Полный текст (3 930 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وضوء من لا يقبل الله صلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين" إلى آخر الحديث، ولم يذكر فيه كيفية فعله في الترتيب.
وليس يمتنع أن يكون قد بدأ باليدين قبل الوجه، أو بمسح الرأس قبله، ومن ادعى أنه فعله مرتبا، لم يمكنه إثبات ذلك إلا برواية، ولا سبيل إلى إيجاد ذلك.
وأيضا: لو ثبت أنه فعله مرتبا، ثم قال ذلك، لكان ذلك إشارة منه إلى الوضوء، والوضوء هو الغسل، دون الترتيب.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال حين صعد الصفا: "نبدأ بما بدأ الله به"، فدل أن ترتيب الفعل وجب لأجل ترتيب اللفظ.
قيل له: هذا يدل على أن اللفظ لم يوجب الترتيب، لأنه لو أوجبه لم يحتج ﵊ أن يقول لهم ذلك، وهم أهل اللسان قد عقلوا حكم اللفظ.
وأيضا: فإنما وجب ذلك في الصفا والمروة، ولا يدخل غيره فيه إلا بدلالة.
стр. 142
فإن قيل: روي أنه قال: "ابدؤوا بما بدأ الله به"، ولم يذكر فيه الصفا والمروة، وهو على العموم.
قيل له: الحديث حديث واحد، روي في قصة واحدة، وعسى أن يكون بعض الرواة أسقط ذكر السبب، واقتصر على حكاية قول النبي ﷺ .
وأيضا: فإذا لم يثبت أن النبي ﷺ قاله في حالين، لم يجز لنا أن نجعله حديثين، لأنه غير جائز إثبات الأخبار بالشك.
فإن قيل: ما ينكر أن يكون الوضوء قياسا على الصفا والمروة في إيجاب الترتيب، والمعنى الجامع بينهما أنهما قد دخلا تحت فرض واحد، لا يصح بعضه دون البعض.
قيل له: قد تصح طهارة بعض الأعضاء دون بعض، لأنه لو كان برأسه أو بذراعه علة تمنع الغسل، صحت له طهارة باقي الأعضاء، فقولك: إنه لا يصح بعضه دون بعض، خطأ.
وأيضا: حكى محمد بن شجاع، عن أبي حنيفة أنه إن بدأ بالمروة ثم
стр. 143
بالصفا، أمرته بإعادة ذلك الشوط، فإن لم يعده أجزأه، فلم يوجب الترتيب في الصفا والمروة.
وأيضا: فالمعنى في الصفا والمروة أنه لا يصح جمعهما، فلزم الترتيب، وقد يصح جمع الأعضاء في الغسل.
فإن قاسوه على ترتيب السجود على الركوع، فإنه فرض واحد يضمن بعضه ببعض: كان الجواب فيه ما قدمناه من الوجهين:
أحدهما: أن جمعهما مستحيل، ولا يستحيل جمع الغسل.
والثاني: أنه قد يصح ثبوت فرض بعض الأعضاء وسقوط البعض، ولا يصح سقوط فرض الركوع دون السجود، ولا ثبوت أحدهما دون الآخر.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من توضأ فغسل وجهه كما أمره الله، ثم غسل يديه ... "، وذلك يقتضي الترتيب.
قيل له: هذا حكاية عن فعل العبد، لا عن أمر الله، لأن أمر الله مذكور في غسل الوجه، لا في اليدين.
وأيضا: ذكر فيه المضمضة والاستنشاق، وليسا بواجبين.
стр. 144
مسألة: [وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء].
قال أبو جعفر: (فإذا ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء: كره له، ولم يعد الصلاة، وإن تركهما في الجنابة أعاد الصلاة).
قال أبو بكر: إنما لم يكونا فرضا في الوضوء؛ لأن فرض الوضوء ورد مفسرا غير مفتقر إلى البيان، فلو جعلنا المضمضة والاستنشاق فرضا فيه: كان زيادة في النص، ولا يجوز ذلك عندنا، لما بيناه.
فإن احتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"، وما روي من أنه "توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به".
قيل لهم: لا يجوز عندنا الزيادة في حكم النص بأخبار الآحاد فحملناه على الندب.
وأما الخبر الذي فيه: أنه توضأ مرة مرة، وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به".
فإنه لم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق.
وأيضا: قد اتفق الجميع على أنه ليس عليه غسل الباطن؛ لأنه لا
стр. 145
يبلغ بالماء أصول الشعر، وداخل الأنف والفم باطن كأصول الشعر، فلا يلزمه تطهيرها.
فصل:
وإنما قلنا إنهما فرضان في الجنابة؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا ﴿، وهذا يمكن أن نحتج به من وجهين:
أحدهما: أن يكون عموما في كل ما يلحقه حكم التطهير، وداخل الفم والأنف يلحقهما ذلك.
فإن قيل: هو على أقل ما يتناوله الاسم.
قيل له: بل هو على جميع ما يتناوله الاسم، كقوله:﴾ فاقتلوا المشركين ﴿: اقتضى جميع ما دخل تحته، ولا يجوز أن يقال: إنه على ثلاثة، أقل ما يتناوله الاسم.
والوجه الآخر: أن يكون مجملا، مفتقرا إلى البيان، ثم لما تمضمض النبي ﷺ ، واستنشق في الجنابة، كان فعله ذلك على وجه البيان، فهو على الوجوب، كفعله لأعداد ركعات الصلاة ونحوها، إذ كان لفظا مجملا مفتقرا إلى البيان.
стр. 146
ولا يلزم على ذلك الوضوء؛ لأنه فرض مفسر ظاهر المعنى، بين المراد، غير مفتقر إلى البيان، فلم يكن فعله للمضمضة والاستنشاق على جهة البيان، فلم يكن على الوجوب.
وأيضا في الفرق بينهما: أن المفروض في الجنابة غسل الظاهر والباطن الذي يلحقه حكم التطهير، بدلالة أن عليه إبلاغ الماء أصول الشعر، ولا يجب ذلك عليه في الوضوء.
فإن قيل: فأوجب طهارة داخل العين، لعموم الآية في الجنابة.
قيل له: خصصناه بالإجماع.
فإن قيل: ليس فيه إجماع، لأن ابن عمر ﵁ كان يدخل الماء عينه في الجنابة.
قيل له: لم يرو عنه أنه كان يراه واجبا، وعسى كان يستحبه.
على أنه لو رآه واجبا، كان اتفاق من بعده على خلافه قاضيا عليه؛ لأن إجماع أهل الأمصار عندنا حجة.
* وأيضا من جهة السنة: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا
стр. 147
أحمد بن النضر بن بحر، والمعمري، وأحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق قالوا: حدثنا بركة بن محمد الحلبي قال: حدثنا يوسف بن أسباط عن سفيان الثوري عن خالد عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة.
وحدثنا محمد بن أبي حفص قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور، قال: حدثنا بركة بن محمد بإسناده مثله.
قال محمد: وحدثني محمد بن أحمد بن المؤمل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا بشر بن محمد أبو أحمد السكري قال: حدثنا بحر السقا عن خالد الحذاء بإسناده نحوه.
وقال لي محمد بن أبي حفص: ورواه وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن النبي ﷺ مثله مرسلا.
فإن قيل: كيف تحتج بهذا الحديث، وأنت تخالفه؛ لأنك لا تجعل الثلاث فرضا، وإنما تجعل الفرض مرة واحدة.
стр. 148
قيل له: ظاهر الخبر يقتضي أن يكون الثلاث فرضا، إلا أن الاتفاق قد حصل على أن ما عدا الواحدة ليس بفرض، فخصصناه بالاتفاق، وبقي حكم الإيجاب في الواحدة، إذ لم تقم الدلالة على نسخها.
وأيضا: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا: أبو يحيى الناقد قال حدثنا الصلت بن مسعود قال: حدثنا الحارث بن وجبة قال: حدثنا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فأنقوا الشعر، وأنقوا البشرة".
وهذا الحديث وإن كان أصحابنا من أهل الحديث يتكلمون فيه من جهة أنهم يضعفون الحارث بن وجبة، ومن جهة أن أيوب رواه عن ابن سيرين من كلامه غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، فإن طريق
стр. 149
الفقهاء في قبول الأخبار غير طريق هؤلاء.
ولا يُفسده أن يكون غيره قد رواه من كلام ابن سيرين، إذ لا يمتنع أن يرويه مرفوعاً، ثم يفتي به ويعتقده مذهباً، بل يؤكده ذلك عندنا.
وأما الحارث بن وجبة فغير متهم في الرواية، فخبره مقبول كأخبار غيره.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن عبد الملك قال: حدثنا أبو سلمة قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زاذان عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:" من ترك شعرة من جنابة لم يغسلها: فعل بها كذا وكذا من النار".
قال علي ﵁: "فمن ثم عاديت شعري".
وفي حديث عمرو بن بجدان عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال له: "التراب كافيك ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك".
стр. 150
وفي بعض الألفاظ "بشرتك".
فهذه الآثار تقتضي إيجاب المضمضة والاستنشاق في الجنابة؛ لأن في الفم والأنف جلدا، وفي الأنف شعرة.
وكان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبي سعيد البردعي عن ثعلب أنه كان يقول: البشرة هي: الجلدة التي تقي اللحم من الأذى، يريد أن الخل ونحوه إذا أخذه الإنسان في يده أو في فمه لم يتأذ به، فإن بقر الجلد من الموضع تأذى بما يصير فيه من خل أو نحوه، فتلك الجلدة هي البشرة.
فإن قيل: فيلزمك على هذا تطهير داخل العين، لأنها قد يكون فيها شعر.
قيل له: كذلك يقتضي ظاهر الخبر، إلا أنا خصصناه بدلالة.
مسألة: [عدم جواز قراءة القرآن، ولا مسه للجنب والحائض].
قال أبو جعفر: (ولا يقرأ الجنب ولا الحائض الآية التامة، ولا يمس المصحف إلا بغلافه).
стр. 151
قال أبو بكر: وذلك لما روي عن شعبة وغيره عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ لم يكن يحجبه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة".
وروى إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن".
* ولا يمس المصحف لقول الله تعالى:﴾ لا يمسه إلا المطهرون ﴿.
وفي كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: "وأن لا يمس القرآن إلا طاهر".
стр. 152
فإن قيل: قوله:﴾ لا يمسه إلا المطهرون ﴿: ليس بأمر، وإنما هو خبر عن كونه في كتاب مكنون،
وأنه لا يمسه هناك إلا المطهرون، يعنى بهم الملائكة.
قيل له: لا يمتنع أن يكون أمرا في صورة الخبر، كقوله:﴾ يتربصن بأنفسهن ﴿.
وليس في اللفظ دلالة اختصاص الملائكة بذلك، فهو في جميع المطهرين، فوجب أن يكون قوله:﴾ لا يمسه ﴿: أمرا، ليصح عموم لفظ المطهرين.
وأيضا: فإذا وجدنا من النبي ﷺ حكما مطابقا لما في القرآن، وجب أن يقضى بأن حكمه ﷺ بذلك صدر عن القرآن، وأنه ليس بمبتدأ.
* وأما أخذه بالعلاقة أو بغلافه: فلا بأس به وإن كان جنبا؛ لأنه غير ماس للقرآن، كما لو حمل حملا وفيه مصحف، جاز وإن كان جنبا.
*****
стр. 153
باب الاستطابة والحدث
[وجوب الاستنجاء من البول والغائط [
قال أبو جعفر: (وليس على من نام أو أحدث حدثا سوى الغائط والبول استنجاء).
قال أبو بكر: وذلك لقول الله :﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... ﴿الآية، فأباح الصلاة بغسل هذه الأعضاء المذكورة في الآية، فلو أوجبنا الاستنجاء فرضا، كان فيه زيادة في حكم النص، ولا يجوز ذلك عندنا، إلا بمثل ما يجوز به النسخ.
وأيضا: فقد نقلت الأمة عن النبي ﷺ جواز الاستنجاء بالأحجار، والاقتصار عليها دون الماء، ولو كان ذلك فرضا، لما أجزأ فيه دون استعمال الماء.
وأيضا: لو كان الاستنجاء واجبا من غير بول أو غائط، لورد النقل به
стр. 154
متواترا، كوروده في غسل الأعضاء الأربعة، فلما لم يرد، ولم يرو أن النبي ﷺ استنجى من غيرهما، دل على انه غير واجب.
[مسألة]:
قال أبو جعفر: (والاستنجاء من البول والغائط سواء).
* وكذلك يستنجي من الودي، والمذي، وهما نجسان، ومن خرج منه واحد منهما: فعليه الوضوء بعد غسل فرجه وما أصاب ثيابه منه.
قال أبو يكر: وذلك لما روي عن النبي ﷺ "أنه أمر بغسل الفرج من المذي، وأن يتوضأ منه وضوءه للصلاة".
فدل على أمرين: على النجاسة والحدث؛ لأنه قال: "فليغسل ذكره وأنثييه، ويتوضأ وضوء للصلاة": في حديث علي بن أبي طالب ﵁ حين أمر المقداد فسأل النبي ﷺ عنه.
وأيضا: فهو خارج من مخرج البول، فأقل أحواله أن ينجس بملاقاته لموضع النجاسة.
ويستنجي من ذلك كله؛ لأن النبي ﷺ حين أمر بالاستنجاء بالأحجار، لم يفرق بين شيء من ذلك.
стр. 155
وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بها، فإنها تجزي عنه".
والغائط هو الموضع المطمئن من الأرض، يستتر به عند قضاء الحاجة، وقد يؤتى لكل خارج من الفرج، للاستتار.
مسألة: [يجزئ الاستنجاء بكل ما أنقى، ولا عدد في ذلك]
قال أبو جعفر: (ومن استنجى بأحجار أو بما سواها من الأشياء الطاهرة، فأنقى: أجزأه، ولا عدد في ذلك لا يجزي أقل منه)
قال أبو بكر: أما الاستنجاء بغير الحجر، فهو من جهة ما روى يوسف بن النضر قال: حدثنا الأوزاعي عن أبي النجاشي عن أنس بن مالك ﵁ "أنه كان يستنجي بالحرض، ويذكر انه رأى رسول الله ﷺ يستنجي بالحرض".
стр. 156
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن الحسن المضني قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهراء عن طاووس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى أحدكم حاجته، فليستنج بثلاثة أعواد، أو ثلاثة أحجار، أو ثلاث حثيات من التراب".
قال زمعة: فحدثت به جابر بن طاووس، فقال: أخبرني أبي عن ابن عباس ﵄ بهذا، سواء.
* وأما وجه جوازه بدون ثلاثة أحجار إذا أنقى؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من استجمر فليوتر"، وأقل ما يتناوله الاسم واحدة، وعمومه يقتضي جوازها.
وأيضا: أمر النبي ﷺ بالاستنجاء بثلاثة أحجار للبول والغائط جميعا، فيحصل لأحدهما أقل من ثلاثة أحجار، لأنه قال: "إذا
стр. 157
أتى أحدكم الغائط، فليستنج بثلاثة أحجار"، والغائط يؤتى للأمرين، فاقتصر له النبي ﷺ على ثلاثة للموضعين.
وأيضا: حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال: حدثنا محمد بن أبي بكر عن عيسى بن يونس قال: حدثنا ثور بن يزيد عن الحصين الحبراني عن أبي سعيد البقال –وهو سعيد بن المرزبان- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اكتحل فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، ومن فعل: فقد أحسن، ومن لا: فلا حرج".
فأجاز ﵊ بظاهر ذلك الاستجمار بحجرين.
فإن قيل: أمره بالاستنجاء بثلاثة أحجار على الوجوب.
قيل له: الثلاثة للموضعين على ما بينا.
وعلى أنا نجمع بينه وبين الأخبار التي روينا، ولا يسقط بعضها ببعض، فنقول: الثلاثة إذا لم ينق بما دونها، وإذا أنقى بما دونها: جاز بالأخبار الأخر، أو نجعل الثلاث على الندب، وما دونها مجزيًا بما ذكرنا.
وأيضًا: قال: "ثلاثة أحجار": واتفقنا على أنه– للأخبار التي روينا- لو
стр. 158
استنجى بحجر واحد له ثلاثة أحرف: أجزأ، فإن جاز أن لا يكون عدد الأحجار شرطًا، وإن كان مذكورًا: جاز أن لا يكون عدد المسحات شرطًا فيه.
فإن قيل: لأن الفرض عدد المسحات.
قيل له: بل الفرض الإنقاء.
فإن قيل: فما الفائدة في ذكر الثلاث؟
قيل له: لأنها تنقي في الغالب، كما قال ﵊: "إذ استيقظ أحدُكم من منامه فليغسل يديه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده".
*ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أنه لو استنجى ثلاثًا، ولم ينق: لم يجزه، فدل أن المراد الإنقاء، لا عدد المسحات.
ويدل عليه: أنه لو كان الاستنجاء عبادة، لا لإزالة النجاسة، لما جاز أن ينوب عن الأحجار غيرها، كالماء في أعضاء المحدث لما كان عبادة. لم يجز أن يتعدى إلى غيره.
وأيضًا: الاستنجاء بالماء ليس فيه اعتبار العدد، فكذلك بالأحجار، ولو كان العدد عبادة لوجب في الماء مثله، كما قال مخالفنا في ولوغ الكلب.
стр. 159
فإن قيل: لأن الماء يزيل العين والأثر جميعًا، والحجر إنما يزيل العين دون الأثر، فالماء أبلغ.
قيل له: فهذا يدل على أن المعتبر الإنقاء، لا العدد.
فإن قال قائل: الإنقاء هو المراد، والعدد عبادة، كما أن موضوع العدة: الاستبراء، وهو يقع بحيضة واحدة، واستيفاء العدد فيها عبادة.
قيل له: ليس الاستبراء بمقصور على الحيضة الأولى دون الأخريين؛ لأنه جائز أن يكون بعد الحيضة الأولى وطء، فيحتاج إلى الاستبراء، وكذلك في الثانية، وليس كذلك الاستنجاء، لأنا قد علمنا أنه لم يكن بعد الأولى والثانية نجاسة حادثة، فيحتاج إلى تطهيرها.
ألا ترى أنه لو ظهر بها حمل الحيضة الأولى، لزم الولد الزوج، وكانت عدتها بالحمل، وكذلك بعد الثانية، فعلم أن كل واحدة من الحيض في نفسها استبراء.
وأيضًا: فإن استيفاء العدد في العدة إذ كانت عبادة، لم ينب عن الحيض غيرها مع إمكان استيفائها، وقد اتفقنا على جواز الاستنجاء بغير المنصوص عليه مع إمكان الأحجار، وما نص عليه منها، فدل أن المقصد فيه الإنقاء، دون عدد المسح.
وأيضًا: فإن العدة قد تلزم عبادة مجردة من الاستبراء، وهي عدة اليائسة والصغيرة، ولا يجب الاستنجاء بوجه إلا لإزالة النجاسة.
стр. 160
وأيضًا: لما لم يدل لزوم استيفاء العدد في العدة على اعتبار العدد في غسل النجاسات، كذلك لا يدل على حكم الاستنجاء، بل رد الاستنجاء إلى غسل النجاسات أولى من رده إلى العدة؛ لأنه من باب إزالة الأنجاس.
وعلى أنا إنما أجبنا عن سؤال العدة على جهة المسامحة، وثقة منا بتناقض قول الخصم وفساده، فأما إن أخذناه بما توجبه حقيقة النظر، وطالبناه برده إلى العدة بعلة صحيحة توجب رده إليها: تعذر عليه إيجاد ذلك.
فإن قال: إنما رددته إليها في باب الجواز، ورأينا أنه لا يمتنع أن يكون العدد معتبرا على جهة العبادة وغيرها في شيء واحد.
قيل له: ولم– إذا جاز في الأصول ما قلت- وجب أن يكون كما ذكرت، وإنما كلامنا معك في الوجوب، لا في الجواز.
* وكذلك إن سألوا على ذلك رمي الجمار، وقالوا هو عبادة، قد لزم فيها استيفاء العدد.
قيل لهم: فبأي معنى رددتم الاستنجاء إليه، ويطالبون بتصحيح ذلك بإظهار المعنى، وإقامة الدليل على أنه هو العلة لإيجاب الحكم، فإنهم متى طولبوا بمثل ذلك: لم يحصلوا منه على شيء، واضمحل قولهم وحصلوا على كلام فارغ لا معنى تحته.
وهكذا سبيلهم في عامة المسائل القياسية، متى حقق عليهم فيها تحصيل الدلالة: لم يرجعوا منها إلى شيء يصح.
ثم يقال لهم: قد علمنا أن رمي الجمار عبادة، لا لإزالة معنى، فوجب استيفاء العدد فيه، كالطواف وركعات الصلاة، وقد بينا أن الاستنجاء للإنقاء، فإذا لم يقع به إنقاء، فلا معنى له.
стр. 161
وأيضًا: قد جاز العدول عن الحجر في الاستنجاء إلى غيره، ولم يجز ذلك في الرمي، فهلا ذلك على أن الرمي عبادة، والاستنجاء للإنقاء خاصة، إذ لو كان عبادة لا للإنقاء، لما جاز العدول عن المذكور إلى غيره.
وأيضًا: قد أجزت الاستنجاء بحجر واحد له ثلاثة أحرف، فهل تجعل رمي هذا الحجر بمنزلة رمي ثلاثة أحجار؟
وأيضًا: الاستنجاء لإزالة النجو، فإذا لم يكن نجوا: لم يقع المسح استنجاء.
وأما الاستنجاء بالروث والرمة، فإن أصحابنا يكرهونه، فإن فعل: أجزأه، وذلك لما ثبت أن القصد فيه الإنقاء، وهما ينقيان كالحجر، فأجزأه.
وأما ما روي من النهي فيه، فهو كالنهي عن الاستنجاء بثوب غيره، والوضوء بماء غيره بغير أمره، فإن فعل أجزأه، وذلك لأن النهي لم يتعلق لمعني فيهما، بل لأجل غيرهما، وهو ما بين في الخبر: "أن العظم طعام إخوانكم من الجن، والروث علف لدوابهم"، فإنما منع منه، لأن لا
стр. 162
يفسده على غيره، كما لو استنجى بماء لغيره، وشراب لغيره، وطعام لغيره: أجزأه مع النهي.
فإن قيل: فقد روي النهي عن الاستنجاء بالرجيع، وليس بطعام ولا علف.
قيل له: لأنه نجس، لا يجوز الانتفاع به، وذلك ضرب من الانتفاع، وأما الروث وإن كان نجسا، فقد يجوز الانتفاع به للأرضين، وتسجر به التنانير.
وأيضًا: نهي عن الاستنجاء باليمين، ولو استنجى بها أجزأه، لوجود إزالة النجاسة، كذلك ما ذكرناه، وإن كان منهيا عنه.
مسألة:] قدر النجاسة المعفو عنها، وجواز إزالة النجاسات بغير الماء [
قال أبو جعفر: (وما عدا من البول والغائط مخرجه، فكان أكثر من
стр. 163
قدر الدرهم: لم يطهر إلا بالماء، أو بما يغسله كغسل الماء).
قال أبو بكر: هي ثلاث مسائل:
إحداهن: في أن النجاسة اليسيرة معفو عنها.
والثانية: في أن اليسير منها: مقدار الدرهم.
والثالثة: في إزالة الأنجاس بغير الماء.
*فأما الأصل في أن النجاسة اليسيرة معفو عنها: فهو أن النبي ﷺ أجاز الصلاة مع الاستنجاء بالأحجار، واتفق عليه السلف والخلف بعدهم.
ومعلوم أن الحجر لا يزيل النجاسة، بدلالة أنه لو أصاب سائر بدنه نجاسة، فمسحها بالحجر: لم يكن لذلك حكم في إزالتها، فدل على أن الحجر لا يزيل النجس، فثبت بذلك أن هذا القدر من النجاسة معفو عنه، إذ ليس به ضرورة إلى الانصراف عن الماء إلى الأحجار.
فإن قيل: هذا كما تبيح الصلاة بفرك المني من الثوب، ولا يدل عندك جواز فركه على أن المني معفو عنه في جواز الصلاة معه إذا لم يفرك.
قيل له: المني لا يختلف حكمه بالأماكن في باب جواز فركه، والنجاسات مختلفة المنازل، فبعضها أغلظ حكما من بعض، وبعضها أخف حكما، والمني قد قامت الدلالة فيه– مع كونه نجسا- على أنه أخف حكما من غيره في باب جواز فركه، وأما الغائط فإنه مما يجب
стр. 164
غسله بالاتفاق إذا كثر، ولا يجزئ فيه الحجر في غير موضع الاستنجاء.
وإنما افترق حكمه عند خصمنا لأجل الموضع، ومواضع بدن الإنسان لا تأثير لها في تخفيف حكم النجاسة، ألا ترى أن الغائط والبول أي موضع أصاب من بدن الإنسان: لم تجز الصلاة فيه إذا صار في حد الكثرة، كذلك موضع الاستنجاء.
فإن قيل: فقد فرقت بين النجاسات لأجل اختلاف الأماكن؛ لأنك تجيز حكمها من الخف والنعل إذا كان لها جرم قائم بعد الجفاف، ولا تجيزه في الثوب.
قيل له: إنما اختلفا لاختلاف الأماكن في قبول النجاسة، ومخالطتها إياها، وجرم الخف لا ينشف النجاسة، وجرم النجاسة ينشف الرطوبة الحاصلة في الخف إلى نفسه، فيزول بالحك، والثوب ينشف النجاسة إلى نفسه، ولا يزول ما ينشفه منها بالحك، وإنما اختلفا من أجل اختلاف المواضيع.
وأما بدن الإنسان فليس بمختلف في باب قبول النجاسة أو حصولها فيه، فإذا وجدنا النبي ﷺ قد أجاز الصلاة مع بقاء أجزاء النجاسة في موضع الاستنجاء من غير ضرورة، دل ذلك على أن هذا القدر
стр. 165
من النجاسة معفو عنه.
*ويدل على جواز الصلاة مع يسير النجاسة أيضًا: حديث يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة ﵁ أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ ! إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ فقال: "إذا طهرت فاغسليه، ثم صلي فيه". قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: "يكفيك الماء، ولا يضرك أثره".
والنجاسة تشمل على عين وأثر، فأجاز ﵊ الصلاة مع وجود الأثر عند زوال عينها، لأن الأثر إنما يكون هو من بقية أجزائها، فدل ذلك على جواز الصلاة مع يسير النجاسة.
*وأما مقدار الدرهم: فإنه تقدير لموضع الاستنجاء، لأنهم كانوا يستنجون ويستبرؤن، فقدرا الموضعين جميعًا بالدرهم، وهذا اجتهاد.
قال إبراهيم النخعي: "أرادوا أن يقولوا: مقدار المقعد، فاستفحشوا، فقالوا: مقدار الدرهم".
وقد روي عن النبي ﷺ في مقدار الدرهم حديث
стр. 166
رواه غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .
*وأما إزالة الأنجاس بغير الماء من سائر المائعات، فإنه قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال زفر ومحمد بن الحسن: لا يجزئ إلا بالماء
الحجة لأبي حنيفة قول الله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾، وتطهير الثوب من النجاسة إزالتها عنه، وقد يمكن ذلك بالخل، وماء الورد، وما أشبه ذلك.
ويدل عليه أيضًا قول النبي ﷺ : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا"، وعمومه يقتضي جوازه بسائر المائعات.
وكذلك قوله: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليغسل يديه ثلاثا"، إذ لم يخص الماء من غيره.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال
стр. 167
لخولة بنت يسار حين سألته عن دم الحيض: "إذا طهرت فاغسليه، ثم صلي فيه"، ولم يقل: بالماء، فهو على الماء وغيره.
وقوله ﵊ في المذي: "اغسل ذكرك، وتوضأ": يدل على ذلك أيضًا.
فإن قال قائل: هذه الأخبار التي ذكرتها عموم، وقد بين في غيرها ما أراد بها، وهو ما روي في حديث أسماء بنت أبي بكر أنها سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: "حتيه، ثم اقرصيه بالماء".
وأمر امرأة أخرى أن تغسل دم الحيض بإناء قد طرح فيه ملح.
قيل له: ليس في ذلك بيان موضع الخلاف بيننا، لأن هذا الخبر اقتضى وجوب غسل الدم، فإذا غسله بخل، أو بماء ورد أو نحوه، لم يبق هناك دم يغسل، فلم يتناوله الخبر، إذ كان الذي في الخبر الأمر بغسل الدم، وليس ههنا دم فيغسل، وإنما موضع الخلاف بيننا هو هذا الموضع، وهذه الحال ليس لها ذكر في الحديث.
стр. 168
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وأمر النبي ﷺ بغسل بول الأعرابي بالماء.
قيل له: أما قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فلم ينف به أن يكون غيره طهورا.
وأما قصة الأعرابي فليس فيها أيضًا أن غيره لا يجزئ، وما ذكرناه في الجواب عن دم الحيض هو جواب عن هذا أيضًا.
وأيضا: لو قطع موضع النجاسة من الثوب، جاز أن يصلي فيه، ولا فرق بين إزالتها بالقطع أو بغير الماء.
وأيضًا: في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أصاب نعل أحدكم أذى"، وفي بعض الألفاظ قذر –ذكره أبو داود في "السنن"-: "فليمسحها بالأرض، وليصل فيها".
فإن قيل: الطهارة لا تكون إلا بالماء بدلالة الطهارة من الأحداث.
قيل له: طهارة الحدث عبادة لا لإزالة النجاسة، وطهاة النجاسة إنما هي إزالتها، وقد أجاز النبي ﷺ تطهير النعل من النجاسة
стр. 169
بمسحها على الأرض، والحدث لا يزول بذلك.
*ويدل عليه ما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، وفيه تصيبها الجنابة، فيرى فيه الجنابة"، وفي بعض الأخبار: "فترى فيه الدم: فتقصعه بريقها".
وأيضًا فإن النجاسة تسقط حكمها بالقطع، والحدث لا يرتفع إلا بالغسل.
فإن قيل: الجنب يجب عليه غسل شعره، وإن قطع شعره سقط عنه غسله، ولم يدل على جواز الغسل بغير الماء.
قيل له: الشعر لم يلزم غسله بنفسه، ولا لمعنى حله، وإنما وجب غسله لأنه تبع البدن مادام متصلا به، فإذا زال عنه: سقط حكمه، وموضع النجاسة لزم غسله لوجودها فيه، فزوالها يطهره، فلا فرق بين إزالتها بالقطع أو سائر المائعات.
مسألة:] خروج النجاسة من البدن مطلقا ناقض الوضوء غير البلغم [.
قال أبو جعفر: (وما خرج من قبل أو دبر أو فم بعد أن ملأه، أو مما سوى ذلك من البدن: نقض الوضوء، غير البلغم).
قال أبو بكر أحمد: تحصيل المذهب في ذلك: أن كل نجاسة خرجت
стр. 170
بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير: فإنها تنقض الطهارة.
والأصل في وجوب الطهارة بخروج النجاسة: ما روى إسماعيل بن عياش عن ابن جريج قال: حدثنا عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ عن الرسول ﷺ قال: "إذا رعف الرجل في صلاته، فلينصرف، وليتوضأ، ولا يتكلم، ثم ليبن على ما مضى من صلاته".
وروى أيضًا إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه، وعن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا قاء أحدكم أو قلس، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم".
وروى يحيى بن الوليد عن أبيه عن معدان بن طلحة أن أبا الدرداء ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. قال: فلقيت ثوبان ﵁، فحدثته فقال: "أنا صببت له وضوءه".
стр. 171
وروى ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ كان إذا رعف في صلاته: توضأ، وبنى".
وروى أبو هاشم عن زاذان عن سلمان ﵁ قال: رآني النبي ﷺ وقد سال من أنفي دم، فقال: "أحدث لما حدث وضوءا".
وحدثنا محمد بن يعقوب بن الأصم قال: حدثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد قال: قال عمر بن عبد العزيز قال: تميم الداري ﵁ قال رسول الله ﷺ : "الوضوء من كل دم سائل".
وروى سوار بن معصب عن زيد بن علي عن بعض آبائه قال: قال رسول الله ﷺ : "القلس حدث".
стр. 172
وروي وجوب الوضوء من الدم عن علي وابن عمر ﵃، وإبراهيم، والحسن، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، في آخرين من التابعين.
فإن قيل: يحتمل الوضوء المذكور في هذه الأخبار غسل الدم والقيء.
стр. 173
قيل له: قد روي في بعض أخبار ابن جريج أن النبي ﷺ قال: "من أصابه قيء أو قلس أو مذي أو رعاف، وهو في صلاته فليتوضأ"، ومعلوم أن الوضوء من المذي هو وضوء الصلاة، وقد جمع بينه وبين الرعاف، وذكر لهما وضوءا واحدا.
فإن قيل: يعارضه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح".
قيل له: إنما ذكر ذلك في الشاك في الحدث، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا"، وقد اتفقوا أنه ينصرف من القيء والرعاف.
*ويدل على ذلك عموم قوله ﷺ في حديث صفوان بن عسال ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم".
стр. 174
فاقتضى عمومه إيجاب نقض الطهارة بخروج البول والغائط من أي موضع كان، من مخرج أو غيره.
*ودليل آخر: وهو قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂ حين سألته عن حكمها في دوام سيلان دمها، فقال: "إنما ذاك دم عرق، وليس بحيضة، فتوضئي".
فعلل دم الاستحاضة في إيجابه الوضوء به، لكونه دم عرق، فاقتضى إيجاب الوضوء بكل دم عرق خارج إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
فإن قيل: خروجه من السبيل شرط فيه؛ لأن السؤال عنه وقع بهذه الصفة.
قيل له: أجل، إلا أن التعليل وقع بكونه دم عرق، لا بخروجه من السبيل، فلا يجوز أن يجعل السبيل شرطا فيه.
وليس خروج كلام جوابا لها عن دم الاستحاضة بأكثر منه لو ابتدأ الخطاب به، فقال: إن دم الاستحاضة فيه وضوء، لأنه دم عرق: كان معلوما أن العلة الموجبة للحكم هي كونه دم عرق، لا أنه دم استحاضة، ألا ترى أنه لو قال: "البر بالبر مثلا بمثل، لأنه مكيل"، كانت العلة الموجبة لاستيفاء المماثلة كونه مكيلًا، لا كونه برا.
فإن قيل: لم يذكر النبي ﷺ في اعتلاله دما خارجا، وقد اعتبرتموه، فكذلك السبيل، وإن لم يكن السبيل مذكورا في لفظ الاعتلال.
стр. 175
قيل له: لا خلاف أن خروجه شرط في الاعتلال، فألحقناه به، ولم يتفقوا أن السبيل شرط فيه، فسقط اعتباره.
فإن قيل: فقد اتفقنا على أن يسير القيء لا ينقض الطهارة، والمعنى فيه أنه غير خارج من السبيل، فكل ما خرج من غير السبيل: لم تنتقض به الطهارة، لنقضه هذه العلة.
قيل له: هذا اعتلال عار من البرهان، وما كان هذا سبيله من الاعتلال فهو ساقط، لأن دعواك بكون المعنى علة، كدعواك لنفس المذهب.
على أنا نسامحك فنقبل سؤالك، ونقول: إن اعتلالنا أولى؛ لأنه منصوص عليه، والعلة المنصوص عليها أولى من علة مستنبطة.
*دليل آخر: وهو أنا لما اتفقنا على وجوب الطهارة من البول والدم، كانت العلة الموجبة لها خروج النجاسة بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، والدليل على صحة هذه العلة: أنا وجدنا الأشياء الخارجة من البدن على ضربين:
стр. 176
ضرب نجس بالاتفاق، تنتقض الطهارة بخروجه، وهو البول والغائط.
والآخر ضرب طاهر بالاتفاق، لا تنتقض الطهارة به، وهو اللبن والعرق والدمع، وسائر الأشياء الطاهرة، فكان الحكم متعلقا بخروج النجاسة دون غيرها، فوجب أن تكون العلة الموجبة لنقض الطهارة خروج النجاسة بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فوجب انتقاض الطهارة بخروج سائر النجاسات على ما بينا.
فإن قيل: العلة في البول أنه خارج من السبيل.
قيل له: لو صح هذا الاعتلال لم يناف صحة اعتلالنا، فنحن نسلم لك صحته، ولا نطالبك بإقامة الدلالة عليه، فنقول: هما صحيحان، فاعتلالكم يوجب الحكم في الخارج من السبيل، واعتلالنا يوجبه في الخارج من السبيل ومن غيره، ولا يتنافيان.
وأيضًا: فإن العلل إنما نعتبر صحتها بتعلق الأحكام بها، وتأثيرها في الأصول، وقد وجدنا الحكم يتعلق بالخارج، ويختلف لاختلاف الخارج، ألا ترى أن الخارج إذا كان منيا أوجب الغسل، وإذا كان بولا أوجب الوضوء، والمخرج واحد، فوجب أن يكون اعتبار الخارج أولى من اعتبار السبيل.
стр. 177
وكذلك خروج دم الحيض يوجب الغسل، وخروج دم الاستحاضة يوجب الوضوء، والمخرج واحد.
فإن قيل: فقد وجدنا الحكم يتعلق بالسبيل، بدلالة وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير خروج شيء، فينبغي أن يجعل السبيل شرطا مع الخارج في إيجاب نقض الطهارة.
قيل له: هذا الحكم إنما تعلق بالسبيل من غير خروج شيء، فكيف يجوز اعتباره فيما لا تنتقض الطهارة فيه إلا بخروج النجاسة، والذي اعتبرنا نحن في تصحيح العلة اختلاف الحكم باختلاف الخارج نفسه.
فإن قيل: لما وجدنا الريح الخارجة من السبيل حدثا، ولم يكن من غيره حدثا، دل على أن له تأثيرا فيه، ويتعلق الحكم به.
قيل له: لا نافي أن يكون للسبيل تأثير في إيجاب الطهارة بخروج ما يخرج منه، إلا أن ذلك لا يمنع قيام الدلالة على اعتبار معنى غيره يوجب الحكم فيه وفي غيره، على حسب ما ذكرنا.
فهذا الاعتلال الذي قدمنا لا يعترض عليه اختلاف حكم البول إذا ظهر على رأس الإحليل، والدم عند ظهوره على رأس الجرح، وذلك لأن علتنا خروج النجاسة بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وداخل الجرح لا يلحقه حكم التطهير، وإنما يلحق حكم التطهير موضع الفتحة، لا داخل الجرح، ورأس الإحليل يلحقه حكم التطهير، فلم يختلفا على حكم الاعتلال، بل الحكم فيهما جار على العلة.
ولا يلزم عليه أيضًا: القيء اليسير، لأن القيء غير خارج بنفسه، وإنما المخرج له معنى عارض في الجوف أوجب إخراجه، كنحو إخراج الدم من المجروح من غير سيلان، فلا تنتقض به الطهارة، لأن من شأن الأشياء
стр. 178
السائلة أنها تسيل إلى أسفل، ولا تسيل إلى فوق، فإذا وجدناه سائلا إلى فوق: علمنا أن معنى عارضًا أخرجه.
فإن قيل: فلا تنقض الطهارة بكثير من القيء؛ لأنه غير خارج بنفسه.
قيل له: لم نقل إن كل ما لا يخرج بنفسه لا تنتقض به الطهارة، وإنما قلنا إن ما يخرج بنفسه على الحد الذي وصفنا تنتقض به الطهارة.
ثم ليس يمتنع اتفاق الأحكام مع اختلاف العلل، والموجب لنقض الطهارة بكثير القيء ما روينا من الآثار.
فصل:] القيء ينقض الوضوء إذا ملأ الفم [
إنما اعتبرنا في القيء ملء الفم، من قبل أنه قد ثبت أن يسير ما يخرج من هناك لا تنتقض به الطهارة هو الجشاء، ولا يخلو من أن تتحلل معه أجزاء من النجاسة التي في المعدة، وهي التي إذا كثرت صارت قيئًا، وقد صح إيجاب الوضوء بكثيره، فجعلنا الحد الفاصل بين القليل والكثير ملء الفم؛ لأن أحدا ممن أوجب الفصل بين القليل والكثير لم يحده بغير ذلك.
وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن القيء إذا كان ملء الفم نقض الوضوء، وإن كان أقل من ملء الفم لم ينقض.
стр. 179
وكان أبو الحسن رحمه الله تعالى يقول: الحد في ملء الفم عندي: أن لا يمكنه إمساكه في الفم.
وقال زفر: تنتقض الطهارة بيسير القيء.
وأما البلغم فإن أبا حنيفة ومحمدًا لم يوجبا به نقض الطهارة، وإن ملء الفم.
وقال أبو يوسف: تنتقض.
*والحجة لأبي حنيفة: أن المعنى الموجب لتجنيس الأشياء المستحيلة وجودها على ضرب من الاستحالة، بدلالة قول النبي ﷺ في الروث: "إنه ركس"، فنبه على المعنى الموجب للتنجيس، وهو وجوده على هذا الضرب من الاستحالة.
وبهذا المعنى وجب الحكم بنجاسة البول والغائط والدم والمرة ونحوها.
ثم لم نجد استحالة البلغم موجبة لتنجيسه، بدلالة اتفاقهم جميعا على أن البلغم الذي ينزل من الرأس، وما يخرج من الحلق ليس بنجس.
стр. 180
واستحالة البلغم الذي يخرج من الجوف كاستحالة ما ينزل منه من الرأس، ويخرج من الحلق، فلما كانا سواء في باب الاستحالة، واتفقنا على طهارة أحدهما: كان الآخر مثله.
فإن قيل: ما أنكرت أنه وإن كان كذلك في نفسه، فإن حصوله في المعدة –وهو موضع النجاسة- يوجب تنجيسه، كما أن الماء طاهر في نفسه، وحصوله في الجوف يوجب تنجيسه، حتى لو تقيأ من ساعته انتقضت به طهارته.
قيل له: الفصل بينهما: أن الماء إذا حصل في الجوف يخالطه أجزاء من النجاسة حتى لا تتميز منه، فيصير حكمه حكم النجاسة، والبلغم متميز من النجاسة التي لاقته، وتلك النجاسة الخارجة معه لا تملأ الفم بنفسها، فكذلك لم تنتقض الطهارة بخروجها.
مسألة:] الإغماء ينقض الوضوء [
قال أبو جعفر: (ومن غلب على عقله بغير النوم، ثم أفاق: فعليه الوضوء).
وذلك لأن قليل الإغماء أكثر من كثير النوم، ألا ترى أنه لا يفيق بالتنبيه، والنائم يتنبه إذا نبه.
следующие страницы →