Полный текст (3 930 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قيل له: أمره إياهم بالانتفاع بالإهاب بعد الدباغ: أمر بالانتفاع به على جثته إذا كان عليها شعر أو وصوف؛ لأنه لو لم يجز ذلك لقال لهم: احلقوا شعرها، ثم انتفعوا بها.
وقد بينا هذه المسألة في مواضع، فأغنى عن إعادته.
*****
стр. 107
باب السواك وسنة الوضوء
[مسألة: السواك سنة يؤمر به تأديباَ لا حتمًا]
قال أبو جعفر: (والسواك سنة).
قال أبو بكر: وذلك لما روي عنه ﷺ أنه قال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور".
وروى رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ قال:"السواك واجب على كل مسلم"، وهذا معناه وجوب تأديب، لا
стр. 108
حتم، كما قال:"غسل الجمعة واجب علي كل محتلم، وأن يمس من طيب أهله".
والدليل عليه: قوله ﷺ :"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"، وفي بعض الألفاظ:"لفرضت عليهم السواك".
فدل أنه غير واجب، ولا مأمور به َمر حتم.
مسألة: [عدم اشتراط النية للطهارة بالماء، بخلاف التيمم]
قال أبو جعفر: (والطهارة بالماء من الأحداث كلها بلا نية جائزة).
قال أبو بكر: والحجة في ذلك قول الله : ﴿إِذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيدَيكم إلى المَرافق﴾، واسم الغسل لا ينطوي علي النية، وهو فرض مستغن عن البيان، وفي إيجاب النية فيه:
стр. 109
زيادة في النص، والزيادة في حكم النص يوجب النسخ؛ لأن الآية تقتضي أن يكون غسل هذه الأعضاء طهارة صحيحة تامة يصح أداء الصلاة بها، ومتى شرطنا فيها النية: منعنا ما أباحته الآية، وهذا هو النسخ.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾، واتفق المسلمون على أن من شرط صحتهما: النية، ولم يوجب ذلك نسخها، وإن كان فيه زيادة في حكمها.
قيل له: إن لفظ الصلاة والزكاة مجمل مفتقر إلى البيان، فمهما ورد فيهما من حكم: فهو مراد باللفظ، إذ كان حكمهما غير لازم بنفس ورود اللفظ بهما إلا بعد ورود البيان.
وأما فرض الوضوء فهو مفسر غير مفتقر إلى البيان، فما ورد فيه من زيادة: فهو نسخ لما أوجبه اللفظ.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم
стр. 110
إلى المرافق﴾: يقتضي أن يكون الاغتسال لها: إذا أرادها، كما تقول: إذا أردت الحج: فأحرم، وإذا أردت الصوم: فانو: يعني له، وإذا كان هذا مقتضى اللفظ، فقد تضمن إيجاب النية.
قيل له: ليس شرط وقوع الوضوء للصلاة أن ينويه لها، ألا ترى أنه يصح أن يقال: إذا أردت أن تصلي فطهر بدنك وثوبك من النجاسة واستر عورتك، ولم يقتض اللفظ إيجاب النية للصلاة، كذلك الوضوء
وكما يقال: إذا أردت الخروج فالبس ثيابك، و: إذا سافرت فاركب الدابة، ولا يقتضي شيء من ذلك إيجاب النية.
وعلى أنه لا خلاف أنه لا يحتاج أن ينويه للصلاة أو القيام إليها، وإنما قال مخالفنا: ينوي به إزالة الحدث. فإن قيل: هذا كقولك: إذا سرق فاقطعه، و: إذا زنى فاجلده: يريد إيقاعه له.
قيل له: لم يقتض وقوعه له من جهة اللفظ، لكن من جهة أنه لما خرج مخرج المجازاة، علم أن شرطه أن يقع له، وليس الوضوء جزءًا للصلاة فيقع لها، ألا ترى أن الوضوء يصح ولا صلاة واجبة، ولا يصح القطع للسرقة والجلد للزنى ولما يوجد الزنى ولا السرقة.
*دليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾.
стр. 111
ومعناه مطهراَ، فاقتضى ذلك كونه مطهرًا مع عدم النية ووجودها، ولو لم نجعلة مطهرًا إلا بانضمام النية إليه، كنا قد سلبنا الحكم الذي جعله الله له، ووصفه به، وهذا خلاف ظاهر الكتاب.
وكذلك قوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، ومخالفنا يزعم أنه يوجد ولا يطهر به، وإنما يطهر به وبالنية.
فإن قيل: قال النبي ﷺ :"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، ولم يوجب ذلك جواز التيمم بغير نية.
قيل له: إنما قاله على جهه التشبيه والمجاز، لا على جهه الحقيقة؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث على الحقيقة، ومتى وجد المتيمم الماء لزمته الطهارة للحدث المتقدم، ولا يزول حكم النجاسة بالتراب، فعلمنا أن
التراب إنما أطلق عليه اسم الطهور مجازًا لا حقيقة.
*ودليل آخر: وهو قول النبي ﷺ :"أما أنا فأفيض الماء على رأسي وسائر بدني ثلاثًا، فإذا أنا قد تطهرت".
стр. 112
وقوله لأم سلمة ﵂:"إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، فإذا أنت قد طهرت".
وعلم الأعرابي الوضوء، ولم يذكر فيه نية، وظاهره يقتضي جوازه بغير نية.
وروي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ توضأ مرة ثم قال:"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"، فأشار إلى الفعل، وحكم بجواز الصلاة به بغير نية له.
فإن قيل: الأفعال إنما تصير طاعات بالنية، وعدم النية في الوضوء يخرجه من أن يكون طاعة، وما ليس بطاعة، فهو من أن يكون فرضًا أبعد، والوضوء لا محالة فرض، فإذًا شرطه وجود النية فيه.
قيل له: هذا الذي ذكرت إنما هو شرط الطاعات المقصودة بأنفسها، فأما ما لم يؤمر به لعينه، فليس كذلك حكمه، والوضوء من هذا القسم، وذلك لأنه إنما قيل لنا: لا تصلوا إلا بعد غسل هذه الأعضاء، كما قيل لنا: لا تصلوا إلا بعد غسل النجاسة من أبدانكم وثيابكم، ولا تصلوا إلا
стр. 113
بعد ستر العورة، فليس يقتضي شيء من ذلك كون النية شرطًاَ فيه.
ويقال لهذا القائل: خبرنا عن نية الفرض، هي فرض أم ليست بفرض؟.
فإن قال: ليست بفرض.
قيل له: فيحتاج في صحة وقوعها إلى نية أخرى.
فإن قال: نعم، ألزم لكل نية نية، إلى ما لا نهاية. وهذا خلف من القول.
فإن قال: لا تحتاج النية في صحة وقوعها إلى نية أخرى.
قيل له: فقد بطلت قاعدتك في أن شرط الفرض أو الطاعة وجود النية معها.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال:"الأعمال بالنيات"، فإذا لم تكن له نية، فلا عمل.
قيل له: لا يصح الاحتجاج به؛ لأنه معلوم أنه لم يرد به حقيقة اللفظ؛ لأن صحة وجود العمل غير موقوفة على النية، فإذا المراد معنى غير العمل، جعل العمل عبارة عنه، وما كان هذا سلبيه، فهو مجاز، والمجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه.
وأيضاَ: فإنه لما كان هناك ضمير احتمل أن يكون المراد به جواز العمل، واحتمل أن يراد به فضيلة العمل: بطل أن يكون عمومًا أو
стр. 114
خصوصًا، إذ ليس بملفوظ به، والعموم والخصوص إنما يتبعان في الألفاظ.
وأيضا: فيه إثبات الأعمال بالنيات، وليس فيه نفي العمل مع عدم النية، كما يقال: الرجل بعقله، والرجل بعلمه، ليس فيه أنه لا رجل إلا بالعقل، ولا رجل إلا بالعلم، وإنما معناه: أن فضيلتهما بالعقل والعلم.
ويدل على أن المراد ذلك: قوله في سياق اللفظ:"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوج بها، فهجرته على ما هاجر إليه".
وقد قال مخالفنا: إنه إذا نواه للتطوع: أجزأه أن يؤدي به الفرض، فلم يعتبر بنيته للتطوع، وقال في الحج: إذا نوى تطوعًا: أجزأه عن الفرض أيضًا.
فإن قيل: قد اتفقنا على إيجاب النية في التيمم، مع عدمها في اللفظ، فكذلك في الوضوء؛ لأنهما طهارتان.
وهو يعترض أيضًا على احتجاجكم بالآية، وامتناع جواز الزيادة فيها إلا على وجه النسخ.
قيل له: لا يعترض على ما ذكرنا، لأن التيمم هو القصد في اللغة،
стр. 115
قال الله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾، يعني لا تقصدوا.
وقال الشاعر: وإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عين تيممت مالكا
يعني قصدته.
وإنما أوجبنا فيه النية؛ لأن اللفظ يقتضيها.
فإن قيل: إنما أمر بالقصد إلى التراب، وليس في قصده إلى التراب ما يوجب نية التيمم للطهارة.
قيل له: قد اقتضت الآية إيجاب نية، وقد اتفق الجميع على أن قصده إلى التراب من غير نية التيمم غير واجب، فوجب أن تكون النية المذكورة في الآية هي نية الطهارة.
وأيضا: فمعلوم أنه لم يرد القصد إلى الفعل فحسب من غير أن يراد به الطهارة؛ لأن فعل الذاكر لا يقع إلا بقصد، فعلم أنه لم يرد القصد الذي تتعلق به صحة وقوع الفعل على وجوده؛ لأنه لو أريد ذلك صار كأنه قال: لا يتيمم ناسيًا أو ساهيًا أو نائمًا، أو ما جرى مجرى الأفعال الواقعة من غير قصد، فلما بطل ذلك، علم أنه أراد النية للطهارة.
فهذا سؤال ساقط عنا على ما قدمنا من دلائل الآي والسنن.
стр. 116
*وأما قوله: إنه يجب أن يكون في حكمه، لأنهما طهارتان: فمنتقض، لأن غسل النجاسة من الأبدان والثياب طهارة، وليس شرطه وجود النية، ومن الفصل بينهما أن النية تدخل لتمييز الأفعال المتفقة، أو
لاختلاف أحكام الأفعال، فلما كان الوضوء من جميع الأحداث وضوء واحدًا، لا يختلف فعله في نفسه، ولا حكمه فيما وقع له، لم يفتقر في صحته إلى نية، كغسل النجاسة.
*ولما كان التيمم قد يتفق فعله ويختلف حكمه، بأن يقع تارة عن الجنابة، وتراة عن الحدث، وهو في الحالين بصورة واحدة، احتيج فيه إلى نية للتمييز بينهما، لاختلاف حكمه.
وأيضًا: الماء طهور بنفسه، فلا يحتاج إلى انضمام النية إليه في تطهيره، والتراب في نفسه ليس بطهور، فاحتاج إلى انضمام النية إليه في كونه طهورًا.
وأيضًا: لما اتفقنا على سقوط النية في غسل النجاسة، وستر العورة، وجب أن يكون الوضوء مثلهما، والعلة الجامعة بينهما: أن كل واحد منهما سبب من أسباب الصلاة لا على وجه البدل، ولا يلزم عليه التيمم؛ لأنه بدل.
فإن قيل: لما جاز وقوع الطهارة تارة تطوعًا، وتارة فرضًا، احتيج فيه إلى نية التمييز.
قيل له: وقد يقع غسل النجاسة تارة نفلًا، وتارة فرضًا، ولا يحتاج إلى نية، فهذا منتقض.
стр. 117
وأيضا: فإنه لا يصح عندنا وقوعه تطوعا في حال الحدث، ولا يقع إلا فرضا.
وعلى أن هذه النية التي ذكرت إنما هي نية التمييز، فليست نية الطهارة في الأصل.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾.
قيل له: هو مخلص من حيث اعتقد الإيمان، لأن ضد الإخلاص الإشراك، ومن اعتقد الإيمان فهو مخلص في سائر شرائعه، وليس الإخلاص من النية في شيء؛ لأنه لو كان كذلك، للزم أن يكون كل من لم ينو، فهو مشرك.
وأيضا: قال الله : ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾.
فأخبر أن الذي أمر بالإخلاص فيه هو ما ذكره، والوضوء ليس بمفروض في نفسه، فغير ممتنع أن لا يطلق عليه اسم الدين.
مسألة: [يصلي المتطهر بطهوره ما شاء]
قال أبو جعفر: (وللمتطهر أن يصلي بطهوره ما لم يحدث ما شاء من الفرائض والنوافل).
стр. 118
وذلك لما روى علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال "صلى رسول الله ﷺ يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد".
ولأن الله تعالى قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، فإذا فعله فقد أدى موجب اللفظ، والتكرار غير مذكور في اللفظ: فلم نوجبه، لأن قوله: ﴿إذا﴾: لا يقتضي التكرار، ألا ترى أنه لو قال لامرأته: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلتها مرة: طلقت، فإن دخلتها مرة أخرى: لم تطلق.
فإن قيل: فكل أحد لم يتوضأ بالآية إلا مرة واحدة، والمرة الثانية توضأ بغير الآية.
قيل له: المرة الثانية إنما دخلت في الحكم من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن اللفظ لم يتناوله إلا مرة.
[مسألة: الأفضل غسل أعضاء الوضوء ثلاث إلا الرأس فواحدة]
قال أبو جعفر: (والوضوء ثلاثا أفضل، والمرتين دون ذلك في الفضل، والمرة الواحدة دون ذلك في الفضل، وكله جائز).
قال أبو بكر أحمد: ولم يبين مسح الرأس، وهو عند أصحابنا مرة واحدة، إلا شيء يرويه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: يمسح
стр. 119
الرأس ثلاثا، وهو شيء غير مشهور.
*فأما وجه قوله: "إن الثلاث أفضل"؛ فلما روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه توضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: "من توضأ مرتين ضاعف الله له الأجر مرتين"، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي".
فاخبر أن الثلاث أفضل، وأن المرتين دونها، وأن الواحدة دونهما.
* وأما مسح الرأس فإنه مرة واحدة عندنا، وذلك لما روي عن علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وابن عباس والربيع بنت
стр. 120
معوذ ﵃ "أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه مرة واحدة". وقال ابن عباس: "مسحة واحدة".
فإن قيل: قد روي عن علي وعثمان ﵄ "أن النبي ﷺ مسح برأسه ثلاثا".
قيل له: ليس فيه بيان موضع الخلاف بيننا وبينكم؛ لأنا نقول: إنه مسح ثلاثا، كما روت الربيع بنت معوذ "أن النبي ﷺ مسح رأسه مرتين بماء واحد، أقبل بهما وأدبر"، وإنما الخلاف في
стр. 121
تجديد الماء لكل مسحة.
وليس في قوله: "مسح ثلاثا": إيجاب لتجديد الماء لكل مرة؛ لأن لفظ المسح لا يقتضي ماء ممسوحا به؛ لأنه يقال: مسح برأس اليتيم، و: مسح وجهه: وإن لم يكن فيه ماء.
فإن قيل: لو جاز أن يقال ذلك في المسح، جاز أن يقال مثله في الغسل.
قيل له: ليس كذلك، لأن الغسل لا يكون بغير ماء؛ لأنه لو مسح يده على الموضع، ودلكه: لم يكن غاسلا حتى يجري عليه الماء، فلفظ الغسل لكل مرة: يقتضي تجديد الماء لها، ولفظ المسح: لا يقتضيه، فإذا قد حصلت أخبارنا ثابتة لا معارض لها.
وأيضا: لو كان عدد الثلاث مسنونا في المسح، لورد النقل به متواترا كوروده في الغسل؛ لأن الحاجة إلى معرفة مسنون المسح كهي إلى معرفة مسنون الغسل
стр. 122
فإن قيل: ولو كان المسنون مرة لورد النقل به متواترا.
قيل له: قد ورد نقل الواحدة من طريق التواتر، لأنهم لا يختلفون فيه
* وأيضا من جهة النظر: إن سائر الممسوحات في الأصول مرة واحدة، منها المسح على الخفين، والمسح في التيمم، فلما كان ذلك مسحا: وجب أن يكون معطوفا على نظائره في الأصول، بعلة أنه مسح.
وأيضا: لو كان المسح ثلاثا، لصار في معنى الغسل، وقد فرق الله بين المسح والغسل، فلا يجوز أن يلحق به؛ لأنه يؤدي إلى إبطال فائدته.
وأيضا: لما كان المسح في نفسه أخف من الغسل في الفعل؛ لأنه لا يستوعب الجميع، ولا يبلغ أصول الشعر: وجب أن يكون أخف منه في العدد، إذ كان موضوعه التخفيف.
[مسألة: القدر المفروض مسحه من الرأس]
قال أبو جعفر: (ومسح مقدار الناصية من الرأس جائز).
قال أبو بكر أحمد: قد روي عن أبي حنيفة أنه قدر فيه ربع الرأس وقال في "الأصل": مقدار ثلاث أصابع، فالكلام في هذه المسألة من وجهين:
стр. 123
أحدهما: جواز مسح بعض الرأس، والآخر في المقدار المفروض منه.
* فالدليل على جواز مسح بعضه: قول الله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾، والباء للتبعيض، إلا أن تقوم الدلالة على أنها دخلت صلة للكلام؛ وذلك لأن هذه الأدوات تدخل في الكلام للفوائد، ولا يجوز أن نجعلها للإلغاء إلا بدلالة.
وأيضا: روي عن ابن عباس والمغيرة بن شعبة ﵃ "أن النبي ﷺ مسح بناصيته"، وفي بعض الألفاظ: "مسح على ناصيته".
وقال أنس ﵁: "مسح النبي ﷺ مقدم رأسه"، فدل أن المفروض منه هذا القدر.
* ويدل على ذلك: أن المسح موضوع على التخفيف، بدلالة أنه لا يبلغ بالماء أصول الشعر، فدل على أنه لا يوجب الاستيعاب؛ لأنه لو كان
стр. 124
كذلك، كان كالغسل في لزوم إبلاغ الماء أصول الشعر.
وأيضا: لما كان المسح على الخفين على البعض، كان كذلك مسح الرأس، والمعنى فيه أنه مسح بالماء.
فإن قالوا: التيمم يستوعب الكل، وهو مسح.
قيل لهم: لا يلزمنا؛ لأنا قلنا: مسح بالماء.
وأيضا: هو بالمسح على الخفين أشبه منه بالتيمم؛ لأنه يسقط عن عدم الماء، كما يسقط المسح على الخفين.
* وما ذكرنا من حديث ابن عباس والمغيرة وأنس ﵃ يوجب أن يكون المفروض في المسح قدر الناصية.
والدليل عليه أن قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾، لما أوجب التبعيض على ما قدمنا، وكان ذلك البعض غير معلوم الحكم من الآية، افتقر اللفظ إلى البيان، وفعل النبي ﷺ إذا ورد على وجه البيان، فهو على الإيجاب عندنا، فوجب أن يكون مسح النبي ﷺ لمقدار الناصية بيانا للمفروض بيانا للمفروض من مقدار المسح.
فإن قيل: فينبغي أن يكون موضع الفرض هو الناصية دون غيرها لورود البيان فيها.
قيل له: كذلك يقتضي ظاهر فعله، إلا أن الدلالة قد قامت على أن
стр. 125
الفرض غير متعين فيها، دون غيرها، ولم تقم الدلالة على سقوط اعتبار المقدار، فبقي حكمه على حسب ما اقتضاه فعله.
وأيضا: لما وجب تقدير المفروض من الوضوء، وجب الرجوع فيه إلى مقدار يثبت حكمه في الأصول، أو في العادة، فلما لم نجد للربع حكما في أصول متفق عليه، ووجدنا له حكما في العادة، فيقام مقام الكل في رؤية الشخص؛ لأن قول القائل: رأيت شخصا: يقتضي أن يكون الذي رأى منه الربع، وصح مع ذلك إطلاقه لرؤية الشخص: ثبت للربع حكم في العادة.
ولم نجد لتقدير ثلاث شعرات الذي يعتبره مخالفنا أصلا في الشرع، ولا في العادة، فسقط.
مسألة [حد الوجه في الوضوء]
قال أبو جعفر: (والبياض الذي بين العذار وبين الأذن من الوجه).
قال أبو بكر أحمد: وذلك لأنه قد كان من الوجه قبل نبات الشعر، فلا يسقط حكمه بنبات الشعر في غيره، وكان شيخنا أبو الحسن الكرجي يحكي عن أبي سعيد البردعي ﵀ في حد الوجه: أنه من القصاص
стр. 126
الشعر إلى أصل الذقن, إلى شحمة الأذن.
* قال: (والأذنان من الرأس).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه مسح برأسه وأذنيه. وقال: "الأذنان من الرأس". رواه ابن عباس, وغيره ﵃.
وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال:"الأذنان من الرأس ما أقبل منهما وما أدبر".
وهو قول عبد الله بن مسعود, وابن عمر, وأنس, وفي آخرين من
стр. 127
الصحابة ﵃.
وليس يخلو قوله ﵊ ذلك من أن يكون المراد به تعريف موضع الأذنين, أو تعريف حكمهما في المسح مع الرأس, فلما انتفى الوجه الأول, لخلوه من الفائدة: صح الثاني.
فإن قيل: معناه أنهما يمسحان كما يمسح الرأس, ولا دلالة فيه على أنهما يمسحان معه.
قيل له: لا يصح أن يقال: هما من الرأس من أجل أنهما يمسحان كالرأس, لأنه لو كان كذلك كان أن يقال: الرجلان من الوجه, لأنهما يغسلان كما يغسل الوجه, فلما بطل هذا: علمنا أنه أراد أنهما تابعتان للرأس في المسح, فلذلك قال: هما "من الرأس", لأن "من": للتبعيض, فكأنه جعلهما بعض الرأس في الحكم.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال في سجوده: سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره", فدل أن السمع من الوجه.
قيل له: إنما أراد بالوجه نفسه وذاته, لا العضو, كقوله تعالى: ﴿كل
стр. 128
شيء هالك إلا وجهه﴾: يعني ذاته, ولأن السجود ليس للعضو, وإنما هو لجملة الإنسان, فكذلك سمعه وبصره.
وأيضًا: فقد قال الشاعر:
إلى هامة قد وقر الضرب سمعها ... وليست كأخرى سمعها لم يوقر
فأضاف السمع إلى الهامة, فهذا يوجب أن يكونا من الرأس.
فإن قيل: فجوز المسح عليهما دون الرأس إذ كانا من الرأس.
قيل له: لأنهما دخلا في حكم الرأس على وجه التبع, ولا يجوز أن يقوم الأتباع مقام الأصل.
فإن قيل: قد روي عن النبي ﷺ أنه أخذ لهما ماء جديدًا.
قيل له: لو صح: لورد به النقل متواترًا كوروده في سائر الأعضاء
стр. 129
وأيضًا: لو كانتا من الوجه: لوجب غسلهما معه, ولما جاز تركه, لأن الغسل يوجب استيعاب العضو, وفي جواز مسحهما أو تركهما دلالة على أنهما ليستا من الوجه, وأنهما من الرأس؛ لأن مسح الرأس موضوعه التخفيف, فلذلك جاز تركهما ومسحهما جميعًا.
مسألة [فرضية غسل المرفقين والكعبين في الوضوء]
قال أبو جعفر: (وعلى المتوضئ غسل مرفقيه وكعبيه في الوضوء).
قال أبو بكر: وذلك لأن قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾: اقتضى ظاهر لفظه غسلهما إلى المنكب لولا ذكر الغاية, لأن اليد اسم للعضو إلى المنكب.
وكذلك الرجل اسم للعضو إلى الفخذ, فلما ذكر الغاية: كانت لإسقاط ما عداها, وبقى حكم اللفظ في المرفق والكعبين, فدخلا فيه.
وأيضًا: فلما كانت الغاية مشكوكًا فيها؛ لأنها قد تدخل في الحكم
стр. 130
تارة, ولا تدخل أخرى. قال الله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ , وهو غير داخل فيه.
ولو قال رجل لآخر: والله لا كلمتك إلى أن تدخل الدار: كان الدخول داخلًا في اليمين, والكلام بعده, وذلك متعارف في العادة.
ولأن: "إلى" في هذا الموضع غاية, وبمنزلة: "حتى", فيقتضي ظاهره دخول فيه, كقوله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾: عقل به إباحة الصلاة بعد الغسل.
فلما كان كذلك, ولم يكن في ظاهر اللفظ دلالة على دخولها, ولا على خروجها, ثم كان الحديث يقينًا: لم يرفعه بالشك, ولا يحصل اليقين إلا بغسل المرفقين والكعبين.
وأيضًا: لما كان حكم الغاية على ما وصفنا, كانت بمنزلة اللفظ المجمل المفتقر إلى البيان.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا العقيلي عن ابن عقيل عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قلنا: أرنا وضوء رسول الله ﷺ , فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا, ومسح رأسه مرة, فرأيت الماء في أصول الشعر, وكان إذا بلغ المرفقين أدار الماء عليهما.
стр. 131
فكان فعله ﷺ واردًا مورد البيان, وفعله ﷺ إذا ورد على وجه البيان: فهو عندنا على وجوب.
[مسألة: فرضية غسل الرجلين في الوضوء]
وأما فرض الرجلين: فهو الغسل في حال ظهورهما, وذلك لأن قوله : ﴿وأرجلكم﴾: لما قرئ على وجهين: بالنصب, والخفض, وكل واحد من الوجهين يحتمل أن يكون راجعًا إلى الممسوح, وإلى المغسول, صار كاللفظ المجمل المفتقر إلى البيان, وفعل النبي ﷺ إذا ورد على وجه البيان: فهو على الوجوب. ولم يثبت عنه البيان إلا بالغسل, فكان على الوجوب, فدل على أنه هو المراد بالآية.
*ومن جهة أخرى: هي أنه إذا احتمل الوجهين على بينا, صار كالآيتين, في إحداهما مسح, وفي الأخرى غسل، فالواجب علينا استعمالهما باستيعاب حكمهما, وذلك لا يكون إلا بالغسل, لأن المسح يدخل فيه، والغسل لا يدخل في المسح.
فإن قيل: هلا جعلته على التخيير؟
قيل له: لا يجوز إثبات التخيير إلا مع وجود لفظ التخيير, وأما ظاهر هذا اللفظ فيقتضي الإيجاب
стр. 132
وأيضا: لما كان قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ محتملا للوجهين، وكان الحديث يقينا: لم يزل إلا بيقين، وهو الغسل.
وأيضا: لما قال: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾: دل التحديد على معنيين:
أحدهما: الاستيعاب.
والآخر: الغسل، كقول: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾: أوجب الاستيعاب والغسل جميعا.
وأيضا: روي عن النبي ﷺ أنه رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء، فقال: "ويل للعراقيب من النار".
وأمر رجلا قد بقي من رجله موضع ظفر لم يصبه الماء، فقال: "ارجع فأحسن وضوءك".
وأيضا: الحاجة إلى معرفة فرض طهارة الرجلين عامة، فلو كان المسح ثابتا، لورد النقل به متواترا، فلما لم يرد: علمنا أنه غير ثابت.
стр. 133
فإن قيل: روي "أن النبي ﷺ توضأ ومسح على نعليه وقدميه".
قيل له: هو على ما بينه علي بن أبي طالب ﵁ حين توضأ، ومسح على نعليه وقدميه، وقال: "هذا وضوء من لم يحدث".
* ولاستعمال القراءتين وجه آخر: وهو أنه لما احتمل المسح والغسل، استعملناهما في حالتين:
المسح في حال لبس الخفين، إذ جائز أن يقال لمن مسح على خفيه: أنه مسح على قدميه، كما يقال: ضرب رأسه وإن كان عليه عمامة.
والغسل في حال ظهور الرجلين، حتى نكون مستعملين للقراءتين جميعا.
وقد استقصينا هذه المسألة في "مسائل الخلاف".
مسألة: [عدم وجوب الموالاة ولا الترتيب في الوضوء]
قال أبو جعفر: (ومن والى وضوءه، أو فرقه، أو قدم شيئا على شيء: لم يضره).
قال أبو بكر: أما جواز التفريق؛ فلأنه مطابق للفظ الآية، إذ ليس فيها إيجاب المتابعة.
стр. 134
وأيضا: روي عن عمر وأنس ﵄ "أن النبي ﷺ رأى رجلا، وقد توضأ وترك على قدميه مثل موضع الظفر.
فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فأحسن وضوءك".
وروي أنه رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء، فقال: "ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".
وهذا يدل على جواز التفريق، لأنه أمر بإتمامه، ولم يأمر باستئنافه.
فصل:
وأما وجه جواز ترك الترتيب فيه؛ فلقوله : ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ الآية، والذي في الآية: الغسل دون الترتيب؛ لأن الواو لا توجب الترتيب في اللغة. قاله ثعلب,
стр. 135
والمبرد جميعا.
قالا: لأنك إذا قلت: رأيت زيدا وعمرا: فجائز أن تكون رأيتهما معا، أو عمرا قبل زيد، فليس في الواو زيادة في النص، والزيادة في النص توجب نسخه؛ لأنك تحظر بها ما أباحته الآية.
فإن قيل: لو كانت الزيادة في النص توجب النسخ، لوجب أن يكون زيادة فروض أخر غير الأول توجب النسخ؛ لأن الفرض المتقرر علينا نعتقد فيه أن لا فرض غيره، فإذا ورد فرض آخر زال الاعتقاد الأول؛ لأنا نحتاج أن نعتقد أن الفرض هو وغيره.
قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن العلة الموجبة لكون الزيادة في المنصوص نسخا، ليست ما ذكرت، وإنما هي أن ورود الفرض المفسر يوجب علينا الحكم بجوازه وكماله، فإذا وردت زيادة: لم يقع الأول موقع الجواز، وكان وجوده وعدمه سواء حتى تفعل الزيادة معه، فمن أجل ذلك صارت الزيادة نسخا.
وأما ورود فرض آخر غير متعلق بالأول، فليس فيه ما يغير حكم الأول، ويبين ذلك أن الزيادة مع الأصل لو وردا: كان الإخلال بالزيادة
стр. 136
يسلب الأول حكمه، حتى يصير وجوده وعدمه بمنزلة سواء حتى تفعل الزيادة.
وأما الفرضان فلو وردا معا، لم يكن الإخلال بأحدهما مؤثرا في الآخر، ألا ترى أن ترك الصلاة لا يؤثر في فعل الصوم، وكذلك ترك الصوم لا يؤثر في صحة فعل الزكاة.
وترك الترتيب في الوضوء عند مخالفنا يؤثر في حكم الغسل، حتى يجعله كلا غسل، وكذلك ترك النية فيه، وكذلك عتق الرقبة الكافرة في الظهار لو شرطنا فيها الإيمان، كان عدمه مانعا من ثبوت حكمها كفارة.
فهذا هو حد الزيادة الموجبة للنسخ إذا وردت بعد الفرض، وليس هذا موضع الكلام في هذه المسألة، إلا أنه لما عرض منها ما وصفنا أحببنا أن لا نخليها من جملة تدل عليها.
فإن قيل: ما ينكر على من سلم لكم أن الواو لا يقتضي الترتيب إلا أن الآية توجبه من حيث كانت الفاء للتعقيب، ولا خلاف بين أهل اللغة فيه، فلما قال الله تعالى:﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴿لزم أن يكون الذي على حال القيام: غسل الوجه؛ لأنه معطوف عليه بالفاء، فلزم تقديم غسله على سائر الأعضاء، وإذا لزم الترتيب في غسل
стр. 137
الوجه: لزم في سائر الأعضاء؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما.
قيل له: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن قوله:﴾ إذا قمتم إلى الصلاة ﴿متفق على أنه ليس المراد به حقيقة اللفظ؛ لأن الحقيقة تقتضي إيجاب الوضوء بعد القيام إلى الصلاة؛ لأنه جعله شرطا فيه، ومعلوم أن شرط صحة القيام إلى الصلاة تقديم الطهارة عليه، فثبت أنه ذكر القيام، والمراد به غيره، وأن فيه ضميرا غير مذكور في اللفظ؛ والحكم متعلق به،
وما كان هذا سبيله من الألفاظ: لم يصح استعماله إلا بقيام الدليل عليه؛ لأنه مجاز، والمجاز لا يجوز اعتباره إلا بانضمام الدلالة إليه.
فإذا لا يصح اعتبار غسل الوجه مرتبا على المذكور في الآية، لأجل إدخال الفاء عليها، إذ كان المعنى الذي ترتب عليه الغسل، فيحتاج إلى دلالة في إثباته، فهذا وجه يسقط به سؤال السائل.
الثاني: وإن سلمنا لهم جواز اعتبار اللفظ فيما يقتضيه من الترتيب، فقلنا لهم: إذا ثبت أن الواو لا توجب الترتيب، صار تقدير الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء، فيصير الجميع مرتبا على القيام، لا غسل الوجه دون سائرها إذا كانت الواو للجمع، فكأنه عطف الأعضاء كلها مجموعة بالفاء على حال القيام، فلا دلالة فيه على الترتيب، بل يقتضي إسقاط الترتيب.
стр. 138
* ودليل آخر: وهو أنا وجميع فقهاء الأمصار متفقون على أن قوله﴾ وأرجلكم ﴿: معطوف على المغسول في المعنى، وأنه غير معطوف على الرأس في المعنى، وإن كان يليه، لأنه لو كان كذلك، لكانت ممسوحة كالرأس، فثبت بما وصفنا أن الرجل معطوفة على الوجه واليدين، مقدمة على الرأس في المعنى وإن كانت مؤخرة عنه في اللفظ.
*ودليل آخر: وهو قول الله تعالى:﴾ وأنزلنا من السماء ماء طهورا ﴿.
وقال:﴾ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ﴿.
وقال:﴾ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴿.
فاقتضت هذه الآيات وقوع الطهارة بوجود الغسل، وفي ظاهرها يقتضي ببطلان الترتيب من وجوه:
أحدهما: أنه تعالى جعله مطهرا، وخصمنا يأبى ذلك إلا مع وجود الترتيب، وفي ذلك زيادة في النص، وذلك لا يجوز.
والثاني: أن الله أخبر أن قصده تطهيرنا بالماء، والتطهير واقع مع عده الترتيب، فموجب الترتيب مزيل لما أخبر الله تعالى به عن مقصده من
стр. 139
وقوع الطهارة به.
والثالث: نفيه الحرج فيما تعبدنا به من حكم الطهارة، والحرج: الضيق، كما قال تعالى:﴾ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴿، وفي إيجاب الترتيب إثبات الحرج، لأن فيه ضربا من التضييق.
وأيضا: روي عن علي وعبد الله وأبي هريرة ﵃: "ما أبالي إذا أتممت وضوئي، بأي أعضائي بدأت".
ولا نعلم عن أحد من السلف خلافه، فصار إجماعا.
وأيضا: اتفقنا جميعا على أنه لو بدأ من المرفق إلى الزند في الغسل:
стр. 140
جاز، وقال الله تعالى:﴾ وأيديكم إلى المرافق ﴿، فلما لم يجب الترتيب فيه، مع أن اللفظ يقتضيه، فما لا يقتضي اللفظ ترتيبه من الأعضاء، أحرى أن لا يجب فيه الترتيب.
فإن قيل: ما العلة الجامعة بينهما؟
قيل له: هي أنهما جميعا من أعضاء الطهارة، فلما سقط الترتيب في أحدهما، سقط في الآخر، إذ كان من أعضاء الطهارة.
وأيضا: لما لم يلزم الترتيب بين الصلاة والزكاة، إذ كل واحدة منهما يجوز سقوطها مع ثبوت فرض الأخرى، كان كذلك الترتيب في الوضوء.
إذ جائز سقوط فرض غسل الرجلين لعلة بهما، مع لزوم غسل فرض الوجه.
وأيضا: لما لم يستحل جمعها: سقط فيها الترتيب، كما أنه لما لم يستحل جمع فعل الصلاة والزكاة في حال واحدة: سقط فيهما الترتيب.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه توضأ فغسل وجهه، ثم يديه، وسائر أعضاء الوضوء على الترتيب، ثم قال: "هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به"، وذلك يقتضي وجوب الترتيب، لأنه أشار إلى وضوء مرتب.
قيل له: هذا غلط، لأن الحديث الذي ذكر فيه هذا اللفظ: لم يذكر فيه الترتيب، وإنما هو حديث زيد العمي عن معاوية بن قرة عن ابن عمر أن
стр. 141
النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وضوء من لا يقبل الله صلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين" إلى آخر الحديث، ولم يذكر فيه كيفية فعله في الترتيب.
وليس يمتنع أن يكون قد بدأ باليدين قبل الوجه، أو بمسح الرأس قبله، ومن ادعى أنه فعله مرتبا، لم يمكنه إثبات ذلك إلا برواية، ولا سبيل إلى إيجاد ذلك.
وأيضا: لو ثبت أنه فعله مرتبا، ثم قال ذلك، لكان ذلك إشارة منه إلى الوضوء، والوضوء هو الغسل، دون الترتيب.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال حين صعد الصفا: "نبدأ بما بدأ الله به"، فدل أن ترتيب الفعل وجب لأجل ترتيب اللفظ.
قيل له: هذا يدل على أن اللفظ لم يوجب الترتيب، لأنه لو أوجبه لم يحتج ﵊ أن يقول لهم ذلك، وهم أهل اللسان قد عقلوا حكم اللفظ.
وأيضا: فإنما وجب ذلك في الصفا والمروة، ولا يدخل غيره فيه إلا بدلالة.
стр. 142
فإن قيل: روي أنه قال: "ابدؤوا بما بدأ الله به"، ولم يذكر فيه الصفا والمروة، وهو على العموم.
قيل له: الحديث حديث واحد، روي في قصة واحدة، وعسى أن يكون بعض الرواة أسقط ذكر السبب، واقتصر على حكاية قول النبي ﷺ .
وأيضا: فإذا لم يثبت أن النبي ﷺ قاله في حالين، لم يجز لنا أن نجعله حديثين، لأنه غير جائز إثبات الأخبار بالشك.
فإن قيل: ما ينكر أن يكون الوضوء قياسا على الصفا والمروة في إيجاب الترتيب، والمعنى الجامع بينهما أنهما قد دخلا تحت فرض واحد، لا يصح بعضه دون البعض.
قيل له: قد تصح طهارة بعض الأعضاء دون بعض، لأنه لو كان برأسه أو بذراعه علة تمنع الغسل، صحت له طهارة باقي الأعضاء، فقولك: إنه لا يصح بعضه دون بعض، خطأ.
وأيضا: حكى محمد بن شجاع، عن أبي حنيفة أنه إن بدأ بالمروة ثم
стр. 143
بالصفا، أمرته بإعادة ذلك الشوط، فإن لم يعده أجزأه، فلم يوجب الترتيب في الصفا والمروة.
وأيضا: فالمعنى في الصفا والمروة أنه لا يصح جمعهما، فلزم الترتيب، وقد يصح جمع الأعضاء في الغسل.
فإن قاسوه على ترتيب السجود على الركوع، فإنه فرض واحد يضمن بعضه ببعض: كان الجواب فيه ما قدمناه من الوجهين:
أحدهما: أن جمعهما مستحيل، ولا يستحيل جمع الغسل.
والثاني: أنه قد يصح ثبوت فرض بعض الأعضاء وسقوط البعض، ولا يصح سقوط فرض الركوع دون السجود، ولا ثبوت أحدهما دون الآخر.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من توضأ فغسل وجهه كما أمره الله، ثم غسل يديه ... "، وذلك يقتضي الترتيب.
قيل له: هذا حكاية عن فعل العبد، لا عن أمر الله، لأن أمر الله مذكور في غسل الوجه، لا في اليدين.
وأيضا: ذكر فيه المضمضة والاستنشاق، وليسا بواجبين.
стр. 144
مسألة: [وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء].
قال أبو جعفر: (فإذا ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء: كره له، ولم يعد الصلاة، وإن تركهما في الجنابة أعاد الصلاة).
قال أبو بكر: إنما لم يكونا فرضا في الوضوء؛ لأن فرض الوضوء ورد مفسرا غير مفتقر إلى البيان، فلو جعلنا المضمضة والاستنشاق فرضا فيه: كان زيادة في النص، ولا يجوز ذلك عندنا، لما بيناه.
فإن احتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"، وما روي من أنه "توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به".
قيل لهم: لا يجوز عندنا الزيادة في حكم النص بأخبار الآحاد فحملناه على الندب.
وأما الخبر الذي فيه: أنه توضأ مرة مرة، وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به".
فإنه لم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق.
وأيضا: قد اتفق الجميع على أنه ليس عليه غسل الباطن؛ لأنه لا
стр. 145
يبلغ بالماء أصول الشعر، وداخل الأنف والفم باطن كأصول الشعر، فلا يلزمه تطهيرها.
فصل:
وإنما قلنا إنهما فرضان في الجنابة؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا ﴿، وهذا يمكن أن نحتج به من وجهين:
أحدهما: أن يكون عموما في كل ما يلحقه حكم التطهير، وداخل الفم والأنف يلحقهما ذلك.
فإن قيل: هو على أقل ما يتناوله الاسم.
قيل له: بل هو على جميع ما يتناوله الاسم، كقوله:﴾ فاقتلوا المشركين ﴿: اقتضى جميع ما دخل تحته، ولا يجوز أن يقال: إنه على ثلاثة، أقل ما يتناوله الاسم.
والوجه الآخر: أن يكون مجملا، مفتقرا إلى البيان، ثم لما تمضمض النبي ﷺ ، واستنشق في الجنابة، كان فعله ذلك على وجه البيان، فهو على الوجوب، كفعله لأعداد ركعات الصلاة ونحوها، إذ كان لفظا مجملا مفتقرا إلى البيان.
следующие страницы →