Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
أما هدي التطوع: فلا خلاف فيه إذا بلغ محله.
وأما هدي المتعة: فلقول الله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾.
وقال تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير* ثم ليقضوا تفثهم﴾.
والهدي الذي تترتب عليه هذه الأفعال: هدي المتعة؛ لأن هدي المتعة التطوع وسائر الهدايا غير مؤقتة، وقد روي أن النبي ﷺ أكل من بدنة المتعة.
[مسألة: إذا عطب الهدي قبل وصول لمحله]
قال: (وكل هدي واجب عطب دون محله: فلصاحبه أن يفعل به ما شاء).
стр. 1122
وذلك لأنه خرج عن أن يكون من الواجب؛ لأن الواجب في ذمته كما كان، فكان بمنزلة من دخل في صلاة على أنها عليه، ثم بين أنها ليست عليه، فلا يلزمه إتمامها.
*قال: (وإن عطب هدي التطوع دون محله: فإنه ينحره، ويغمس نعله في دمه، ويضرب بها صفحته، ويخلي بينه وبين الناس يأكلونه).
قال أبو بكر أحمد: الأصل فيه: ما روي أن النبي بعث بدنة مع ناجية بن جندب الأسلمي ﵁، فقال: يا رسول الله! ما أصنع بما أبدع علي منها؟ فقال: "انحرها، واصبغ نعلها في دمها، وخل بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك".
ووجه نهيه أن يأكل هو وأهل رفقته منه: أنهم أغنياء، وسبيله أن لا يأكل منه إلا الفقراء.
стр. 1123
باب خطب الحج
(وفي الحج ثلاث خطب:
إحداهن: قبل التروية بمكة بعد صلاة الظهر، خطبة واحدة، لا يجلس فيها.
وخطبة يوم عرفة بعرفة بعد الزوال قبل الصلاة، وهي خطبتان يجلس بينهما جلسة خفيفة. قال أبو حنيفة ومحمد: يبتدئ الخطبة إذا فرغ المؤذنون من الأذان بين يديه، كخطبة الجمعة).
قال: (وقال أبو يوسف: يخطب الإمام قبل الأذان، فإذا مضى من خطبته صدر، أذن المؤذنون.
والخطبة الثالثة: بعد النحر بيوم بمنى، كالخطبة التي قبل التروية بيوم).
*أما الخطبة الأولى: فليعلمهم الخروج إلى منى من غد ذلك اليوم؛ لأنهم يوم التروية يحتاجون أن يغدوا إلى منى.
والثانية: خطبة يوم عرفة، ليعلم ما عليهم في غد، من الحلق والتقصير والرمي والطواف.
والثالثة: بعد النحر بيوم، يعلمهم فيها النفر وطواف الصدر، ولا
стр. 1124
يحتاج يوم النحر إلى خطبة؛ لأنهم قد علموا ما يحتاجون إليه في خطبة يوم عرفة.
وما روي أن النبي ﷺ خطب يوم النحر فإنما لم تكن من خطب الحج، وإنما كانت خطبة الوداع، علمهم فيها الأحكام، لما علم أنه لا يتفق مثله بعدها من الاجتماع والكثرة.
*وخطبة يوم عرفة يجلس فيها كخطبة يوم الجمعة؛ لأنها مقدمة على صلاة الظهر، والظهر مفعول بعدها، كما يصلي بعد خطبة الجمعة.
والخطبتان الأخريان لا يجلس فيهما؛ لأنهما للتعليم، وليس عقبيهما صلاة، فصارتا كسائر الخطب التي تخطب للحوادث، وتعليم الأحكام.
стр. 1125
باب الإشعار
مسألة: [حكم الإشعار]
قال أبو جعفر: (كان أبو حنيفة يكره الإشعار، وقال أبو يوسف ومحمد: الإشعار أحسن).
لأبي حنيفة: أن الإشعار مثلة في غير الهدي، وليس بنسك في الهدي، لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إنما أشعرت علامة للبدن"، وإذا لم يكن نسكا: كان مثلة.
وأيضا: روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن المثلة.
وقيل: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا نهانا عن المثلة".
стр. 1126
فصار الإشعار مثلة محظورا بالنهي عن المثلة.
وما روي عن النبي ﷺ في الإشعار، فهو منسوخ بالنهي عن المثلة.
وأيضا: قد اتفقوا على أن سائر البدن من جزاء الصيد والإحصار وغيره لا تشعر، فوجب أن تكون كذلك بدنة المتعة والتطوع.
*قال: (ولا تشعر البدن عندهما في غير التطوع والقران والمتعة).
لأنه لم ترد السنة في غيرها.
[مسألة: تجليل الإبل والبقر]
قال: (ولا بأس بتجليل الإبل والبقر في قولهم جميعا).
قال أبو بكر أحمد: التجليل ليس بنسك، وإنما يوقي بها المحرم الحر والبرد.
стр. 1127
[مسألة: تقليد الإبل والبقر]
قال: (ولا بأس بتقليدها أيضا).
والتقليد: أن تجعل في رقبة كل واحد منهما عروة مزادة، أو نعلا جديدة، ثم يتصدق بذلك كله إذا نحرت.
قال أحمد: التقليد نسك، لما روي عن النبي من تقليد البدن، قال الله تعالى: ﴿ولا الهدى ولا القلائد﴾.
ويتصدق بذلك كله، لما روي عن النبي ﷺ "أنه أمر عليا ﵁ بأن يتصدق بحلال البدن وخطمها".
[كيفية الإشعار]
قال: (والإشعار في الجانب الأيسر من السنام).
وذلك لما روي فيه عن النبي ﷺ .
قال: (إلا أن تكون إبلا صعابا، يشعر بعضها في الجانب الأيمن، وبعضها في الجانب الأيسر، للمشقة في ذلك).
стр. 1128
وذلك أنه إذا كان علامة للبدن، جاز أن يعدل إلى الجانب الآخر إذا شق عليه.
[مسألة:]
قال: (ولا بأس بترك التعريف بالهدايا).
كما لا يوقف بها المزدلفة، ولا يطاف بها بين الصفا والمروة.
стр. 1129
باب حكم المتمتع إذا ساق الهدي
قال: (وإذا أحرم الرجل لعمرته وهو يريد المتعة، ولم يسق الهدي: فإن له أن يحل من عمرته إذا فرغ منها، ثم يحرم بالحج بعد ذلك إذا شاء.
ولو كان ساق الهدي لمتعته عند إحرامه لعمرته: لم يحل من عمرته حتى يحل من حجته).
وذلك لأن النبي ﷺ قال حين أمر أصحابه بالإحلال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة".
وقال لعلي ﵁ حين قدم عليه من اليمن: "إني سقت الهدي، فلا أحل إلى يوم النحر".
[مسألة:]
قال: (ولو أحرم بعمرة وهو يريد التمتع، وساق لها هديا، ثم بدا له
стр. 1130
أن لا يتمتع: كان له ذلك، وكان له بيع الهدي).
وذلك لأن سوق الهدي لا يعين عليه فعل الحج في تلك السنة، ولا يلزمه إياه، فله أن لا يتمتع، ويصنع بهديه ما شاء.
[مسألة:]
قال: (ولو أنه بعد إحلاله من عمرته، وبعد استهلاكه الهدي، بدا له أن يحج في تلك السنة، ولم يرجع إلى أهله: فله ذلك، وعليه هدي لمتعته، وهدي آخر لإحلاله بين عمرته وحجته بعد سوقه الهدي الأول لمتعته).
وذلك أنه لما صح له التمتع في تلك السنة، علمنا أنه لم يكن يجوز له الإحلال فيما بين العمرة والحج بعد سوق الهدي، فكان بمنزلة من أحل في حال لم يجز له الإحلال فيه، فيلزمه دم.
* * * * *
стр. 1131
كتاب البيوع
مسألة: [عدم وجوب خيار المجلس إلا بالشرط]
قال أبو جعفر: (وإذا تعاقد الرجلان البيع بلا شرط خيار: فليس لواحد منهما فسخه بعد ذلك، ترفقا بأبدانهما عن مواطن البيع، أو لم يتفرقا).
قال أحمد: وذلك لقول الله تعالى:﴾ يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴿.
فأباح الأكل بوجود التراضي عن التجارة، والبيع تجارة، فدل على نفي الخيار، وصحة وقوع الملك للمشتري بنفس العقد، وجواز تصرفه فيه.
ويدل عليه أيضا: قوله تعالى:﴾ يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود ﴿.
وذلك عقد، فيلزم الوفاء به بظاهر الآية، وفي إثبات الخيار نفي للزوم الوفاء به.
стр. 1132
وأيضا: قال الله تعالى:﴾ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴿، فندب الله تعالى إلى الإشهاد على العقد توثقة لهما، ووجوب الخيار لكل واحد منهما ينفي معنى التوثقة بالإشهاد، إذ لا يلزم أحدهما لصاحبه به حق، فلما كان في إثبات الخيار إبطال معنى الآية، كان القول بإيجاب الخيار ساقطا، وحكم الآية ثابتا.
ومن جهة السنة: قول النبي ﷺ : "من اشترى طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه".
فأجاز بيعه بعد القبض، ولو كان هناك خيرا للبيع امتنع جواز نصرف المشتري فيه.
"ونهى النبي ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البيع، وصاع المشتري".
فأباح بيعه بعد جريان الصاعين فيه من غير شرط الافتراق.
ويدل عليه أيضا: قول النبي ﷺ : "من باع نخلا
стр. 1133
مؤبرا، فثمرته للبيع إلا أن يشترطه المبتاع، ومن باع عبدا له مال، فماله للبيع إلا أن يشترطه المبتاع".
فأزال ملك البيع عن الثمرة والمال بنفس العقد، وأوجبه للمشتري، ولو كان للبيع خيار: ما استحق عليه ذلك بالعقد.
ويدل عليه أيضا: قول النبي ﷺ : "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا، فيشتريه، فيعتقه".
فأعتقه عليه بنفس الشراء، من غير شرط افتراق، فدل على انتفاء الخيار.
ويدل عليه أيضا: قول النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم"، وكل واحد منهما قد عقد على نفسه التمليك بنفس العقد، فواجب أن يملك به، وأن لا يقف على الافتراق.
وكذلك إن شرط بنفس العقد بيعا بتاتا بلا خيار، كان بتاتا بمضمون
стр. 1134
الخبر، وليس نفي الخيار من الشروط الفاسدة فيفسده، وإذا انتفى ثبوت الخيار في هذا الوجه، انتفى بنفس العقد وإن لم يكن شرط؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما، ولأن دخوله في العقد رضا بإيجاب الملك من غير خيار.
*ومن جهة النظر: إن النكاح، والخلع، والعتق على مال، والكتابة متفق على صحة وقوعها بالعقد من غير خيار، فوجب أن يكون البيع مثله، والمعنى الجامع بينهما، أن العاقد راض بما تضمنه عقده من إيجاب الملك من غير شرط خيار.
وأيضا: يجمع بينهما بأنه عقد معاوضة لم يشترط فيه خيار، فلا يجب به خيار المجلس.
وأيضا: فلو وجب الخيار بالعقد، لما صح عقد الصرف؛ لأن شرط صحته وتمامه أن يفترقا عنه وليس بينهما شيء، كما روي عن النبي ﷺ في حديث ابن عمر أنه قال في الدراهم بالدنانير: "لا بأس به ما لم تفترقا، وليس بينكما شيء".
стр. 1135
فلو وجب الخيار لم يملك واحد منهما على صاحبه بالعقد، وافتراقهما قبل تمام الملك يبطل الصرف، فلا يجوز أن يكون السبب الذي يبطل به العقد قبل تمامه، هو الذي يصححه قبل تمامه.
[الجواب عن أدلة القائلين بوجوب خيار المجلس]
وأما ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا".
فإنه رواه ابن عباس، وحكيم بن حزام، وابن عمر، وأنس، وسمرة، وعبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ بألفاظ مختلفة، ليس في شيء منها ما يدل على خلاف قولنا، بل فيها ما يدل على صحة مذهبنا.
وذلك لأن قوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا": إذا حمل على حقيقته يتناول حال العقد قبل وقوعه وتمامه؛ لأن هذا الاسم إنما يستحقه فاعله في حال الفعل، كما يقال: المتقابلان، والمتضاربان: يتناول ذلك حال فعلهما، ومتى انقضت حال الفعل، لم يسميا بذلك إلا مجازا.
ويدل على ذلك: أنهما لو تفاسخا العقد بعد صحته، كانا متفاسخين على الحقيقة، ولا جائز أن يكونا متبايعين متفاسخين في حال واحدة على الحقيقة، فدل ذلك على أن انقضاء حال البيع يخرجهما من أن يكونا متبايعين على الحقيقة، وإنما يقال: إنهما كانا متبايعين.
ويصح أن يقال: هما متبايعان إذا دخلا في سوم البيع، كما روي عن
стр. 1136
النبي ﷺ أنه قال: "لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه".
وروي في لفظ آخر: "لا يسومن أحدكم على سوم أخيه".
فعبر تارة بلفظ البيع، وتارة بلفظ السوم، فدل على أن أحد اللفظين ينبئ عن معنى الآخر.
ويدل عليه حديث عبد الله بن دينار، ونافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا، إلا بيع الخيار".
فنفى وقوع البيع إلا بعد الافتراق، فعلمناه أن مراده السوم؛ لأنهما إذا تعاقدا بتراضيهما، فالبيع واقع لا محالة، ووجوب الخيار لا ينفي وقوع البيع، ولا يسلبه اسمه.
ألا ترى إلى قوله: "إلا بيع الخيار": فأثبه بيعا مع الخيار، فدل على أن قوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا": إنما أراد به حال البيع، وهو السوم.
[معنى التفرق بين المتبايعين]
والفرقة المذكورة في قوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا": عندنا على وجهين:
стр. 1137
يجوز أن يريد بها فرقة الأبدان، ويجوز أن يريد فرقة الأقوال.
فمتى أراد فرقة الأبدان: كان معناه أن كل واحد من المتعاقدين إذا قال لصاحبه: قد بعتك هذا العبد: فله قبوله في المجلس ما لم يفارقه، ولهذا الرجوع فيه قبل قبول الآخر، فإن افترقا قبل القبول، وتمام البيع، لم يكن له القبول، وانفسخ الإيجاب، وأفادنا بذلك أن هذا الخيار مقصور على المجلس دون غيره.
وأما فرقة القول: فهي أنه إذا قال له: قد بعتك هذا العبد: فله الرجوع فيه قبل قبول الآخر، فإن قبله الآخر، فقد فارقه بالقول، فلا خيار له بعد ذلك.
وأفاد به الفرق بين البيع، وبين العتق على مال، والخلع؛ لأنه لو قال لعبده: أنت حر على ألف درهم: كان للعبد القبول في المجلس، وليس للمولى الرجوع فيه قبل قبول العبد.
وقد يجوز أن يسمى ذلك فرقة وإن لم يفترقا من المجلس، كما قال الله تعالى:﴾ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴿، وعلوم أنه لم يرد تفرق الأبدان.
ويقول القائل: اجتمع القوم على كذا، وافترقوا على كذا: وهم حضور في المجلس.
ويدل على صحة تأويلنا: حديث ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق
стр. 1138
صاحبه خشية أن يستقيله".
فقوله: "بالخيار ما لم يتفرقا": معناه تفرق الأقوال؛ لأنه لو أراد التفرق بعد البيع، لم يصح معه معنى قوله: "خشية أن يستقيله"؛ لأن الاستقالة لا تكون إلا في بيع البتات الذي لا خيار فيه، لأن الاستقالة هي مسألته الإقالة، ووجوب الخيار لكل واحد منهما، ينافي ذلك، فثبت أن قوله: "ما لم يتفرقا": معناه تفرق القول.
ثم قال: "ولا يحل له أن يفارقه ببدنه، خشية أن يندم، فيستقيله": وليس ذلك على جهة التحريم، إنما هم على جهة الندب والحث على سماحة الأخلاق.
وقد روي عن عمر أنه قال: "البيع صفقة، أو خيار"، فنفى وجوب الخيار، موقوع الصفة، إلا مع الشرط.
قال أبو جعفر في فرقة الأبدان نحو ما ذكرنا.
стр. 1139
*وقال: (إنما يجوز له القبول من صاحبه ما لم يكن أخذ في عمل آخر، أو كلام آخر)، وذلك لأن الإيجاب يقتضي جوابا من الموجب له، فإذا اشتغل عن الجواب، وأعرض عنه، فكأنه قد فسخه، واختار تركه.
مسألة: [مدة خيار الشرط]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز اشتراط الخيار في البيع أكثر من ثلاثة أيام في قول أبي حنيفة، ويجوز في قول أبي يوسف ومحمد أكثر من ثلاثة أيام إذا كان إلى نهاية معلومة).
وجه قول أبي حنيفة: "نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر"، والبيع على شرط الخيار فيه تجوز؛ لأنه لا يدري ما الذي يحصل له به: المبيع أو الثمن؟ فاقتضى عمومه بطلان البيع على شرط الخيار في قليل المدة وكثيرها، فلما روي عن النبي ﷺ "أنه جعل رجلا بالخيار في كل بيع يشتريه ثلاثة أيام"، واتفقت الأمة على جوازه، خصصناه من عموم الخبر، وبقي ماعدا الثلاثة محمولا على لفظ الخبر.
стр. 1140
ولأبي يوسف ومحمد: أن الغرر فيما عدا الثلاثة كهو في الثلاثة، فلما جاز بشرط الثلاثة، جاز ما فوقها.
ولأبي حنيفة: أن زيادة المدة في الخيار زيادة في الغرر، ألا ترى أن الصرف قد عفي فيه عن ترك القبض مقدار المجلس ولم يجز أكثر منه.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وعتق المشتري فيما فيه شرط الخيار للبيع: باطل)
وذلك لأن شرط الخيار يمنع خروجه من ملكه؛ لأنه حين شرط الخيار لنفسه، لم يرض بخروجه عن ملكه إلا بعد بطلان الخيار، فلم يجز عتق المشتري فيه، لأنه غير مالك.
وعتق المشتري فيما له فيه الخيار جائز؛ لأنه قد خرج من ملك البيع، وانقطعت حقوقه عنه، وبقى موقوفا لم يدخل في ملك المشتري عن أبي حنيفة، فإذا أعتقه فقد رضي بإدخاله في ملكه، فنفذ عتقه فيه، وتم البيع.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو في ملكه، فيجوز عتقه منه أيضا.
مسألة: [ضمان العبد المشترى إذا مات حال الخيار]
قال: (وإن مات في يد المشتري فيما له فيه الخيار، كان عليه ثمن للبيع).
قال أحمد: يعني إذا لم يكن خيار البيع مشروطا معه، وذلك لأنه لزمه البيع بموته.
وإنما لزمه البيع؛ لأن العبد صار معيبا في آخر أجزاء حياته قبل الموت، ومتى حدث به عيب في يد المشتري، بطل خيار المشتري؛ لأنه لا يمكنه رده معيبا على البيع، وقد قبضه صحيحا، فتم البيع فيه قبل الموت لما وصفنا.
стр. 1141
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وإن مات في يد المشتري ما لبيعه فيه الخيار: كان عليه ضمان قيمته).
وذلك لأنه مات على ملك البيع، لما بينا من أن خيار البيع يبقي الشيء على ملكه، وحصول معيبا في آخر أجزاء حياته لا يبطل خيار البيع، ألا ترى أنه حدث به عيب في يد المشتري، كان خيرا البيع باقيا في إجازته أو فسخه، فلما كان كذلك، ثم مات قبل بطلان خيار البيع، مات على ملك البيع، وبطل البيع؛ لأنه لا يصح نقل الملك فيه بعد الموت، وقد قبضه المشتري مضمونا، فيضمن قيمته؛ لأن الثمن لا يلزم إلا مع صحة البيع.
مسألة: [خيار الشرط لا يورث]
قال أبو جعفر: (والخيار لا يورث).
وذلك لأن خيار الشرط حق [لا] يملك به، فأشبه خيار القول، وأشبه أيضا الوصية، أن للموصي الخيار في فسخها قبل الموت، ولا ينتقل هذا الخيار إلى وارثه، للعلة التي ذكرناها.
وأيضا: فإن الخيار مشروط للفسخ، لا للإجازة، ألا ترى أن مضي المدة يوجب جواز البيع، فصار خيار الشرط بمنزلة إيجاب الإقالة، فلو قال: لقد أقلتك: ثم مات قبل أن يقبلها: لم ينتقل الخيار إلى وارثه، كذلك ما وصفنا.
стр. 1142
وليس خيار الشرط بمنزلة خيار العيب؛ لأن خيار العيب يتعلق وجوبه بفوات جزء من المبيع، فله الخيار في استدراكه، ألا ترى أنا لعبد لو مات في يده قبل الرد، رجع بأرش العيب، فلما كان خيار العيب قد يصير مالا، انتقل إلى الورثة، وخيار الشرط ليس بمال، ولا يصير مالا، وكذلك خيار الرؤية، فلذلك افترقا.
стр. 1143
باب الربا والصرف
مسألة: [بيع الذهب بالذهب]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، وكذلك الفضة بالفضة، ويتقابضان قبل أن يفترقا).
قال أحمد: وروى تحريم التفاضل في الذهب بالذهب، والفضة بالفضة عن النبي ﷺ جماعة، حتى صار وروده من طريق التواتر الموجب للعلم.
منهم أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وعثمان، وعبادة بن الصامت، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وفضالة بن عبيد، ورويفع بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبو بكرة، والبراء بن عازب.
وقد كان ابن عباس يجيز التفاضل في الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، ويروي فيه أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: "لا ربا إلا في النسيئة"، ثم لما تواتر عنده الخبر عن النبي ﷺ بتحريم التفاضل في الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، رجع إليه، وترك قوله الأول.
стр. 1144
قال جابر بن زيد: رجع ابن عباس عن قوله في الصرف، وفي المتعة.
وقال محمد بن سيرين: أشهد على اثني عشر من أصحاب ابن مسعود شهدوا ابن عباس حين رجع عن الصرف، منهم عبيدة السلماني.
وخبر أسامة بن زيد عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ربا إلا في النسيئة": غير مناف للأخبار الأخر، لاحتمال كون مراده في الجنسين، نحو الذهب بالفضة، والفضة بالذهب.
مسألة: [بيان على الربا]
قال أبو جعفر: (ويدخل الربا في كل مكيل وموزون، مأكولا أو كان غير مأكول).
قال أحمد: الربا اسم مجمل في الشرع، يتناول معاني مختلفة، فقد يكون الربا في التفاضل، إذا كان على وصف، وقد يكون في النسيئة، وقد يتناول ضربا من الجهالة فيما في الذمة، فهو لفظ مجمل يجب استعمال
стр. 1145
حكمه على حسب قيام الدلالة.
وقد ثبت عن النبي ﷺ بأخبار مستفيضة شائعة، النص على تحريم التفاضل في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والملح، والتمر.
رواه عن النبي ﷺ عمر بن الخطاب وعبادة بن الصامت، وأبو سعيد الخدري ﵃.
*واتفق الفقهاء على استعماله، ثم اختلفوا في العلة الموجبة لتحريم البيع عند وجود التفاضل في هذه الأصناف:
فقال أصحابنا: علة التحريم البيع في ذلك زيادة كيل في جنس، ووزن في جنس.
وقال آخرون: العلة في تحريم البيع في هذه الأشياء المذكورة في الخبر- ماعدا الذهب والفضة- كونه مقتاتا مدخرا في جنس.
وقال آخرون: مأكول في جنس.
فاتفق الجميع على اعتبار الجنس في إيجاب تحريم التفاضل، واختلفوا في المعنى المضموم إليه على الوصف الذي قدمنا، وأنا أذكر بعض ما يدل على صحة اعتبار أصحابنا من جهة العموم، ثم أعقبه بتصحيح اعتلالنا من طريق النظر.
فأحد ما يحتج به في ذلك: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا
стр. 1146
موسى بن الحسن عن أبي عباد قال: حدثنا القعنبي قال: حدثنا سليمان بن بلال عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه "أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي من الأنصار أمره على خيبر، فقدم عليه بتمر، فقال له النبي ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟
قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة.
فقال النبي ﷺ : لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان".
فقوله ﷺ : "وكذلك الميزان": عموم في تحريم التفاضل في سائر الموزونات، إذ كان معلوما أنه لم يرد بقوله: "وكذلك الميزان": ما توزن به الأشياء، وإنما أراد الموزونات، وإذا ثبت ذلك في الموزونات، كان المكيل مثلها، لأن أحدا لم يفرق بينهما".
وقد انتظم هذا الخبر أحكاما:
أحدهما: تحريم التفاضل في التمر بالتمر.
والثاني: بيان حكمه ﷺ في الموزونات.
والثالث: إباحة الحيلة في التوصل إلى جواز البيع.
стр. 1147
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله ﷺ دخل على بعض أهله، فوجد عندهم تمرا أجود من تمرهم، فقال: من أين هذا؟
فقالوا: أبدلنا صاعين بصاع، فقال رسول الله ﷺ : لا يصلح صاعان بصاع، ولا درهمان بدرهم".
وقوله: "لا يصلح صاعان بصاع": عموم في تحريم المكيلات متفاضلة، لأنه معلوم أنه لم يرد به الصاع الذي يكال به.
فإن قيل: هو راجع إلى التمر الذي خرج الكلام عليه.
قيل له: لا يحوز أن تقصره عليه مع عموم لفظه إلا بدلالة.
ويدل عليه أيضا: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم ابن مروان الواسطي قال: حدثنا يحيى بن زكريا حيويه قال: حدثنا خلف بن خليفة عن أبي جناب عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، ولا الدينار بالدينارين، ولا الصاع بالصاعين، إني أخاف عليكم الرماء، وهو الربا.
فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله! الرجل يبيع الفرص بالأفراس،
стр. 1148
والبختية بالإبل، قال: لا بأس إذا كان يدا بيد".
فقوله ﷺ : "ولا الصاع بالصاعين": بنظم جميع المكيلات.
وهذا الحديث أيضا يدل على امتناع السلم في الحيوان؛ لأنه حين سئل عن بيع الفرس بالأفراس، والبختية بالإبل، أجازه على شرط أن يكون يدا بيد.
*ويدل على أن اعتبار الكيل والوزن أولى من غيرهما: قوله ﵊: "الذهب بالذهب وزنا بوزن، مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، كيلا بكيل".
стр. 1149
فأوجب استيفاء المماثلة في الموزون من جهة الوزن، وفي المكيل من جهة الكيل، فدل على كونهما علما لتحريم التفاضل أولى من غيرهما.
*ويدل على ما ذكرنا من وجهة النظر: أنا لما اعتبرنا علل القايسين على الحد الذي بينا، وجدنا لعلتنا تأثيرا في جواز البيع وفساده، ألا ترى أن وجود زيادة الكيل في الجنس يمنع جواز البيع، وعدمها يوجب جوازه، ولم نجد هذه المزية للقوت والادخار، ولا للأكل.
ألا ترى أن المأكولين قد يتفاضلان في كونهما مأكولين، ثم لا يؤثر ذلك في جواز البيع ولا فساده، وكذلك المقتاتان، فوجب بذلك أن يكون اعتبار الكيل والوزن في تحريم البيع عند وجود التفاضل أولى.
وإنما كان هذا الضرب من التأثير موجبا لترجيح الاعتلال، من قبل أن العلل هي المعاني التي تتعلق بها الأحكام، فما كان لها تأثير فيها، فهو أولى بالاعتبار.
فإن قيل: قد يتعلق الحكم بالأكل أيضا، بدلالة أنه لو اشترى حنطة، فوجدها عفنة فاسدة، كان له الخيار في الرد، لأجل نقصانها في باب الأكل عما اقتضاه العقد.
قيل له: لم يتعلق هذا الحكم بالأكل، وإنما تعلق بنقصان قيمتها عما أوجبه له العقد، وإنما هو خيار العيب، وذلك حكم به جاز في سائر المبيعات، مأكولا كان أو غير مأكول، ألا ترى أن الثياب والعبيد، وسائر
стр. 1150
المبيعات بمنزلتها من هذا الوجه، فلم يكن للأكل تأثير فيها، ليس لغيره.
وقد اتفق الجميع على أن هذا الضرب من الحكم لا تأثير له في وجوب تحريم البيع، لأجل وجود التفاضل.
فصل:
وقد احتج بسر بن سعيد عن معمر بن عبد الله أنه كره بيع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل، وقال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل، قال: قلت: إنه ليس بمثله، قال إني أخاف أن يضارع".
стр. 1151
وأما النظر: فهو أن كونه مأكولا صفة لازمة للمأكولات، والكيل والوزن صفتان قد يفارقان المكيلات والموزونات مع وجود أعيانها؛ لأنهما يلزمانها بجريان العادة بالوزن والكيل.
ومن جهة أخرى: إن علة الكيل والوزن مقصورة على بعض المنصوص دون بعض، وعلة الأكل تعم جميعه.
والجواب: أن قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا﴾: ليس بعموم؛ لأنه مجمل يحتاج إلى بيان في استعمال حكمه، لما بينا فيما سلف من أن الربا اسم يقع في الشرع على معان لم تتناولها اللغة قبل مجيء الشرع، فتحتاج أن تثبت أولا أنه ربا، حتى يتعلق به حكم التحريم.
فإن قيل: كيفما تصرفت الحال، فالحظر إنما يتناول المأكول.
قيل له: إنما يتناول مأكولا حصل ربا، فينبغي أن نثبت أنه ربا.
وأيضا: قد تثبت الربا في المأكولات إذا كانت مكيلة أو موزونة، ومتى أوجبنا ذلك، فقد قضينا عهدة الآية.
وأما حديث معمر بن عبد الله في نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام بالطعام، فإنه لفظ مخصوص في العرف، يتناول أشياء مخصوصة من المأكول دون جميعه.
يدل على ذلك ما حدثنا عن محمد بن علي بن زيد الصائغ قال: حدثنا سعيد بن منصور، وحدثنا عن يوسف بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عيسى قالا: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله، وذكر الحديث إلى أن قال:
стр. 1152
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل، وكان طعامنا يومئذ الشعير".
وكما روى أبو سعيد الخدري قال: "كان طعامنا التمر والزبيب والشعير، وكنا نخرج من كل ذلك صاعا في صدقة الفطر".
فإنما يتناول اللفظ ما كانوا يتعارفونه طعاما، وليس ي عادة أحد من الناس تسمية السقمونياء والأدوية المأكولة طعاما.
ألا ترى أن سوق الصيادلة لا يسمى سوق الطعام، وإنما يسمى بذلك السوق التي تباع فيها الحنطة، فانصرف اللفظ إلى ما كان متعارفا معتادا منه.
وأما قولهم: إن الأكل صفة لازمة للمأكول، فهو أولى بكونه علة، فكلام فارغ لا معنى تحته؛ لأن العلل قد تكون لازمة، وقد يضاف المعلول فيكون الحكم متعلقا بها إذا وحدت؛ لأن العلة بعض أوصاف المعلول، ثم لا يبالى إذا كان ذلك الوصف لازما له لا يفارقه، أو قد يفارقه في حال، ويلزمه في أخرى.
ألا ترى أن السوم عندنا جميعا علة في وجوب الزكاة في الماشية، وهو قد يفارقها، فلا تكون سائمة، والشدة علة في تحريم الخمر، وقد
стр. 1153
يفارقها، فتخرج من أن تكون خمرا.
وقد اعتبر مخالفنا في نفي زكاة الحلي معنى الاستعمال، وهو يفارق العين، فتكون تارة حليا للاستعمال، وتارة دراهم ودنانير.
وعلتنا فيها كونها ذهبا أو فضا، فهذه صفة لا تفارقها، فيجب أن تكون أولى بالاعتبار من علة الاستعمال.
ولا نعلم أحدا يقول: شرط العلة أن يكون وصفا لازما للأصل المعلول، بل لو قال قائل: الوصف الذي يفارق المعلول في حال، ويلزمه في أخرى: أولى بأن يكون علة مما لا يفارقه، كان قوله أشبه، وإن لم يكن واحدا من القولين عندنا سديدا.
وأما قولهم: إن علة الكيل مقصورة على بعض المنصوص، لتجويز التمرة بالتمرتين، وأن علتهم تعم جميع النصوص: فلا معنى له أيضا؛ لأن المنصوص لا يحتاج في إثبات حكمه إلى علة، وإنما العلل يحتاج إليها لغير المنصوص، ليقاس بها على المنصوص، فأما المنصوص عليه فمستغن بدخوله تحت النص عن الاعتلال له.
وإجازتنا التمرة بالتمرتين، والبرة بالبرتين، فغير متعلق بشيء مما نحن فيه؛ لأنا إنما قصرنا حكمه على ما وصفنا بما دل عليه فحوى خطابه ﵊، وهو قوله ﷺ : "التمر بالتمر كيلا بكيل، والبر بالبر مثلا بمثل، كيلا بكيل".
فلما شرط استيفاء المماثلة من طريق الكيل، لم يدخل في حكم اللفظ
стр. 1154
إلا ما يدخل تحت الكيل.
ولدلالة الاتفاق على أن التمر بالتمر لو تساويا في العدد، وتفاضلا في الكيل: لم يجز، ولو تساويا في الكيل، وتفاضلا في العدد: جاز البيع، فدل على أن الاعتبار بالكيل دون غيره، فما لا يدخل تحت الكيل لم يدخل تحت الحكم.
وقد عملت هذه المسألة قديما، واستوفينا الكلام فيها لأصحابنا وللمخالفين، فتركنا إعادته كراهة الإطالة.
مسألة:
قال: (ولا يجوز الخيار في الصرف).
وذلك لأن الخيار المشروط في العقد يمنع صحة القبض، كما يمنع صحة الملك، وشرط صحة الصرف أن يفترقا عن قبض صحيح، فلما افترقا عن خيار، صارا كأنهما افترقا عن غير قبض.
ويدل عليه حديث ابن عمر قال: "كنت أبيع الإبل بالبقيع فآخذ بالدراهم الدنانير وبالدنانير الدراهم، فسألت رسول الله ﷺ ، فقال لا بأس به ما لم تفترقا وبينكما شيء".
стр. 1155
وفي بعض الألفاظ: "وبينكما لبس".
وذلك يدل على بطلانه إذا افترقا مع خيار مشروط.
مسألة: [القبض في بيع الربويات]
قال أبو جعفر: (ويجوز بيع المكيل والموزون بجنسه متساويا، ولا يفترقان إلا عن قبض، إلا أن يكونا بأعيانهما، فيجوز تفرقهما قبل القبض، إلا الذهب والفضة، فإنهما لا يفترقان إلا عن قبض).
قال أحمد: أما إذا كان أحدهما دينا، فإنما لم يجز أن يفترقا فيه عن غير قبض الدين، بمنزلة النساء، فيبطل العقد بالافتراق، كذلك سبيل كل ما لا يجوز شرط الأجل فيه.
ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء فيما يدخل فيه الربا من هذه الأجناس.
وأما إذا كانا بأعيانهما، فإنما جاز الافتراق عنه قبل القبض، لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه قال: "كل متابعين، فلا بيع بينهما حتى يفترقا، إلا بيع الخيار".
فأثبت بيع الخيار بينهما بعد الافتراق من غير شرط القبض.
стр. 1156
وأيضا: لا خلاف بين أهل العلم في جواز ترك القبض في الحنطة بالتمر إذا كانا بأعيانهما، والمعنى فيه أنهما ليسا من جنس الأثمان التي هي الذهب والفضة، وذلك موجود في الحنطة بالحنطة
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد".
قيل له: هذا لا يدل على وجوب القبض؛ لأنه أشار به إلى حال العقد.
والدليل عليه قوله ﵊ في حديث عبادة: "لا تبيعوا الحنطة بالحنطة إلا يدا بيد". وذكر الحديث، ثم قال: "وبيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يدا بيد".
فإنما أشار إلى حال العقد.
ويدل عليه أيضا: أن الباء إنما تصحب الأثمان، وهو إنما يكون ثمنا في حال العقد، لا بالقبض، فدل أن قوله: "يدا بيد": يتناول حال العقد، كأنه قال: ما في يد هذا بما في يد هذا، ومعناه: عينا بعين، وأفاد بأنه منع النساء.
ويدل عليه أيضا: أنه ذكر اليد باليد في الجنسين المختلفين، ولا خلاف أن المراد به العين، فكذلك في الجنس الواحد إنما أوجب به تعيين المبيع في العقد، ومنع النساء.
стр. 1157
ويدل عليه: ما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان إلا يدا بيد"، ولا خلاف أنه لم يرد به إيجاب القبض في المجلس، وإنما أراد التعيين.
فإن قيل: إذا حملت قوله: "يدا بيد": على معنى التعيين، بطلت فائدته؛ لأنه قد قال: "عينا بعين، يدا بيد".
قيل له: كرره على وجه التأكيد، قال: "مثلا بمثل، وزنا بوزن، سواء بسواء".
فإن قيل: قد أوجبت التقابض في الصرف بقوله: "يدا بيد".
قيل له: لم نوجبه بذلك، وإنما أوجبناه بقوله في حديث ابن عمر: "ما لم يفترقا وبينكما شيء"، وفي بعض الألفاظ: "وبينكما لبس"، فمنع افتراقهما مع بقاء شيء من حقوق العقد.
ألا ترى أن الذهب والفضة لما كان من شرط بقاء العقد فيهما المجلس، لم يتخلف فيهما حكم النوع الواحد، والنوعين المختلفين في وجوب التقابض في المجلس، وأن سائر المكيلات والموزونات إذا اختلفت أجناسها: جاز ترك القبض فيهما في المجلس إذا كانا عينين.
стр. 1158
مسألة: [بيع المكيلات بجنسها]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع شيء من المكيلات بجنسه نسيئة).
قال أحمد: الأصل في هذه المسألة ونظائرها: أن التفاضل عندهم يحرم بشيئين: وجود الكيل أو الوزن، والجنس، فهذان الوصفان علة تحريم البيع عند وجود التفاضل.
والنساء يحرم بأحد هذين الوصفين: الكيل أو الوزن، أو الجنس، فالجنس بانفراده يحرم النساء، والمعنى المضموم إليه في إيجاب تحريم التفاضل يحرم النساء على اختلاف الفقهاء فيه، فمن جعله كيلا أو وزنا حرم النساء بوجود ذلك منفرا عن الجنس.
والأصل فيه قول النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: "وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد".
وفي بعض الألفاظ: "وإذا اختلف الصنفان".
وقال: "بيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا التمر بالشعير كيف شئتم يدا بيد".
فأجاز التفاضل لعدم الجنس، وحرم النساء بوجود الكيل.
وأما الجنس بانفراده، فإنما منع النساء عندنا؛ لأنه أحد وصفي علة
стр. 1159
تحريم التفاضل، فأشبه الكيل والوزن، والمعنى الجامع بينهما ما وصفنا.
فإن قيل: قد أجزت الدراهم في الموزونات نساء، مع وجود علتك الموجبة لتحريم النساء.
قيل له: لأن من أصلنا القول بتخصيص العلة، ولو قيدنا العلة في الأصل، بأن قلنا: إن علة تحريم النساء وجود أحد صنفي علة تحريم التفاضل في جنس ما يتعين، لم نحتج إلى تخصيص؛ لأن الدراهم والدنانير مما لا تتعين عندنا، وسائر الأشياء تتعين، فالعلة مستمرة على أصلنا.
مسألة:
قال أبو جعفر: (والتمور كلها جنس واحد وإن اختلفت أسماؤها).
وذلك لقول النبي ﷺ : "التمر بالتمر مثلا بمثل"، ولم يفرق بين الأنواع المختلفة منه.
وقال في حديث أبي سعيد وأبي هريرة: "أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، إنما نأخذ من هذا الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة من الجمع، فقال النبي ﷺ : لا تفعلوا، ولكن بع هذا، واشتر بثمنه من هذا".
стр. 1160
فأبان أن اختلاف أنواعه لا يبيح التفاضل فيه؛ لأن الجمع هو الأنواع المختلفة منه، وكذلك الحنطة كما وصفنا.
مسألة:
(ولحوم الضأن والماعز جنس واحد).
لأن اختلافهما كاختلاف أنواع التمر، ألا ترى أنهما من جنس واحد في الصدقات، وكذلك البقر والجواميس.
قال: (والحنطة والشعير جنسان).
لقوله ﷺ : "وبيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم، يدا بيد".
مسألة: [بيع الحيوان باللحم]
قال أبو جعفر: (ولا بأس ببيع الحيوان باللحم من جنسه، من غير اعتبار اللحم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز إلا أن يعلم أن في الحيوان المبيع من اللحم أقل من اللحم الذي اشترى به).
لأبي حنيفة: أن اعتبار لحم الحيوان في حال حياته ساقط؛ لأنه لو اعتبر لما صح العقد رأسا، لأنه لا يحل إلا بالزكاة، ألا ترى أن ما بان منه قبل الزكاة فهو ميتة، فلما جاز البيع إذا كان أقل، دل على سقوط اعتباره في حال الحياة.
وأما ما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع اللحم
следующие страницы →