Полный текст (3 930 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
رجل: يا رسول الله! علي أيامٌ من شهر رمضان: فأفرق بينه؟ قال: نعم. أرأيت لو كان عليك دين فقضيته متفرقًا، أكان يجزيك؟ قال: نعم. قال: فإن الله أحق بالتجاوز والعفو.
* ومن جهة النظر: أن التتابع صفة زائدة لا يجوز إيجابها إلا باللفظ؛ لأن فيه زيادة في النص، ولا تجوز الزيادة في النص إلا بنص مثله.
[مسألة: أمكنها القضاء فلم تقض حتى ماتت]
قال أبو جعفر: (وإن أمكنها القضاء، ففرطت في ذلك حتى ماتت: فقد وجب عليها أن يطعم عنها بكل يوم مسكينًا، كما يطعم في صدقة الفطر).
وذلك لما روي عن عائشة ﵂: "أنهن كن يؤمرن على عهد رسول الله ﷺ إذا حضن بقضاء الصوم، ولا يقضين الصلاة".
وإذا أدركت الأيام التي يمكنها فيها الصوم، فلم تصم، جعل الصوم في ذمتها، فإذا ماتت قبل القضاء: وجب عليها أن يقضى بالطعام.
وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن بشر بن مطر أخو خطاب قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سعد المستملي قال: حدثنا
стр. 982
إسحاق الأزرق عن شريك عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وعليه شهر رمضان فلم يقضه، فليطعم عن مكان كل يوم نصف صاع لمسكين".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن راشد –كوفي- قال: حدثنا عمر عن أشعث عن سوار عن محمد عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "سئل النبي ﷺ عن رجل مات وعليه صوم رمضان؟ قال: يطعم عنه لكل يوم مسكينًا".
وفي الحديث الأول: "نصف صاع": فثبت أنه بمنزلة صدقة الفطر في مقدار الطعام.
فإن قيل: روى ابن عباس ﵄ "أن امرأة أتت النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضيه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى".
стр. 983
وروى عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام: صام عنه وليه".
قيل له: أما حديث ابن عباس ﵄ فإنما فيه ذكر القضاء، والقضاء يقع بالإطعام، فلا دلالة فيه على جواز الصوم عنها.
وأيضًا: لفظ حديث عائشة ﵂ في أن وليه يصوم عنه، محتمل أن يكون المراد منه الإطعام الذي يقوم مقام الصوم، فأطلق أن وليه يصوم عنه، ومعناه يقضي عنه ما يقوم مقام الصوم.
* ومن جهة النظر: أن الصوم عبادة على البدن، فأشبه الصلاة والإيمان، لما لم يجز أن يقوم عنه فيه غيره: كذلك الصوم.
فإن قيل: فقد يقضى عنه الحج بعد موته، وهو عبادة على البدن.
قيل له: الحج عندنا يقع عن الحاج، وإنما يلحق الميت أجر النفقة.
ويدلك على أن الحج يقع للحاج، أن شرطه: أن يكون قربة له، ألا ترى أنهم لو أحجوا عنه ذميًا: لم يصح؛ لأنه لا يكون قربة له، فدل على أن الحج يقع عن الحاج، وإنما يلحق بالميت أجر النفقة.
[مسألة:]
* قال أبو جعفر: (فإن أوصت بذلك: كان من الثلث).
وذلك لما بينا فيما سلف من مسائل الزكاة، في أن كل ما كان طريقه العبادات: فإنه يسقط بالموت.
стр. 984
* قال: (فإن لم توصِ بذلك: لم يُخرج عنها من مالها، إلا أن يتبرع بذلك وراثُها).
وذلك لما بينا، وإن تبرع وارثها: جاز، لما روي "أن سعد بن عبادة ﵁ سأل النبي ﷺ أن أمه ماتت ولم توص، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم".
فصل: [إن أمكنها قضاء بعض ما عليها، ثم ماتت]
قال أبو جعفر: (وإن أمكنها قضاء بعض ما عليها، ولم يمكنها قضاء بعضه حتى ماتت ولم تقض ما أمكنها قضاؤه: فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: هذا والأول سواء، وقال محمد: لا يجب عليها من الأيام إلا مقدار ما قدرت على قضائه منها).
قال أبو بكر أحمد: هذا الخلاف الذي ذكره لا نعرفه عنهم، بل المشهور من قولهم جميعًا: أنه لا يلزمها إلا قضاء ما أدركت من الأيام.
ووجه ذلك: أن الله تعالى لما أعذر هؤلاء في الإفطار، ألزمهم القضاء في أيام أخر بقوله: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، فمن لم يلحق العدة: لم يلزمه، كمن مات قبل مجيء شهر رمضان، ومقدار ما أدرك من العدة قد ثبت في ذممهم، فلزمهم القضاء.
والجواب الذي ذكره أبو جعفر عن أبي حنيفة وأبي يوسف، إنما نعرفه
стр. 985
فيمن قال وهو مريض: لله علي اعتكاف شهر، ثم مات قبل أن يبرأ، فلا يلزمه شيء، فإن صح يومًا ثم مات: فالواجب عليه قبل الموت أن يوصي بأن يقضى عنه جميع الشهر بالإطعام.
وهذا صحيح، وليس من مسألة قضاء شهر رمضان في شيء، من قبل أن قضاء شهر رمضان متعلق في وجوبه بلحاق العدة، لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾.
أما النذر، فإنه ثبت في الذمة إذا كانت الذمة صحيحة، فلما نذر في حال المرض: لم يلزمه في ذمته في الحال؛ لأنها ليست ذمة صحيحة في باب ثبوت الصوم، فإذا برأ بعد ذلك: صحت ذمته، فكان بمنزلة من أوجب اعتكاف شهر وهو صحيح: يلزمه في ذمته، فإن حذره الموت بعد ذلك بساعة، كان عليه أن يوصي بأن يطعم عنه لكل يوم مسكين، وليس لزوم ذلك من حيث نذر الاعتكاف، إنما هو من جهة الصوم الذي تضمنه الاعتكاف.
مسألة: [إباحة الفطر للمريض إذا ضره المرض]
قال: (ومن خاف أن تزداد عينه وجعًا، أو يزداد حماه شدة: أفطر وقضى).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدةٌ من
стр. 986
أيامٍ أخر﴾: يقتضي ظاهرة إباحة الإفطار لكل مريض، إلا أنه قد اتفق أهل العلم على أن المرض الذي لا يضر معه الصوم: لا يبيح الإفطار، فخصصناه من الظاهر، وبقي حكم اللفظ فيما عداه.
وأباح النبي ﷺ الإفطار للحامل والمرضع، لما يخافان على الولد من الضرر، فضرر نفسه أولى بإباحة الإفطار من أجله.
وليس الضرر من هذا كالسفر؛ لأن ضرر السفر الذي يوجب قصر الصلاة يبيح الإفطار وإن لم يضره الصوم، ولا نعلم فيه خلافًا.
مسألة: [ويمسك الصبي والكافر بقية يومهما عند البلوغ والإسلام]
قال: (ومن بلغ من الصبيان، أو أسلم في يومٍ من شهر رمضان: أمسك عن الطعام بقية يومه، وصام ما بقي من الشهر).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، ومعلوم أن المراد شهود بعض الشهر بالتكليف؛ لأنه لو كان المراد شهود جميع
стр. 987
الشهر، لما لزمه صوم شهر رمضان إلا في شوال، فثبت أن شرط لزوم الصوم شهود بعض الشهر.
ويمسك في ذلك اليوم وإن كان مفطرًا؛ لأن الإسلام والبلوغ لو كانا موجودين في أول النهار، كانا مأمورين بالصيام.
وإنما لم يصح لهما ابتداء الصوم في بعض النهار وإن كان قبل الزوال، من قبل أن الكفر والصغر ينافيان صحة الصوم، فصارا كمن أكل في أول النهار، وكالمرأة إذا كانت حائضًا في أول النهار، ثم طهرت، فلم يجزئها صوم ذلك اليوم.
ولا يجب على هذين قضاء هذا اليوم ولا ما قبله؛ لأن الكفر والصغر ينافيان صحة تكليف الصوم، أما الصبي فليس بمخاطب، وأما الكافر فلأن صحة صومه متعلقة بتقديم الإيمان عليه.
مسألة: [حكم صوم المجنون والمغمى عليه]
قال أبو جعفر: (ومن جن قبل شهر رمضان، فلم يزل كذلك حتى خرج الشهر، ثم أفاق: فلا قضاء عليه).
لأن الله تعالى قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وهذا لم يشهد شيئًا من الشهر.
وأيضًا: فإن الجنون إذا دام استحق به الولاية، فصار كالصبي،
стр. 988
ويفارق الصبي من جهة أن الصبي إذا بلغ في بعض الشهر: لم يلزمه قضاء ما مضى منه، والمجنون إذا أفاق في شيء من الشهر: قضاه كله؛ لأن الجنون لا ينافي صحة الصوم.
والدليل عليه: أنه لو نوى الصوم من الليل، ثم جن في النهار: لم يبطل صومه.
والكفر بمنزلة الصغر في هذا؛ لأنه ينافي صحة الصوم، ألا ترى أن من ارتد وهو صائم: بطل صومه.
فإن أفاق في شيء من الشهر: قضاه كله، لقول الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وقد بينا أن المراد شهود بعض الشهر، فقد وجد شرط تكليف الصوم، فلزمه جميع الشهر، إذ كان الجنون لا ينافي صحة الصوم على ما بينا.
* ومن أغمي عليه شهر رمضان كله: قضاه؛ لقول الله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيامٍ أخر﴾، والمغمى عليه مريض، فلزمه القضاء بالعموم.
وأيضًا: فإن الإغماء لا تستحق به الولاية، ولا ينافي صحة الصوم، فصار فيه كالنائم، فلزمه القضاء، وفارق الجنون؛ لأن الجنون يستحق به
стр. 989
الولاية عليه، فصار كالصغر.
وأيضًا: فإن الإغماء لا يؤثر في العقل، بل العقل قائم، وإنما هناك عارض يمنع الإدراك والعلم، والجنون يؤثر في العقل، فيصير من هذا الوجه أيضًا بمنزلة الصغير.
مسألة: [من رأى هلال رمضان وحده]
قال أبو جعفر: (ومن رأى هلال شهر رمضان وحده: صام).
وذلك لقول النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته"، وهو خطاب لكل أحد في نفسه، فإن أفطر لم تكن عليه كفارة، لأن وجوب كفارة شهر رمضان متعلقة بإفساد صوم مستحق العين، والمستحق العين هو الذي يلزم فرضه الكافة، فلما لم يلزم فرضه غيره، إذ كان هو الرائي وحده، صار بمنزلة المفطر في قضاء شهر رمضان، وصوم كفارة اليمين، والنذر ونحوه، فلا تلزمه الكفارة.
ووجه آخر: هو أن هذا اليوم لما كان محكومًا عند الإمام وسائر الناس بأنه من غير شهر رمضان، صار ذلك شبهة في سقوط الكفارة، كمن وطئ جارية بينه وبين غيره، فلا يجب عليه الحد، وكمن وطئ جارية على عقد فاسد عنده، وجائز عند غيره.
стр. 990
مسألة" [رؤية الواحد هلال شوال لا تبيح له الفطر]
قال أبو جعفر: "ومن رأى هلال شوال وحده لم يفطر".
وذلك لقول النبي ﷺ : "فطركم يوم تفطرون"، فإذا كان محكومًا عند الناس بأنه من شهر رمضان، لم يسغ له أن يفطر، فيعرض له للتفسيق.
فإن قيل: قوله ﷺ : "وأفطروا لرؤيته": يبيح له الإفطار بالرؤية.
قيل له: يخصه ما ذكرنا من الدلالة.
وأيضًا: فإن اللفظ إنما يتناول رؤية الجميع، لا رؤية الواحد.
مسألة: [صيام من اشتبهت عليه الشهور وهو في دار الحرب]
قال: (ومن اشتبهت عليه الشهور وهو في أرض الحرب، فتحرى شهرًا، فصامه، فهو على ثلاثة أوجه: إن صام قبل شهر رمضان: لم يجزه، وإن صام شهر رمضان، أو صام بعده: أجزأه).
* أما إذا صام قبله فإنه لا يجزئه؛ لأن الفرض لا يقع موقعه إلا بحضور وقته، أو وجود سببه، وذلك معذور في الصوم قبل شهر رمضان، ألا ترى أن النبي ﷺ قال يوم النحر: "إن أول نسكنا في يومنا هذا
стр. 991
الصلاة، ثم الذبح، فمن ذبح قبل الصلاة، فإنما هي شاة لحم قدمها لأهله، فليعد أضحيته"، كمن صلى الظهر قبل الزوال، فلا يجزئه.
* وإن صادف شهر رمضان أجزأه؛ لقول الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وهذا قد شهده وصامه.
* وإن صام بعد شهر رمضان أجزأه؛ لأنه قد نوى ما عليه من فرض صوم شهر رمضان.
فإن قيل: قد حصل عليه القضاء في ذمته، لفوات الوقت، فينبغي أن لا يجزئه إلا مع نية القضاء.
قيل له: إذا نوى ما عليه من فرض الصوم: فقد أجزأ؛ لأن القضاء هو الذي عليه من فرضه.
[مسألة:]
قال: (فإن صام يوم الفطر، أو يوم النحر، أو أيام التشريق: لم يجزه).
لأن هذه الأيام لا يجزئ صومها عن واجب؛ لنهي النبي ﷺ عن صيام هذه الأيام، فيحصل صومه ناقصًا بالنهي، فلم يجزئه عن الفرض.
стр. 992
مسألة: [الشهادة برؤية هلال رمضان]
قال أبو جعفر: (ويقبل في الشهادة على رؤية هلال شهر رمضان رجل واحد مسلم، أو امرأة مسلمة، عدلًا كان الشاهد بذلك أو غير عدل، بعد أن يكون شهد أنه رآه خارج المصر، أو أنه رآه في المصر وفي السماء علة تمنع العامة من التساوي في رؤيته).
قال أبو بكر أحمد: قوله في الشاهد: "أنه تقبل شهادته على رؤية الهلال عدلًا كان، أو غير عدل": ليس بسديد؛ لأن من مذهب أصحابنا أنه لا تقبل في ذلك إلا شهادة عدل في نفسه، وتقبل فيه شهادة العبد، والمحدود في القذف، والمرأة بعد أن يكونوا عدولًا في دينهم.
وذلك لأن هذا شيء من أمر الدين، ولا يقبل فيه إلا خبر العدل، مثل خبر الواحد عن رسول الله ﷺ ، لا يقبل إلا أن يكون مخبره عدلًا.
والدليل على قبول خبر الواحد فيه: ما رواه سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت هلال شهر رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال! أذن في الناس أن صوموا غدًا"، فدل هذا الخبر على معنيين:
стр. 993
أحدهما: قبول خبر الواحد في هلال شهر رمضان إذا كان بالسماء علة.
والثاني: أن ظاهر الإسلام يوجب العدالة، وقبول الشهادة منه، ما لم يظهر منه ما يسقطها.
وروى أبو بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه".
قال أبو بكر أحمد: وقول أبي جعفر: "بعد أن يكون رآه خارج المصر": لا معنى له؛ لأن من أصلهم: أن خبره غير مقبول إذا لم تكن بالسماء علة، سواء كان في المصر أو خارج المصر، وإنما يقبل خبره إذا كان بالسماء علة، سواء كان في مصر أو غيره.
[مسألة:]
* قال: (وإن كان في المصر ولا علة في السماء، لم يقبل في ذلك إلا الجماعة).
قال أبو بكر أحمد: وذلك لأنه لا يمتنع في العادة مع ارتفاع الموانع، وتساوي همم الجميع في طلب رؤية الهلال، مع صحة أبصارهم أن يختص بعضهم برؤيته دون الباقين، وإذا لم يخبر به الجماعات الكثيرة
стр. 994
التي يوجب خبرها العلم، لم يلتفت إليه.
مسألة: [الشهادة على هلال شوال]
قال أبو جعفر: (ولا يقبل في هلال الفطر إذا كان بالسماء علة إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين أحرار عدول).
قال أبو بكر: وكذلك عندهم هلال ذي الحجة، لا يقبل في رؤيته إلا شهادة من تقطع شهادتهم الخصومة.
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز قال: أخبرنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا عباد عن أبي ملك الأشجعي قال: حدثنا حسين بن الحارث الجدلي –جديلة قيس- أن أمير مكة وهو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب، خطب ثم قال: "عهد إلينا رسول الله ﷺ بأن ننسك لرؤية الهلال، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل، نسكنا بشهادتهما، وقد شهد هذا من رسول الله ﷺ هذا، وأشار إلى عبد الله بن عمر ﵄: "بذلك أمرنا رسول الله ﷺ ".
ومعنى قوله: ننسك لرؤية الهلال: يريد به صلاة العيد، كما قال النبي ﷺ في حديث البراء بن عازب ﵁: "إن أول نسكنا في يومنا هذا: الصلاة، ثم الذبح".
فسمى صلاة العيد نسكًا، فصار هذا الحديث أصلًا في هلال شوال،
стр. 995
أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، كما شرط النبي ﷺ .
والخبر الأول أصل في قبول شهادة الواحد في هلال شهر رمضان؛ لأن النبي ﷺ قبل قول الأعرابي وحده فيه.
وإذا صح ذلك في هلال شوال، كان حكم هلال ذي الحجة مثله، لأن أحدًا لم يفرق بينهما.
ولأنهما متساويان في أن كل واحد منهما تتعلق به حقوق الناس، أما هلال شوال فالإفطار، وأما هلال ذي الحجة فالحج والنحر والإحلال من الحج، فلهم فيه منافع، فأشبهت الشهادة على حقوق الناس.
وأما هلال شهر رمضان، فإنما يلزمهم فيه فرض لا يتعلق بشيء من حقوقهم، فقبلت فيه شهادة الواحد.
وأيضًا: فإن حكم الصوم أن يستظهر له، ويحتاط فيه، ومن الاحتياط فيه أن يصام بقول الواحد، ويحتاط له بأن لا يفطر إلا بشهادة اثنين، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من شهر رمضان".
وروي نحو قولنا في هلال شوال عن علي، وعمر، وعبد الله بن
стр. 996
مسعود ﵃ أجمعين.
مسألة: [رؤية الهلال في النهار]
قال أبو جعفر: (وإذا رأى الهلال نهارًا: فهو لليلة الجائية، وقال أبو يوسف أخيرًا: إن كان قبل الزوال: فهو لليلة الماضية، وإن كان بعد الزوال: فهو لليلة الجائية).
قال أبو بكر: قد روي نحو القول الأول عن علي وعبد الله بن مسعود، وعن عمر ﵁ في إحدى الروايتين، وروي عنه رواية أخرى مثل قول أبي يوسف.
وجه القول الأول: قول الله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، ولا يجوز إباحة الإفطار في بعض النهار.
وأيضًا: لما اتفق الجميع على أن رؤيته بعد الزوال يوجب أن يكون
стр. 997
لليلة المستقبلة، وجب أن يكون كذلك حكم رؤيته قبل الزوال؛ إذ جائز أن تكون رؤيته قبل الزوال لكبره، لا لأنه لليلة الماضية، إذ قد يكون بعض الأهلة أكبر من بعض.
وأيضًا: لو جاز اعتبار رؤيته نهارًا، لوجب أن يكون الصوم والفطر من وقت الرؤية، وهذا يوجب أن يكون بعض اليوم من شهر رمضان، وبعضه من شوال، وأن يكون الشهر تسعة وعشرين يومًا ونصفًا، وذلك خلاف السنة، والإجماع، فثبت أن لا عبرة برؤيته نهارًا، وأن الحكم متعلق برؤيته ليلًا.
فإن قيل: قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته": يقتضي إيجاب الصوم برؤيته نهارًا؛ لأنه لم يخص الليل دون النهار.
قيل له: المراد لرؤية ماضية، لا لرؤية مستقبلة، ومعلوم أنه لا يلزمه صوم بعض النهار لرؤيته نهارًا، فعلم أنه أراد لرؤيته ليلًا.
مسألة: [إباحة الكحل والسواك للصائم]
قال أبو جعفر: (ولا بأس بالكحل والسواك للصائم).
стр. 998
أما الكحل، فلما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا محمد بن سليم قال: حدثنا حبان بن علي عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده: "أن النبي ﷺ كان يكتحل بالإثمد وهو صائم".
وأما السواك، فلما روى الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من خير خصال الصائم السواك".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسن بن إسحاق بن بهلول قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطماع عن القاسم بن عبد الله عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري عن سالم بن عبد الرحمن عن أبيه "أن رسول الله ﷺ كان يستاك بالسواك الرطب وهو صائم".
فإن قيل: إن السواك يذهب بالخلوف، والخلوف مستحب للصائم،
стр. 999
لقول النبي ﷺ : "خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
قيل له: السواك يزيد في الخلوف، لأن الخلوف يكون من الخواء والجوع، والسواك يزيد فيه.
مسألة: [أثر القيء في الصيام]
قال أبو جعفر: (ومن ذرعه القيء وهو صائم: لم يفطره، وإن استقاء عمدًا: فقد أفطر، ووجب عليه قضاء يوم بلا كفارة).
وذلك لما روى عيسى بن يونس وحفص بن غياث عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذرعه القيء وهو صائم: فليس عليه قضاء، وإن استقاء: فليقض".
وحديث أبي الدرداء وثوبان ﵄: "أن النبي ﷺ قاء: فأفطر".
قال أبو بكر أحمد: وكان القياس أن لا يفطر الاستقاء، لأن سائر ما
стр. 1000
يخرج من البدن لا ينقض الصوم، مثل البول والغائط وغيرهما، إلا أنهم تركوا القياس فيه للأثر.
فإن قيل: قد روي أن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام".
قيل له: معناه: إذا ذرعه القيء، على ما روي في خبر أبي هريرة ﵁.
مسألة: [يجب القضاء بلا كفارة في السعوط والحقنة وقطرة الأذن]
قال: (ومن استعط، أو احتقن وهو صائم ذاكر لصومه: كان عليه القضاء بلا كفارة، وكذلك من قطر في أذنه).
قال أبو بكر أحمد: الأصل فيه حديث لقيط بن صبرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا".
فأمر بالمبالغة في الاستنشاق، ونهى عنها لأجل الصوم.
فلولا أن ما يصل إلى حلقه من الماء بالاستنشاق يوجب الإفطار، لما كان للنهي عن المبالغة فيه فائدة، فصار ذلك أصلًا في أن كل ما وصل إلى
стр. 1001
الجوف من غير مجرى الطعام والشراب: فإنه يوجب الإفطار.
فلذلك قال أبو حنيفة في الجائفة: إذا داواها بدواء رطب: فطره؛ لوصوله إلى الجوف، وفي اليابس: لا يفطره؛ لأنه لا يصل إلى الجوف، ولو علم وصوله إلى الجوف: فطره.
ولم يختلف الجواب في الرطب واليابس من جهة الرطوبة واليبوسة، وإنما اختلف من جهة أن اليابس لا يصل في العادة إلى الجوف، والرطب يصل، فهذا اعتبار جار في كل ما وصل إلى الجوف، واستقر فيه، مما يستطاع منه الامتناع في العادة.
* وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما يعتبران وصوله إلى الجوف مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان، قياسًا على ما يصل بالاستنشاق، وهو الذي ورد فيه النهي.
مسألة: [أثر القطر في الإحليل للصائم]
قال أبو جعفر: (وإن قطر في إحليله: فلا قضاء عليه في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: عليه القضاء).
قال أبو بكر أحمد: محمد مع أبو حنيفة في الأصول في هذه المسألة.
وقد حكي عن محمد: أنه وقف في ذلك.
стр. 1002
وجه قول أبي حنيفة: أنه ليس من المثانة مجرى إلى الجوف، وما يصير إلى هناك من البول، فإنما يصير فيها بالرشح، فإذا لم يصل من هناك إلى الجوف: لم يفطر، كما أن من أخذ من في فيه ماء: لم يفطره؛ لأنه لم يصل إلى الجوف، كذلك ما حصل في المثانة.
فإن قيل: إذا استعط ووصل الدهن إلى دماغه: فطره ذلك.
قيل له: لأنه ينزل منه إلى الحلق، ويصل إلى الجوف.
* ولأبي يوسف: أن المثانة جوف، فيفطره ما يحصل فيها.
مسألة: [من أكل أو شرب عمدًا بعد ما أكل أو شرب ناسيًا]
قال أبو جعفر: (ومن أكل ناسيًا في شهر رمضان، فظن أن ذلك يفطره، فأكل بعد ذلك متعمدًا: فإن عليه القضاء، ولا كفارة عليه).
لأن الأكل لو وقع عمدًا: فطره، فقد يشتبه مثله على بعض الناس، فيظن أن الأكل ناسيًا يفطره، وهو القياس أيضًا عندنا، فصار ذلك شبهة في سقوط الكفارة، إذ كانت كفارة شهر رمضان تسقطها الشبهة.
ولو كان الرجل عالمًا بأنه لم يفطره، ثم أكل متعمدًا: وجبت عليه
стр. 1003
الكفارة؛ لأنه لا شبهة هناك مع العلم، ألا ترى أن من وطئ جارية امرأته مع العلم بتحريمها عليه: وجب عليه الحد، ولو ظن أنها تحل له: لم يجب الحد.
وليس هذا مثل من احتجم، فظن أن ذلك يفطره، فأكل بعد ذلك متعمدًا، فتكون عليه الكفارة، ولا تصير الحجامة شبهة في سقوط الكفارة؛ لأنه لو تعمدها: لم تفطره، وأكل المتعمد يفسد الصوم إلا أن يكون سمع الحديث الذي جاء في الحجامة، فرأى أن ذلك يفطره، أو أفتاه به مفتٍ، فحينئذ لا تجب الكفارة.
مسألة: [من لم ينو الصوم في رمضان وأفطر: فإنه يقضي]
قال أبو جعفر: (ومن أصبح في يوم من شهر رمضان، ولم يكن نوى الصوم، ثم أكل أو شرب أو جامع متعمدًا، فإن أبا حنيفة كان يقول: عليه القضاء بلا كفارة، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان ذلك منه قبل الزوال: فعليه القضاء والكفارة، وإن كان بعد الزوال: فعليه القضاء بلا كفارة).
قال أبو بكر أحمد: المشهور أن محمدًا مع أبي حنيفة، وإنما روى ما ذكره عن أبي يوسف وحده هشام.
ووجه قول أبي حنيفة: أن وجوب الكفارة متعلق بإفساد الصوم على ما وصف، وهو لم يفسد صومًا، فلا تجب عليه كفارة؛ لأنه لا يجوز إثبات الكفارة قياسًا، ألا ترى أنه لو لم يأكل حتى أمسى: لم يكن صائمًا، ولم تجب عليه كفارة لترك الصوم، فهذا إنما ترك أن يصوم، فلا يجب عليه شيء.
стр. 1004
* وذهب أبو يوسف إلى أنه لو نوى الصوم في تلك الحال: صح صومه فيما مضى من حال الإمساك، بمنزلة حال الصوم ما لم تزل الشمس، فإذا زالت الشمس: امتنعت صحة الصوم فيه، فلا تلزمه كفارة.
************
стр. 1005
باب الاعتكاف
مسألة: [اشتراط الصوم في الاعتكاف]
قال أبو جعفر: (والاعتكاف سنة، ولا يجوز إلا بصوم).
قال أبو بكر أحمد: يعني بقوله: سنة: أن النبي ﷺ قد فعله، وليس يعني به الوجوب.
* وروي أن لا اعتكاف إلا بصوم عن علي وابن عباس وابن عمر وعائشة ﵃.
قال عائشة: "من سنة المعتكف أن يصوم".
والدليل على أن من شرطه الصوم: قول الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن
стр. 1006
وأنتم عاكفون في المساجد﴾، والاعتكاف لفظ مجمل مفتقر إلى البيان؛ لأنه وإن كان في اللغة موضوعًا للبث، فقد وضع في الشرع لمعان أخر مع اللبث، لا يتناولها الاسم في اللغة.
ألا ترى أنه ليس كل لابث في المسجد معتكفًا، كما لو لزم رجل لماله غريمًا له في المسجد، أو حبسه رجل فيه، لم يكن معتكفًا.
وإذا كان كذلك افتقر إلى البيان، ووجدنا النبي ﷺ لم يعتكف إلا صائمًا، فوجب أن يكون الصوم من شرطه؛ لأن فعل النبي ﷺ إذا ورد على وجه البيان، فهو على الوجوب.
ومن جهة السنة: ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم النيسابوري قال: حدثنا محمد بن سنان البصري القزاز أبو الحسن ببغداد قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد قال: حدثنا عبد الله بن بديل قال: حدثني عمرو بن دينار عن ابن عمر "عن عمر ﵄ أنه قال للنبي ﷺ يوم الجعرانة: يا رسول الله! إن علي يومًا أعتكفه. فقال النبي ﷺ : اذهب فاعتكف، وصم".
فأمره بالصوم في الاعتكاف على الوجوب، فثبت أن من شرطه الصوم.
فإن قيل: قد روي أن عمر ﵁ قال للنبي صلى الله عليه
стр. 1007
وسلم: نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال له: "أوف بنذرك"، والليل ليس فيه صوم، فدل على جوازه بغير صوم.
قيل له: قد اختلف في لفظ هذا الحديث، فقال بعضهم: "يومًا"، وقال بعضهم: "ليلة"، وقال بعضهم: "يومًا وليلة".
والجمع بين هذه الأخبار يوجب أن يكون: "يومًا وليلة": أكثر ما روي منه، ويجمع إليه ما روي في الخبر الذي رويناه من الأمر بالصوم، فاقتضى اعتكافًا بصوم.
* ومن جهة النظر: أنه لبث في مكان، فلا يصير قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه هو قربة في نفسه، كما أن الوقوف بعرفة لما كان لبثًا في مكان، لم يكن قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه قربة في نفسه، وهو الإحرام، ولم يشترط أحد في ضم قربة إليه إلا الصوم، فثبت أن الصوم من شرطه.
وأيضًا: قد اتفق الجميع على لزوم الاعتكاف بالنذر، فلولا ما تضمنه من الصوم لما لزم بالنذر؛ لأن ما ليس له أصل في الفرض، لا يلزم
стр. 1008
بالنذر، فدل أن لزومه بالنذر لأجل ما تضمنه من الصوم الذي له أصل في الفرض.
فإن قيل: فلو نذر عمرة لزمته، وليس لها أصل في الفرض عندكم؟
قيل له: العمرة هي الإحرام والطواف والسعي، ولها أصل في الفرض، وهو إحرام الحج وطوافه وسعيه.
فغن قيل: لما صح بالليل مع عدم الصوم، دل على أنه ليس من شرطه الصوم.
قيل له: إنما يصح بالليل تبعًا للنهار، كما يصح مع خروجه من المسجد لحاجة الإنسان، ولم يدل ذلك على أنه ليس من شرطه اللبث في المسجد، وكما يكون بمنى قربة بالليل لأجل الرمي المفعول نهارًا.
فإن قيل: لو كان من شرطه الصوم لما صح في شهر رمضان؛ لأن صوم يوم واحد لا ينوب عن نفسه وعن غيره.
قيل له: لم نقل إنه يوجب الصوم، وإنما قلنا من شرطه الصوم، كما نقول: من شرط دخول مكة أن لا يدخلها إلا محرمًا، ولو دخلها محرمًا بحجة الإسلام: لم يلزمه للدخول إحرام آخر.
وكما نقول: لا يصلي إلا بطهارة، وإلا بستر العورة، ولا نقول: إن الصلاة توجب طهارة ولا سترًا، ألا ترى أنه لو توضأ لنافلة قبل دخول الوقت: لم تلزمه بدخول الوقت طهارة للصلاة، كذلك الصوم في الاعتكاف.
стр. 1009
مسألة" [المسجد الذي يجوز فيه الاعتكاف]
قال: (ويجوز الاعتكاف في كل مسجد له إمام ومؤذن، كان مسجد جماعة أو لم يكن).
قال أبو بكر أحمد: يعني بقوله: مسجد جماعة: مسجد الجامع؛ لأن كل مسجد له إمام ومؤذن، فهو مسجد جماعة.
ويجوز الاعتكاف فيه، لقول الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، فعم المساجد كلها، وأجاز الاعتكاف فيها.
وقد روى أبو وائل أن حذيفة قال لعبد الله بن مسعود ﵁:"إن قومًا عكفوا بين دارك ودار أبي موسى، وأنت لا تغير؟! وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
فقال عبد الله: "لعلهم أصابوا وأخطأت، وحفظوا ونسيت".
وروى جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة أن ابن مسعود ﵁ قال: "لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام"، فقال حذيفة ﵁: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مسجد له إمام
стр. 1010
ومؤذن: فإنه يعتكف فيه".
ويحتمل أن يكون ذلك كله صحيحًا، ويكون معنى قوله: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة": أنه أفضل الاعتكاف، وأن غيرها من المساجد ليس كهي في فضيلة الاعتكاف فيه.
كما روى الحارث عن علي ﵁: "إنما الاعتكاف في مسجد إبراهيم ومسجد محمد صلى الله عليهما، فمن اعتكف في سواهما: فلا يعتكف إلا في المسجد الجامع الذي تصلى فيه الجماعة".
مسألة:
قال أبو جعفر: (ويخرج المعتكف لحاجة الإنسان عن المسجد).
وذلك لما روت عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان".
مسألة: [ما يباح للمعتكف فعله]
قال أبو جعفر: (ولا بأس بأن يبيع، ويبتاع، ويشهد، ويتحدث، ويتزوج، ويراجع في اعتكافه من غير جماع).
стр. 1011
وذلك لأن اللبث في المسجد والصوم لا يحظران هذه الأشياء، فلا يمنع الاعتكاف منها.
مسألة: [الجماع يفسد الاعتكاف]
قال أبو جعفر: (وإن أصاب أهله في ليل أو نهار: خرج بذلك من اعتكافه).
اقول الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولا يختلف فيه الليل والنهار؛ لأن الاعتكاف يحظر المباشرة بالليل وإن لم يكن فيه صوم.
قال أبو جعفر: (فإن كان قد أوجبه قبل ذلك الوقت: انتقض، ووجب عليه استئنافه).
لأن الجماع يفسد الاعتكاف، كما يفسد الصوم بالنهار، فيستقبل اعتكافًا صحيحًا، كما يستقبل صومًا صحيحًا إذا جامع نهارًا.
مسألة: [مكان اعتكاف المرأة]
قال أبو جعفر: (ولا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها).
стр. 1012
قال أبو بكر أحمد: يعني أن اعتكافها في مسجد بيتها أفضل من اعتكافها في مسجد جماعة، وذلك لقول النبي ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن".
وقال ﷺ : "خير صلاة المرأة في بيتها".
مسألة: [خروج المعتكف لصلاة الجمعة]
قال أبو جعفر: (ويخرج المعتكف لصلاة الجمعة بمقدار ما يصلي قبل الجمعة أربع ركعات أو ستًا، وكذلك مقامه بعد الصلاة، فإن زاد على ذلك أو نقص منه: لم يضره).
وذلك لأن حضور الجمعة مستثنى من الاعتكاف، كحاجة الإنسان؛ لأنه معلوم أنه لم يعقد على نفسه الاعتكاف على أن يترك فرض الجمعة، ولا تضره الزيادة على النافلة؛ لأنه في مسجد يصح الاعتكاف فيه، فطول مكثه فيه لا يفسد اعتكافه.
مسألة: [الخروج الذي يفسد الاعتكاف]
قال أبو جعفر: (وإن خرج المعتكف إلى جنازة، أو إلى عيادة مريض، أو غير ذلك، سوى خروجه للغائط والبول والجمعة: فسد اعتكافه في قول أبي حنيفة.
стр. 1013
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان ذلك أقل من نصف يوم: لم يفسد اعتكافه، وإن كان أكثر من ذلك: نقض اعتكافه).
قال أبو بكر أحمد: المشهور من قولهما: أنه إذا كان من نصف يوم: فسد اعتكافه، والذي ذكره أبو جعفر من قولهما لا نعرفه.
وجه قول أبي حنيفة: أن من شرط الاعتكاف اللبث في المسجد، والخروج من المسجد ينافي الاعتكاف، والخروج للجمعة والغائط والبول كالمستثنى منه؛ لأنه لا بد منه.
ولما روي "ان النبي ﷺ كان لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان".
وقال عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فما يعرج عليه يسأل عنه ويمضي".
* وأما أبو يوسف ومحمد: فإنما ذهبا إلى أنه لما كان خروجه للوقت اليسير لا يفسد اعتكافه، والكثير يفسده، فاعتبرا أكثر اليوم؛ لأن الأكثر في حكم الكل في كثير من الأصول، ألا ترى أن وجود النية في أكثر
стр. 1014
النهار في الصوم الذي يجوز ترك النية فيه من الليل، بمنزلة وجوده جميعه في جواز الصوم.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وصعود المعتكف المئذنة للأذان: لا يفسد اعتكافه وإن كانت خارجة عن المسجد).
وذلك لأنها في حكم المسجد؛ ولأن خروجه للأذان كالمستثنى؛ لأنه لم يعقد الاعتكاف على نفسه لترك الأذان.
مسألة: [أقل مدة الاعتكاف]
قال أبو جعفر: (ويجوز الاعتكاف يومًا فما فوقه من الأيام).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولم يقدره بوقت، والاعتكاف هو اللبث على وصف، وأي جزء حصل منه على الوصف المشروط: فهو اعتكاف.
وقد قال محمد بن الحسن: إنه لو اعتكف نصف يوم: جاز؛ لأن مقدار ما فعله لبث صحيح، إلا أنه لا ينبغي له أن يفطر حتى يمسي؛ لأن الصوم الذي قد دخل فيه، قد لزمه إتمامه بالدخول.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إذا دخل في اعتكاف: لزمه أن يتمه يومًا.
стр. 1015
مسألة: [أوجب على نفسه اعتكاف أيام]
قال: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف الأيام: فإنها تلزمه متتابعة، سواء نوى التتابع أو لم ينوه).
وذلك لأن الاعتكاف يصح بالليل والنهار، وذكر الأيام ينطوي تحت الليالي، فصار كقوله: والله لا كلمت فلانًا أيامًا: فيكون ترك الكلام متصلًا إلى انقضائه باليمين.
وليس هذا بمنزلة قوله: لله علي أن أصوم أيامًا: فلا يلزمه التتابع؛ لأن الصوم لا يكون متصلًا فيها، لأن الليل يقطعه، فلا يلزمه التتابع فيه إلا باللفظ، وإنما يلزمه من الليالي بعدد الأيام، من قبل أن ذكر جميع الأيام يقتضي دخول مثلها من الليالي، وكذلك ذكر الليالي يقتضي دخول مثلها من الأيام.
والدليل عليه: قول الله تعالى في قصة زكريا ﵇: ﴿ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، وقال في موضع آخر: ﴿ثلاث ليال سويًا﴾، فالقصة واحدة، فعبر بأحد العددين اكتفاء به عن ذكر العدد الآخر.
стр. 1016
ألا ترى أنه لما اختلف العددان، لم يكتف بذكر أحدهما دون الآخر في قوله تعالى: ﴿سبع ليال وثمانية أيام حسومًا﴾.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف ليلة: فلا شيء عليه).
لأن اعتكاف الليلة الواحدة لا يتبعها النهار، ولا يصح فيها صوم، والاعتكاف لا يكون قربة إلا بصوم، فلم يوجب به قربة، فلم يلزمه.
[مسألة:]
قال: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف ليلتين أو أكثر: لزمه من الأيام بعدد الليالي).
لما قدمنا من أن ذكر جمع أحد العددين ينتظم مثله من العدد الآخر، وليس ذلك كالليلة الواحدة، ولا كاليوم الواحد؛ لأن اليوم الواحد لا تنطوي تحته الليلة، ولا الليلة ينطوي تحتها اليوم، وأما الليلتان فما فوقهما فإنهما تنتظمان الأيام، فكذلك اليومان فما فوقهما؛ لأنه لا يوجد جمع من أحد العددين إلا ويتخلله من العدد الآخر.
[مسألة:]
قال: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف شهر: كان عليه اعتكافه بلياليه وأيامه).
стр. 1017
لأن الشهر عبارة عن العددين جميعًا.
* (فإن نوى الليالي دون الأيام، أو الأيام دون الليالي: كانت نيته باطلة).
كما لو نوى عشرين يومًا: بطلت نيته؛ لأنه عبر عن الجميع، ونوى البعض، فلا يعمل بنيته، ألا ترى أنه لو قال: والله لا كلمت فلانًا شهرًا: لم يعمل بنيته في تخصيص أحد العددين دون الآخر.
مسألة: [عدم جواز النيابة في الصوم أو الاعتكاف]
قال أبو جعفر: (ولا يصوم أحد عن أحد، ولا يعتكف أحد عن أحد).
وذلك أنه عبادة على البدن، كالإيمان والصلاة ونحوهما.
***********
آخر كتاب الصوم
стр. 1018
كتاب المناسك
باب وجوب الحد
قال أبو بكر أحمد: ما كنا علمناه قديمًا من شرح كتاب المناسك لمحمد بن الحسن ﵀، ينتظم مسائل هذا الكتاب، ولا يشذ عنه منها إلا القليل، وفيه غنى عن إعادة جميعه، إلا أني لا أخلي هذا الكتاب من ذكر النكت التي عليها مدار المسائل، لئلا ينقطع نظام الكتاب، ونسأل الله حسن التوفيق برحمته.
مسألة: [من يجب عليه الحج]
قال أبو جعفر: (ومن لم يستطع الثبوت على الراحلة، أو كان يستطيع الثبوت عليها إلا أنه زمن من رجليه: سقط عنه فرض الحج.
وإن كان واجدًا لما يحج به غيره عنه: أحجه، وأجزأه ذلك عن حجة
стр. 1019
الإسلام إن بقي كذلك حتى يموت، وإن صح قبل موته، وأطاق الحج: كان عليه الحج عن نفسه).
قال أبو بكر أحمد: هذا الفصل لا اختلاف فيه بين أصحابنا في الرواية المشهورة إلا شيء رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في المقعد، والأعمى: أن عليهما فرض الحج بأنفسهما إذا وجدا زادًا وراحلة.
ووجه الرواية الأولى: قول الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾، والاستطاعة تنتظم صحة الجوارح التي بها يصل إلى فعل الحج.
وشرط النبي ﷺ مع ذلك في الاستطاعة في الرجال المكلفين ثلاثة أشياء: الصحة، والزاد، والراحلة.
وإذا وجد الزاد والراحلة، ولم يكن ممن يقدر على المشي والركوب، لزمان به: لم يلزمه فرض الحج بنفسه، ولزمه في ماله.
والدليل على صحة ذلك أيضًا: حديث الزهري عن سليمان بن يسار
стр. 1020
عن ابن عباس ﵄ "أن امرأة من خثعم سألت النبي ﷺ فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم حجي عن أبيك".
فدل هذا الخبر علة معنيين:
أحدهما: أن العاجز عن الركوب والمشي لا حج عليه في نفسه.
والثاني: أنه إذا كان له مال: لزمه في ماله أن يحج عنه غيره، وذلك لأنها لما قالت: إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا: لم ينكر النبي ﷺ قولها: إن الفرض لزمه وهو شيخ: ومعلوم أنه لم يلزمه بنفسه، إذ أجاز لها أن تحج عنه.
فإن قيل: فإنما يدل هذا على سقوط الحج عمن لا يمكنه الثبوت على الراحلة، والمقعد والزمن قد يمكنهما القعود في المحمل.
قيل له: إذا لم يمكنهما الركوب والنزول، وشد المحمل بأنفسهما: لم يلزمهما، فقد دل خبر الخثعمية على هذا، من حيث لم يأمرها النبي ﷺ بحمله في هودج أو محمل، والمقعد ومن لا يثبت على الراحلة يثبت في الهودج، فدل ذلك على ما وصفنا.
* فإذا حج عنه غيره، ومات قبل الصحة: أجزأه، لدوام العذر الموجب لجواز الحج عنه، وإن صح: لم يجزه، حتى يحج بنفسه، لزوال العذر، ووجود الصحة التي يتعلق بها فرض الحج.
следующие страницы →