← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16544

تهذيب الأجوبة ط عالم الكتب

ابن حامد الحنبلي

Полный текст (197 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تخشى﴾. ونظائر ذلك كل فيه تقرير الزجر والردع والثبات عن عين الشيء وحقيقته، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. ثم الذي يدلك على ذلك أيضا من السنة ما قدمنا من حديث عطية السعدي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تكون من المتقين حتى تدع ما لا بأس به خوفا مما فيه البأس. فأثبت النبي ﷺ في الزجر عن أعيان الحرام خوفا، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في الكتاب والسنة لما ذكرنا أصلا. ثم إنا وجدنا العادات في عرف الناس أنهم يوقعون الزجر عن الشيء فالتحذير منه بتسمية الخوف، ألا ترى أنهم يقولون نخاف من هلكة ما به تحذيرا، ويقال خاف على ولده تحذيرا بمثابة الزجر عن الشيء نصا، فإذا ثبت هذا في الأصول كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق. فأما الجواب عن الذي قالوه من أن صيغة اللفظ لا تعطي الحتم فذلك فاسد إذ قد بينا إن صيغتهما تعطي الحتم، فعلى هذا يسقط السؤال ولو جاز أن يقال أن هذا لا يعطي حتما في الجواب جاز أن يقال إنه إذا قال: لا يعجبني هذا، إنه ليس بنهي عنه، فلما كانت هذه الألفاظ كلها علما للزجر والنهي ثبت بذلك سلامة ما ذكرناه. وأما الجواب عن الذي قالوه من رده أنه نهى حيث قال: لا أعرف، هذا جوابه بالقطع على أنه يخاف القضية إلى ظاهرها حتم، وظاهر قوله لا أعرفه توقفا، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.

стр. 107

باب البيان عن جوابه بأحب إلي قال الحسن بن حامد ﵀: إعلم وفقنا الله وإياك للصواب إن أجوبته إذا وردت وسؤالات عن الواجب بالحدود والفروض وكانت واردة بلفظ الأحب إلي. فذلك علم للإيجاب وبيان اختياره في الحادثة من الأقاويل وقد نقل عنه ذلك في تضاعيف كتبه والأقاويل. صورة ذلك ما رواه أبو طالب في كتاب السلم قال: قلت له: إلى أجل معلوم أحب إليك؟ قال: أذهب إلى أنه أجل معلوم. وأهل المدينة لا تحتاج إلى أجل، والأجل أحب إلي، لقول النبي ﷺ . وقال حنبل في الإيمان: إذا قال أكفر بالله؟ فقال أحمد: أحب إلي أن يكفر، ويستغفر الله ولا يعود. وقال الحسن بن محمد بن الحارث سئل أبو عبد الله فيمن له مئة وعليه مئة يكفر؟ قال: أحب أن يكفر.

стр. 108

وقال علي بن سعيد فيمن جعل على نفسه صيام سنة؟ قال أحمد: أحب إلي في الفطر والأضحى أن يكفر ثم يقضي. وقال حرب بن إسماعيل: قلت لأحمد: حديث عائشة كرهت أن تلبس الميت. وقال عمر كتب إليهم أن لا يلبسوا إلا ذكيا؟ فقال: نعم أحب إلي أن لا يلبسوا إلا ذكيا لحديث ابن عكيم. وقال صالح عنه في الولاية من مات في السفر أنه يتولى رجل بيع متاعه، فأما الجواري فأحب إلي أن يبيعهن الحاكم. وقال ابن مشيش: قلت رجلين قطعا يد رجل؟ قال: أما أنا أحب إلي أن يقطعا جميعا. وقال ابن مشيش: قلت يروى عن علي يده ورجله، وأهل المدينة يديه ورجليه، وقول علي أحب إلي.

стр. 109

ونظائر هذا يكثر كل ما ورده عن مثله فإنه مستحق به أعلام الإيجاب والفرائض لا غير ذلك. وهذا قول عامة أصحابنا لا أعلم بينهم خلافا أن ما ورد عنه في هذه المسائل وإن كان بلفظ المحبة إن ذلك مثابة النص فيه حتما. وقد ذكر أبو عبد الله مواضع التثبت من بعض أصحابنا شبهة حتى يجعلون كل جواباته بالأحب مفصلا واستحبابا فمن ذلك الذي نقله عنه إسحاق بن إبراهيم إذا أحدث في الطواف، قال ينصرف ويتوضأ ويبني وإن إستأنف كان أحب إلي. ومن ذلك أيضا ما رواه اسحاق بن إبراهيم قال: قلت النزول: أحب إليك بطرسوس أم بمكة؟ قال: بطرسوس أحب إلي. قال أبو طالب: قلت: يذبح لغير القبلة؟ قال: لا. قلت: إلى القبلة أحب إليك؟ قال: نعم.

стр. 110

وقال صالح: قال أبي: يستحب أن يذهب إلى الجمعة راجلا. ومن ذلك ما قاله في النكاح أحب أن يعرف ويضرب عليه بالدف. وإن كان هذا استحبابا، فكان كل جوابه كذلك. ومن السنة أن يقول هذا أن يسميه الاستحباب في الكتاب التفضيل ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ وهذا علم للاستحباب لا غير ذلك. وبنوا ذلك أيضا على أن الأمر كالألفاظ إذا حد في اللسان ألا ترى أنه يفرق بين أمر ما كان من الواجبات، وما كان من النوافل بلفظ الاستحباب. وإذا ثبت هذا كان جواب أبي عبد الله ﵁ في قوله أحب إلي أنه الفصل لا غير ذلك، وهذا كله فلا وجه. والدليل على صحة قولنا إنا وجدنا الواجبات لا يضر التعبير عنها بالمحبة أنا وقد ورد السمع بذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾. وهذا الاسم لما قد ثبت أنه في أصله حتم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه .. الآية﴾. وذلك أنهم يحبون فرائضه في موجبات وفائها، وقد ثبت أيضا من الأسماء بما شابه الاستحباب لفظ الإيجاب ألا ترى إلى قوله جل وعز ﴿حقا على المحسنين﴾. و ﴿حقا على المتقين﴾. وكل ذلك اسم للواجبات، وقد جاءت السنة بنظير ذلك، وهذا الحديث في قصة أسامة. أخبرنا أبو زيد قال ثنا محمد قال ثنا محمد بن إسماعيل قال ثنا قتيبة بن

стр. 111

سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقام رسول الله ﷺ فقال: إنكم تطعنون في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله، وأيم الله إن كان لخليق الإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده. وقد ثبت أن هذه تسمية مختصة بما يتعلق بشأن الإمارة، ولا يجوز أن ينطق أنه كان أحب إليه من الصديق ولا الفاروق ولا ذي النورين ولا زوج البتول. فإذا ثبت هذا علمت أنه قصد بذلك إلى قصد البيان عن الإمارة فكأنه كـ أحب الناس إليه فيما ولاه إياه من هذا البعث الذي طعنتم في ولايته فيه وهذا عبارة عن الإيجاب لا غير ذلك. ومن أدل الأشياء فتواه والذي تعلق بالحدود لا يجوز أن يدخله تخيير واستحباب إذ للقصاص لا يقال في أخذ اليدين أحب اليدان من اليد الواحدة إذا نيل من جناية لا يبعد، وإنما يدخل الاستحباب عبارة عن الإيجاب كأنه قال: هذا أحب لو أحسن إلي لا غير ذلك. وكذلك في كل مسائله في الكفارات وقيم الصدقات وأدى قيمة الإطعام في كل الكفارات، كل لا يدخله تخيير، وإنما يفصل بين الواجبين، وإن كان بلفظ التفضيل والاستحباب. فأما الجواب عن الذي قالوه من أصل المذهب فالروايات عن أبي عبد الله فذلك لا يضر ما إذ ليس بمجرد قوله أحب إلي في العيدين علم نفي الفرض، وكذلك في باب النزول بطرسوس وما قاله في الذبح إلى القبلة أنه أحب إليه كان ذلك ليس من ظاهر الجواب علم، وإنما علمنا ذلك من بيانه، فالمذهب باق بحاله فيما لم يقارن دليل إسقاطه.

стр. 112

جواب ثان - وهو أنا وجدنا هذه الأشياء أصلها غير حتم فكان جوابه بالأحب إذن في أولى الاستحبابين فيجب أن يكون إذا صدر جوابه عن الواجبات أن يكون بيانا لأحد الواجبين واطراحا للآخر، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.

стр. 113

باب البيان عن جوابه برده إلى مشيئة سائله قال الحسن بن حامد ﵀: وذلك عندي توسعة على السائل وترك الضيق عليه، فإن فعله أو تركه لم يكن حرجا وهو الأشبه عندي بظاهر المذهب. صورة ذلك ما قاله صالح قلت لأبي يقول بين السجدتين: رب اغفر لي؟ قال: إن شاء. قلت: تقول أنت؟ قال: نعم. قلت لأبي: هل يرش على القبر الماء؟ قال: إن شاء وفعلوه. ومثله في المستحاضة إن شاءت

стр. 114

توضأت لكل صلاة، وإن شاءت اغتسلت، وإن شاءت جمعت بين الصلاتين. ونظائر هذا كلها ورد بلفظ الرد على مشيئته فذلك إذن بالمسامحة والتوسعة وإن ترك ذلك أصلا فلا شيء عليه. وقال الحربي في كتابه إن ذلك واجب في مسألة الذكر بين السجدتين. والقائل بهذا يجد الجواب من أبي عبد الله برد المشيئة إليه أنه اسم للإيجاب، وأصلهم في ذلك أنه بمثابة جوابه أحب إلي. وقد يستدل في هذا بأن لفظ المشيئة لا يؤذن بالتخيير. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر﴾. قالوا: وهذا ليس بعلم للتخيير بل ذلك حتم وقطع للفرض، وهذا فلا وجه له. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ظاهر ونظر. فالظاهر الأمر من موجبات الأسماء في التنزيل ألا

стр. 115

ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾. وقوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾. ونظائر ذلك تكثر كل مستقر فيه موجبات التخيير، لا أنه قطع على الحتم والتغليط. ومن السنة ما رواه ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من حلف فقال إن شاء الله، إن شاء مضى وإن شاء رجع ولم يحنث، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. ومن أدل الأشياء ما قد ثبت أن لفظ المشيئة حدها في الكلام المضاد في لغة العرب التخيير ألا ترى أنه قال إن شئت فادخل الدار، وإن شئت، فكل ذلك توسعة في الأمر. ومن ذلك أيضا لو قال أنت طالق إن شئت، لكان هذا توسعة برد المشيئة إليها. ومن ذلك إذا قال لعبد أنت حر إذا شئت، كل ذلك توسعة في الأحكام. فإذا ثبت هذا علمت أن ما ذكرناه فيما ينقل عنه بلفظ المشيئة أنه للتوسعة لا غير ذلك.

стр. 116

وأما الجواب عن الذي قالوه من أن لفظ المشيئة كالاستحباب فذلك لا تأثير له، إذ لفظ المشيئة لا يثبت الأمر، ولفظ المحبة يثبت الأمر. جواب ثان - هو أن لفظ المشيئة رد الفعل إلى السائل، وليس كذلك الجواب بالأخف لأنه إذن بالفعل من حيث الأمر. وأما الجواب عن الذي قالوه من الله الآية من قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ فذلك لنا إذ ظاهر هذه الآية أوجبت الزجر والردع والتفريع لأنها واردة إذنا بالفعل ألا ترى إلى ما هو منوط من قوله : ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها﴾. وهو إفزاع وإرهاب وارتداه عن الكفر. جواب ثالث - وهو إنا نقول ليس وإن كان في الآية ذكر مشيئة مما يوجب إذنا بالإباحة، إذ لا وجه لجواز ما علق بمشيئته، والخطاب إذا ورد فإنه محمول على ما قصد به، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾. ظاهره التخيير المقصود بذلك الزجر والتفريع فإحدى الموجب عنا على مقصودها، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.

стр. 117

باب البيان عن جوابه بلا بأس أو قال أرجو أن لا يكون به بأس قال الحسن بن حامد: فكل ما روي عنه جواب عن الأمر له بنفي البأس حتما أو رجاء فذلك توسعة وإذن. صورة ذلك: قال الأثرم: قيل لأحمد فشعر الميتةة ينتفع به؟ قال: نعم. قلت: ريش الميتة؟ قال: هو أغلظ، وأرجو أن لا يكون به بأس. وقال الأثرم: قلت: رأت الطهر قبل الفجر، توانت في الغسل تعتد بصوم يومها؟ قال: أرجو أن يجزيها. وقال أبو الصقر بن يزداد: قلت (سمكة كذا في الأصل مبيض أن لا يكون) به بأس. ابن منصور: من ملك ذا رحم محرم؟ قال: أرجو أن يكون حرا.

стр. 118

أبو داود: جلود الثعالب؟ قالوا: أرجو أن لا يكون به بأس. فإذا قال: أرجو أن يجزي أو قال: أرجو أن يجزيها. فكل ذلك سوي وهو إذن بالإباحة، كأنه قال لا شيء عليه في ذلك، وهذا فلا أعلم فيه خلاف بين أصحابنا. وهذا الجواب من إمامنا متابع فيه أنحى أجوبة العرب، ألا ترى أنهم يقولون هذا غلام يرجى، فهذا من جواب إمامنا مطابق لإصابة السنة حتما. ومن ذلك أيضا فقد ثبت وتقرر البيان في التنزيل ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قد كنت فينا مرجوا﴾. قبل هذه الآية. من ذلك قوله ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾. وقوله: ﴿وترجون رحمته﴾. كل ذلك علم بها بالجواب من الإصابة. ومن ذلك قوله: ﴿وترجون من الله ما لا يرجون﴾. كل ذلك علم الإصابة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. ثم بعد هذا فإن الفقيه إذا سئل عن شيء فقال: لا بأس، أو قال: أرجو أن لا يكون به بأس، فإنه مقيد بذلك إما حظرا وإما إباحة، فإن كان السؤال عن الفعل آذن ذلك بالإباحة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.

стр. 119

مسألة إذا أجاب بلا بأس عربا عن الرجاء صورة ذلك: قال ابن منصور: قلت: السلم على أن يوفيه بمكان كذا وكذا؟ قال: لا بأس. عبد الله بن أحمد عن أبيه: عتق الصبي؟ قال: لا بأس. مهنا قال: سألت أبا عبد الله عن سعيد بن زياد الشيباني؟ قال: لا بأس. عبد الله سألته عن عثمان البتي؟ قال: لا بأس. قلت: سالم الخياط؟ قال: ثقة ليس به بأس. وكل ما ورد من هذا فإنه إذن للإباحة وهذا فلا أعلم فيه خلافا وهو ظاهر اللسان، ألا ترى إلى ما ثبت من مخاطبات أهل اللسان يقولون: هذا طريق لا بأس به، وهذا غلام لا بأس به، وكل ذلك إذن بالرضى. وقد جاءت الشريعة

стр. 120

بذلك ألا ترى إلى قوله ﷺ : ما أكل لحمه فلا بأس ببوله. ومن ذلك ما أخبرناه أيضا قال ثنا الأزرق قال ثنا أبو عقيل الثقفي ثنا عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد بن جبير، عن عطية السعدي وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، خوفا مما به بأس. فإذا ثبت هذا علمت بذلك أن السنة تنفي البأس مؤذنة بالإباحات وأنه بمثابة الإجازة وبالله التوفيق.

стр. 121

باب البيان عن جوابه بالاحتياط صورة ذلك ما قاله الأثرم عنه قلت: النفساء رأت عشرين يوما دما. وعشرين يوما طهرا، ثم عاودها الدم؟ قال: تعود فتقضي الأيام التي صامتها وهي ترى الدم تحتاط. ونظائر هذا كله عندي على أصل واحد. وقال صالح عن أبيه المبتدئة بها الدم تحتاط لها فتجلس يوما وليلة. وقال في النكاح في مسائل ابن منصور في الطلاق في النكاح بغير ولي إذا طلق ثلاثا يقع الطلاق احتياطا. ونظائر هذا كله عندي على أصل واحد وإن جوابه إذا وجد بهذا القول، فإنه علم للإيجاب حتم وهذا غالب مذهب أصحابنا إلا أن بعض أصحابنا فرق في جملة هذه المسائل فقالوا في باب النكاح إن واجب، وفي باب المبتدئة بالدم كذلك.

стр. 122

وأما أمر النفساء فقالوا: ليس ذلك بواجب، وإنما هو على حد الاختيار لا غير ذلك، ومن ذهب إلى هذا احتج بإن لفظ الإيجاب لا يكون بأن يقول احتياطا، وإنما تدخلت هذه اللفظة على حد التوقي لا غير ذلك. وهذا كله فلا وجه له. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن اللفظ الذي يتحتم به الفعل له دخل في الإتساع فقد نفع به الأمر، ولعل موجبه بالاحتياط ويعلل بما يدخل من السكون والمعوزات والمجوزات ويعتبر ذلك من اللفظ الداخل على حد التفرقة والسبق، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾. ونظائر ذلك وإن كان بلفظ التقريب والتسيف في التقدمة فإنه مستحق به الحتم والإيجاب. ومن السنة أيضا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في غشل اليدين ثلاثا لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده. فإذا تبثث هذه الأصول فإن ما ذكرناه من الجواب مقرونا بالاحتياط إنه على الحتم والإيجاب وبالله التوفيق. فأما الجواب عن الذي قالوه من أن لفظ الإيجاب الحتم والاحتياط علما للاستحباب، فذلك لا يؤثر شيئا إذ لا ينكر أن تكون علة الإيجاب الاحتياط

стр. 123

كما قلناه في غسل اليدين عند قيامه من نوم الليل، وأنكرنا على أبي حنفية وغيره حيث أبوا ذلك. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. جواب ثان - وهو أنه قد ثبت وتقرر أن أمر نفيه للإيجاب لإعادة ما دخله الشك للاحتياط ألا ترى إلى قوله ﷺ فإن كانت شفعا كانت ترغيما للشيطان. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.

стр. 124

باب البيان عن جوابه بالأشد والأهون قال الحسن بن حامد: فالأهون والأشد يحتمل وجهين. صورة ذلك ما قاله مهنا عنه في كتاب العتق إذا قال: لا ملك لي عليك قال: إذا أخاف أن يكون قد عتق. قلت فإذا قال: لا سبيل لي عليك؟ قال: هو أهون. قال: غلام الخلال: كل يعتق به. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله: إذا طاف طواف الواجب على غير وضوء؟ قال: شديد يعيد ثم قال: أستحب له أن لا يشهد المناسك إلا على وضوء، الطواف أشد.

стр. 125

ونظائر هذا الأصل اختلف فيه أصحابنا فذهبت جماعة من أصحابنا إلى أنه إذا قال أهون إنه لا يعيد تفرقة في الحكم فهو سوى هذا. قال عبد العزيز في العتق وغالب ما عنه في الأشد في الطواف إن ذلك مؤذن بالتشديد، وإنه بخلاف النافلة في الفعل فتجب الإعادة في الطواف الواجب. وقالت طائفة من أصحابنا في قوله أشد في الطواف بغير وضوء إنه لا يكسب إعادة، وإنما التشديد من التأكيد للفعل لا غير ذلك. وجملة المذهب عندي أنه إذا قال هو أهون وأيسر وأدون بكل ذلك يقتضي أنه في الأفعال مختلف وأنه لا يجب ما قاله أنه أهون من غيره بما يجب. فالجواب الأول لا في العتق ولا غيره. وكذلك ما قاله إنه أشد فإنه مستحق ما لا يستحق أهون، وإنما يجعل كل جواب على ثمرة وفائدة في التفرقة لاختلاف الأحكام لا غير ذلك. والأصل في ذلك دليل الأثر والنظر. فمن الأثر ما نقل في حديث اللعان أن النبي ﷺ وقفهما بعد أربع وحذرهما، ويقال المتلاعنين يوقفان، ويقال لهما عذاب الآخرة، أشد ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق﴾. كل ذلك مستحق به الافتراق بين الموجبين والآثرين وتغاير

стр. 126

القصتين. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. ثم الأصول كلها على على هذا إنك تقول هذا أشد من هذا لأجل موجبات التنفيل وعظم طلبات فيه، ويقول هذا أهون لإسقاط التنفيل فيه، وكذلك هذا أخف لما قد نقصت مطالبتنا وخفت موجباته. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.

стр. 127

باب البيان عن جوابه بلا أعرف وما سمعت قال الحسن بن حامد: إذا صدر الجواب من أبي عبد الله بما سمعت ولا أعرف فذلك لا يكسب قطعا بتحريم ولا تحليل ولا إبطال بل مقتضى ذلك الوقف لا غير. صورة ذلك ما رواه ابن منصور: قلت الرجل يحلف من بينته؟ قال: لا أعرفه. وقال منها: سألت أحمد عن صالح بن يحيى بن المقدام؟ قال: لا أعرفه. قال مهنا: قلت حديث عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث أن أيوب ابن موسى حدثه أن يزيد بن عبد الله المزني حدثه عن أبيه أن النبي صلى الله

стр. 128

عليه وسلم قال: يعق. قال: لا أعرف يزيد بن عبد الله المزني. فقلت له: تنكره؟ قال: لا. قال صالح: قلت: التفت في صلاته؟ قال: قد أساء. قلت: يعيد؟ قال: ما أعلم أني سمعت أنه يعيد. المروذي قلت إمرأة حلفت: محوت المصحف إن أكلت من أختها شيئا؟ قال: ما سمعت في هذا شيء. قلت: تذهب إن فيه كفارة؟ قال: لم أسمع في هذا بشيء، قل لها: لا تحنث. ومثله: قلت يكتب القرآن في شيء ثم يغسل فيغسل به؟ قال: ما سمعت فيه بشيء.

стр. 129

ونظائر هذا كثير، فكل ما يرد من هذا الباب فإنه مرتب على ما أصلناه. وليس وليس غرضنا في هذه المسائل ذكر ما يأتي عنه من هذا الباب وما عنه فيه التفسير والتبيين في تضاعيف في جواباته إذ كل ما ذكرناه عنه في هذه المسائل فالبيان عنه فيه منكشف، وإنما كلامنا على ماتوجيه هذا الجواب إذا خلى عن الدليل لا غير. والدليل على أن ما جاء بهذا الوجه كان ظاهرا في التوقف إنه وجدنا جوابا لا يدخل له في إباحة ولا حظر، وقد بين في جوابه أنه لا يقطع في ذلك بالرد، وإنما هو توقف، وهذا قريب على ما ذكرناه من جواباته بالاختلاف كل يوقفنا على الاحتياط في الأجوبة وبالله التوفيق.

стр. 130

باب البيان عن جوابه بأجبن عنه صورة ذلك في أماكن: من ذلك ما رواه ابن منصور قلت: إذا قال إن اشتريته فهو حر؟ قال: إن أجبن عنه بعض الجبن. وقال أبو داود: قلت: عبد دفع إلى حر مالا فقال اشترني من سيدي؟ قال: إذا قال اشترني بهذه الألف أجبن عنه. أبو طالب: قلت: من يسب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: أجبن عنه لكن أضربه نكالا.

стр. 131

وجملة المذهب أنه إذا قال: أجبن عنه فإنه إذن بأنه مذهب وأنه ضعيف لا يقوي القوة التي يقطع بها ولا يضعف الضعف الذي يوجب الرد، ومع ذلك فكل ما أجاب به ها هنا وغيره بمثل ما ذكرناه عنه فإنك تجد البيان عنه فيه كافيا، وفي العتق وشراء الحر للعبد بمال العبد وغير ذلك، فكل عنه فيه البيان، وقد ذكرناه في تضاعيف الكتاب فإن وجدت ولا جواب البيان فإن مؤذن بالتوقف عن غير قطع فإننا نجري الجواب إنه يؤذن بترك القطع لا غير ذلك وبالله التوفيق.

стр. 132

باب البيان عن جوابه بقوله لا أقنع بهذا قال الحسن بن حامد ﵀: صورة ذلك ما رواه عنه إسماعيل بن سعيد قلت: حديث دهثم بن قران في (معاقد القمط) فلم يعتقد ذلك، فالمذهب في هذا النحو وما جانسه إذا رد عليه سؤال أو كان في جوابه من أحد أصحابه معارضة بسؤال فقال: لا أقنع بهذا فكل ذلك رد لما قد عورض وبيان أنه لا يعتمد على ما أخبر أنه أنه غير قانع به. والأصل في ذلك أن الأجوبة في حد اللسان، وقد يقع الجواب برد الشيء بآخر الكلام وتارة ألطفة، فإن قال: لا يجوز هذا، أو هذا فاسد كان ذلك ردا أو كان جوابه بألطف من ذلك أن يقول لا يقنع، وهذا لا يكتفى به كان ذلك جوابا بالرد ألا ترى أن الحكام قد يأبون قبول من ثبت عندهم جرحه تارة يقولون: لا نقبله ولا نجيز شهادته، وتارة يقولون: لا نقنع بهذا زدنا في الشهود وهذا أمر بين العلماء أنه منتشر، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.

стр. 133

باب البيان عن جوابه بأن هذا يشنع عند الناس قال الحسن بن حامد: صورة ذلك: ما رواه الميموني: قلت: شهادة العبد في الحدود؟ قال: لا، تجوز شهادته في الحقوق شاهد واليمين، والحدود ليس كذلك. قلت: لم تستوحش من هذا إذا كان علما يتبع؟ قال: في الحدود، كأنه يشنع، وإنما ذاك لهيب الناس فردها. قال عبد العزيز: لا يختلف القول فيه بالمذهب عندي في هذا الأصل وماورد فيه من نظائره يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون رده لعله ما ذكره من شناعته عند الناس توقيا ولو فعل ذلك كان صوابا، إذ ليس ما يثبت من شناعة الناس في تفسير دليل، وهذا ظاهر مذهب الميموني، ويعضد هذا من الأصول صلاة النافلة بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب. قال أبو عبد

стр. 134

الله: عملته مرة بالكوفة فصارت شناعة، يريد بذلك أنه من حيث فعل ما لا يتعارفونه لا أنه حرام، بل هو مستحق ودليل بين. الوجه الثاني: إنه إذا قال شناعة، فإنه إذن برد الفعل. هذا مذهب عبد العزيز، وقطع بأنه لا خلاف عنه إن شهادة العبد في الحدود لا جائز أن تفعل إذ ذاك شناعة من حيث مساعد الدليل والأشبه عندي أن جوابه بالشناعة لا يوجب أو أنه نص إلى ما يوقعه البيان، إذ لا يخلو مذهبه في تصانيفه من الكشف إذ قد بين في الصلاة وإن قال بساعة إنها جائزة، وقل بين في شهادة العبد قطعا أنها جائزة إلا في الحدود في مسائل الميموني له إذا كان علما بشع بيان أن فيه علم بأن نقبل شهادة العبيد إلا في الحدود فيخبر أن جوابه البشاعة لا يؤثر شيئا، وأنه مستحق الأخذ بذلك إن أوجبه دليل الأثر والنظر ولا تكون شناعة الناس، لذلك تخشى من الإجابة ألا ترى إلى ما نقل عن أبي عبد الله في رواية إبراهيم الحربي وغيره، حيث قيل كل شيء منك حسن إلا أنك تقول يفسخ الحج أبشع مسائل المناسك مما فيها الخلاف إذ الكل على ضدها لكن الصواب فيها، وإن قل من أخذ بها إذ ما وبقية الدلالة لم يؤنسنا متابعنا ولم يوحشنا شناعة مخالفنا وبالله التوفيق.

стр. 135

باب البيان عن جوابه بلا أدري قال الحسن بن حامد: أول ما نبدأ به هو البيان عن التحديد لذلك بين العلماء وأن يقولوا في حادثة نظر ألا يدري، ويردون السؤال ثم البيان عن جوابه به، وبما ينسب إليه فيه. فأما الأول فإن طائفة جهالا شذب فزعمت أن لا ينساع أن يقول العالم لا أدري، ومن قال هذا آذن ذلك بنقصه وتقصيره، وأنه تارك لما عليه من الإستعلام، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ : ألا سألوا إذا لم يعلموا. قالوا: فإذا ثبت هذا كان من لا علم عنده عليه أن يطلب ويتعلم حتى يقول لا أعلم. قالوا: وأيضا فإن الذي يحسب بهذا إذا كان عالما فإنه مقصرا إذا أدله الحق نبرة، وحجة الله ظاهرة فعليه إن كان من أهل العلم بها اتباع التأمل فيحسن الإجابة، وإن كان غير عالم بحجة الله فإنه في حيز من لا ثقة له. قالوا: وعلى هذه الطرق كلها نفس الجواب بلا أدري تقصير فيه ونقصان. وهذا فلا يؤثر شيئا فيه، والذي يذيب المسألة فيه جبنات أحدهن إننا

стр. 136

نقول أخبرونا هل هاهنا مسائل أدلتها خفية لا يصل العالم إليها إلا بالتأمل أم لا فلا أعلم أحدا يأبى هذا، بل الكل على تجويز حوادث نظر ألا يعرض عليها، وإن الإدراك لها لا يكون إلا بالتأمل. وقد استقر أيضا بالسمع من قول النبي ﷺ : الحلال بين، والحرام بين، وأمور بين ذلك متشابهات لا يعلمها كثير من الناس. وهذا ليس بإخصاص ذلك في عامة الناس بل هو في خاصة الناس والعلماء فهم أوحد العالم ما تصابوا عليه للإجابة بوجود غيره رجل من العلماء امتحنتم عليه فر من الجواب أم لا، وهذا أيضا فلا أعلم فيه خلافا أنه إذا لم يتعين عليه الجواب أنه يرد الجواب، وإن قال لا أختار الجواب حسن من العالم أن يقول لمن سأله عن جواب حادثة يحتاج إلى بحث ونظر وتأمل لا أدري، ولا أختار الجواب فيها ولا أختار الاجتهاد فيما قد للأسانيد في أداتها، وإذا كان هذا كله متسعا على ما أصلناه لم يؤت من أداه، وكان الاجتهاد وجه من القضاء وما كان من مسائل الاجتهاد، وإذا عرى النص، فإذا تقرر أن الاجتهاد عند عدم النصوص كان طريق الاجتهاد لا يوصل إليه تأول ريب الأصحاب، بل كل يحتاج إلى سنن وجمع شواهد وبيان الأصول فيها، وهذا كله شيء يفعل المجيب الذي لا خلاف أنه يجوز عليه فيه الخطأ والإصابة إذا تقابل في بعد المجتهد الطرفان قويت شبهة العالم في قوله لا أدري. ومن أول الأشياء أن العالم ينساع له عند جهة ما يدخله في الاجتهاد في الزلل وما له في الإجابة من الثواب كان الخائف عليه من مطالبات الخطأ أن ندع لها من الإجابة من حيث الاجتهاد لغالب ماله فيما أقدم عليه من جوابه، وما عليهم من التبعات في الأجوبة بالإحالة على غيره من القتوى مباعدتهم ألا

стр. 137

ترى إلى ما روي عن ابن عمر أنه رد سائله، فلما رأى عبد الله بن عمر ما قد دخل عليه من استعظام الرد له وأنه قد نقصه بذلك. قال ابن عمر: أصحابي هؤلاء في رده الجواب وتركه بيان السؤال ولا حرج عليه في الرد، أترى يعلمون أنه سئل عما يقول. ومن ذلك ما نقل عن الشعبي أنه قال: بهذا المسجد عشرون ومئة من أبناء المهاجرين والأنصار ممن قد صوب، أو قد صوب إذا جاءت المسألة ود أن صاحبه كفاه، وهؤلاء الأئمة يقولون لا ندري من ذلك الصديق في الجدة حيث قال: لا أجد لك شيئا في كتاب الله. وأنهم يقولون: إذا أخطأ العالم لا أدري أصبت مقابله وما ذكر عن بعد وقرب ابن سيرين ونظراءه من التابعين، ويحيى بن سعيد ونظراءه من المختصين بالأثر وعلمه أنهم في أجوبتهم عما هو من صناعتهم كل أجاب عنه

стр. 138

الارتيابان يقول: لا أدري. وهذا مالك بن أنس أيضا في علمه أهل المدينة وأنه عند الالتباس. يجيب بأن يقول لا أدري فإذا كان رأسا كان ما ذكرناه في الدلالة أصلا. فأما الجواب عن الذي قالوه من أن هذا من المجيب نقص وتقصير، فلا تأثير له بل ذلك رفعة وتفضيل إذا دل الأشياء على منازل العلماء أن لا يقطعون إلا على ما انتفت شبهته، وأن ما جاءك في الصدر منه شيء يقوى عن أنفسهم العلم بعين الإصابة، وتوقفوا عن الإجابة، وهذا حقيقة لسان العلم ولأجل ذلك صاحب الشريعة ﷺ في أجوبته فقد لا يجتهد ولا يجيب إلا بما ينزل عليه من الأمر نطقا، وقد ذكرنا عن الأئمة ما فيه غنية وبالله التوفيق. وأما الجواب عن الذي قالوه من السؤال الثاني بقول النبي ﷺ ألا سألوا إذا لم يعلموا. فذلك لنا إذ ليس في توقفهم معنى من حيث إنما ثبت من العلم أوجبت الارتياب أن الشافعي يقول في الحادثة قولين لا عن جهالة بطريق الأدلة التو توصل إلى إثبات الجواب لكن من حيث الاشتباه والتعارض في باب الأدلة. ومن ذلك مالك وغيره يقولون: لا ندري من حيث الجهل، لكن من حيث التوقف لأجل ما قد اعترض الأصل من المشبهات، فإذا كان هذا في أجوبة العلماء، لا يكسب نقصا كان ما ذكروه السؤال ساقطا. وأما الجواب عن الذي قالوه من أمر الأدلة والعلامات في الأحكام وأنها واضحة يصل إليها المتأمل لها فذلك لنا، إذ لا خلاف بين العلماء أن الأدلة وإن كانت قائمة فمنها ما يقرأ حتى أنه يكون ظاهرا بينا فيهو الذي لا يكسب ارتياب. والثاني من الأدلة ما لا يصل إليه إلا من كان له قوة تأمل فهاذين يبادر العلماء بالجواب من حيث كون الاستدلال بها واضحا.

стр. 139

والثالث هو أن يتردد من الحادثة بين الأصول فكل أصل يأخذ منها شبها ولا سمع هناك فهذا الذي في بدايته إذا ورد السؤال عنه أوجب ذلك على أهل العلم أن يردوا على أنفسهم ويكتموا ألسنتهم عن المبادرة حتى يتأملوا ذلك تأملا بينا ويكشفوا عن ذلك كشفا واضحا، ومع ذلك فربما لم يترجح عند المجيب ما يظهر به تقدمة أحد القولين فيراه مستحق عليه التوقف أبدا حتى أنه تارة يعبر بالجواب عن ذكر ما فيه من الأقاويل، وتارة يقول لا أدري، وتارة يقول: دعها الساعة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وإلا سوله هدرا وبالله التوفيق. فصل: فأما صورة المسائل التي جرت أجوبتها فيها فهي بينة وهي في أماكن عدة فمن ذلك ما قاله عنه الميموني قال: قلت له بعد خروجه من الحبس: حديث ابن عباس في الطلاق (في العبدين إذا عتقا) فقال: لا

стр. 140

أدري بما أخبرك، أما من يحتج بقول الحسن يملك ثلاثا بقيت له واحدة، ومن احتج عليه بقول طلق وهو عبد فليس إلا اثنتان وإنما مالك نفسه بعد الطلاق. وقال عبد الله: قال أبي: كل شيء اشتبه فدعه. وقال في كتاب البيوع من مسائل صالح في السلم في الرمان والبيض؟ قال: ما أدري. وقال مهنا: سئل عن السلحفاة؟ فقال: لا أدري. وقال عبد الله: قلت لأبي: الحديث عن النبي ﷺ على كل أهل بيت عتيرة، منسوخ؟ قال: لا أدري. قيل له إن يزيد بن

стр. 141

هارون قال: منسوخ؟ قال: هو أعلم، من يجترئ على أن يقول منسوخ. وقال ابن منصور: قلت: قول أبي هريرة: لا أرى لصاحب الخمر شهادة؟ قال: لا أدري. أبو طالب. . . قال: لا أدري إنما يأكل قوته. وقال ابن منصور: قلت الإزار أسفل السرة؟ ناديته فقال: لا أدري. قلت: صلاة التسبيح ما ثبت فيها يعني الحديث؟ قال: لا أدري.

стр. 142

قال الميموني: قلت النخلة كم يكون حرمها؟ قال: لا أدري ما سمعت فيها شيء وأي حرم لها. وقال مهنا: قلت له إبراهيم بن عطية؟ فقال: قد رأيته وكتبت عنه، قلت: ما شأنه؟ قال: لا أدري، وكرهه وقال: قد كتبنا عنه، ونهى أن يكتب شيء من حديثه. الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يأتي رجل يزعم أنه يحل السحر ثوبا؟

стр. 143

فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل له جعل في طنجير ثم يغيب فيه ويعمل كذا وكذا؟ فنفض يده كالمنكر وقال: ما أدري ما هذا. قيل له ثوبا مثل هذا؟ قال: ما أدري وقال أحمد بن هشام: قلت الأم تشهد للابن؟ قال: لا أدري. قلت: الأخرس كيف شهادته؟ قال: لا أدري قال: وسألته عن أبي الحجاج الأزدي؟ قال: لا أدري. وقال أبو إبراهيم الزهري سألت أبا عبد الله عن ولد أبي موسى واسم أبي بكر وأبي برزة؟ فلم يكن عنده علم ما هو اسمه. ونظائر هذا تكثر، وقد اختلفت الأماكن فيما ذكرناه ونذكره في شرح ما رسمناه بيان عن كل مكان من هذا الجنس. وقد اختلف أصحابنا في ذلك: فذهبت طائفة إلى أن ذلك ارتياء وتوقف وأنه إذا أجاب بذلك فلا يقتضي حظرا ولا إباحة. وقال عبد العزيز ﵀: إن قوله: لا أدري في السلحفاة أي أن ليس فيها يرى أن أكلها محرما، فموجب هذا الإنكار أنه أثبت الحكم وأنكر ذلك على مخالفيه. والمذهب في جوابه (بلا أدري) تأمل المتأمل مذهبه وبحث عن سطوره وصل إلى ما قاله في ذلك وما ذكره من البيان فيها إذ كل مسألة عنه بما ذكرناه أو غيره حدها في غير هذه الروايات بينة، أولها مسألة طلاق العبدين إذا عتقا

стр. 144

في مسائل أبي داود وغيره فيها. ومن ذلك قوله على أهل كل بيت عتيرة وأنه لا يجب، ومن ذلك في الأطعمة السلحفاة وذكر ما نقل عن عطاء. ومن ذلك بيانه في العورة وأنه قطع بما دون السرة، وتارة نص على ما اختص بالفرج. ومن ذلك أيضا صلاة التسبيح قطع بأن الحديث لا يصح ومن ذلك السلم في الرمان والبيض، وقطع بأنه لا صح إلا فيما كيل أو وزن. وتارة أجاز ذلك فيما بعد ويذرع إذا ضبط بالصفات. ونظائر جواباته إذا تأمل المريد لذلك وجده واقعا على أتم بيان وأوضح برهان. وإنما ذكرنا هنا الباب عسى أن توجد مسألة للإتيان عنه فيها ومع ذلك فكشفنا عن موجب ظاهر جوابه بهذا إذا عرى عن قرينة وبيان والمأخوذ به ما ذكرناه من أنه يوقف في حاله لا غير ذلك. فأما الذين قالوا إن ذلك إنكار فإنهم يذهبون في ذلك إلى أن لفظ التكبير بصيغة الأمر شرعا من حيث قوله ﷺ : من شرب الخمر. وحديث عائشة في الولاء. وحديث عبادة في القراءة خلفه. وإلا ترى أن أبا عبد الله قال في رواية الأثرم في الذي يحل السحر، نفض يده وقال: لا أدري منكرا. ومن ذلك مهنا: وإبراهيم بن عطية: يقول: لا أدري ويقطع على كراهيته ولا يكتب من حديثه شيئا. وجملة هذا فلا وجه له، والدليل على صحته أن جوابه بذلك يكسب التوقف ما نقل عنه من البيان في ذلك ألا ترى أن أبا عبد الله احتج بكذا فإن عنه الأشياء التي من أجلها كان منه الجواب. وقال عبد الله: قال أبي: ما اشتبه عليك فدعه. وكذلك قال عنه الأثرم، وإنما يقول ذلك توقفا عن إثباته لأجل ما فيها من الاختلاف والشبهة. ثم بعد

стр. 145

هذا فالدليل على ما ذكرناه للأثر والنظر فمن الأثر ما ورد من البيان في قوله ﷺ : من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار. فإذا ثبت هذا وصدر الجواب من إمامنا بأن يقول لا أدري إذنا أن يكون في ذلك قطع بجواب. ومن أدل الأشياء أنا وجدنا لإثبات العلم وإثبات القضاء حدا أو لزنا حد، أو علامة البيان حد في اللسان أما بأن هذا الحد وهذا فاسد وكذلك إذا قال لا يحل هذا كان عالما للتحريم وعلامة الرد الإباحة واقع بطرق أما بإن يقول لا أدري أو أن يقول لا أعلم وما جرى في هذا المجرى بطل أن ينسب إلى مجيئه بلا أدري مذهب. ومن أدل الأشياء أنه لو جاز أن ينسب إليه فذلك مذهب جاز أن ينسب إليه بقوله ما أجيب مذهب فمن حيث كان إذا قال: لا أجيب لا يجوز أن ينسب إليه بذلك مذهب، فكذلك إذا قال لا أدري سواء. فأما الجواب عن الذي قالوه بذا عن أبي عبد الله: وإبراهيم بن عطية، فذلك لا يؤثر شيئا، إذ إبراهيم بن عطية لم يحصل عن أبي عبد الله فيه جوابا واحدا بل أبان عنه بأجوبة تارة نص عن التكبير وقطع برد إجابته ومنع الاكتتاب عنه، وبانت أقاويل إمامنا فيه لما تكررت أذنت بالمراد ونحن لا نأبى هذا أن يكون عنه جواب مفسر فنصير إليه وإنما نتكلم على ما لم يضافه من جهة البيان. فأما الجواب عن الذي قد يقع بقوله لا أدري لا يجوز أن يقع إذ من سئل عن مسألة فعليه إظهار العلم الذي عنده فيها فإن أجاب بالجواب كان
следующие страницы →