Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
ألا ترى أنه لما اختلف العددان، لم يكتف بذكر أحدهما دون الآخر في قوله تعالى: ﴿سبع ليال وثمانية أيام حسومًا﴾.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف ليلة: فلا شيء عليه).
لأن اعتكاف الليلة الواحدة لا يتبعها النهار، ولا يصح فيها صوم، والاعتكاف لا يكون قربة إلا بصوم، فلم يوجب به قربة، فلم يلزمه.
[مسألة:]
قال: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف ليلتين أو أكثر: لزمه من الأيام بعدد الليالي).
لما قدمنا من أن ذكر جمع أحد العددين ينتظم مثله من العدد الآخر، وليس ذلك كالليلة الواحدة، ولا كاليوم الواحد؛ لأن اليوم الواحد لا تنطوي تحته الليلة، ولا الليلة ينطوي تحتها اليوم، وأما الليلتان فما فوقهما فإنهما تنتظمان الأيام، فكذلك اليومان فما فوقهما؛ لأنه لا يوجد جمع من أحد العددين إلا ويتخلله من العدد الآخر.
[مسألة:]
قال: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف شهر: كان عليه اعتكافه بلياليه وأيامه).
стр. 1017
لأن الشهر عبارة عن العددين جميعًا.
* (فإن نوى الليالي دون الأيام، أو الأيام دون الليالي: كانت نيته باطلة).
كما لو نوى عشرين يومًا: بطلت نيته؛ لأنه عبر عن الجميع، ونوى البعض، فلا يعمل بنيته، ألا ترى أنه لو قال: والله لا كلمت فلانًا شهرًا: لم يعمل بنيته في تخصيص أحد العددين دون الآخر.
مسألة: [عدم جواز النيابة في الصوم أو الاعتكاف]
قال أبو جعفر: (ولا يصوم أحد عن أحد، ولا يعتكف أحد عن أحد).
وذلك أنه عبادة على البدن، كالإيمان والصلاة ونحوهما.
***********
آخر كتاب الصوم
стр. 1018
كتاب المناسك
باب وجوب الحد
قال أبو بكر أحمد: ما كنا علمناه قديمًا من شرح كتاب المناسك لمحمد بن الحسن ﵀، ينتظم مسائل هذا الكتاب، ولا يشذ عنه منها إلا القليل، وفيه غنى عن إعادة جميعه، إلا أني لا أخلي هذا الكتاب من ذكر النكت التي عليها مدار المسائل، لئلا ينقطع نظام الكتاب، ونسأل الله حسن التوفيق برحمته.
مسألة: [من يجب عليه الحج]
قال أبو جعفر: (ومن لم يستطع الثبوت على الراحلة، أو كان يستطيع الثبوت عليها إلا أنه زمن من رجليه: سقط عنه فرض الحج.
وإن كان واجدًا لما يحج به غيره عنه: أحجه، وأجزأه ذلك عن حجة
стр. 1019
الإسلام إن بقي كذلك حتى يموت، وإن صح قبل موته، وأطاق الحج: كان عليه الحج عن نفسه).
قال أبو بكر أحمد: هذا الفصل لا اختلاف فيه بين أصحابنا في الرواية المشهورة إلا شيء رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في المقعد، والأعمى: أن عليهما فرض الحج بأنفسهما إذا وجدا زادًا وراحلة.
ووجه الرواية الأولى: قول الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾، والاستطاعة تنتظم صحة الجوارح التي بها يصل إلى فعل الحج.
وشرط النبي ﷺ مع ذلك في الاستطاعة في الرجال المكلفين ثلاثة أشياء: الصحة، والزاد، والراحلة.
وإذا وجد الزاد والراحلة، ولم يكن ممن يقدر على المشي والركوب، لزمان به: لم يلزمه فرض الحج بنفسه، ولزمه في ماله.
والدليل على صحة ذلك أيضًا: حديث الزهري عن سليمان بن يسار
стр. 1020
عن ابن عباس ﵄ "أن امرأة من خثعم سألت النبي ﷺ فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم حجي عن أبيك".
فدل هذا الخبر علة معنيين:
أحدهما: أن العاجز عن الركوب والمشي لا حج عليه في نفسه.
والثاني: أنه إذا كان له مال: لزمه في ماله أن يحج عنه غيره، وذلك لأنها لما قالت: إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا: لم ينكر النبي ﷺ قولها: إن الفرض لزمه وهو شيخ: ومعلوم أنه لم يلزمه بنفسه، إذ أجاز لها أن تحج عنه.
فإن قيل: فإنما يدل هذا على سقوط الحج عمن لا يمكنه الثبوت على الراحلة، والمقعد والزمن قد يمكنهما القعود في المحمل.
قيل له: إذا لم يمكنهما الركوب والنزول، وشد المحمل بأنفسهما: لم يلزمهما، فقد دل خبر الخثعمية على هذا، من حيث لم يأمرها النبي ﷺ بحمله في هودج أو محمل، والمقعد ومن لا يثبت على الراحلة يثبت في الهودج، فدل ذلك على ما وصفنا.
* فإذا حج عنه غيره، ومات قبل الصحة: أجزأه، لدوام العذر الموجب لجواز الحج عنه، وإن صح: لم يجزه، حتى يحج بنفسه، لزوال العذر، ووجود الصحة التي يتعلق بها فرض الحج.
стр. 1021
فإن قيل: هلا كان بمنزلة المريض إذا صلى قاعدًا في أول الوقت، ثم برئ قبل مضي الوقت، فلا يلزمه الإعادة.
قيل له: لأن صلاة المريض صلاة صحيحة عن نفسه، فصح أداؤها على الوجه الذي فعلها، ولا يؤثر بعد ذلك زوال العذر فيما قد صح، إذ لم يكن عليه فرض غيرها في حال الأداء، وأما إذا حج عنه غيره، فإنما وقع الحج عن الحاج، والذي لحق المحجوج عنه أجر النفقة، والنفقة لا تنوب عنه في سقوط فرض الحج عنه مع الإمكان، إذ لم يصح له الحج رأسًا.
وكذلك يقول أصحابنا في الحج عن الميت، إن الميت إنما يلحقه أجر النفقة، وأما الحج فهو للحاج؛ لأنه عبادة على البدن كالصلاة والصوم والإيمان، فلا ينوب عنه غيره فيها.
مسألة: [الخلاف في فرضية الحج على الأعمى]
قال أبو جعفر: (وأما الأعمى: فهو كالبصير في قول محمد، ولم
стр. 1022
يحك فيه خلافًا، وروى المعلى بن منصور عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه كالمقعد في سقوط فرض الحج عنه).
قال أبو بكر أحمد: المشهور من قول أبي حنيفة أن فرض الحج ساقط عن الأعمى بنفسه كالمقعد.
والصحيح من قول أبي يوسف ومحمد: أن الأعمى عليه الحج إذا وجد قائدًا، وزادًا، وراحلة.
وجه قول أبي حنيفة: أنه بمنزلة المقعد إذا لم يمكنه الركوب والنزول والسير بنفسه؛ لأن العمى حائل بينه وبين ذلك، وكذلك قول أبي حنيفة في سقوط فرض الجمعة عن الأعمى، وقالا: عليه الجمعة إذا وجد قائدًا.
وفرق أبي يوسف ومحمد بين الأعمى والمقعد؛ لأن الأعمى مستطيع للمشي والركوب والنزول، وإنما يحتاج إلى من يرشده إلى الطريق، فهو كالذي لا يهتدي طريق الحج، فلا يسقط عنه فرض الحج إذا وجد من يرشده.
وفرق أبو حنيفة بين الأعمى والجاهل بالطريق، لأن الجاهل بالطريق إذا أرشد اهتدى بنفسه، والأعمى إذا أرشد لم يهتد، فكان كالمقعد.
مسألة: [شروط وجوب الحج على المرأة]
قال أبو جعفر: (والمرأة في وجوب الحج عليها كالرجل إذا كان معها زوج، أو ذو رحم محرم، فإن لم يكن معها ولا أحد من هذين: لم تخرج).
стр. 1023
وذلك لقول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، أو زوج".
رواه بن عباس وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة ﵃.
وروي في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : "لا تحج المرأة إلا ومعها ذو محرم".
وعن ابن عباس ﵁ أيضًا: أن رجلًا قال: يا رسول الله! إني قد اكتتبت في غزوة كذا، وقد أردت أن أحج امرأتي، فقال: "احجج مع امرأتك".
فأمره بترك الغزو، وهو فرض، ليحج مع امرأته، فيسقط عنها فرض الحج.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن الحسين الأنماطي
стр. 1024
قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن زياد الفلسطيني عن زرعة عن إبراهيم عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي تريد أن تحج فقال: لها محرم؟ قالت: لا، قال: فزوجيها، ثم لتحج".
فإن قيل: "سئل النبي ﷺ عن الاستطاعة، فقال: الزاد والراحلة"، ولم يذكر المحرم للمرأة.
قيل له: عسى أن يكون السائل كان رجلًا، فسأل عن استطاعة نفسه.
يدل أيضًا على ذلك: أنه لم يشترط الصحة، ولو كان مقعدًا أو مفلوجًا: لم يلزمه الحج بوجود الزاد والراحلة، دون وجود الصحة، كذلك المحرم للمرأة.
وأيضًا: يجمع بينه وبين خبر المحرم، فكأنه قال: الزاد والراحلة، والمحرم للمرأة.
ومخالفنا يشترط أن يكون معها امرأة وإن لم يذكرها النبي ﷺ في شرط الاستطاعة، فأسقط ما شرطه النبي صلى الله عليه
стр. 1025
وسلم من المحرم، وأثبت ما لم يشترطه.
فإن قيل: قال النبي ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
قيل له: أراد في حضور الجماعة، ولم يرد به فرض الحج، والدليل عليه قوله في سياق الخبر: "وبيوتهن خير لهن".
وأيضًا: نجمعه إلى خبر المحرم، فكأنه قال: لا تمنعوا إماء الله، ولا يسافرن إلا مع محرم.
فإن قيل: فقد جاز للمهاجرة الخروج إلى دار الإسلام بغير محرم، لما لزمها من فرض الخروج، كذلك الحج.
قيل له: ينبغي أن نثبت أن عليها فرض الحج مع عدم المحرم، حتى نقيسها على المهاجرة.
وأيضًا: المهاجرة تخرج وهي معتدة، ولا تحج وهي معتدة، وكذلك المعتدة إذا أتت بفاحشة أخرجت للحد وهي معتدة، ولا تخرج للحج في حال العدة.
مسألة: [الحج فرض مرة واحدة في العمر]
قال أبو جعفر: (ولا حج على أحد غير حجة واحدة).
وذلك لأن قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت): لا يقتضي
стр. 1026
التكرار، وإنما يقتضي مرة واحدة؛ لأنه ليس فيه تكرار.
وروى ابن عباس "أن الأقرع بن حابس ﵁ سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة، أو مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة، فمن زاد فتطوع".
مسألة:
قال أبو جعفر: (والعمرة سنة، وليست بواجبة).
وذلك لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: "العمرة هي الحجة الصغرى".
وقال عبد الله بن شداد ومجاهد ﵄: "إن العمرة الحج الأصغر".
فثبت بذلك أن اسم الحج يتناول العمرة.
ولما روي "أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة، فمن زاد، فتطوع".
стр. 1027
فانتفى بذلك وجوب العمرة؛ لأن قول الأقرع: يا رسول الله الحج في كل سنة، أم مرة واحدة: اسم للجنس، يتناول كل ما يسمى حجًا.
ثم جواب النبي ﷺ إياه شامل لجميع ما سأله عنه، فنفى به جميع ما يسمى به إلا حجة واحدة، فثبت أن العمرة تطوع.
حدثنا هذا الحديث محمد ابن بكر ابن عبد الرزاق قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان –وهو الدؤلي- عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس ﵃ سأل النبي ﷺ . وذكر الحديث.
وقد روي عن طلحة بن عبيد الله وابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃ عن النبي ﷺ أن العمرة تطوع.
ورواه أبو صالح مرسلًا عن النبي ﷺ .
فأما حديث طلحة: فحدثنا عن الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل ابن الفضل قال: حدثنا هشام بن عمارة قال: حدثنا الحسن بن يحيى الخشني قال: حدثنا عمر بن قيس قال: حدثنا طلحة بن موسى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أنه سمع النبي صلى الله عليه
стр. 1028
وسلم يقول: "الحج جهاد، والعمرة تطوع".
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا محمد بن الفضل بن عطية عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الحج جهاد، والعمرة تطوع".
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سأل رجل النبي ﷺ عن الصلاة والحج أواجب؟ قال: نعم، وسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن علي الخزاز قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا حفص عن الحجاج بإسناده نحوه.
стр. 1029
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ابن الأصبهاني قال: قال رسول الله ﷺ : "الحج جهاد، والعمرة تطوع".
وروي هذا الحديث عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .
فإن قال قائل: روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الحج والعمرة فريضتان واجبتان".
وروى الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم".
وأمره ﷺ على الوجوب.
قيل له: أما حديث جابر هذا، فمن طريق بن لهيعة، وهو يخطئ كثيرًا، ضعيف جدًا عندهم.
стр. 1030
وقد روينا عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ ضده، وإسناده أحسن من إسناد ابن لهيعة.
وعلى أن أكثر أحوالهما أن يتعارضا، فيسقطان جميعًا، وبقي لنا حديث طلحة وابن عباس ﵃ من غير معارض.
وأما حديث سمرة ﵁، وقوله: "اعتمروا": فإنه على الندب، للدلائل التي قدمنا.
فإن قيل: روي أن النبي ﷺ سئل عن الإسلام، فذكر الصلاة وغيرها، ثم قال: "وأن يحج ويعتمر".
قيل له: النوافل من الإسلام، لأنها من شرائعه، وقد روي "أن الإسلام بضع وسبعون خصلة؛ منها إماطة الأذى عن الطريق".
وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة": يدل على قولنا؛ لأن معناه أنه ثابت عنها؛ لأن أفعال العمرة موجودة في الحج وزيادة.
ويجوز أن يكون المراد: أن وجوبها كوجوب الحج؛ لأنه حينئذٍ لا تكون العمرة بأولى بأن تدخل في الحج، من الحج بأن يدخل في العمرة، إذ هما جميعًا واجبان، وكما لا يقال: دخلت الصلاة في الحج؛ لأنها
стр. 1031
واجبة كوجوب الحج.
فإن احتجوا بقول الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، فإنه لما كان أمرًا، وجب أن يكون الأمر على الوجوب.
قيل له: لا دلالة فيه على وجوبهما ابتداء؛ لأن الإتمام إنما هو نفي النقص، لا غير، ولا يقتضي وجوب الأصل، ألا ترى أنه يصح أن يقال: أتموا العمرة النافلة كالصلاة النافلة، ولو كان اللفظ يقتضي وجوب الأصل، لما صح أن يقرن بالتطوع؛ لأن الوجوب ينافي كونه تطوعًا.
ومن جهة النظر: أن العمرة لما كانت نسكًا غير مؤقت، أشبهت طواف النفل.
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾: يدل على وجوب العمرة؛ لأنها خير، وظاهر اللفظ يقتضي جميع الخير.
قيل له: الجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنك تحتاج أن تثبت أن فعل العمرة مع اعتقاد وجوبها خير؛ لأن من لا يراها واجبة يقول: فعلها مع اعتقاد الوجوب معصية، كمن صلى تطوعًا واعتقد فيه الفرض.
وآخر وهو: أن قوله: ﴿وافعلوا الخير﴾: لفظ مجمل، لاشتماله
стр. 1032
على المجمل، ألا ترى أنه يدخل فيه الصلاة والزكاة والصوم وغيرها، وهذه كلها فروض مجملة، فإذا انتظم اللفظ ما هو محتمل، فهو مجمل يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل من غيره.
ووجه آخر: وهو قوله: "الخير": لفظ جنس، لا يمكن استغراقه، فيتناول أدنى ما يقع عليه الاسم، كقوله: إن شربت الماء، وإن تزوجت النساء.
وأيضًا: فقد علمنا مع ورود اللفظ، أن المراد: البعض، لتعذر استيعاب الكل، فصار كقوله: افعلوا بعض الخير، فاحتاج إلى بيان المراد.
مسألة: [وصية الميت بالحج تنفذ من الثلث]
قال أبو جعفر: (ومن وجب عليه الحج، ولم يحج حتى مات، فأوصى أن يحج عنه: حج عنه من ثلثه، وإن لم يوص به، فتبرع به وارثه: أجزأه ذلك).
أما وجه الجواز: فلما روي عن النبي ﷺ في أخبار شائعة من إجازة الحج عن الميت، وقال في بعضها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان يجزي؟ قال: نعم. قال: "فدين الله أحق".
стр. 1033
وأجاز للخثعمية أن تحج عن أبيها.
ولا يجب فعله من ماله إلا أن يوصي، لما بينا في صدقة الفطر والزكاة أنها عبادة يسقطها الموت.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ولا يجوز الاستئجار على الحج).
وذلك لأن شرط صحة الحج عن الميت أن يكون قربة للحاج، والدليل عليه أنه لو أحج ذميًا عن نفسه لا يصح، وأخذ البدل عليه يخرجه من أن يكون قربة له.
وأيضًا لما كان شرط صحة الحج أن يكون قربة، وجب أن لا يصح أخذ الأجر عليه.
والدليل عليه قول النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا".
وقال لأبي بن كعب أو لعبادة بن الصامت ﵁، وقد علم رجلًا سورة من القرآن، فأهدى له، قوسًا فقال: "إن أردت أن يقلدك الله
стр. 1034
قوسًا من نار، فاقبلها".
فمنع ﷺ أخذ العوض عن هذه القرب، فكان الحج بمثابتها، من حيث كان شرطه أن لا يفعل إلا على وجه القربة.
وليس هذا كبناء المساجد، وحفر القبور، وغسيل الموتى، لأن هذه الأفعال ليس شرطها أن لا تكون إلا قربة، ألا ترى أن الذمي يصح أن يبني المسجد، ويحفر القبور، ويغسل الميت، ولو أحج ذميًا: لم يصح.
مسألة: [عدم جواز الاستئجار على الطاعات]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز الاستئجار على شيء من الطاعات، ولا على شيء من المعاصي).
أما الطاعات فقد بينا وجوهها.
وأما المعاصي، فلأنه لا يلزم فيها تسليم المنافع بعقد الإجارة، وما لا يستحق تسليمه بالعقد: لا يصح العقد عليه.
[مسألة:]
قال: (وإنما تدفع النفقة إلى الحاج، فما فضل: رده على الورثة).
стр. 1035
وذلك لأن النفقة مبقاة على ملك الميت، لا يملكها الحاج، فما لم ينفقه: فهو مردود على الورثة.
مسألة: [لا يجزئ حج الصغير والعبد عن الفريضة]
قال أبو جعفر: (ومن حج وهو طفل ثم بلغ، أو عبد ثم أعتق: فعليه الحج).
وذلك لما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما صبي حج، ثم أدرك الحلم: فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج، ثم أعتق: فعليه أن يحج حجة أخرى".
وروى جابر ﵁ عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: "لو أن صبيًا حج عشر حجج، ثم بلغ، وكذلك العبد إذا أعتق".
فإن قيل: ذكر معه الأعرابي، وأنه إذا هاجر: وجب عليه الحج، واتفقنا على أنه جائز الحج قبل الهجرة.
стр. 1036
قيل له: ظاهر اللفظ يمنع جوازه عن حجة الإسلام، إلا أنا خصصنا الأعرابي بالاتفاق، وبقي حكم اللفظ فيمن عداه.
وأيضًا: فإنه قال: ثم هاجر: والهجرة قد ارتفعت؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا هجرة بعد الفتح"، فإنما قال ذلك في الأعرابي وفرض الهجرة قائم.
وأيضًا: فإن العبد لا يملك منافع نفسه، وإنما يفعلها بإذن المولى له على جهة العارية، فلا يجعل له بها ملك تلك المنافع، فلا يصح عن الفرض، وليس كالفقير الحر؛ لأنه مالك لمنافع نفسه.
وليس حج العبد كفعله للجمعة، فتجزئه؛ لأن الجمعة قائمة مقام الظهر، وليس لمولاه منعه من الظهر، وله منعه من الحج.
مسألة: [حكم النيابة في أفعال الحج]
قال أبو جعفر: (ومن خرج للحج من الصبيان، أو من البالغين، فعجز عن التلبية للدخول في الحج، أو عما سواها من أمور الحج، ففعل ذلك عنه: قام مقام لو فعله بنفسه في قول أبي حنيفة.
стр. 1037
وقال أبو يوسف ومحمد كذلك أيضًا، إلا في الإحرام، فإنه لا يصح من غير الرجل الذي يريد الإحرام بالحج.
قال أبو بكر أحمد: لا معنى لقوله: من الصبيان: لأنه لا خلاف بين أصحابنا أن الصبي لا يكون محرمًا بحال وإن أحرم عنه أبوه، وكذلك لو أحرم الصبي وهو يعقل الإحرام: لم يصح إحرامه، وكذلك لو أن صبيًا أحرم بالحج، ثم بلغ، فجدد الإحرام، ووقف بعرفة: أجزأه من حجة الإسلام، وإن لم يجدد الإحرام: لم يكن محرمًا.
فأما وجه قول أبي حنيفة في المغمى عليه إذا أهل عنه أصحابه: فهو اتفاق أصحابنا جميعًا على جواز الطواف به، والوقوف، وسائر الأفعال، فكذلك الإحرام، ألا ترى أن الطواف لا يصح إلا بنية كالإحرام؛ لأنه لو عدا خلف غريم له حوالي البيت: لم يكن طائفًا، ثم قد جاز أن يفعل ذلك به، فالإحرام مثله.
ومخالفونا من غير أصحابنا يجيزون أن يكون الصبي محرمًا بإحرام أبيه عنه.
فقد صح باتفاقنا جميعًا: أن الإنسان قد يصير محرمًا بإحرام الغير عنه؛ لأنا نجيز ذلك من المغمى عليه، ومخالفنا يجيزه عن الصبي، ثم نظرنا أيهما أولى بجواز ذلك، فكان المغمى عليه بجواز ذلك أولى من الصبي لمعنيين:
أحدهما: أن الإحرام لا يصح إلا بنية، ولا يتقدم من الطفل نية في ذلك.
والثاني: أن الصبي ليس من أهل العبادات، والمغمى عليه من أهل
стр. 1038
العبادة؛ لأنه يلزمه قضاء شهر رمضان، وقضاء الصلوات في اليوم والليلة وما دونها عندنا، والصبي لا يلزمه من ذلك شيء.
مسألة:
(ومن طاف به محمولًا: أجزأه).
وذلك لأن النبي ﷺ طاف راكبًا، وروي أن ذلك لشكاة كانت به.
* قال: (فإن كان حامله نوى الطواف من نفسه: أجزأه أيضًا).
لأنه طائف بنفسه، حامل لغيره، فيجزئهما جميعًا؛ لأن كونه حاملًا لغيره: لا يمنع صحة طوافه، كما لو كان على رأسه عدل متاع: أجزأه طوافه، ونية الحامل لنفسه لا تؤثر في صحة طواف المحمول.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وينبغي لولي من أحرم من الصبيان أن يجنبه ما يجتنبه المحرم، فإن وقع في شيء من ذلك: فلا شيء عليه).
وذلك لما روي "أن امرأة رفعت صبيًا لها إلى النبي صلى الله عليه
стр. 1039
وسلم فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر".
وهذا عندنا على وجه التعليم والتأديب، لا على وجه صحة الإحرام ولزومه؛ لأن الإحرام عبادة، والصبي ليس من أهل العبادات.
*********************
стр. 1040
باب ذكر الحج والعمرة
[مسألة: أنواع الإحرام]
قال أبو جعفر: (المحرمون أربعة: محرم مفرد بعمرة غير متمتع، ومفرد بعمرة متمتع، ومفرد بالحج، وقارن.
والمتمتع والقارن فريقان:
أحدهما: من حاضري المسجد الحرام، وهما مسيئان، وعلى كل واحد منهما دم، لإساءته، لا يأكل منه.
وفريق من غير حاضري المسجد الحرام: فلهم التمتع والقران، وعلى كل واحد منهما ما استيسر من الهدي، وهو شاة فما علا، فإن لم يجد: فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع).
قال أبو بكر أحمد: معنى التمتع: هو الجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج، في سنة واحدة، من غير إلمام بأهله فيما بينهما.
ومعنى التمتع: هو الانتفاع بالعمرة والحج في أشهر الحج في سفر واحد، ولذلك كان القارن متمتعًا؛ لأنه منتفع بهما على هذا الوصف.
стр. 1041
وليس معنى التمتع: الإحلال من العمرة في أشهر الحج، والانتفاع باللبس والطيب ونحوهما؛ لأن المعتمر الذي قد ساق الهدي، لا يجوز له الإحلال، ولا يخرجه ذلك من أن يكون متمتعًا، فإذًا معنى التمتع هو ما وصفنا.
والتمتع والقران لا يصح عندنا إلا لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وهم الذين لا يجوز لهم دخول مكة من منازلهم إلا بإحرام، وذلك لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، فأباح التمتع لمن كان هذا وصفه.
وقد كان أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأنزل الله هذه الآية على ما روي.
فإن قيل: قوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾: إنما هو راجع إلى الهدي، دون التمتع.
قيل له: لو كان كذلك لقال: ذلك على من لم يكن أهله حاضري
стр. 1042
المسجد الحرام.
* فمن كان من حاضري المسجد الحرام، فلا تمتع ولا قران، فإن فعل: لم يكن متمتعًا، وكان عليه دم للإساءة، لا دم قران ولا تمتع.
[حاضروا المسجد الحرام]
وإنما قلنا إن حاضري المسجد الحرام أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة، من قبل أنهم في حكم أهل مكة في باب جواز دخولهم مكة بغير إحرام، ومن وراءهم إلينا: لا يدخلونها إلا بإحرام، فلذلك كان حلمهم على ما وصفنا.
ومن جاز له التمتع والقران، ففعل: فعليه ما قال الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾. الآية.
مسألة: [من وجد الهدي قبل التحلل وقد شرع بصيام التمتع]
قال أبو جعفر: (ولو دخل رجل في الصوم، فلم يفرغ منه، أو فرغ منه، فلم يحل حتى وجد الهدي: أهدى، وحل بالهدي، لا يجزئه غير ذلك).
قال أبو بكر أحمد: قوله: إنه إذا لم يحل حتى وجد الهدي: أهدى وحل بالهدي: ليس بسديد على الإطلاق؛ لأنهم يقولون إذا مضت أيام الذبح، ثم وجد الهدي قبل أن يحل: فصومه تام، ولا شيء عليه.
رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، ورواه ابن سماعة عن محمد.
стр. 1043
وإنما يشرطون: ما لم يحل ما دام في أيام الذبح، فإذا وجد الهدي قبل أن يحل في هذه الأيام: انتقض صومه، وإن مضت هذه الأيام، ولم يحل: فقد صح صومه عن المتعة، ولا ينتقض بعد ذلك.
وإنما قلنا إن الصوم ينتقض بوجود الهدي قبل أن يحل على ما وصفنا: من قبل أن الله تعالى جعل الصوم بدلًا من الهدي عند عدمه بقوله: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، فمن وجد الهدي في وقته، قبل أن يحل: انتقض صومه، كالمتيمم إذا وجد الماء قبل أن يصلي، أو قبل أن يفرغ من صلاته، وكالماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه، وهو في الصلاة، وكالمستحاضة إذا برأت وهي في الصلاة.
فإذا مضت أيام الذبح، ثم وجد الهدي: لم ينتقض الصوم، كما لو وجد الماء بعد فراغه من الصلاة، وخروج وقت المسح قبل الفراغ منها.
فإن قيل: والذبح ممكن بعد مضي هذه الأيام.
قيل له: هذا ممكن، إلا أنه في غير وقته، ألا ترى أن أبا حنيفة يوجب عليه لتأخيره عن هذه الأيام دمًا إذا كان واجدًا له، وأبو يوسف ومحمد أيضًا يجعلانه مؤقتًا بهذه الأيام، إلا أنهما لا يريان عليه لتأخيره شيئًا.
فصل: [صفة التمتع الموجب للهدي]:
قال أبو جعفر: (والتمتع الذي يوجب الهدي هو: الإحرام بالعمرة، وترك العود إلى الأهل حتى يحج من عامه ذلك).
стр. 1044
قال أبو بكر أحمد: هو فعل العمرة أو أكثرها في أشهر الحج، من غير إلمام بأهله، بعد صحة العمرة، حتى يحد من عامه ذلك.
وليس كل من أحرم بعمرة، ثم حج من عامه من غير رجوع إلى أهله: يكون متمتعًا؛ لأنه لو أحرم بها في غير أشهر الحج، وفرغ منها، ثم حج من عامه: لم يكن متمتعًا، وكذلك لو فعل أكثر طوافها في غير أشهر الحج.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (فمن رجع إلى أهله بينهما، لم يكن متمتعًا).
وذلك لأنه قد صار في معنى حاضري المسجد الحرام؛ لأن المعنى في منع أهل مكة من التمتع: حصول الإلمام بالأهل بعد الفراغ من العمرة، وذلك موجود في الكوفي إذا رجع إلى أهله.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وإن رجع إلى غير أهله الذين كانوا أهله يوم إنشاء العمرة من الآفاق التي لأهلها التمتع والقران، فإن أبا حنيفة قال: هو على تمتعه).
قال: (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا رجع إلى مكان لأهله التمتع والقران: لم يكن متمتعًا، وكان ذلك كرجوعه إلى أهله)
قال أبو بكر أحمد: الذي حكاه أبو جعفر عن أبي حنيفة هو قولهم جميعًا، لا خلاف بينهم فيه، قد ذكره محمد في مواضع.
стр. 1045
وما حكاه عن أبي يوسف ومحمد في هذه المسألة، أنه متى رجع بعد العمرة إلى مكان لأهله التمتع والقران: لم يكن متمتعًا، هو وهم، لا أعلم أحدًا من أصحابنا قاله، ولا يستقيم أيضًا على أصولهم.
وأحسب أن أبا جعفر ﵀ أراد مسألة: من دخل مكة في أشهر الحج بعمرة، فأفسدها، وفرغ منها، ثم أحرم بأخرى ينوي قضائها، فقضاها، وحج من عامه: أنه لا يكون متمتعًا عندهم جميعًا.
فإن كان جاوز بعض المواقيت، ثم أحرم بعمرة، وقضاها، وحج من عامه: كان متمتعًا في قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يكون متمتعًا حتى يرجع إلى أهله، فينشئ العمرة، ثم يحج من عامه.
وكذلك الكوفي: إذا دخلت عليه أشهر الحج وهو بمكة، لا يصح له التمتع عند أبي حنيفة حتى يرجع إلى أهله، ثم ينشئ العمرة، ثم يحج من عامه.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا جاوز بعض المواقيت، ثم أحرم بالعمرة وقضاها، وحج من عامه: كان متمتعًا.
فصل: [أشهر الحج، وإدخال الحج على العمرة].
قال أبو جعفر: (وأشهر الحج شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة).
стр. 1046
روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، في آخرين من التابعين.
مسألة: [حكم إدخال الحج على العمرة، وبالعكس]
قال أبو جعفر: (وجائز إدخال الحجة على العمرة).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، فجعل العمرة مقدمة عليه، ويجوز الجمع بينهما بسنة النبي ﷺ حين قرن.
قال: (ومكروه إدخال العمرة على الحج).
وذلك لأن فعل العمرة مقدم على فعل الحج، ولا يصح فعل الحج قبل فعل العمرة للمتمتع، فوجب أن يكون ممنوعًا من إدخال العمرة على
стр. 1047
الحج، كما منع تقديم فعله على فعلها.
[مسألة:]
قال: (ومن أدخلها عليها قبل الطواف: كان قارنًا).
لأنه قد فعلها على وجه الابتداء، إذ لم يعرض بين الإحرامين ما يقطع حكم الابتداء.
[مسألة:]
قال: (وإذا أدخل العمرة على الحج بعد الطواف له: أمر أن يرفضهما، وعليه دم لرفضهما، وعمرة مكانها).
وذلك لأن الطواف المفعول للحج لم ينفسخ بإحرام العمرة، فيجعل حينئذ فعل الحج مقدمًا على فعل العمرة، وذلك ضد ما يوجبه القران والتمتع، فلذلك لم يرفض العمرة، وقضى بها.
وعليه دم للرفض؛ لأن كل من حل من إحرامه قبل طواف، فعليه دم، بدلالة المحصر.
ولا يبطل إحرامه من حيث وقع منهيًا عنه، وأمر برفضه؛ لأن كون الإحرام منهيًا عنه، لا يمنع صحة وقوعه، ألا ترى أنه لو أحرم وهو مجامع لامرأته: صح إحرامه، وفسد في الثاني.
مسألة: [أفضل أنواع الإحرام]
قال أبو جعفر: (والقران أفضل مما سواه، ثم التمتع، ثم الإفراد،
стр. 1048
وكل ذلك واسع).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ من جهات كثيرة أنه كان قارنًا في حجة الوداع، رواه عن النبي ﷺ علي، وعمر، وابن عباس، وعمران بن حصين، وأبو طلحة، وأنس بن مالك، ﵃ أجمعين.
قال ابن عباس ﵄: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته".
وقال ابن عمر ﵄: "اعتمر ثلاثًا، والرابعة مع الحج".
стр. 1049
وقالت عائشة للبراء ﵄: "لقد علم أن رسول الله ﷺ اعتمر أربعًا بعمرته في حجة الوداع".
وقال ابن عباس عن عمر ﵃ عن النبي ﷺ ، قال: "أتاني آت من ربي بالعقيق: أن صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة".
ومن أدل الأشياء على ذلك: "أن النبي ﷺ لما أمر أصحابه بفسخ الحج والإحلال، لم يحل منه، وقال: إني سقت الهدي، ولا أحل إلى يوم النحر".
وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي".
فلولا أن هديه كان هدي قران أو متعة، ما الذي كان منعه من الإحلال، وهو هدي تطوع؟ فدل ذلك على أنه لم يكن مفردًا.
فإن قيل: روي أن النبي ﷺ أفرد بالحج.
стр. 1050
قيل له: هو صحيح، ومعناه أنه أفرد فعل الحج، وأبطل به قول من قال إن القارن يطوف لهما طوافًا واحدًا.
وإذا ثبت أن النبي ﷺ كان قارنًا، دل ذلك على أن القارن كان أفضل، لأن الأنبياء لا يختارون من الأعمال إلا أفضلها، ألا ترى إلى قوله ﷺ حين توضأ ثلاثًا ثلاثًا: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي".
وأيضًا قال النبي ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، وقرن هو، فقد اقتضى ذلك أمرًا منه لنا بالقران، فأقل أحواله إذا لم يكن واجبًا، أن يكون ندبًا وإرشادًا، فهو أفضل من غيره مما لم يرد فيه مثله.
وأيضًا: يدل عليه قول النبي ﷺ : "أفضل الحج العج والثج".
والثج: الذبح، وذلك إنما يكون في القران والتمتع.
وأيضًا: ففيه زيادة نسك، وهو الهدي، فهو أفضل من الإفراد.
وأيضًا: فإنه يقتضي البقاء في الإحرامين إلى وقت الإحلال منهما، والبقاء في الإحرام نسك وعبادة، فهو أفضل من تركه.
стр. 1051
ويدل على أن القران أفضل من التمتع: أن القارن حجته كوفية، والمتمتع حجته مكية، ويحصل السفر للعمرة خاصة، ولأن يكون السفر لهما، أفضل من أن يكون لأحدهما.
ثم التمتع أفضل من الإفراد لما وصفنا، من أن فيه زيادة نسك، وهو الهدي.
فإن قيل: وجوب الهدي فيه، يدل على النقص.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن الهدي ها هنا نسك ليس بدم جناية، ألا ترى أنا نجيز الأكل منه، وقد دل كتاب الله تعالى عليه.
وروي عن النبي ﷺ أنه أكل منه.
****************
стр. 1052
باب المواقيت
[مسألة: مواقيت الحج]
قال أبو بكر: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن، ولأهل اليمن: يلملم، ولأهل العراق: ذات عرق، وقال: "هن لأهلهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة".
قال أبو جعفر: (فمن مر وهو يريد الحج، أو العمرة بميقات منها، فلا يجاوزه إلا محرمًا).
لأن النبي ﷺ لما أمرنا بالإحرام من الميقات، فقد تضمن ذلك نهيه عن مجاوزته إلا محرمًا.
وأيضًا روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "لا يحل لأحد أن يدخل مكة إلا بإحرام، ورخص للحطابين".
стр. 1053
ومعلوم أن الرخصة في مثل ذلك لا تكون إلا من النبي ﷺ ، فإذا الحظر من جهة من إليه الرخصة، وأنه إنما ذكر الحطابين، لأنهم لا يبعدون من مكة ولا يجاوزون المواقيت.
ويدل عليه قول النبي ﷺ يوم فتح مكة حين دخلها بغير إحرام؛ لأنه دخلها وعلى رأسه مغفر: "إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار".
ومعلوم أنه لم يرد القتال؛ لأن القتال يحل بعده إذا أحتيج إليه، فدل أنه أراد دخولها بغير إحرام.
مسألة: [الإحرام بعد مجاوزة الميقات]
قال أبو جعفر: (ومن أحرم بعد مجاوزته الميقات، فإن رجع إلى الوقت، فلبى: سقط عنه الدم، وإن لم يلب: لم يسقط.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا رجع إلى الوقت محرمًا، فلبى أو لم يلب: سقط عنه الدم، وقال زفر: لا يسقط عنه الدم بوجه).
لأبي حنيفة: أن المتروك هو التلبية في الوقت؛ لأنه لو لبى في الوقت، لم يكن في إحرامه نقص، فإذا فعل المتروك: فقد جبر النقص.
فإن قيل: تلبيته في الوقت لا تجدد له إحرامًا، فلا يرتفع بها النقص الداخل بترك التلبية في ابتداء الإحرام.
стр. 1054
قيل له: أجل، لا يتجدد به إحرام، إلا أنه يرتفع به النقص، ألا ترى أن من طاف على غير وضوء، ثم أعاده لم يتجدد له طواف بالإعادة، وإنما ينجبر به النقص.
فإن قيل: فلو دفع من عرفات قبل الإمام، ثم عاد: لم يسقط عنه الدم.
قيل لهم: هذا عندهم على وجهين:
إن عاد قبل دفع الإمام: لم يكن عليه شيء، وإن عاد بعد خروج الإمام من عرفات: لم يسقط عنه الدم؛ لأنه لم يستدرك المتروك، إذ كان المتروك الدفع مع الإمام، وإذا عاد قبل دفع الإمام: فقد أدرك سنة الدفع، فلا يلزمه شيء.
فإن قيل: هلا أسقطت عنه الدم لعوده محرمًا؟!
قيل له: لما بينا أن المتروك في الوقت هو التلبية، فيحتاج أن يفعل المتروك.
فإن قيل: فلو جاوز الوقت وهو محرم، ولم يلب فيه: لم يكن عليه شيء؛ لأنه قد حصل محرمًا فيه، كذلك إذا عاد محرمًا.
قيل له: فقد فعل التلبية في الوقت حيث أحرم؛ لأن كل موقع أحرم فيه من وراء المواقيت، فهو وقته، وإنما المواضع التي منع مجاوزتها إلا محرمًا آخر الوقت.
ويدل عليه: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في تأويل
стр. 1055
قول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله): أن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
ولأبي يوسف ومحمد: أن المتروك في الوقت هو الإحرام، فإذا عاد محرمًا: فقد فعل المتروك.
وهذا لا يلزم أبا حنيفة؛ لأن عوده إلى الوقت لم يفعل به إحرامًا، فالواجب أن يكون المعنى الذي ينجبر به النقص هو التلبية التي هي من شرائط الإحرام.
فصل: [من تجاوز ميقاتًا بغير إحرام، ثم عاد إلى غيره فأحرم منه]
قال أبو جعفر: (ومن مر بميقات من هذه المواقيت، فجاوزه غير محرم، ثم رجع إلى وقت غيره، فأحرم منه قبل أن يقف بعرفة: سقط عنه الدم).
وذلك لقول النبي ﷺ : "هن لأهلهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج أو العمرة".
ومن كان منزله من ورائهن إلى مكة: فميقاته من أهله، حتى أهل مكة يهلون من مكة.
ولأن من جاوز ذا الحليفة إلى الجحفة، فأحرم منها: جاز له ذلك،
следующие страницы →