← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الجواز، والامتناع من ورود الفساد عليه بعده. ألا ترى أنه لو جامع بعد الوقوف بعرفة: لم يفسد عليه حجه مع بقاء طواف الزيارة، فصار ذلك أصلًا في أن كل ما تعلق بالإحرام من الأفعال: فحكم أكثره حكم جميعه في باب الجواز، وامتناع ورود الفساد عليه. [مسألة:] قال: (وإذا توجه القارن إلى عرفة قبل أن يطوف لعمرته، فإن أبا حنيفة كان يقول: قد صار بذلك رافضًا لعمرته حين توجه، وعليه لرفضها دم، وعمرة مكانها، ويمضي في حجته. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون رافضًا لعمرته حتى يقف بعرفة لحجته بعد زوال الشمس). قال أبو بكر أحمد: هذا الخلاف الذي ذكره لا نعرفه، وإنما نعرف عن أبي حنيفة فيها روايتين: فأما في رواية "الجامع الصغير"، و"الأصل"، فإنه لا يكون رافضًا بالتوجه، حتى يقف بعرفه بعد الزوال. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يكون رافضًا بالتوجه. ووجه رواية الأصل التي لا تجعله رافضًا فيها: أن توجهه إلى عرفات ليس بنسك في نفسه، فهو كتوجهه إلى سائر الآفاق، وإنما الذي ينافي بقاء إحرام العمرة، حصول فعل الحج، وليس التوجه من أفعال الحج.

стр. 1087

والفصل بينه وبين من توجه إلى الجمعة بعد ما صلى الظهر: أن التوجه إلى الجمعة فرض من فروضها، لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، فصار كدخوله فيها في باب انتقاض الظهر به. وفصل آخر: وهو أن الإحرام أكد في باب البقاء من الصلاة، والدليل عليه أن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها، وترك بعض فروض الإحرام لا يفسده، ألا ترى أنه لو لبس، أو تطيب، أو اصطاد: لم يفسد إحرامه، ولو تكلم أو أكل في الصلاة، فسدت صلاته. ووجه الرواية الأخرى: أن الرفض قد يقع عنده بما لا يكون نسكًا في نفسه، ألا ترى أن من قوله: إن من أحرم بحجتين، ثم سار: كان بنفس السير رافضًا لإحداهما. [مسألة:] قال: (وإذا دخلت المرأة مكة معتمرة، وهي تريد الحج بعد العمرة، أو دخلتها قارنة، فحاضت قبل أن تطوف للعمرة: رفضت العمرة، وكان عليها لرفضها دم، وعمرة مكانها، ومضت في حجها إن كانت قارنة، أو أحرمت بالحج ومضت فيه). وذلك لأن الوقوف بعرفة ينافي بقاء العمرة، ما لم تكن قد تمت قبل ذلك، والدليل على ذلك أن عائشة ﵂ كانت محرمة بعمرة، فحاضت قبل أن تطوف، فأمرها النبي ﷺ أن تنقض

стр. 1088

رأسها، وترفض العمرة، وتهل بالحج. فلو كان الوقوف بعرفه يجامعه بقاء العمرة، لما أمرها ﷺ برفضها، ومن أجل ذلك قلنا إن القارن إذا وقف بعرفة قبل أن يطوف للعمرة، صار رافضًا لها. وإنما وجب عليها دم لرفض العمرة؛ لأن كل من حل من إحرامه بغير طواف: فعليه دم، والأصل فيه المحصر. وعليها القضاء؛ لأنها قد لزمتها العمرة في ذمتها. [مسألة: لو جامع زوجته الحاجة قبل عرفات] قال: (وإذا جامع الحاج امرأته الحاجة قبل الوقوف بعرفة، فسد حجهما، مطاوعة كانت أو مكرهه، وعليهما قضاء الحج، ودم على كل واحد منهما، ولا يتفرقان إذا عادا للقضاء). أما فساد الحج في حال الطوع: فلا خلاف فيه، وروي نحوه عن عمر، وجماعة من الصحابة ﵃.

стр. 1089

ولا يختلف حكم الطوع والإكراه عندنا؛ لأن الأشياء المحظورة في الإحرام، لا يختلف فيها حكم المعذور وغيره، ألا ترى أنه لو حلق رأسه من أذى أو من غيره: لم يخل من وجوب الفدية، وكذلك اللابس والمتطيب، وكذلك الصيد إذا أصيب عمدًا أو خطأ. ويدل على صحة هذا الأصل: أنه لا فرق بين أن يفوته الحج بقصد منه إلى ذلك، أو بعذر فيما تعلق به من الحكم. * وعلى كل واحد منهما دم؛ لأنه جامع وهو محرم. * ولا يفترقان؛ لأن الفرقة ليست بنسك في الابتداء قبل الجماع. [مسألة: لو جامعها بعرفة بعد الزوال] قال: (فإن جامع بعد ما وقف بعرفة بعد الزوال: فعليه بدنة، وعلى المرأة بدنة، ويمضيان في حجهما ولا يفسد). وذلك لقول النبي ﷺ : "من أدرك عرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه". ولفظ: "الإتمام": يطلق على أحد وجهين:

стр. 1090

إما لاستيفاء كمال الأفعال، أو لانتفاء ورود الفساد عليه، فلما لم يرد بقوله: "من أدرك عرفة ليلا": استيفاء فروضه، علمنا أنه أراد نفي ورود الفساد عليه. وأيضا: فقد وافقنا المخالف على أن جماعه بعد رمي الجمار: لا يفسد عليه حجه، ومعلوم أن الرمي من توابع الحج، لا يتعلق به حكم الفساد، فدل على أنه إنما لم يفسد؛ لأجل حصول الوقوف. *وعلى كل واحد منهما بدنة؛ لأن كل من يفسد حجه أوجب بدنة. *ولا ترجع عليه بشيء لإكراهه، من قبل أن حصول المتعة لها بالجماع، هو الذي ألزمها ذلك، فلا ترجع به عليه، ألا ترى أنه لو حبسها حتى فاتها الحج: لم ترجع عليه بنفقة الحج التي أنفقها، وكذلك إذا جامعها مكرهة قبل الوقوف، لا ترجع عليه بنفقة الطريق، فكذلك دم الجماع. *قال أبو بكر أحمد: والبدنة لا تجب الإحرام في موضعين: أحدهما: الجماع الذي يكون من الحاج بعد الوقوف بعرفة، وهو أول جماع يكون منه، ولو جامع ثانيا، لم تلزمه له بدنة، وإنما تلزمه شاة. والموضع الآخر: إذا طاف للزيارة جنبا، ورجع إلى أهله قبل أن يعيد، فتكون عليه بدنة.

стр. 1091

وإنما أوجبنا البدنة بالجماع في مسألتنا؛ لأن الناس فيه على قولين: منهم من يفسد حجه، ويوجب بدنة، ومنهم من لا يفسده، ويوجب بدنة، وكل من أفسد حجه، ومن لم يفسد حجه يوجب بدنة. فلما ثبت عندنا جواز حجه، وجبت البدنة بالإجماع، وروي نحوه عن ابن عباس ﵄. [مسألة: جامع قبل عرفة] قال: (ومن جامع في حجة مرارا قبل وقوفه بعرفة، فإن كان ذلك في موطن واحد: فعليه دم واحد، وإن كان في مواطن كثيرة: فعليه لكل موطن دم. وقال محمد: عليه دم واحد ما لم يهد، فإن أهدى، ثم جامع: فعليه دم آخر).

стр. 1092

لأبي حنيفة: أن الجماع الواحد، وإن حصل فيه إيلاج كثير لا يوجب بالاتفاق إلا دما واحدا، والمعنى فيه حصول الجميع في مجلس واحد، فوجب أن يكون كذلك حكم الجماعين والثلاثة؛ لوقوع الجميع في مجس واحد، وإن كان كل واحد لو انفرد: أوجب دما، كما أن الإيلاج لو انفرد أوجب دما، ثم إذا جمع الكثير في مجلس واحد: لم يجب إلا دم واحد. وإذا كان كذلك في مجالس مختلفة: وجب لكل جماع دم، من قبل أن كل جماع قد صادف إحراما هو محظور فيه في مجلس لم يقع فيه جماع غيره، فكان كمن أهدى، ثم عاد. *وجعله محمد ككفارة شهر رمضان، أنها لا تجب ثانيا بإفطار آخر، حتى يكفر له. والفصل بينهما عند أبي حنيفة: أن كفارة شهر رمضان مما تسقطه الشبهة، ولا توجب على المعذور، وكفارات الإحرام تثبت مع الشبهة والعذر. [مسألة: قبل زوجته وهو محرم] قال: (وإذا قبل امرأته، وأنزل أو لم ينزل: فعليه دم، ولا يفسد إحرامه). وذلك لأن فساد الإحرام مخصوص بالجماع، والدليل عليه أن اللبس والطيب لا يفسدانه، وما كان مخصوصا بالجماع، فإنما يتعلق الحكم فيه بالجماع في الفرج.

стр. 1093

والدليل عليه الزنى والإحصان ونحوهما. ويجب دم؛ لحصول المنفعة بما يحظره الإحرام كاللبس والطيب.

стр. 1094

باب ما يجتنبه المحرم [محظورات الإحرام]: قال أبو جعفر: (ومن أحرم من الرجال لم يتطيب، ولم يلبس ثوبا مصبوغا بورس، ولا زعفران، ولا بعصفر، ولا قميصا، ولا قباء، ولا برنسا، ولا سراويل، ولا خفين). أما الطيب؛ فلما روى يعلى بن منية ﵁ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وعليه جبة، وهو متضمخ بخلوق، فسأله عما يصنع في عمرته، فقال له النبي ﷺ بعد ما أنزل عليه الوحي: "ما كنت تصنع في حجك؟ فقال: أنزع عني هذه الجبة، وأغسل عني هذا الطيب، فقال: "فاصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجك". وروى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يلبس المحرم القميص ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا الأقبية، ولا القلانس، ولا الخفاف، ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران، إلا

стр. 1095

أن يكون غسيلا". وقال ﷺ : "ومن لم يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين". وروي: "من لم يجد إزارا، فليلبس سراويل". وهذا عندنا على الوجه الذي أمر فيه بلبس الخفين بعد قطعهما أسفل من الكعبين، كذلك السراويل يتزر بها من غير أن يشتمل عليها بخياطتها أو يضيقها. وأما تغطية الرأس والوجه، فلنهي النبي ﷺ عن لبس العمائم. وقال في المحرم الذي مات حين بقي له حكم إحرامه: "لا تغطوا وجهه ولا رأسه". وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إحرام المرأة في وجهها"، والرجل بذلك أولى؛ لأن المرأة أخف حكما في اللبس

стр. 1096

من الرجل. وجملة الأمر في اللبس عندنا: أنه لا ينبغي له أن يلبس ما يشتمل عليه بخياطة. [النهي عن قتل الصيد، والجماع، وجز الشعر، وقلم الظفر] *قال: (ولا يقتل صيدا من صيد البر). لقول الله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وقال: ﴿وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما﴾. * (ولا يجامع). لقول الله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾، والرفث: الجماع. *قال: (ولا يجز شعره، ولا يقلم ظفره). وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾، وقال

стр. 1097

تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾: يعني الذبح. [النهي عن الدهن، وعقد النكاح، وقطع شجر المحرم] * (ولا يدهن بدهن مطيب ولا غيره). لأن الدهن في نفسه طيب. * (ولا بأس بأن يتزوج، ولا يطأ). وقد بينا ذلك في النكاح. * (ولا يقطع من شجر الحرم إلا الإذخر). لقول النبي ﷺ : "لا يختلى بخلاها، ولا يعضد شجرها، فقال العباس: إلا الإذخر. فقال: إلا الإذخر". * (وكذلك الحلال في شجر الحرم بهذه المنزلة). لأن النبي ﷺ لم يخص المحرم. [ما تجتنبه المرأة في إحرامها] قال: (والنساء كالرجال في اجتناب الطيب)، ولا خلاف فيه نعلمه.

стр. 1098

* (ويلبسن ما شئن من اللباس، ولا يغطين وجوههن، وليسدلن عليها، ويجافين عنها). وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس إحرام المرأة إلا في وجهها". حدثنا بذلك عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن يونس بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: حدثنا أيوب بن محمد أبو الجمل عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها". وفي حديث نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "ولا تنتقب المرأة الحرام". *قال: (ولا بأس بأن تغطي المرأة فاها في إحرامها، إلا في الصلاة فإنها لا تغطيه فيها). وهذا ينبغي أن يكون على سبيل سدل الخمار، لا على جهة النقاب، لأنه لا ينبغي لها أن تنتقب. ويكره تغطية الفم في الصلاة، لما روي عن النبي ﷺ فيه.

стр. 1099

[إذا لبس المحرم القميص ونحوه] قال: (وإن لبس المحرم قميصا أو نحوه يوما كاملا من غير ضرورة: فعليه دم، لا يجزئه غير ذلك). وذلك لأنه متعد فيه، بمنزلة المتطيب، وحالق الرأس من غير أذى. وإنما اعتبر لبسه يوما كاملا؛ لأنه اللبس المعتاد، ألا ترى أن في العادة أن يغير اللبس بالليل. *قال: (فإن لبسه من ضرورة: فعليه أي الكفارات شاء: إن شاء ذبح شاة، وإن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء تصدق على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من شعير). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والدقة ثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين". وفي خبر آخر: "ستة آصع من تمر على ستة مساكين".

стр. 1100

* (ولا يجزئ النسك إلا في الحرم). وذلك لنما بيناه من أنه دم متعلق بالإحرام). [لو حلق المحرم شعر رأسه، أو بعضه] قال: (وإذا حلق رأسه من غير ضرورة: فعليه دم لا يجزئه غيره). لما بينا. (وإن كان من ضرورة: فعليه أي الكفارات شاء)؛ للآية. *قال: (وكذلك لو حلق ربع رأسه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يجب عليه دم حتى يحلق أكثر رأسه، فيجب دم). قال أبو بكر أحمد: الرواية المشهورة عنهم جميعا أن عليه في حلق الربع دما. وروي عن أبي يوسف وحده في غير الأصول: أن الدم لا يجب حتى يحلق أكثر رأسه. *وأما اعتبار الربع؛ فلأن الربع قد تعلق به الحكم في الرأس في باب جواز مسحه، فصار في حكم الكل من هذا الوجه.

стр. 1101

ولأن الربع قد ثبت حكمه أيضا في باب كشف المرأة ربع رأسها، أو ساقها في الصلاة، بأنه يمنع جوازها، فكذلك في الحلق في الإحرام. ألا ترى أن حلق القليل لا يوجب دما، والكثير يوجبه، فاحتجنا إلى حد فاصل بينهما، فجعلوه الربع، كما في كشف المرأة ربع رأسها، أو ساقها في الصلاة. وقال أبو يوسف في كشف الساق والرأس: إنه لا يمنع الصلاة حتى يكون أكثر من النصف في إحدى الروايتين، فكذلك في الحلق. [لو حلق المحرم شاربه، مواضع المحاجم، أو شعر إبطه] قال: (وإن حلق شاربه: فعليه طعام). وذلك لأن الشارب تابع للحية، فهو كمن حلق أقل من ربع رأسه. *قال: (وإن حلق مواضع المحاجم: فعليه دم في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: عليه طعام). وذلك لأن العنق عضو كبير، لا نظير له في البدن، فأشبه الرأس، ومواضع المحاجم منه أكثر من الربع. ولا خلاف بينهم أنه لو حلق الرقبة كلها: كان عليه دم في قولهم جميعا.

стр. 1102

وأبو يوسف ومحمد جعلا الرقبة تابعة للرأس، فلا يجب في ربعها دم كالشارب. *قال: (وإن حلق إبطيه أو أحدهما: كان عليه دم). لأن الإبط عضو كامل، إلا أن له نظيرا في البدن، فإن حلقه كله: وجب دم، وإن حلق بعضه: لم يجب دم، لأنه عضو صغير، وله نظير في البدن. وإنما خص أبو حنيفة الرأس والرقبة، بأن جعل في ربع كل واحد منهما دما، لما وصفنا. [لو قص المحرم أظافره] (وإن قص أظافره كلها: فعليه دم، كذلك إن قص أظافر يد أو رجل: فعليه جم). وذلك لأنه قد أزال التفث عن عضو، إذ الجميع من جنس واحد، فلا يجب في الكل إلا ما يجب في العضو، ألا ترى أنه لو لبس قميصا وسراويل وخفين وعمامة، لم يجب عليه إلا دم واحد. *قال: (فإن قص خمسة أظافير من يدين أو رجلين، ففي قول أبي حنيفة وأبي يوسف عليه صدقة، وقال محمد: عليه دم). لأبي حنيفة: أن المبتغى بقص الأظفار النفع والزينة جميعا، وإنما حصل له النفع فيما قص من البدن دون الزينة، فلا يبلغ به دما. ومحمد اعتبر العدد.

стр. 1103

[لو قطع المحرم شجر الحرم] قال: (وفي شجر الحرم: قيمة يجزئ فيه الهدي والطعام، ولا يجزئ الصوم). وذلك لأن صيامه تعلق بحرمة الموضع، فأشبه حقوق الآدميين، فلا يجزئ من بدله إلا مال. * (ولا يحتش من حشيش الحرم، ولا يرعى في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يرعى ولا يحتش). لأبي حنيفة: قول النبي ﷺ : "ولا يختلى خلاها"، وهو يعم الأمرين جميعا. وأيضا: حين منع من إتلافه بالقطع، وجب أن يمنع بالرعي، كما أنه لما منه من قتل الصيد، منع أن يرسل عليه كلبا يقتله. *قال: (وشجر الحرم الذي نهي عنه هو: مما لا ينبته الناس من الحشيش وما أشبهه، إلا الإذخر، فإنه لا بأس به). قال أبو بكر أحمد: لا يضمن من شجر الحرم إلا ما نبت بنفسه، مما لا ينبته الناس، وما عداه لا يضمنه. ولا يضمن ما أنبته هو ثم قطعه؛ لأنه ماله بمنزلة متاعه وضيعته، فله

стр. 1104

[حكم أكل المحرم من الصيد] قال: (ولا يأكل المحرم من صيد البر ما تولى صيده، ولا ما تولى صيده من المحرمين غيره). وذلك لأن قتل المحرم الصيد لا يذكيه، وهو بمنزلة الميتة، لأنه حظر ذلك عليه من جهة الدين، كصيد المجوسية، والوثنية. * (لا بأس بأن يأكل مما صاده حلال). لحديث أبي قتادة، وغيره. *قال: (ولا بأس بأن يذبح ما بدا له من الأنعام). لأنه فيها كالحلال؛ إذ ليست يصيد.

стр. 1105

[حكم الاستظلال، والادهان بزيت] قال: (ولا بأس بأن يستظل راكبا ونازلا). كما لا بأس بأن يستظل ببيت. *قال: (ومن ادهن وهو محرم بزيت: كان عليه دم). وذلك لأن الزيت في نفسه طيب، ألا ترى أن المتطيب منه طيب بالاتفاق، وهو أنما اكتسب رائحة الطيب، كدهن البان والزئبق والورد ونحوه، ومعلوم أن الرائحة لا حكم لها، لأنه لو لبس رداء مبخرا بالعود والمسك، لم يلزمه لأجل الرائحة بشيء. قال أبو بكر أحمد: قال أبو يوسف ومحمد: عليه في الزيت صدقة. [حكم قتل المحرم للبراغيث والمقل] قال: (ولا بأس للمحرم بقتل البرغوث والنملة والبقة). لأنها ليست بصيد؛ لأن الصيد ما كان جنسه ممتنعا مستوحشا، وهذه الأشياء ليس بمتوحشة ولا ممتنعة.

стр. 1106

*قال: (وإن قتل قملة أطعم شيئا). وذلك لأن فيه إزالة التفث، لأن القمل بمنزلة الشعر؛ لأنها متولدة من بدن الإنسان. [حكم حلق المحرم شعر غيره] قال: (ومن حلق وهو محرم شعر رأس غيره، أو قص أظفار غيره: أطعم شيئا). وذلك لأنه منهي عن حلق شعر غيره، أو قص أظافير غيره، كما أ، هـ منهي عن قتل صيد غيره. وقال الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾، وهو ينتظم رأس نفسه ورأس غيره. ولا يجب دم؛ لأنه لم يحصل له به نفع ولا زينة.

стр. 1107

باب الفدية وجزاء الصيد [وجوب الدم بالدفع من عرفة قبل الغروب] قال أبو جعفر: (ومن وقف بعرفة من المحرمين بالحج، ودفع منها قبل الغروب: فعليه دم). قال أبو بكر أحمد: لا تفسد حجته، لقول النبي ﷺ : "من وقف بعرفة ليلا أو نهارا، فقد تم حجه". وعليه دم؛ لأنه ترك سنة الدفع؛ لأن من سنته الدفع بعد الإمام، أو معه. قال أبو جعفر: (وإن كان الإمام واقفا على حاله، ورجع فوقف معه ما بقي من الوقوف: فالدم عليه على حاله). قال أبو بكر أحمد: وهذا الجواب خلاف مذهبهم؛ لأن من مذهبهم

стр. 1108

أن الدم يسقط بعوده قبل دفع الإمام؛ لأنه قد فعل سنة الدفع، وقد رواه عنهم أبو الحسن الكرخي ﵀. مسألة: [فدية الصيد إذا قتله المحرم] قال أبو جعفر: (وإذا قتل المحرم صيدا: حكم عليه في ذلك ذوا عدل بقيمته، ثم إن شاء صرفها في هدي، وإن شاء اشترى بها طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع من بر، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما، وهو مخير فيه. وقال محمد: يحكم به ذوا عدل، فإن حكما بهدي: نظر إلى نظيره من النعم الذي يشبهه في المنظر، ولم ينظر إلى قيمته فيما له نظير. وما لا نظير له: فقيمته، ويشتري بالقيمة طعاما، ثم إن شاء أطعم، وإن شاء صام). قال: (وإن حكم الحكمان بالطعام أو الصيام، فعلى ما قال أبو حنيفة). قال أبو بكر أحمد: الخيار إلى القاتل في الهدي أو الطعام أو الصيام، وليس الخيار إلى الحكمين. وجه قول أبي حنيفة: أن قول الله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل نم النعم﴾:

стр. 1109

قد انتظم القيمة، لاتفاق الجميع على أن ما لا نظير له من النعم: فالواجب فيه بالقيمة، فإذا أريد به القيمة في بعض ما دخل في اللفظ، وجب أن يكون المراد بالجميع القيمة، لأنه لا يجوز أن يرادا جميعا بلفظ واحد. وأيضا: فإنا إذا حملناه على القيمة، كان اللفظ عاما في الجميع، والنظير يكون خاصا في البعض، وحمل اللفظ على معنى ينتظم العموم، أولى من حمله على معنى الخصوص. وأيضا: قال الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، فكان هذا المثل هو القيمة في حق الآدمي، فوجب أن يكون كذلك فيما يجب من حق الله. وأيضا: فإن القيمة أعدل من النظير من النعم، ألا ترى أن الظبي الذي قتله لو كان ملكا لآدمي، كان الذي يجب عليه للآدمي القيمة، وكانت القيمة في حق الآدمي أعدل من النظير، كان كذلك في حق الله. وقول الله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة﴾، فإن معناه: إن اختار الهدي بالقيمة الواجبة، لأنه خيره بينه وبين الطعام والصيام بقوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾.

стр. 1110

وقد قيل: إن فيه تقديما وتأخيرا، وأن تقديره: فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم. وهذا تمام الكلام، ثم قال: هديا بالغ الكعبة إن اختاره، أو طعاما، أو صياما. *قال: (وقتله للصيد عمدا أو خطأ سواء). وذلك لأن جنايات الإحرام لا يختلف حكمها في الخطأ والعمد، بدلالة الفوات. *قال: (وكلما قتل صيدا: حكم عليه كما ذكرنا). لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم﴾، ولم يفرق بين أول مرة وما بعدها. وقوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾: لا ينفي وجوب الجزاء؛ لأن أول الآية يوجبه، وآخرها يوجب الوعيد، ولا يمتنع اجتماع الوعيد والجزاء. مسألة: قال: (وإذا قتل المحرمان صيدا: كان على كل واحد منهما الجزاء).

стр. 1111

لقول الله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء﴾، و:"من": يتناول كل واحد من العقلاء بالحكم الذي علق به، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة﴾: يتناول كل واحد من القاتلين بإيجاب كفارة تامة. وأيضا: لما كان الجزاء كفارة فيها صوم لقوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾: أشبهت كفارة الخطأ. وليس الجزاء بمنزلة الدية؛ لأن الجزاء كفارة لا على وجه البدل، والدليل عليه أنه لو قتل صيدا لآدمي: لزمته القيمة للآدمي، والجزاء لله تعالى، فعلمنا أن وجوبها ليس على جهة البدل، إذ ليس يجوز أن يلزمه بدلان لشيء واحد. وليس ارتفاع الجزاء وانخفاضه بموجب أن يكون بدلا من الصيد؛ لأن كفارة الطيب والحلق وسائر الجنايات الواقعة في الإحرام، قد ترتفع وتنخفض، وليست ببدل، ألا ترى أنه لو طيب بعض عضو: وجبت عليه الصدقة، وكذلك لو حلق أقل من ربع رأسه، أو قلم بعض أظفار كفه.

стр. 1112

ولو طيب عضوا كاملا، أو حلق ربع رأسه، أو قلم أظافير كفه: كان عليه دم. مسألة: [مضاعفة الجزاءات على القارن] قال: (وإذا قتل القارن صيدا كان عليه جزاءان). لأنه محرم بشيئين، وكل واحد من الإحرامين يوجب جزاء إذا كان على وجه الكفارة. وليس مثل المحرم إذا قتل صيدا في الحرم، فيلزمه جزاء الإحرام دون الحرم؛ لأن جزاء الحرم يشبه ضمان الأموال، بدلالة أنه لا يجب به إلا حق في مال، فإذا ضمن من وجه، لم يجز أن يضمن من وجه آخر. * (وكذلك كل جناية وقعت منه في قرانه: فعليه كفارتان). [مسألة:] قال: (فإذا قتل الحلال صيدا في الحرم: كان عليه الجزاء، ولا يجزئه إلا الهدي أو الصدقة، ولا يجزئ فيه الصوم). لأن ضمانه لم يتعلق بمعنى في القاتل، وإنما تعلق بحرمة غيره، فأشبه إتلاف الأموال، فلا يجب إلا حق في مال.

стр. 1113

مسألة: [الإحصار من العدو، والمرض] قال: (والإحصار من العدو، والمرض سواء). لقول الله تعال: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، وقال أهل اللغة: يقال: أحصره المرض، وحصره العدو، فالذي في لفظ الآية: الإحصار من المرض. ومن جهة السنة: قول النبي ﷺ : "من كسر أو عرج، فقد حل، وعليه الحج من قابل". ولأن المعنى الذي من أجله جاز له الإحلال في الإحصار من العدو، هو موجود في المرض، وهو الحبس. *قال: (وثبت على إحرامه حتى ينحر عنه هدي في الحرم). وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾، فدل على معنيين:

стр. 1114

أحدهما: أنه لا يجوز الإحلال إلا بعد ذبح الهدي. والثاني: أن يكون الذبح في الحرم، وذلك لأن قوله: "حتى": غاية، ولو كان موضع الإحصار موضع ذبح الهدي، لم يكن يشرط فيه بلوغ غاية هي المحل. ويدل عليه قوله: ﴿فمن كان منكم﴾: يعني من المحصرين؛ لأن الكناية راجعة إليهم، ﴿أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، ولو جاز له أن يحل في الحل بذبح الهدي في موضعه، لما صح فيه هذا الحكم. ومعنى قوله تعالى: ﴿والهدى معكوفا أن يبلغ محله﴾: أن النبي ﷺ ساق الهدي للتطوع، فجعله للإحصار، فلم يبلغ المحل الذي له ساقه. وقد روي أن النبي ﷺ أعطى بدنة ناجية بن جندب الأسلمي ﵁ حتى أخذ بها في الشعاب والأودية، فنحرها في الحرم.

стр. 1115

[مسألة: قضاء المحصر ما عليه] قال: (وعليه قضاء ما حل عنه). لقوله ﷺ : "من كسر أو عرج، فقد حل، وعليه الحج من قابل". *قال: (فإن كان الذي حل منه عمرة: فعليه عمرة مكانها، وإن كان حجة: فعليه حجة وعمرة مكانها). وذلك إذا لم يحج في تلك السنة. فإن حج في تلك السنة: فعليه الحجة وحدها. وإن حج من قابل: كان عليه حجة وعمرة، وذلك لأنه إذا حج من قابل، فالحجة الأولى فائتة عن سنتها، والتي يفوته الحج يتحلل بفعل عمرة، فتلزمه العمرة التي تعلقت بالفوت. [مسألة: لا إحصار بمكة] قال: (ولا يكون الإحصار بمكة). قال أبو بكر أحمد: كل من أمكنه أن يتحلل من إحرامه بالطواف: لم يكن محصرا، ألا ترى أن الذي يفوته ليس بمحصر؛ لأنه يمكنه أن يتحلل بالطواف.

стр. 1116

*قال: (ولا يكون الحاج محصرا بعد ما يقف بعرفات). وذلك لأن الإحصار يوجب له الإحلال والقضاء، وبعد الوقوف لا يتعلق به وجوب القضاء بحال، ألا ترى أنه لا يجوز أن يلحقه الفساد بعد الوقوف بحال. [وقت ذبح هدي الإحصار] قال: (ويجوز ذبح هدي الإحصار قبل يوم النحر في قول أبي حنيفة). لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ ولأن الدم الذي يحل به قائم مقام الطواف الذي يلزمه بالفوت، ولا وقت لذلك الطواف، فكذلك الدم الذي يقوم مقامه في الإحلال. * (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه قبل يوم النحر). لأن الطواف الذي يحل به عند الفوات لا يجوز قبل يوم النحر. [ليس على المحصر حلق] قال: (وليس على المحصر حلق في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف فيما روى عنه محمد: يحلق رأسه، فإن لم يحلق: فلا

стр. 1117

شيء عليه، وقال أبو يوسف بعد ذلك في رواية ابن سماعة: لابد له من حلقه). لأبي حنيفة: أن الحلق نسك يختص بالإحرام من توابعه، فأشبه رمي الجمار والسعي ونحوه، وليس كالصدقة التي تلزم في الإحرام، ولا كالصوم؛ لأن الصوم والصدقة ليسا مختصين بالإحرام في كونهما قربة. [ما يفعله المحصر بالعمرة] قال: (ويفعل المحصر بالعمرة كما يفعل المحصر بالحج). لأن قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾: راجع إلى جميع المذكور، وهو قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. * (ولا وقت لنحر الهدي لها). كما لا وقت لأفعالها، والإحلال منها لو بلغ مكة. [حكم من فاته الحج] قال: (ومن فاته الحج: تحلل بعمل عمرة).

стр. 1118

روي ذلك عن جماعة من الصحابة، ولا نعلم فيه خلافا. * (والفوات يحصل بترك الوقوف بعرفة، حتى يطلع الفجر يوم النحر). لقول النبي ﷺ : "من أدرك عرفة ليلا أو نهارا، فقد تم حجه". وقال: "من فاتته عرفة، فقد فاته الحج". [حكم إحرام العبد والمرأة بغير إذن السيد والزوج] قال: (وإذا أحرم العبد بغير إذن المولى، أو المرأة بغير إذن زوجها سوى حجة الإسلام: فللمولى والزوج أن يحلاهما). وذلك لأن العبد متطوع بالحج، وهو لا يملك بذلك من نفسه؛ لأن المولى أملك به. وقال النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها".

стр. 1119

فإذا كانت ممنوعة من الصوم لحق الزوج: فالحج أولى بذلك. وإنما كان لهما أن يحلاهما في الحال؛ لأنه يجوز لنا تأخير حقهما في الحال بإحرام العبد والمرأة، ثم يكون الدم عليهما، أما العبد فحتى يعتق؛ لأنه لا يملك، والمرأة ففي الحال؛ لأن كل من حل من إحرامه بغير طواف: فعليه دم. * (وعليهما من القضاء ما على المحصر). [مسألة:] قال: (وليس للزوج أن يمنعها من حجة الإسلام إذا كان معها محرم). كما لا يمنعها من صلاة الفرض، وصيام شهر رمضان. [مسألة:] قال: (والفقير إذا حج: أجزأه عن حجة الإسلام). لأنه من أهل الخطاب بالحج؛ لأنه يملك منافع نفسه، إلا أنه لم يكلفه لعدم الاستطاعة، ومتى ما حصل هناك، صار مستطيعا، فلزمه فرض الحج. *والعبد إذا حج في الرق، ثم أتعق: لم يجزئه عن حجة الإسلام، وقد بينا ذلك فيما سلف.

стр. 1120

[الهدي وما يجزئ فيه] قال: (والهدي من الإبل والبقر والغنم). وذلك لأنه روي في تأويل قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾: أن أدناه شاة، ولا خلاف في ذلك. * (ويجزئ فيه ما يجزئ في الأضاحي). قال: (والبدن: من الإبل والبقر). قال أبو بكر أحمد: البدنة: اسم للجزور، والبقرة مثلها في الحكم؛ لأن النبي ﷺ أجاز ذبح البقرة عن سبعة، كما أجاز نحر البعير عن سبعة. [مسألة: حكم الأكل من الهدي] قال: (ولا يأكل من شيء من الهدايا إلا هدي المتعة والقران والتطوع إذا بلغه محله).

стр. 1121

أما هدي التطوع: فلا خلاف فيه إذا بلغ محله. وأما هدي المتعة: فلقول الله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾. وقال تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير* ثم ليقضوا تفثهم﴾. والهدي الذي تترتب عليه هذه الأفعال: هدي المتعة؛ لأن هدي المتعة التطوع وسائر الهدايا غير مؤقتة، وقد روي أن النبي ﷺ أكل من بدنة المتعة. [مسألة: إذا عطب الهدي قبل وصول لمحله] قال: (وكل هدي واجب عطب دون محله: فلصاحبه أن يفعل به ما شاء).

стр. 1122

وذلك لأنه خرج عن أن يكون من الواجب؛ لأن الواجب في ذمته كما كان، فكان بمنزلة من دخل في صلاة على أنها عليه، ثم بين أنها ليست عليه، فلا يلزمه إتمامها. *قال: (وإن عطب هدي التطوع دون محله: فإنه ينحره، ويغمس نعله في دمه، ويضرب بها صفحته، ويخلي بينه وبين الناس يأكلونه). قال أبو بكر أحمد: الأصل فيه: ما روي أن النبي بعث بدنة مع ناجية بن جندب الأسلمي ﵁، فقال: يا رسول الله! ما أصنع بما أبدع علي منها؟ فقال: "انحرها، واصبغ نعلها في دمها، وخل بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك". ووجه نهيه أن يأكل هو وأهل رفقته منه: أنهم أغنياء، وسبيله أن لا يأكل منه إلا الفقراء.

стр. 1123

باب خطب الحج (وفي الحج ثلاث خطب: إحداهن: قبل التروية بمكة بعد صلاة الظهر، خطبة واحدة، لا يجلس فيها. وخطبة يوم عرفة بعرفة بعد الزوال قبل الصلاة، وهي خطبتان يجلس بينهما جلسة خفيفة. قال أبو حنيفة ومحمد: يبتدئ الخطبة إذا فرغ المؤذنون من الأذان بين يديه، كخطبة الجمعة). قال: (وقال أبو يوسف: يخطب الإمام قبل الأذان، فإذا مضى من خطبته صدر، أذن المؤذنون. والخطبة الثالثة: بعد النحر بيوم بمنى، كالخطبة التي قبل التروية بيوم). *أما الخطبة الأولى: فليعلمهم الخروج إلى منى من غد ذلك اليوم؛ لأنهم يوم التروية يحتاجون أن يغدوا إلى منى. والثانية: خطبة يوم عرفة، ليعلم ما عليهم في غد، من الحلق والتقصير والرمي والطواف. والثالثة: بعد النحر بيوم، يعلمهم فيها النفر وطواف الصدر، ولا

стр. 1124

يحتاج يوم النحر إلى خطبة؛ لأنهم قد علموا ما يحتاجون إليه في خطبة يوم عرفة. وما روي أن النبي ﷺ خطب يوم النحر فإنما لم تكن من خطب الحج، وإنما كانت خطبة الوداع، علمهم فيها الأحكام، لما علم أنه لا يتفق مثله بعدها من الاجتماع والكثرة. *وخطبة يوم عرفة يجلس فيها كخطبة يوم الجمعة؛ لأنها مقدمة على صلاة الظهر، والظهر مفعول بعدها، كما يصلي بعد خطبة الجمعة. والخطبتان الأخريان لا يجلس فيهما؛ لأنهما للتعليم، وليس عقبيهما صلاة، فصارتا كسائر الخطب التي تخطب للحوادث، وتعليم الأحكام.

стр. 1125

باب الإشعار مسألة: [حكم الإشعار] قال أبو جعفر: (كان أبو حنيفة يكره الإشعار، وقال أبو يوسف ومحمد: الإشعار أحسن). لأبي حنيفة: أن الإشعار مثلة في غير الهدي، وليس بنسك في الهدي، لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إنما أشعرت علامة للبدن"، وإذا لم يكن نسكا: كان مثلة. وأيضا: روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن المثلة. وقيل: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا نهانا عن المثلة".
следующие страницы →