Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
ويدل على أن القران أفضل من التمتع: أن القارن حجته كوفية، والمتمتع حجته مكية، ويحصل السفر للعمرة خاصة، ولأن يكون السفر لهما، أفضل من أن يكون لأحدهما.
ثم التمتع أفضل من الإفراد لما وصفنا، من أن فيه زيادة نسك، وهو الهدي.
فإن قيل: وجوب الهدي فيه، يدل على النقص.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن الهدي ها هنا نسك ليس بدم جناية، ألا ترى أنا نجيز الأكل منه، وقد دل كتاب الله تعالى عليه.
وروي عن النبي ﷺ أنه أكل منه.
****************
стр. 1052
باب المواقيت
[مسألة: مواقيت الحج]
قال أبو بكر: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن، ولأهل اليمن: يلملم، ولأهل العراق: ذات عرق، وقال: "هن لأهلهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة".
قال أبو جعفر: (فمن مر وهو يريد الحج، أو العمرة بميقات منها، فلا يجاوزه إلا محرمًا).
لأن النبي ﷺ لما أمرنا بالإحرام من الميقات، فقد تضمن ذلك نهيه عن مجاوزته إلا محرمًا.
وأيضًا روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "لا يحل لأحد أن يدخل مكة إلا بإحرام، ورخص للحطابين".
стр. 1053
ومعلوم أن الرخصة في مثل ذلك لا تكون إلا من النبي ﷺ ، فإذا الحظر من جهة من إليه الرخصة، وأنه إنما ذكر الحطابين، لأنهم لا يبعدون من مكة ولا يجاوزون المواقيت.
ويدل عليه قول النبي ﷺ يوم فتح مكة حين دخلها بغير إحرام؛ لأنه دخلها وعلى رأسه مغفر: "إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار".
ومعلوم أنه لم يرد القتال؛ لأن القتال يحل بعده إذا أحتيج إليه، فدل أنه أراد دخولها بغير إحرام.
مسألة: [الإحرام بعد مجاوزة الميقات]
قال أبو جعفر: (ومن أحرم بعد مجاوزته الميقات، فإن رجع إلى الوقت، فلبى: سقط عنه الدم، وإن لم يلب: لم يسقط.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا رجع إلى الوقت محرمًا، فلبى أو لم يلب: سقط عنه الدم، وقال زفر: لا يسقط عنه الدم بوجه).
لأبي حنيفة: أن المتروك هو التلبية في الوقت؛ لأنه لو لبى في الوقت، لم يكن في إحرامه نقص، فإذا فعل المتروك: فقد جبر النقص.
فإن قيل: تلبيته في الوقت لا تجدد له إحرامًا، فلا يرتفع بها النقص الداخل بترك التلبية في ابتداء الإحرام.
стр. 1054
قيل له: أجل، لا يتجدد به إحرام، إلا أنه يرتفع به النقص، ألا ترى أن من طاف على غير وضوء، ثم أعاده لم يتجدد له طواف بالإعادة، وإنما ينجبر به النقص.
فإن قيل: فلو دفع من عرفات قبل الإمام، ثم عاد: لم يسقط عنه الدم.
قيل لهم: هذا عندهم على وجهين:
إن عاد قبل دفع الإمام: لم يكن عليه شيء، وإن عاد بعد خروج الإمام من عرفات: لم يسقط عنه الدم؛ لأنه لم يستدرك المتروك، إذ كان المتروك الدفع مع الإمام، وإذا عاد قبل دفع الإمام: فقد أدرك سنة الدفع، فلا يلزمه شيء.
فإن قيل: هلا أسقطت عنه الدم لعوده محرمًا؟!
قيل له: لما بينا أن المتروك في الوقت هو التلبية، فيحتاج أن يفعل المتروك.
فإن قيل: فلو جاوز الوقت وهو محرم، ولم يلب فيه: لم يكن عليه شيء؛ لأنه قد حصل محرمًا فيه، كذلك إذا عاد محرمًا.
قيل له: فقد فعل التلبية في الوقت حيث أحرم؛ لأن كل موقع أحرم فيه من وراء المواقيت، فهو وقته، وإنما المواضع التي منع مجاوزتها إلا محرمًا آخر الوقت.
ويدل عليه: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في تأويل
стр. 1055
قول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله): أن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
ولأبي يوسف ومحمد: أن المتروك في الوقت هو الإحرام، فإذا عاد محرمًا: فقد فعل المتروك.
وهذا لا يلزم أبا حنيفة؛ لأن عوده إلى الوقت لم يفعل به إحرامًا، فالواجب أن يكون المعنى الذي ينجبر به النقص هو التلبية التي هي من شرائط الإحرام.
فصل: [من تجاوز ميقاتًا بغير إحرام، ثم عاد إلى غيره فأحرم منه]
قال أبو جعفر: (ومن مر بميقات من هذه المواقيت، فجاوزه غير محرم، ثم رجع إلى وقت غيره، فأحرم منه قبل أن يقف بعرفة: سقط عنه الدم).
وذلك لقول النبي ﷺ : "هن لأهلهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج أو العمرة".
ومن كان منزله من ورائهن إلى مكة: فميقاته من أهله، حتى أهل مكة يهلون من مكة.
ولأن من جاوز ذا الحليفة إلى الجحفة، فأحرم منها: جاز له ذلك،
стр. 1056
فكذلك إذا جاوز الوقت، ثم رجع إلى وقت غيره، أي وقت كان.
* قال أبو جعفر: (وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء: أنه إذا رجع إلى ميقات يحاذي الميقات الأول: فلا شيء عليه، وإن رجع إلى ميقات بين الميقات الأول وبين الحرم: لم يسقط ذلك عنه الدم).
وعسى أن يكون ذهب إلى أنه لما جاوز الميقات غير محرم، فقد استحق عليه العود إليه، فلا يسقط عنه الدم بعوده إلى ما دونه.
[مسألة: من جاوز الميقات فأحرم بالعمرة وطاف]
قال أبو جعفر: (ولو جاوز الوقت، ثم أحرم بعمرة، وطاف لها شوطًا، ثم عاد إلى الوقت: لم يسقط عنه الدم بحال).
وذلك لأن عوده في هذه الحال، لا يكون له حكم الابتداء، من قبل أن الشوط المفعول من الطواف لا ينفسخ بالعود، وإنما يسقط عنه الدم إذا عاد إلى الوقت على حكم الابتداء، كأنه ابتدأ الإحرام منه، واختلافهم في إعادة التلبية في الوقت أو تركها على ما تبين.
مسألة: [من جاوز الميقات لا يريد الإحرام، ثم بدا له أن يحرم]
قال أبو جعفر: (ومن مر بالميقات لا يريد الإحرام، حتى جاوزه، ثم بدا له أن يدخل مكة: أحرم من حيث شاء قبل أن يدخل الحرم).
قال أبو بكر أحمد: عسى أن يكون أراد: أنه لا يريد دخول مكة حين
стр. 1057
أتى الميقات إذ جاوزه، فإذا كان كذلك، فله أن يجاوزه بغير إحرام، ويصير حينئذ بمنزلة أهل الميقات إذا أراد الإحرام: أحرم من حيث شاء، ما بينه وبين الحرم، كإحرام أهل الوقت.
********
стр. 1058
باب ذكر ما يعمل عند الميقات
[التجرد من المخيط عند الإحرام، وسنية الاغتسال]
قال أبو جعفر: (إذا أتى الرجل الميقات، وهو يريد العمرة: تجرد، واغتسل أو توضأ، والغسل أفضل).
* أما التجرد، فلما روي عن النبي ﷺ من النهي عن لبس القميص، والسراويل، والعمامة، ونحوها في الإحرام، فقلنا على هذا: محظور عليه لبس ما يشمل عليه من الخياطة.
* فأما الغسل، فمسنون عند الإحرام، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة ﵂ حين حاضت، وكانت مهلة بعمرة: "انقضي رأسك، وامتشطي، واغتسلي، وأهلي بالحج".
وقال لأسماء بنت عميس ﵂ حين ولدت: "لتغتسل،
стр. 1059
ولتحرم بالحج، ولتصنع كما يصنع الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت".
فدل على أن هذا الغسل مسنون للإحرام، لا للطهارة؛ لأن غسل النفساء والحائض لا يطهرهما.
* والوضوء يجزئ عنه، كما يجزئ عن غسل الجمعة؛ لأنه مسنون أيضًا.
[لبس الإزار والرداء، ومس الطيب]
قال أبو جعفر: (ويلبس ثوبين، إزار ورداء جديدين أو غسيلين)
إنما ذكر جديدين أو غسيلين؛ لأنه روي عن بعض السلف كراهة لبس الجديد عند الإحرام، فاعلم أنه لا فرق بينهما.
* (ويمس من طيبه إن شاء، ولا يضره بقاء الطيب عليه بعد الإحرام عند أبي حنيفة وأبي يوسف).
وذلك لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "طيبت رسول الله ﷺ للإحرام حين أحرم".
وقالت: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله
стр. 1060
صلى الله عليه وسلم بعد الثالثة من إحرامه".
وكما جاز أن يحلق رأسه قبل الإحرام، فيحرم ويبقى محلوق الرأس، جاز أيضًا أن يحرم ويبقى الطيب عليه بعد الإحرام، إذ ليس بقاء الطيب عليه تطيبًا منه.
وليس ذلك كاللبس؛ لأن بقاءه على حال اللبس، بمنزلة لبس مستقبل.
* وكره محمد من الطيب ما يبقى أثره، كاللبس وسائر ما ينهى عنه ابتداء بعد الإحرام.
[استحباب الإحرام بعد الصلاة]
قال أبو جعفر: (ثم يحرم بالعمرة بعد صلاة مكتوبة أو نافلة).
لما روي أن النبي ﷺ أحرم بذي الحليفة عقيب الصلاة.
[التلبية]
والتلبية التي ذكرها أبو جعفر رويت عن النبي ﷺ .
стр. 1061
قال: (ويلبي إذا استوى على راحلته، وكلما علا شرفًا، أو هبط واديًا، وبالأسحار).
وذلك لأن منزلة التلبية من الحاج، كمنزلة تكبيرة الافتتاح من المصلي، والمصلي يكبر عند تنقل الأحوال به في صلاته، كذلك المحرم يلبي عند تنقل الأحوال به.
وقد روى ذلك جابر ﵁ عن النبي ﷺ ، وروي أيضًا عن جماعة من السلف.
* قال: (ولا يزال يلبي حتى يفتتح الطواف لعمرته).
وذلك لأن التلبية لما كانت مسنونة في الإحرام على الوجه الذي ذكرنا، فلو أنا خلينا والقياس، لقلنا إنه يلبي حتى يحل من الإحرام، إلا أن الناس متفقون على قطع تلبية العمرة عند افتتاح الطواف، ومنهم من يقطعها قبل ذلك، فلم نقطعها بالقياس، إذ كان القياس يوجب استصحابها للإحرام.
стр. 1062
[الطواف بالبيت]
قال: (ويطوف سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود).
وذلك لأن افتتاح الطواف بالحجر، كافتتاح الإحرام بالتلبية، والصلاة بالتكبير.
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه استلم الحجر أو ما دخل المسجد، ثم طاف.
[الرمل في الطواف]
قال: (ويرمل في الثلاثة الأشواط الأول منها، ويمشي في بقيتها).
وذلك لأن النبي ﷺ لما قدم مكة في عمرة القضاء، رمل في الثلاثة الأشواط، وأمر أصحابه بذلك، وقال: "رحم الله امرأ أظهر اليوم من نفسه جلدًا".
وكان ذلك لإظهار الجلد للمشركين، لأنهم قالوا: "قد أوهنتهم حمى يثرب".
ثم رمل أيضًا حين قدم لحجة الوداع، ولم تكن هناك مراءاة
стр. 1063
للمشركين فثبت أنه سنة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "على ما أهز كتفي وليس هاهنا أحد أرائيه"، ثم قال: "لأتبعن أصحابي".
قال أبو بكر أحمد: كل طواف بعده سعي: يرمل فيه، وكل طواف ليس بعده سعي: فلا رمل فيه.
[استلام الحجر الأسود]
(ويستلم الحجر الأسود، ويقبله كلما مر به إن أمكنه ذلك، فإن لم يستطع: استقبله، وكبر، ورفع يديه).
روي أن النبي ﷺ طاف راكبًا يستلم الحجر والأركان بمحجنه، يشير إليها.
* قال: (ويرفع يديه إذا كبر مستقبلًا بظهورهما وجهه، وببطونهما الحجر).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترفع
стр. 1064
الأيدي إلا في سبعة مواطن"، وذكر منها استلام الحجر.
* قال: (ويفعل ذلك في الأشواط السبعة).
لما روي أن النبي ﷺ لم يكن يمر بهذين الركنين إلا استلمهما.
وروى عمر ﵁ "أن النبي ﷺ قبل الحجر".
[استلام الركن اليماني، واستحباب تقبيله عند الإمام محمد]
قال: (فأما الركن اليماني، فإن استلمه فحسن، وإن تركه: لم يضره في قول أبي حنيفة وأبي يوسف).
وذلك لأنه روي "أن النبي ﷺ قبل الركن اليماني، ووضع خده عليه".
стр. 1065
وليس استلامه بواجب، وإنما يجب استلام الحجر؛ لأن افتتاح الطواف منه يصح، ولو ابتدأه من غيره: لم يصح.
ويدل عليه: أنه إذا صلى ركعتي الطواف، وأراد الخروج إلى الصفا، عاد لاستلام الحجر، دون الركن اليماني.
وكذلك روي عن النبي ﷺ في حديث جابر ﵁ أنه فعله.
* قال: (وقال محمد بعد ذلك: يستلم الركن اليماني، ويقبله، ويفعل فيه كما يفعل في الحجر).
لما روي أن النبي ﷺ كان يستلمه.
وإنما لم يستلم غير هذين الركنين؛ لأن الركنين الأخيرين ليسا من أركان البيت، لأن الحجر قطعة من البيت، فالركنان من وسط البيت، ليسا ركنين على الحقيقة.
стр. 1066
[صلاة ركعتي الطواف]
قال أبو جعفر: (فإذا فرغ من هذه السبعة الأشواط صلى ركعتين).
لما روي عن النبي ﷺ أنه صلى ركعتين بعد الطواف عند المقام، وتلا قول الله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾.
وقال: (فإن كان بعد الصبح، أو بعد العصر، أو عند الطلوع والزوال والغروب: لم يصلهما).
لأن هذه أوقات قد نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها، وقد بيناها في كتاب الصلاة.
[السعي بين الصفا والمروة]
قال أبو جعفر: (ثم يخرج من باب الصفا، أو من حيث تيسر عليه، حتى يقف على الصفا من حيث يرى البيت، فيكبر الله، ويهلله، ويحمده، ويصلي على نبيه، ويدعوا بما أحب.
ثم ينزل ماشيًا، ويسعى في بطن الوادي حتى يجاوز الميلين الأخضرين.
ثم يقف على المروة، فيفعل عليها كما يفعل على الصفا، حتى يفعل ذلك سبع مرات، يبتدئ في كل مرة بالصفا، ويختم بالمروة).
стр. 1067
قال أبو بكر أحمد: قد روي عن النبي ﷺ إلا في قوله: يبتدئ في كل مرة بالصفا، ويختم بالمروة: فإن هذا غلط، وتجئ على هذا: أربعة عشر شوطًا، وإنما عليه سبعة أشواط فمضيه من الصفا إلى المروة: شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا: شوط آخر، وكذلك على هذا إلى أن يقضي السعي.
وعسى أن يكون أراد به: يبدأ بالصفا أول مرة، ويختم بالمروة في آخره، وكذلك قال محمد بن الحسن في كتاب المناسك.
[الحلق بعد السعي]
قال: (فإذا فعل ذلك حلق أو قصر، والحلق أفضل).
وذلك لأن العمرة إنما هي الإحرام والطواف والسعي.
وإنما كان الحلق أفضل، لما روي عن النبي ﷺ "أنه دعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة".
[ما تفعله المرأة في الطواف والسعي]
قال: (والنساء في العمرة كالرجال، إلا أنهن لا يسعين، ولا
стр. 1068
يرملن، ولا يحلقن، وإنما يقصرن).
وذلك لأن الرمل والسعي ربما بدا فيهما ما حكمه أن يستر، والنساء مأمورات بالستر.
ولا يحلقن؛ لأن حلقهن مثلة، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ .
[مسألة:]
(وإذا أقيمت الصلاة وهو يطوف أو يسعى، صلى، وبنى).
وذلك لأن قطعه بالكلام وسائر التصرف لا يمنع البناء، كذلك بالصلاة.
[مسألة:]
قال: (ولو طاف لعمرته محمولًا لعلة: لم يضره).
وذلك لأن النبي ﷺ طاف راكبًا، وذكر أن ذلك لشكاة كانت به.
стр. 1069
* قال: (ولو كان لغير علة: كان عليه دم، وأجزأه).
وإنما لزمه الدم، لما فيه من النقص، وأجزأه؛ لأنه قد فعل الطواف.
[الأوقات التي لا تجوز فيها العمرة]
قال: (والعمرة جائزة في السنة كلها، إلا في يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق).
وروي ذلك عن عائشة ﵂.
مسألة: [وجوب الدم بالطواف للعمرة على غير طهارة]
قال: (ومن طاف بالبيت لعمرته جنبًا، أو على غير وضوء، فإن أعاد: أجزأ، ولا شيء عليه، وإن لم يعد حتى رجع إلى أهله: فعليه دم، ويجزئه).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾، ولو جعلنا الطهارة من شرطه، كان فيه زيادة في النص، ولا يجوز ذلك إلا بنص منه، وإذا ثبت الجواز: لزمه دم للنقصان؛ لأن كل من أجازه، أوجب عليه دمًا.
[عدم اشتراط طهارة الثياب في الطواف]
قال: (ولو طاف لعمرته في ثوب نجس، فلا شيء عليه).
стр. 1070
وذلك لأن نجاسة الثوب لا تأثير لها في شيء من أفعال المناسك، ولا يمنع مس المصحف، وقراءة القرآن، ولا دخول المسجد.
وليس مثل الطواف مع الحدث؛ لأن للحدث تأثيرًا في منع مس المصحف، فهو أغلظ من نجاسة الثوب، ولأنه لم يرد نهي في منع الطواف مع نجاسة البدن والثوب.
[أثر كشف العورة في الطواف]
قال: (ولو طاف مكشوف العورة، ثم رجع إلى أهله قبل أن يعيد: فعليه دم، وأجزأه).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه أمر فنودي بمكة: "ولا يطوف بالبيت عريان"، فنهى عنه مع العري.
[عدم اشتراط الطهارة للسعي]
قال: (ومن سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة: فلا شيء عليه).
وذلك لأنه مفعول في غير المسجد، فأشبه رمي الجمار، والوقوف بعرفة والمزدلفة.
***********
стр. 1071
باب ذكر الحج
[صفة إحرام الحج]
قال: (وإحرام الحج كإحرام العمرة على ما بينا، غير أنه لا يقطع التلبية عند أخذه في الطواف).
وهذا لا خلاف فيه.
[أفعال الحج]
قال: (ويقيم على إحرامه، ويطوف بالبيت متى شاء، ولا يرمل في طوافه، ولا يسعى بين الصفا والمروة).
قال أحمد: قوله: ولا يرمل في طوافه، ولا يسعى بين الصفا والمروة: ليس بسديد؛ لأنه إن طاف بعد إحرام الحج، وأراد أن يقدم السعي بين الصفا والمروة على يوم النحر: كان له ذلك، فإذا أراد ذلك رمل في الطواف الذي بعده سعي؛ لأن كل طواف بعده سعي: ففيه رمل.
قال: (ويصلي لكل أسبوع ركعتين)
وذلك لأن النبي ﷺ صلى بعد ما طاف أسبوعًا،
стр. 1072
ركعتين، وتلا قول الله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾، فدلت تلاوته الآية حين أراد الصلاة، أن هذه الصلاة مرادة بالآية، فصارت الصلاة موجبة بالطواف، كإيجابها بالنذر؛ إذ كان وجوبها معلقًا بفعله للطواف.
[الخروج إلى منى يوم التروية]
قال: (وإذا كان يوم التروية خرج إلى منى، يصلي بها خمس صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر)
كذلك روي عن النبي.
[الخروج إلى عرفات، وجمع الظهر والعصر فيهما تقديمًا
قال: (وإذا أصبح من يوم عرفة، وطلعت الشمس، غدا إلى عرفات، فأقام بها حتى يصلي الظهر والعصر في وقت الظهر مع الإمام).
هكذا روي عن النبي ﷺ "أنه جمع بينهما هناك بعد زوال الشمس".
* قال: (فإن فاتتا، أو أحدهما مع الإمام: صلى كل واحدة منهما لوقتها في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن جواز الجمع عنده متعلق بالإمام؛ لأن للإمام تأثيرًا في
стр. 1073
تغيير الفرض، كمصلي الجمعة مع الإمام، يسقط عنه فرض الظهر.
وأيضًا: قال النبي ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهو ﷺ جمع بينهما بإمام، فصار الإمام شرطًا في الجمع.
* قال: (وأما في قول أبي يوسف ومحمد فيصليهما في رحله، كما يصليهما مع الإمام).
وذلك لأن علة الجمع عندهما هو الوقوف، ليتصل ولا ينقطع بفعل العصر.
* قال: (ويجمع الإمام بين هاتين الصلاتين بأذان وإقامتين).
وكذلك روي عن النبي ﷺ .
* قال: (ثم يقف بعرفة، وكل عرفة موقف إلا عرنة، فاجتهد في الدعاء إلى الغروب).
لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة".
стр. 1074
ودفع النبي ﷺ من عرفة بعد غروب الشمس.
[الدفع إلى مزدلفة، وجمع المغرب والعشاء فيها تأخيرًا]
قال: (ثم ادفع إلى مزدلفة، فصل بها المغرب والعشاء، ثم انزل منها حيث أحببت، وكلها موقف إلا بطن محسر).
لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ومزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن محسر".
* قال: (وإن صلاهما دونها: لم يجزه في قول أبي حنيفة ومحمد).
لقول النبي ﷺ حين قال له أسامة بن زيد ﵁ قبل بلوغه مزدلفة: الصلاة يا رسول الله! قال: "الصلاة أمامك".
* (وقال أبو يوسف: يجزيه)؛ لأن التأخير رخصة.
[مسألة:]
قال: (ويجمع الإمام بين هاتين الصلاتين بأذان وإقامة).
стр. 1075
كذلك روي عن النبي ﷺ .
[الدفع إلى منى قبل طلوع الشمس]
قال: (فإذا أصبح وصلى الفجر، وقف عند المشعر الحرام، ودعا، ثم دفع قبل طلوع الشمس إلى منى).
لما روي عن النبي ﷺ "أنه صلى الفجر يومئذ بغلس، ودعا، ثم لما أسفر دفع قبل طلوع الشمس".
[رمي جمرة العقبة]
(فإذا أتى منى، بدأ بجمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات، مثل حصى الخذف).
لأن النبي ﷺ كذلك فعل، وقال: "ارموا بمثل حصى الخذف".
* (وكبر مع كل حصاة)
كذلك روي عن النبي ﷺ .
* قال: (ويقطع التلبية مع أول حصاة).
لما "روى الفضل بن العباس ﵄ وكان رديف النبي
стр. 1076
صلى الله عليه وسلم من مزدلفة إلى منى: أنه قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة".
* قال أبو بكر أحمد: المعتمر يقطع التلبية عند استلام الحجر للطواف، والحاج عند أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة، والذي يفسد حجة بجماع كذلك، والذي يفوته الحج يقطعها عند استلام الحجر للطواف كالمعتمر، والمحصر يقطعها إذا ذبح عنه الهدي، وحل.
[التحلل الأصغر بالذبح والحلق]
قال: (فإن كان معه هدي: نحره، ثم حلق أو قصر).
لأن الحلق مؤخر عن الذبح، قال الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾.
قال: (ثم قد حل له كل شيء إلا النساء).
وذلك لما روت عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت".
ولأنهم لا يختلفون أنه يحل له اللبس، فكذلك الصيد والطيب.
стр. 1077
[طواف الإفاضة (الزيارة) والتحلل الأكبر]
قال: (ثم يأتي البيت، فيطوف به سبعة أشواط لا يرمل فيهن، ولا يسعى بين الصفا والمروة معهن، وهو طواف الزيارة).
قال أبو بكر: إذا كان قد قدم السعي بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم للحج، فإن لم يكن سعى حينئذ: فإنه يرمل في طواف الزيارة، ويسعى.
قال: (وإذا فعل ذلك، فقد حل له النساء، ثم يركع ركعتين)، وهما ركعتا الطواف.
[العودة إلى منى والمبيت فيها]
(ثم رجع إلى منى، فبات بها).
وذلك لأن النبي ﷺ بات هو وأصحابه ﵃ بها، ورخص للعباس ﵁ في البيتوتة بمكة، لأجل السقاية.
وكان عمر ﵁ يمنع الناس أن يبيتوا دون العقبة.
[رمي اليوم الأول من أيام التشريق]
قال: (فإذا أصبح، وزالت الشمس، رمى الجمرة الأولى بسبع حصيات، ووقف عندها فدعا، ثم رمى الوسطى كذلك، ووقف ودعا،
стр. 1078
ثم رمى جمرة العقبة كذلك، ولم يقف عندها).
قال أبو بكر: وكل جمرة بعدها أخرى: وقف عليها، وكل جمرة ليس بعدها إلا الانصراف: لم يقف عندها، وكذلك روي في الآثار.
وهذا الدعاء هو الذكر المأمور به –والله أعلم- في قوله جل وعلا: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾.
[رمي اليوم الثاني من أيام التشريق]
قال: (ويبيت بمنى، فإذا أصبح وزالت الشمس، رمى الجمرات الثلاث كما رمى بالأمس).
لما روي عن النبي ﷺ فيه.
[النفر من منى متعجلًا أو متأخرًا]
قال: (فإن أحب أن يتعجل: خرج قبل الغروب من منى، وإن غربت الشمس وهو بمنى، فالأفضل أن يقيم إلى النفر الآخر، فإن لم يفعل، ونفر فيما بينه وبين طلوع الفجر: فلا شيء عليه).
فأما تعجيل النفر، فالأصل فيه قول الله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين
стр. 1079
فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه).
وقال النبي ﷺ : "أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه".
* وأما إذا بقي هناك إلى الغروب، فإن محمدًا قال في الزيادات: أكره له أن ينفر حتى يصبح، فيرمي جمرة ذلك اليوم، وذلك لأن الكون هناك ليلًا، إنما يكون قربة لأجل الرمي المفعول في اليوم الذي يليه، ألا ترى أنه إذا لم ينو الرمي: لم تكن البيتوتة هناك قربة، فإذا قضى هناك ليلًا، فكأنه قد اختار اليوم الثالث، فيكره له تركه.
وإن نفر: جاز؛ لأن الليل في باب الرمي: في حكم اليوم الذي قبله، ألا ترى أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلًا، وأن
стр. 1080
من أخر الرمي إلى الليل: لم يلزمه شيء عند من يرى التأخير نقصًا.
قال: (وإن طلع الفجر قبل أن ينفر: فقد وجبت عليه الإقامة إلى النفر الآخر).
لأنه قد تأخر إلى اليوم الثالث، وإنما أبيح ترك الرمي لمن عجل النفر.
* فإن رمى في اليوم الثالث قبل الزوال: أجزأه في قول أبي حنيفة، لأنه وقت الرمي، والدليل عليه أن وجوبه متعلق بكونه هناك وقت طلوع الفجر، ومحال أن يكون وقتًا للوجوب، ولا يجوز فيه الفعل.
[طواف الوداع (الصدر)]
قال: (ثم يخرج إلى مكة، فيأتي بالبيت، فيطوف به سبعًا، وهو طواف الصدر).
لقول النبي ﷺ : "من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف".
* قال: (ولا ينبغي له أن يقدم ثقله).
قال أبو بكر أحمد: يعني قبل النفر، روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من قدم ثقله: فلا حج له".
стр. 1081
ولأن في تقديم ثقله شغل فكره عن استيفاء ما يفعله من النسك.
ومعنى آخر: وهو أنه يروى عن النبي ﷺ أنه لما سأله قوم من الأنصار أن ينزل عندهم حين قدم المدينة، وقد كان أبو أيوب ﵁ أخذ رحله وحوله إلى منزله، قال النبي ﷺ : "المرء حيث رحله".
فإذا قدم ثقله، فكأنه قد نفر، وصار إلى حيث ثقله قبل وقت النفر.
[النزول بالأبطح]
قال: (ولا بأس أن ينزل الأبطح، فيقيم بها ساعة قبل أن يمضي إلى مكة لطوافه لوداعه).
لما روي عن النبي ﷺ أنه نزل بالأبطح، ثم رحل منه.
[جواز ترك الحائض لطواف الوداع]
قال: (وللحائض أن تترك طواف الصدر، وتخرج ولا شيء عليها).
لما روي عن النبي ﷺ أنه أمر صفية ﵂ أن تنفر قبل أن تطوف للصدر، ولم يوجب عليها شيئًا.
стр. 1082
[وجوب الدم على من لم يطف للوداع]
(ومن ترك طواف الصدر سوى الحائض والنفساء حتى رجع إلى أهله: فعليه دم).
لأنه واجب عندنا كالسعي والرمي ونحوهما؛ لأمر النبي ﷺ به.
* (والدم يذبح بمكة)
لا يجزيه في غيرها، والأصل فيه أن كل دم تعلق وجوبه بالإحرام: لم يجز ذبحه إلا بمكة، لقول الله تعالى: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾، ولقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾.
ولاتفاق الفقهاء على أن هدي جزاء الصيد والمتعة لا يجزيان إلا في الحرم.
والمعنى فيه أن وجوبه متعلق بالإحرام، وكذلك كل هدي هذا وصفه.
[مسألة:]
قال: (ومن ترك الطواف للزيارة، وطاف طواف الصدر: أجزأه من طواف الزيارة، وكان عليه دم لطواف الصدر).
стр. 1083
وذلك لأن فعل طواف الزيارة مستحق عليه بالإحرام، كما استحق عليه فعل الركعة الأولى من الظهر قبل الثانية بالتحريمة، فلا يقع إلا عن المستحق، وإن نوى غيره لم يكن لنيته تأثير.
[حكم من لم يطف للإفاضة ولا للوداع]
قال: (ومن لم يطف طواف الزيارة، ولا طواف الصدر، حتى رجع إلى أهله: كان حرامًا أبدًا، حتى يرجع فيطوف للزيارة).
قال أبو بكر أحمد: يعني أنه حرام من النساء، فأما من غيرهن فلا، وقد بيناه فيما سلف.
[مسألة:]
قال: (والقارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين).
وذلك لقول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)، والطواف والسعي لكل واحد منهما على الانفراد من إتمامهما، بدلالة أن المنفرد لكل واحد منهما يلزمه إفراد الطواف والسعي له، وإذا صح أنهما من إتمامهما بحال: لزمه فعلهما بعموم اللفظ، ولا يجوز إسقاطه إلا بدلالة.
وأيضًا: روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه طاف لهما طوافين، وسعى سعيين، وقال: "هكذا رأيت النبي ﷺ فعل".
стр. 1084
وقال النبي ﷺ : "خذوا عني مناسككم".
فوجب بمجموعي الخبرين وجوب الطوافين والسعيين.
وما روي أن النبي ﷺ طاف لهما طوافًا واحدًا: فمعناه للقدوم، أو على صفة واحدة.
وأيضًا لا خلاف أن القارن يجوز له الحلق بعد الرمي والذبح، ولو كان طواف الزيارة نائبًا عن العمرة، لمنع الحلق قبله؛ لأن بقاء طواف العمرة يمنع الحلق.
[الذبح ثم الحلق]
قال: (فإذا كان يوم النحر ورمى: ذبح الهدي الذي لقرانه إن كان يجد، ثم حلق).
لقول الله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾، وقال: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، وهو عموم في سائر الهدايا التي معها حلق.
(فإن لم يجد الهدي: صام ثلاثة أيام، آخرها يوم عرفة).
стр. 1085
لقول الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، ويكون آخرها يوم عرفة؛ لأنه لا يجوز أن يصوم يوم النحر وأيام التشريق؛ لنهي النبي ﷺ عن صوم هذه الأيام.
ولم يختلفوا أنه لا يصوم يوم النحر، فكذلك أيام التشريق؛ لأن النهي قد ورد في الجميع.
وكما لا يجوز صوم هذه الأيام من قضاء شهر رمضان، ومن سائر الصيام الواجب، كذلك صوم المتعة.
[مسألة:]
قال: (ومن اعتمر في غير أشهر الحج، وطاف أكثر طواف عمرته في أشهر الحج، ثم حج من عامه، وليس من أهل مكة: فهو متمتع).
لأن حكم الأكثر حكم الكل في باب الجواز، وكذلك قالوا: إن من طاف أربعة أشواط لعمرته، ثم جامع، لم تفسد عمرته، وكذلك لو طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة، وترك الباقي حتى رجع: أنه يجزئه دم لما بقي منه.
والأصل في ذلك كله: أن فرائض الحج ثلاثة أشياء: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، ثم قام الأكثر منها مقام الكل في باب
стр. 1086
الجواز، والامتناع من ورود الفساد عليه بعده.
ألا ترى أنه لو جامع بعد الوقوف بعرفة: لم يفسد عليه حجه مع بقاء طواف الزيارة، فصار ذلك أصلًا في أن كل ما تعلق بالإحرام من الأفعال: فحكم أكثره حكم جميعه في باب الجواز، وامتناع ورود الفساد عليه.
[مسألة:]
قال: (وإذا توجه القارن إلى عرفة قبل أن يطوف لعمرته، فإن أبا حنيفة كان يقول: قد صار بذلك رافضًا لعمرته حين توجه، وعليه لرفضها دم، وعمرة مكانها، ويمضي في حجته.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون رافضًا لعمرته حتى يقف بعرفة لحجته بعد زوال الشمس).
قال أبو بكر أحمد: هذا الخلاف الذي ذكره لا نعرفه، وإنما نعرف عن أبي حنيفة فيها روايتين: فأما في رواية "الجامع الصغير"، و"الأصل"، فإنه لا يكون رافضًا بالتوجه، حتى يقف بعرفه بعد الزوال.
وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يكون رافضًا بالتوجه.
ووجه رواية الأصل التي لا تجعله رافضًا فيها: أن توجهه إلى عرفات ليس بنسك في نفسه، فهو كتوجهه إلى سائر الآفاق، وإنما الذي ينافي بقاء إحرام العمرة، حصول فعل الحج، وليس التوجه من أفعال الحج.
стр. 1087
والفصل بينه وبين من توجه إلى الجمعة بعد ما صلى الظهر: أن التوجه إلى الجمعة فرض من فروضها، لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، فصار كدخوله فيها في باب انتقاض الظهر به.
وفصل آخر: وهو أن الإحرام أكد في باب البقاء من الصلاة، والدليل عليه أن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها، وترك بعض فروض الإحرام لا يفسده، ألا ترى أنه لو لبس، أو تطيب، أو اصطاد: لم يفسد إحرامه، ولو تكلم أو أكل في الصلاة، فسدت صلاته.
ووجه الرواية الأخرى: أن الرفض قد يقع عنده بما لا يكون نسكًا في نفسه، ألا ترى أن من قوله: إن من أحرم بحجتين، ثم سار: كان بنفس السير رافضًا لإحداهما.
[مسألة:]
قال: (وإذا دخلت المرأة مكة معتمرة، وهي تريد الحج بعد العمرة، أو دخلتها قارنة، فحاضت قبل أن تطوف للعمرة: رفضت العمرة، وكان عليها لرفضها دم، وعمرة مكانها، ومضت في حجها إن كانت قارنة، أو أحرمت بالحج ومضت فيه).
وذلك لأن الوقوف بعرفة ينافي بقاء العمرة، ما لم تكن قد تمت قبل ذلك، والدليل على ذلك أن عائشة ﵂ كانت محرمة بعمرة، فحاضت قبل أن تطوف، فأمرها النبي ﷺ أن تنقض
стр. 1088
رأسها، وترفض العمرة، وتهل بالحج.
فلو كان الوقوف بعرفه يجامعه بقاء العمرة، لما أمرها ﷺ برفضها، ومن أجل ذلك قلنا إن القارن إذا وقف بعرفة قبل أن يطوف للعمرة، صار رافضًا لها.
وإنما وجب عليها دم لرفض العمرة؛ لأن كل من حل من إحرامه بغير طواف: فعليه دم، والأصل فيه المحصر.
وعليها القضاء؛ لأنها قد لزمتها العمرة في ذمتها.
[مسألة: لو جامع زوجته الحاجة قبل عرفات]
قال: (وإذا جامع الحاج امرأته الحاجة قبل الوقوف بعرفة، فسد حجهما، مطاوعة كانت أو مكرهه، وعليهما قضاء الحج، ودم على كل واحد منهما، ولا يتفرقان إذا عادا للقضاء).
أما فساد الحج في حال الطوع: فلا خلاف فيه، وروي نحوه عن عمر، وجماعة من الصحابة ﵃.
стр. 1089
ولا يختلف حكم الطوع والإكراه عندنا؛ لأن الأشياء المحظورة في الإحرام، لا يختلف فيها حكم المعذور وغيره، ألا ترى أنه لو حلق رأسه من أذى أو من غيره: لم يخل من وجوب الفدية، وكذلك اللابس والمتطيب، وكذلك الصيد إذا أصيب عمدًا أو خطأ.
ويدل على صحة هذا الأصل: أنه لا فرق بين أن يفوته الحج بقصد منه إلى ذلك، أو بعذر فيما تعلق به من الحكم.
* وعلى كل واحد منهما دم؛ لأنه جامع وهو محرم.
* ولا يفترقان؛ لأن الفرقة ليست بنسك في الابتداء قبل الجماع.
[مسألة: لو جامعها بعرفة بعد الزوال]
قال: (فإن جامع بعد ما وقف بعرفة بعد الزوال: فعليه بدنة، وعلى المرأة بدنة، ويمضيان في حجهما ولا يفسد).
وذلك لقول النبي ﷺ : "من أدرك عرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه".
ولفظ: "الإتمام": يطلق على أحد وجهين:
стр. 1090
إما لاستيفاء كمال الأفعال، أو لانتفاء ورود الفساد عليه، فلما لم يرد بقوله: "من أدرك عرفة ليلا": استيفاء فروضه، علمنا أنه أراد نفي ورود الفساد عليه.
وأيضا: فقد وافقنا المخالف على أن جماعه بعد رمي الجمار: لا يفسد عليه حجه، ومعلوم أن الرمي من توابع الحج، لا يتعلق به حكم الفساد، فدل على أنه إنما لم يفسد؛ لأجل حصول الوقوف.
*وعلى كل واحد منهما بدنة؛ لأن كل من يفسد حجه أوجب بدنة.
*ولا ترجع عليه بشيء لإكراهه، من قبل أن حصول المتعة لها بالجماع، هو الذي ألزمها ذلك، فلا ترجع به عليه، ألا ترى أنه لو حبسها حتى فاتها الحج: لم ترجع عليه بنفقة الحج التي أنفقها، وكذلك إذا جامعها مكرهة قبل الوقوف، لا ترجع عليه بنفقة الطريق، فكذلك دم الجماع.
*قال أبو بكر أحمد: والبدنة لا تجب الإحرام في موضعين:
أحدهما: الجماع الذي يكون من الحاج بعد الوقوف بعرفة، وهو أول جماع يكون منه، ولو جامع ثانيا، لم تلزمه له بدنة، وإنما تلزمه شاة.
والموضع الآخر: إذا طاف للزيارة جنبا، ورجع إلى أهله قبل أن يعيد، فتكون عليه بدنة.
следующие страницы →