في استحقاق الربح، أو لأن المال من المالك والعمل من العامل، وهي لهذا تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال. وأهل العراق يسمون القراض مضاربة؛ لأن كلاً من العاقدين يضرب بسهم في الربح، ولأن العامل يحتاج إلى السفر، والسفر يسمى ضرباً في الأرض. المضاربة اصطلاحاً: هناك عدة تعريفات للمضاربة في المذاهب الأربعة، وأقرب هذه التعريفات هو تعريف السادة الحنابلة. جاء في كشاف القناع: والمضاربة هي: «دفع مال وما في معناه معين معلوم قدره إلى من يتجر فيه بجزء معلوم من ربحه» (١). ثانياً: حكمها: اتفقت المذاهب الأربعة على جواز المضاربة بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

стр. 136

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، والمضارب: يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله . وأما السنة: فما روى ابن عباس ﵄ أنه قال: (كان سيدنا العباس بن عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً، ولا ينزل به وادياً، ولايشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول الله ﷺ ، فأجازه) (١). وأما الإجماع: فقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، ولم ينكر عليهم أحد، فكان إجماعاً منهم على جواز المضاربة. ولا زال المسلمون بالمضاربة منذ البعثة إلى وقتنا الحاضر من غير نكير ومثل هذا يكون إجماعاً. قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة» (٢). ويقول الشوكاني بعد أن نقل آثار الصحابة التي تدل على تعاملهم بالمضاربة: «إن هذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكير فكذلك إجماعاً منهم على الجواز» (٣). ثالثاً: أركان المضاربة: أركان المضاربة هي:

стр. 137

١) الصيغة. ٢) العاقدان. ٣) المال. ٤) العمل. ٥) تقدير نصيب العامل. وقد مرّ معنا الكلام عن الصيغة والعاقدين، ونحتاج هنا أن نتكلم عن شروط المال والربح والعمل في المرابحة؛ لأهمية ذلك، وتوقف صحة المرابحة عليه. المال: يشترط لمال المرابحة ما يلي: ١) أن يكون نقداً. ٢) أن يكون معلوماً، فلو دفع إليه ثوباً وقال: بعه وقد قارضتك على ثمنه، لم يجز. ٣) أن يكون معنياً. ٤) أن يكون رأس المال مسلماً إلى العامل. الربح: ١) أن يكون مخصوصاً بالمتعاقدين، فلو قال: على أن يكون ثلثه لك، وثلثه لي، وثلثه لزوجتي أو لابني أو لأجنبي، فإنه لا يصح. ٢) أن يكون مشتركاً بينهما، فلو قال: تصرف فيها والربح كله لي، فهو إبضاع، فالواجب في هذا العقد أن يكون لكل شريك نسبة من الأرباح حسب ما يتفق الشركاء عليها، وأما الخسائر فالواجب أن تكون على رأس المال، ولا يجوز أن يتحمل منها العامل شيئاً، ولا يجوز أن يشترط في العقد خلاف هذا، بأن يشترط أن صاحب المال متى طلب ماله أخذه كاملاً بدون نقص أو زيادة، بل الواجب في

стр. 138

حالة طلبه رأس ماله أن تصفى الشركة، فإن كان هناك ربح أخذ نسبته منه، وإن كانت هناك خسارة كانت على رأس المال، فالخسارة تكون على رب المال في جميع الأحوال، فلا يصح أن يشترك العامل في الخسارة، وإذا اشترط رب المال ذلك فسدت المضاربة بالإجماع. ٣) أن يكون معلوماً، ويكون العلم به من حيث الجزئية لا من حيث التقدير. فلو قال: لك من الربح، أو لي منه درهم أو مائة والباقي بيننا نصفان، فسد القراض، وكذا لو قال: نصف الربح إلا درهماً. شروط العمل: ١) أن يكون على وجه الاستنماء، ولا بد من بيان وقت العقد، وعلى المضارب ما جرت العادة أن يباشره من عمل. ٢) إطلاق المضاربة من غير توقيت. ٣) أن لا يكون مضيقاً عليه بالتعيين. خامساً: حكم المضاربة بالأسهم: حكم المضاربة بالأسهم مبني على تكييف الأسهم هنا، فإذا اعتبرنا الأسهم بذاتها عروض تجارة بغض النظر عما تمثله من أصول وموجودات الشركة فحينئذ يصح أن يضارب العامل فيها لرب المال - وهو مالك الأسهم -، باعتبار أن الصحيح جواز المضاربة بالعروض، وأنه لا يشترط أن يكون رأس المال من النقد. وإذا نظرنا إلى الأسهم على أنها تمثل نصيباً أو حصة شائعة من أصول وموجودات الشركة، فالمضاربة بها بهذا الاعتبار تتعارض مع بعض الشروط المتقدمة، فالجمهور- مثلاً - يشترطون تسليم رأس المال إلى العامل، وفي الشركات المساهمة لا يمكن لمالك الأسهم أن يسلم ما تمثله هذه الأسهم من موجودات الشركة إلى العامل؛ لأنها تحت تصرف مجلس إدارة الشركة فقط.

стр. 139

وهذا في الحقيقة يدل على المنع من المضاربة بالأسهم بهذا الاعتبار؛ لأنه سيتصرف برأس المال بالتدريج، وإن لم يتسلمه كله دفعة واحدة. سادساً: انتهاء عقد المضاربة: تنتهي المضاربة بأحد الأمور التالية: ١) تنتهي باتفاق العامل ورب المال على فسخها، وكذلك الفسخ من أحدهما، وبشرط أن يعلم صاحبه بذلك. ٢) موت العامل أو رب المال عند الجمهور، وعند المالكية أن المضاربة عقد يورث، فينتقل هذا الحق بعد الوفاة للورثة على تفصيل عندهم في هذه المسألة. ٣) انقضاء وقتها المحدد عند من يقول بتوقيتها. ٤) جنون العامل أو رب المال أو العامل. ٥) هلاك المال قبل التصرف فيه.

стр. 140

المبحث التاسع: المشاركة المتناقصة هناك نمط جديد من الشركات ظهر حديثاً، وله تطبيقات متعددة في التمويل الإسلامي، ومن هذا النوع (شركة المتناقصة)، وهذه نبذة مختصرة عن هذا النوع. أولاً: تعريفها: هي: معاملة جديدة تتضمن شركة بين طرفين في مشروع ذي دخل، يتعهد فيها أحدهما بشراء حصة الطرف الآخر تدريجياً، سواء أكان الشراء من حصة الطرف المشتري من الدخل أم من موارد أخرى. مثال: عزمت شركة عقارية على إنشاء برج تجاري استثماري يكلف إنشاؤه (ستين مليون ريال)، ولا تملك السيولة الكافية لإقامة المشروع؛ إذ لا يوجد لديها إلا (خمسة عشر مليون ريال)، فتعاقدت مع مصرف على تمويل المشروع بطريقة المشاركة المتناقصة؛ حيث يدخل معها المصرف شريكاً ويغطي بقية مصاريف المشروع (خمسة وأربعين مليون ريال). واتفق الطرفان على أن تقسم الأرباح العائدة من تأجير وحدات البرج (٧٥% للمصرف، ٢٥% للشركة). ومع نهاية كل سنة وتحصيل أرباح المشروع؛ توقّع الشركة مع المصرف عقد شراء جزءٍ من حصة المصرف في البرج مقابل تنازل الشركة عن جزءٍ من حصتها من الأرباح، أو مقابل مبلغ مالي من مورد آخر. وبهذا تبدأ حصة المصرف في التناقص، وحصة الشركة في التزايد حتى يصل الحال إلى أن توقع الشركة مع المصرف شراء حصته المتبقية من البرج؛ وتنفرد الشركة بامتلاك البرج كاملاً. وقد درس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة عشرة موضوع (المشاركة المتناقصة)، وأصدر فيها قراراً جاء فيه: «أولاً: المشاركة المتناقصة: معاملة جديدة تتضمن شركة بين طرفين في مشروع ذي دخل، يتعهد فيها أحدهما بشراء حصة الطرف الآخر تدريجياً سواء كان الشراء من حصة الطرف المشتري في الدخل أم من موارد أخرى.

стр. 141

ثانياً: أساس قيام المشاركة المتناقصة: هو العقد الذي يبرمه الطرفان ويسهم فيه كل منهما بحصة في رأس مال الشركة، سواء أكان إسهامه بالنقود أم بالأعيان بعد أن يتم تقويمها، مع بيان كيفية توزيع الربح، على أن يتحمل كل منهما الخسارة -إن وجدت- بقدر حصته في الشركة. ثالثاً: تختص المشاركة المتناقصة بوجود وعد ملزم من أحد الطرفين فقط، بأن يتملك حصة الطرف الآخر، على أن يكون للطرف الآخر الخيار، وذلك بإبرام عقود بيع عند تملك كل جزء من الحصة، ولو بتبادل إشعارين بالإيجاب والقبول. رابعاً: يجوز لأحد أطراف المشاركة استئجار حصة شريكه بأجرة معلومة ولمدة محددة، ويظل كل من الشريكين مسئولاً عن الصيانة الأساسية بمقدار حصته. خامساً: المشاركة المتناقصة مشروعة إذا التُزم فيها بالأحكام العامة للشركات، وروعيت فيها الضوابط الآتية: عدم التعهد بشراء أحد الطرفين حصة الطرف الآخر بمثل قيمة الحصة عند إنشاء الشركة؛ لما في ذلك من ضمان الشريك حصة شريكه، بل ينبغي أن يتم تحديد ثمن بيع الحصة بالقيمة السوقية يوم البيع، أو بما يتم الاتفاق عليه عند البيع. عدم اشتراط تحمّل أحد الطرفين مصروفات التأمين أو الصيانة وسائر المصروفات، بل تحمّل على وعاء المشاركة بقدر الحصص. تحديد أرباح أطراف المشاركة بنسب شائعة، ولا يجوز اشتراط مبلغ مقطوع من الأرباح، أو نسبة من مبلغ المساهمة. الفصل بين العقود والالتزامات المتعلقة بالمشاركة. منع النص على حق أحد الطرفين في استرداد ما قدمه من مساهمة (تمويل)» اه. * * * * *

стр. 142

المبحث العاشر: البطاقات المصرفية أولاً: ظهور البطاقات: ظهرت بطاقات الائتمان في القرن الرابع الهجري (القرن العشرين الميلادي) عندما بدأت بعض الفنادق في الولايات المتحدة بإصدار بطاقة لزبائنها المفضلين الذين يحتاجون إلى الإقامة في الفندق في مرات متكررة، وكان الغرض من تلك البطاقة تسهيل معاملاتهم، واختصار وقتهم. وفي سنة ١٣٦٨ هـ الموافق لسنة ١٩٤٩ ميلادي ظهرت أول شركة متخصصة في إصدار البطاقات وهي شركة داينرز كلوب (Diners Club)، وقد اقتصرت في البداية على إصدار بطاقة خاصة برواد المطاعم، ثم ظهرت أمريكان اكسبرس (American Express) وكارت بلانش (Carte Blanch) وفي سنة ١٣٧٠ هـ الموافق لسنة ١٩٥١ ميلادي انتقلت عملية إصدار البطاقات إلى البنوك، حيث بدأ بنك فرانكلين في نيويورك (Franlkin National Bank) بإصدار البطاقة. وقد اخترعت البنوك صيغة أخرى للائتمان الاستهلاكي أدت فيما بعد إلى تطور كبير في بطاقات الائتمان، فكان أن بدأ بنك أمريكا (Bank Of America) وبنك شيز (Chase) الذي كان يسمى حينئذ (Chase Manhattan) وهما أكبر بنكين في العالم في ذلك الوقت في إصدار البطاقات، فكان أن ظهرت بطاقة (Bank Americard) من الأول، وانتشرت أيما انتشار، فاتفقت - كرد فعل لذك النجاح - بعض البنوك على تأسيس جمعية تعاونية تصدر بطاقة منافسة، فظهرت ماستر كارد (Master Card) والتي كانت مملوكة في الأصل لبنك فيرست ناشيونال في لوزفيل بولاية كنتكي الأمريكية (Firs NationaL Of Luisville) فصادفت نجاحًا منقطع النظير (١).

стр. 143

ثانياً: تعريف البطاقة: البطاقة لغة: البطاقة على وزن كتابة، جاء في لسان العرب: «البطاقة الورقة، عن ابن الأعرابي، وغيره: البطاقة رقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما تجعل فيه، إن كان عيناً فوزنه أو عدده، وإن كان متاعاً فقيمته، وفي حديث ابن عباس ﵄ قال لامرأة سألته عن مسألة: (اكتبيها في بطاقة أي رقعة صغيرة)» (١)، وفي حديث عبد الله بن عمرو أنّه قال: (يؤتى برجلٍ يوم القيامة وتُخرَج له تسعةٌ وتسعون سجلاً فيها خطاياه، وتُخرَج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلاّ الله فتَرَجح بها) (٢). وفي مختار الصحاح: «البطاقة بالكسر رقعية توضع في الثوب فيها رقم الثنم بلغة أهل مصر … » (٣)، وفي المعجم الوسيط: «البطاقة الرقعة الصغيرة من الورق ونحوه يكتب عليها بيان ما تُعلّق عليه» (٤). ثالثاً: البطاقة المصرفية اصطلاحاً: عرفت البطاقات المصرفية بتعريفات متعددة، أبرزها ما يأتي: ١) أنها «أداة يصدرها بنك، أو تاجر، أو مؤسسة، تخول حاملها الحصول على السلع والخدمات؛ سحباً لأثمانها من رصيده، أو قرضاً مدفوعاً من قبل مصدرها ضامناً لأصحاب الحقوق ما يتعلق بذمة حاملها الذي يتعهد بالوفاء والتسديد للقرض خلال مدة معينة من دون زيادة على القرض إلا في حالة عدم الوفاء، أو

стр. 144

بزيادة ربوية لدى اختياره الدفع على أقساط، مع حسم عمولة على التاجر من قيمة مبيعاته في جميع الحالات» (١). ١) أنها «أداة دفع وسحب نقدي، يصدرها مصرف تجاري، أو مؤسسة مالية، تمكن حاملها من الشراء بالأجل على ذمة مصدرها أو من ماله، ومن الحصول على النقد اقتراضاً من مصدرها، أو من غيره بضمانه، أو سحباً من الحساب الجاري، وتمكنه من الحصول على خدمات خاصة» (٢). ٣) أنها «بطاقة تصدر من إحدى مؤسسات الائتمان، أو إحدى الجهات المرخص لها قانوناً، بحيث يسمح لحاملها بسحب أو تحويل نقود من حسابه» (٣). ولعل التعريف الثاني هو أقرب التعاريف، كونه ينطبق على وصف البطاقة الائتمانية، بخلاف التعريف الأول، فهو توصيف لعمل البطاقة، ولهذا كان بهذا الطول، والتعريف الثالث فيه تعميم لا ينطبق على حقيقة البطاقة الائتمانية. رابعاً: أهم خصائص البطاقات المصرفية: أنها غير إلزامية، بمعنى أن حامل البطاقة لا يستطيع إلزام البائع بها مثل استطاعته إلزامه بالنقود الورقية. أنها غير قابلة للتحويل كبعض الأوراق النقدية، مثل الشيكات ونحوها. أنها ذات صلاحية محددة بمدة، وقابلة للإلغاء والإيقاف. أنها ذات سقف محدد، بمعنى أن لها حداً شهرياً، أو يومياً لا يمكن لحاملها تجاوزه (٤).

стр. 145

خامساً: أنواع البطاقات المصرفية: البطاقات المصرفية التي يجري التعامل بها أنواع عديدة، ويمكن إرجاعها إلى نوعين: النوع الأول: البطاقة الائتمانية: وهي: «مستند يعطيه مصدره، لشخص طبيعي أو اعتباري- بناء على عقد بينهما - يمكنه من شراء السلع، أو الخدمات ممن يعتمد المستند، دون دفع الثمن حالاً، لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ومن أنواع هذا المستند ما يمكن من سحب نقود من المصارف» (١). وعُرّفت: «بأنها: أداة دولية للدفع الائتماني المدار، ذات نطاق عام، ناتجة عن عقد ثلاثي، تصدر من بنك تجاري، تمكِّن حاملها من إجراء عقود خاصة والحصول على خدمات خاصة» (٢). أنواعها (٣): النوع الأول: من حيث الدين: تنقسم إلى نوعين: ١) بطاقة ائتمان القرض غير المتجدد (charge Card): وتعني كلمة (charge) في المعجم الإنجليزي: الشراء بالدين أو على الحساب، ولذلك يسمى هذا النوع بطاقة على الحساب، أو بطاقة الدفع الشهري، أو بطاقة الوفاء المؤجل، وتتميز بالتالي:
следующие страницы →