← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تثبت بمثله شريعة. * وأما قولك إن أحدًا لم يقدره بغير القلتين: فليس كذلك؛ لأن إبراهيم النخعي يعتبر أربعين قلة، وعلقمة وابن سيرين والحسن بن صالح بن حي يعتبرون كرًا، وهو ثلاثة آلاف ومائتا رطل. مسألة: [ما ينزح من البئر لطهارتها بموت عصفور فيها، ونحوه] قال أبو جعفر: (وكل بئر وقعت فيها فأرة أو عصفورة ولم تنتفخ،

стр. 72

ولم تتفسخ: أخرجت منها، واستقي منها عشرون دلوا، وفي النور والدجاجة أربعون دلوًا). قال أبو بكر أحمد بن علي: قد روي عن علي ﵁ أنه قال في فأرة تموت في البئر: "أنه تنزح منها دلاء". وروي عنه أيضًا أنه قال: "تنزح حتى يغلبك الماء". والروايتان جميعًا صحيحتان، فالأولى ما لم تنتفخ، والثانية إذا انتفخت. وعن عطاء، وطاوس: "ينزح منها دلاء".

стр. 73

وقال أبو سعيد الخدري ﵁: "في الدجاجة أربعون أو خمسون"، ونحوه عن إبراهيم، والحسن. وقال الشعبي: "في الدجاجة سبعون دلوًا". فقد حصل من اتفاق هؤلاء السلف أن نزح بعض مائها: يطهرها في موت الفأرة والسنور.

стр. 74

وإنما اختلفوا في مقدار ما ينزح، فصار ذلك أصلًا في وجوب تطهيرها ينزح بعضها، لأنا لا نعلم لهم مخالفًا من السلف. * ووجه آخر: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن فأرة ماتت في سمن، فقال: "إن كان جامدًا: فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا: فأهريقوه"، فاستفدنا من أمره بإلقاء الجامد وما حوله معنيين. أحدهما: أن ما كان نجسًا في نفسه: فإنه ينجس ما جاوره. والثني: أن ما نجس بالمجاورة: لا ينجس ما جاوره فيما لا يوجب غسل ما حصل فيه؛ وذلك لأن الفأرة لما كانت نجسة في نفسها: حكم ﷺ بنجاسة ما جاورها من السمن، ولم يحكم بنجاسة السمن المجاور لهذا السمن النجس. فإذا لم يكن السمن نجسًا في نفسه، وإنما كانت نجاسته من جهة الحكم لمجاورته الفأرة: فقلنا على هذا: إن ما جاور الفأرة من ماء البئر: نجس، وما جاور هذا الماء الذي لحقه حكم النجاسة بالمجاورة: ليس بنجس، كما لم يحكم النبي ﷺ بنجاسة السمن المجاور للسمن الذي نجس بالمجاورة. * وإنما جعلنا ماء البئر في معنى السمن الجامد، دون المائع الذي حكم النبي ﷺ بنجاسة الكل، من قبل أن البئر إذا حلتها نجاسة، فأخرجت، ونزح ماؤها: لم يجب طمها، ولا حفر جوانبها، ولا غسلها، فأشبه من هذا الوجه السمن الجامد؛ لأن موت الفأرة فيه لم

стр. 75

يوجب غسل الإناء، وفارق السمن المائع: إذا كانت إراقته توجب غسل الإناء. * ومن جهة أخرى: إن البئر يشبه الماء الجاري، من قبل أن نزحه يوجب حدوث ماء غيره فيها، وليس كذلك الإناء، فكانت البئر أخف حكمًا من الأواني، فلذلك جعلناها بمنزلة السمن الجامد الذي تموت فيه الفأرة، إذا كان حكمه أخف من حكم المائع. * وإذا ثبت أن بعض الماء طاهر، وبعضه نجس، وجب أن يطهرها إخراج بعض مائها، لأنا لو قلنا إنها لا تطهر إلا بإخراج الجميع، لكان فيه نقض ما أصلنا وأقمنا الدلالة عليه، من وجوب الحكم بطهارة بعض مائها، ونجاسة البعض. ثم الكلام في مقدار ما يطهرها إخراجه: طريقة الاجتهاد، وما كان طريقه الاجتهاد من هذه المقادير، لا يتوجه علينا فيه سؤال، كتقويم المستهلكات، ونفقات الزوجات، ونحوها. وأيضاً: ما روي عن علي وأبي سعيد وعطاء ﵃ في المقدار: يوجب تقليدهم فيه، إذ لم يثبت عن أحد من السلف خلافه. [مسألة: وجوب نزح جميع البئر بموت شاة فيها] قال أبو جعفر: (فإن ماتت فيها شاة: نزحت كلها حتى يغلبهم الماء). قال أحمد: وذلك لأن الشاة تنزل إلى قعر البئر، ويجاورها أكثر مائها، وعسى أن لا يبقى مما لم يجاور إلا اليسير الذي لا حكم له،

стр. 76

فلذلك نجس جميع الماء. قال أبو جعفر: (وإن تفسخت الفأرة أو انتفخت: نزح ماء البئر كله، وكذلك الدجاجة والسنور). قال أبو بكر أحمد: وذلك لأنه لا تصير إلى هذه الحالة إلا ويتحلل شيء من أجزائها في الماء، ويخالطه، فيصير بمنزلة البول والدم إذا وقعا في البئر، فلا يطهرها إلا نزح الجميع، من قبل أن تلك الأجزاء بالماء لا يتيقن خروجها إلا بنزح ما فيها، وإلا فنحن متى استعملناه: فقد استعملنا جزءًا من النجاسة مع الماء، وقد بينا امتناع جواز ذلك فيما تقدم. قال أحمد: روي عن أبي يوسف في معنى قولهم: "تنزح حتى يغلبهم الماء": أنه ينزح من البئر مقدار ما كان فيها، ولا يضرهم بعد ذلك ما ينبع من الماء. وقال محمد: إذا نزح مائتا دلو، أو مائتان وخمسون دلوًا، فقد طهر الماء، هذا إذا وجب نزح البئر كلها. [مسألة:] قال أحمد: وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في الفأرة إذا خرجت حية من البئر: أنه ينزح منها دلاء، وإن لم يفعلوا أجزائهم. وقال في الشاة والبقرة إذا أخرجت حية: ينزح عشرون دلوًا

стр. 77

مسألة: [موت ما ليس له نفس سائلة لا يفسد الماء] قال أبو جعفر: (وما مات في الماء القليل مما ليست له نفس سائلة، كالزنابير ونحوها: لم يفسد ذلك الماء بموته). وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم: فامقلوه فيه", وقد يقع الذباب حيًا وميتًا، وقد أمر بمقلهما جميعًا، ومعلوم أنه لم يأمن بتنحيس الماء بمقلة فيه، فصار ذلك أصلًا في أن كل ما لا دم له: لم يفسد الماء موته فيه. فإن قيل: إنما أراد به الذباب الحي؛ لأنه قال: "في إحدى جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يقدم الذي فيه الداء". قيل له: لا يمتنع أن يكون اللف الأول عامًا في الجميع، وأن المعطوف عليه بعض ما دخل في عموم اللفظ، وله نظائر كثيرة قد بيناها في مواضع. وعلى أنه لو كان المراد الحي، كانت دلالة الخبر قائمة فيما وصفناه؛ لأنه قد يكون في الإناء مرق حار، وماء حار، ومقله فيه يقتله، ولم يفرق بين المقل الموجب لموته، وبين ما لا يوجبه، فهو على الأمرين. فإن قيل: إنما أمره بمقل لا يوجب الموت، كما قال الله تعالى:

стр. 78

﴾ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴿، وهو ضرب غير مبرح. قيل له: لأن الإباحة ضربهن على وجه التأديب، فصار ضريًا غير مبرح، والمقل لأجل ما ذكر أنه يقدم الجناح الذي فيه الداء، وغمس الجميع يوجب الموت، ولا سيما في الطعام الحار. وأيضًا: فعموم اللفظين يقتضي دخول الوجهين فيه، وخصصنا الضرب بدلالة. وأيضًا: فمعلوم أن الناس من عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا، لم يكونوا يخلون من بق، وبعوض يموت في أوانهم وحبايهم، ولم يقل أحد بإفساده الماء، مع عموم بلواهم به، فدل على أنه لا يفسد، وشهرة ذلك بينهم، كشهرة حكمهم ببقاء طهارة الماء مع وقوع الطير فيه، ومن قال بخلاف ذلك فقد خالف الإجماع. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن النصر بن بحر قال: حدثنا محمد بن مصفى قال: حدثنا بقية عن أبي زكريا عن سعيد مولى حمير عن بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 79

"إن كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة فماتت، ليس لها دم: فهو الحلال أكله وشربه ووضوءه". وأيضًا: الباقلاء المطبوخ لا يخلو من ذباب يكون فيه، وقد ظهر في الأمة أكلة وبيعه من لدن السلف إلى يومنا، من غير نكير من أحد من العلماء على أكله، فصار ذلك إجماعاً منهم على طهارته. وكذلك الخل لا يعرى عن دودة تموت فيه، ولم يمتنع أحد من أجل ذلك من أكله. فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴿، وهو عام في الذباب وغيره. قيل له: إنما تناول ذلك عين الميتة، فأما ما جاورها فليس بميتة، فلم يتناوله اللفظ. مسألة: [موت السمك والجراد لا يفسد الماء]. قال أبو جعفر: (وما وقع فيه من حوت لم يطف قبل ذلك في بحر،

стр. 80

أو من جردة ميتة لم يفسده). قال أبو بكر أحمد: قوله: "من حوت لم يطف قبل ذلك": لا يعتبره أصحابنا، لن الطافي عندهم لو وقع في إناء لم يفسده، وكونه غير مأكول عندنا: لا يوجب تنحسيه؛ لأنه مما يعيش في الماء، كالسرطان والضفدع ونحوهما. * وأما الجرادة فهي مأكولة، وهي مما لا دم لها: فلا يفسد الماء والأصل في أن ما يعيش في الماء لا يفسده موته فيه: قول النبي ﷺ : "هو الطهور ماؤه، والحل ميتة"، اقتضى ظاهره معنيين. أحدهما: إباحة أكله. والثاني: أنه لا ينجس ما مات فيه. وقد قامت الدلالة على حظر أكل ما عدا السمك مما يعيش في الماء وبقيت دلالة اللفظ في طهارة ما مات فيه. وأيضًا: الناس في حيوان الماء على قولين: منهم من يبيح أكله وإن مات فيه، ومنهم من يقول: لا يؤكل، ولا يفسد الماء، فقد حصل من اتفاق الجميع أن موته فيه لا

стр. 81

ينجسه. مسألة: [طهارة أسآر مأكول اللحم]. قال أبو جعفر: (وسؤر كل طائر مأكول لحمه طاهر غير مكروه، غير سؤر الدجاجة المخلاة، فإنه مكروه). قال أحمد: لا خلاف في أن ما أكل لحمه: فسؤره طاهر. * وكرهوا سؤر الدجاجة المخلاة، لأنها تخلط وتأكل الأنجاس، فلا يؤمن كون النجاسة على منقارها، وتلك النجاسة وإن لم تكن متيقنة، فالاحتياط فيها بترك سؤرها أولى، كما قال النبي ﷺ : "المستيقظ من نومه يغسل يديه ثلاثًا"، احتياطًا مما عسى أن يكون قد أصاب يده من موضع الاستنجاء. مسألة: [كراهة أسآر ما لا يؤكل لجمه]. قال أبو جعفر: (وسؤر كل طائر لا يؤكل لحمه: مكروه، كالبازي ونحوه). وذلك لأنه غير مأكول اللحم، لا لحرمته، إلا أنه لا يستطاع الامتناع عن سؤره، فصار كالهرة ونحوها؛ لأن النبي ﷺ جعل

стр. 82

العلة الموجبة لطهارة سؤرها: أنها لا يستطاع الامتناع من سؤرها؛ لقول النبي ﷺ : "إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، وقال: "إنها من ساكني البيوت". فمن حيث كانت هذه العلة موجودة فيه: لم ينجس سؤرها، ومن حيث كان محرم الكل، لا لحرمته: كره سؤره، كما كره سؤر الهرة. مسألة: [طهارة سؤر الدواب المأكول لحمها]. قال: (وسؤر الدواب المأكول لحمها: طاهر، كالشاة والبقر). وهذا ما لا يعلم فيه خلاف. [مسألة: حرمة سؤر الدواب المحرم أكلها] قال أبو جعفر: (وسؤر الدواب المحرم أكلها، وهي الخنازير والكلاب: حرام). قال أبو بكر أحمد: الأصل في نجاسة سؤر الكلب ما روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعًا"، وتطهير الأواني- في

стр. 83

الأصول- لا يجب إلا من النجاسات؛ لأنها لا عبادة عليها. فإن قيل: قد روى قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغت فيه الهرة أن يغسل مرة أو مرتين"، الشك من قرة بن خالد. قيل له: لو ثبت هذا الخبر من غير معارض: لزم ما قلت، إلا أنه قد وردت أخبار صحيحة في طهارة سؤر الهرة، لا يوازيها حديث قرة بن خالد، فكانت أولى منه. وعلى أنهما لو تساويا: سقطا، ووجب طلب الدلالة على حكم سؤر الهر من غيرهما، وأما خبر لزوم تطهير الإناء من سؤر الكلب، فلم يرد له معارض: فثبت حكمه.

стр. 84

فإن قيل: قد يلحق الواني حكم النجاسة من وجه العبادة، وإن لم تلاقها أجزاء النجاسة، بدلالة أن الفأرة إذا وقعت في إناء فيه شيء من المائعات: نجس من جهة الحكم بعد إخراج الفأرة، وإن لم تكن هناك عين قائمة من النجاسة، فما أنكرت: مثله في ولوغ الكلب. قيل له: إن المائع الذي في الإناء قد صار نجسًا من جهة الحكم، وقد لاقاه الإناء، فوجب تطهيره منه. فإن قيل: قد روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الحياض بين مكة والمدينة تردها الكلاب والسباع؟ فقال: "لها ما أخذت، وما بقي فلنا طهور"، فهذا يعارض خبر ولوغ الكلب. قيل له: هذا في الحياض الكبيرة، ولا ينجس الكل عندنا، ويتوضأ من الجانب الآخر. وأيضًا: فلو تعارضا، كان خبر النهي أولى، لأن الأصل الإباحة، والحظر طارئ عليها لا محالة. * ومما يدل على نجاسة ولوغ الكلب: قوله ﷺ :

стр. 85

"فأهرقه"، وهذا ينافي شربه، والوضوء به، فدل على نجاسته. ويدل على أن الذي لاقاه الكلب هو الماء دون الإناء، ثم أمر بغسل الإناء، فدل على نجاسة الماء الذي لاقاه الكلب بولوغه، لولا ذلك كان الإناء باقيًا على حالة الأولى. فصل: [يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا]. قال: فإن قيل: فهلا أوجبت غسل الإناء منه سبعًا، كما ورد به الخبر. قيل له: لما ثبت عندنا وعند من خالفنا في عدد الغسل، أن وجوب غسله من طريق النجاسة: كان الواجب أن يطهره ما يطهر سائر الأنجاس، ولو جاز أن يقال: إن العدد من جهة العبادة، لجاز مثله في الأصل، فيقال: إن الغسل عبادة، لا لنجاسة. ولما ثبت أن غسله من جهة لنجاسة التي حلته، ووجدنا النبي ﷺ حد في غسل النجاسة التي ليست بمرئية ثلاثًا بقوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليغسل يديه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده"، صار ذلك حدًا في كل نجاسة غير مرئية، وولوغ الكلب بهذه المنزلة، فاعتبرناه به، وجعلناه ما زاد على الثلاث: ندبًا، لا إيجابًا.

стр. 86

فإن قيل: كيف يجوز أن يكون بعض العدد ندبًا، وبعضه إيجابًا؟ قيل له: لا يمتنع ذلك؛ لقيام الدلالة عليه. وقد روي في حديث عبد الله بن المغفل أن النبي ﷺ قال: "اغسلوه سبعًا، والثامنة بالتراب". ويدل على ذلك ما روى ابن المبارك وغيره عن عبد الله بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ أنه سئل عن ولوغ الكلب فأمر بغسله ثلاثًا، فلم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون علم نسخ ما زاد على الثلاث، أو عقل من دلالة لفظ النبي ﷺ أنه على الندب، وهذا لمخالفنا ألزم، لأنه يزعم أن حمل الخبر على ما أفتى به الراوي واجب؛ لأنه أعلم بتأويله، لذا قال في حديث ابن عمر في خيار المتبايعين بالخيار: أن ابن عمر لما حمله على فرقة الأبدان، كما رواه عن النبي ﷺ محمولًا عليه. فإن قيل: فاجعلوا أنتم تأويل ابن عمر قاضيًا على المعنى المراد بالفرقة المذكورة في الخبر.

стр. 87

قيل له: لا يجب ذلك في خبر ابن عمر ﵄، ويجب في خبر أبي هريرة ﵁؛ لأن الفرقة المذكورة في خبر المتبايعين تحتمل وجهين، فلا يكون قول ابن عمر من طريق التأويل قاضيًا على المعنى المراد بها. والسبع المذكورة في خبر أبي هريرة لا تحتمل الثلاث، والثلاث تحتمل السبع، فعلمنا أنه لم يقل بالثلاث مع روايته السبع من طريق التأويل، إذ لا مدخل للتأويل فيه. وأيضًا: فقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الكلب يلغ في الإناء أنه قل: "يغسل ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال: حدثنا ابن عياش عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثل ذلك.

стр. 88

فخيره في هذا الخبر بين الثلاث، وبين السبع، فدل على أن ما زاد من الثلاث ندب؛ لأنه لو كان واجبًا: لما خير في تركه. * ومما يدل على تناقض قول مخالفنا في العدد: أن إناءين لو كان في كل واحد منهما أقل من قلتين، فولغ فيهما كلب: أنهما نجسان، يجب غسلهما سبعًا، تعبدًا على مذهبه، فإن جمع بينهما: طهرا جميعًا، وسقط غسل الإناء الذي جمعا فيه: فلو كان اعتبار العدد عبادة لإزالة النجاسة، لما سقط ببلوغه قلتين. مسألة: [حكم أسآر الدواب: حكم لحومها] قال أبو جعفر: (وسؤر الدواب التي يكره أكلها: في حكم لحومها، وسؤر ما يؤكل لحمه منها: في حكم لحمه). قال أبو بكر: الأسآر عندهم على أربعة أنحاء: ١ - منها: طاهر لا يكره، كسؤر الإنسان وما يؤكل لحمه من الدواب. ٢ - ومنها: طاهر يكره الوضوء به، كسور السنور والفأرة والحية وسباع الطير ونحوها، والدجاجة المخلاة، ونحوها. ٣ - ومنها: نجس مقطوع بنجاسته، وهو سؤر الكلب والخنزير،

стр. 89

وسائر السباع التي يستطاع الامتناع من سؤرها في العادة. ٤ - ومنها: سؤر مشكور فيه، لم يقطعوا فيه بطهارة ولا نجاسة، وهو سؤر الحمار والبغل. * فأما القسم الأول: وهو سؤر الإنسان وما يؤكل لمه من الدواب: فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في طهارته. * وأما سؤر السنور ونحوها، فالأصل فيه: ما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في الهرة: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، قالت: وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها. وحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات". وفي بعض الأخبار: "إنها من ساكني البيوت"، فصار ذلك أصلًا في طهارته.

стр. 90

* وأما وجه الكراهة: فحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يغسل الإناء من سؤر الهر مرة". فاستعملوا الخبرين، أحدهما في إثبات حكم الطهارة، والآخر في الكراهة. فإن قيل: لو كان الوضوء به مكروهًا، لما توضأ به النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ لا يختار من الأعمال إلا أفضلها، وقد ذكرت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يتوضأ بفضل سؤر الهرة. قيل له: هذا لو لم يعارضه حديث أبي هريرة ﵁ في الأمر بغسل الإناء منه: كان كما قلت، فأما مع ذلك: فلا. وعلى أنه يحتمل أن يكون فعله ذلك كان على وجه التعليم، فلم يكن مكروهًا على هذا الوجه، بل هو أفضل. كما روى أنه أخر المغرب حتى كان قبل غيبوبة الشفق، فلم يكن ذلك مكروهًا لوقوعه على وجه التعليم.

стр. 91

قال أبو بكر أحمد: وقال أبو يوسف: لا أكره الوضوء بسؤر الهرة. قال أحمد: وحديث أبي قتادة وعائشة أفادانا معنيين: أحدهما: طهارة سؤر الهرة. والثاني: بيان المعنى الذي هو من أجله كان طاهرًا، وهو أنه لا يستطاع الامتناع من سؤرها في العادة؛ لأن قوله: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات": يفيد ذلك. وكذلك قوله ﷺ : "إنها من ساكني البيوت"، فاعتبرنا ذلك في نظائرها من الفأرة والحية، وسائر ما لا يستطاع في العادة الامتناع من سؤره مما يسكن البيوت. فصل: [سؤر الكلب والخنزير وسائر السباع] * فأما سؤر الكلب: فقد تقدم منا القول في نجاسته. * وأما سؤر الخنزير وسائر السباع: فالوجه في نجاسة سؤرها: ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الماء يكون بفلاة من الأرض، وما ينوبه من الدواب والسباع فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا". فلو لم يكن سؤر السباع نجسًا، لأخبرهم بطهارته، ولقال: وما عليكم

стр. 92

منه، وهو طاهر؛ لأن السائل كان جاهلًا بالحكم، فلما أجابه عن السبع، وما ذكره معها بما قال، دل على نجاسة سؤرها. فإن قيل: فأنتم لا تعتبرون القلتين، فكيف ساغ لكم الاحتجاج به. قيل له: قد بينا فيما تقدم وجه ذلك، وأن ذكره القلتين إخبار منه وإن كان قلتين فإنه يضعف عن حمل الخبث. وانه جائز أن يكون خرج على سؤال سائل سأل عن هذا القدر. وعلى أن أكثر أحواله أنه يفيد نجاسة سؤر السباع، واعتبار القلتين، وقد قامت الدلالة على سقوط اعتبارهما، فبقيت دلالة الخبر في نجاسة سؤر السباع، إذ لم تقم الدلالة على نسخه. فإن قيل: روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب، فقال "لها ما أخذت، وما بقي فهو لنا طهور". قيل له: فينبغي أن تدل على طهارة سؤر الكلب؛ لأنه قد جمعه إلى السباع. وعلى أنه يحتمل أن يكون من قبل تحريم أكلها، فكان سؤرها مباحًا، ثم حرم سؤرها بتحريم لحومها، كالكلاب. وأيضًا: فإن خبرنا حاظر، وهذا مبيح، والحظر والإباحة إذا اجتمعًا فالحظر أولى.

стр. 93

فإن قيل: روى عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ سئل: "أنتوضأ بما أفضلت الحمر، فقال: وبما أفضلت السباع". قيل له: يرويه داود بن الحصين عن جابر ﵁، وداود هذا ضعيف، وهو مرسل أيضًا؛ لن داود بن الحصين لم يلق جابرًا، ولا أدركه. فإن قيل: رواه إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن أبيه عن جابر ﵁. قيل له: أخطأ فيه من وصله عند أهل النقل، وينكرون روايته على راويه. ولو ثبت: كان وجهه ما بينا في كونه قبل تحريم لحومها.

стр. 94

فإن قيل: قوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء" يقتضي عمومه ما قلنا. قيل له: فينبغي أن لا ينجسه الكلب والخنزير. وعلى أنه خرج على سبب، وهو انه سئل عن فضل الوضوء، فأجاب بذلك، يعني أن الاغتراف منه لا ينجسه. وأيضًا: تحريم السباع يوجب تحريم لبنها، وإذا كان محرمًا، كان كلبن الكلب والخنزير، فوجب أن يكون لعابهما كلعابهما، لا تفاقهما في تحريم اللبن. * ووجه آخر: وهو أن لبنها إذا كان نجسًا، وهو رطوبة متولدة منها، كان لعابها كذلك؛ لأنه رطوبة متولدة منها. وأيضًا: لما كان الكلب محرم الأكل لا لحرمته، ويستطاع الامتناع من سؤره، وكان هذا المعنى موجودًا في سائر السباع، وجب أن تكون مثله، لمشاركتها إياه في العلة الموجبة لنجاسة سؤره. والدليل على صحة هذه العلة: اتفاقنا جميعًا على نجاسة سؤر الخنزير، وطهارة سؤر الإنسان والسنور، إذ كان تحريم لحم الإنسان، لحرمته، وكان الهر مما لا يستطاع الامتناع من سؤره. [السؤر المشكوك فيه] * وأما الحمار: فهو مشكوك فيه عندهم، لم يقطعوا فيه بطهارة ولا

стр. 95

نجاسة، وذلك أنه يشبه الهر، إذ هو من ساكني البيوت، ويشبه الكلب من حيث هو محرم الأكل، ويستطاع الامتناع من سؤره، فلما أخذ الشبه منهما جميعًا، احتاطوا فيه، فجمعوا له بين التيمم والوضوء في حال عدم الماء، وذلك أن فرض الطهارة لا يسقط بالشك، ولا يحصل اليقين بحصول الطهارة إلا بالجمع بينهما عند عدم الماء الطاهر. فإن قال قائل: يستحيل أن يكونا جميعًا من فرضه، إذ كل واحد منهما لا يثبت حكمه مع الآخر. قيل له: فرضه أحدهما، إلا أنه اشتبه علينا، أمرنا بالاحتياط، لا على أنهما جميعًا فرض في حال واحد، إنما الفرض أحدهما، إلا أنه لما أشكل علينا أمره: لم يسقط فرضه بالشك. وقد يجوز أن يلزم الإنسان في حال اشتباه الحكم من الفرض ما لا يلزمه لو كان الحكم معلومًا، مثل الشاك في الصلاة، قد أمره النبي ﷺ في حديث أبي سعيد البناء على اليقين، وقال: "إن كانت قد تمت صلاته: فالركعة والسجدتان له نافلة". فأمره بفعل الركعة ليؤدي فرضه بيقين، ولولا الاشتباه لم يؤمر بها. وأمر قاذف الزوجة باللعان، ولو علمنا الصادق منهما لم يجب. ولو أن رجلًا طلق واحدة من نسائه بعينها، ثم نسيها: حيل بينه وبين نسائه حتى يتيقن، ولولا إشكال الأمر لم يحل بينه وبينهن. وكذلك إذا علم أن إحدى هؤلاء النسوة أخته من الرضاعة: لم يجز أن

стр. 96

ينكح منهن واحدة، فالتحريم إنما هو فرض لواحدة دون غيرها، فقد لزمه عند الإشكال فرض اجتنابهن جميعًا. وإذا كان عنده ثلاثة أوان، أحدهن نجس لا يعرفه بعينه: لم يجز له الإقدام على استعمال شيء منها إلا بعد التحري. ونظائر ذلك في الأصول أكثر من أن يحصى، وفيما ذكرنا كفاية وتنبيه على غيرها. مسألة: [لا يستعمل التحري في الأواني إلا في ثلاثة]. قال أب جعفر: (ومن كان معه في سفره إناءان أحدهما نجس يخلطهما ويتيمم، ولا يستعمل التحري إلا في ثلاثة أوان). قال أبو بكر: كان أبو الحسن الكرخي ﵀ يروي عن أبي حنيفة ﵁ التحري في الإناءين أيضًا. والأصل في ذلك: أن الماء النجس لما لم تصح الطهارة به في حال. ثم استوى الطاهر والنجس، فلم يكن لأحدهما حكم الغلبة، لم يكن أحدهما بأولى من الآخر، فصار كالماء الذي خالطته النجاسة، فلم نصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة، كذلك الإناءان. * وليس كذلك الثوبان إذا كان أحدهما نجسًا، فيتحرى ويصلى، وذلك لأن الثوب النجس قد تجوز فيه الصلاة بحال، وقد تجوز الصلاة أيضًا مع النجاسة اليسيرة في الثوب والبدن، ولا يجوز الوضوء بما فيه نجاسة يسيرة أو كبيرة.

стр. 97

فجاز التحري في الثوبين إذا لم يجد غيرهما؛ لأنه لو علم النجاسة خفيفة، ولم يكن معه غيره: صلى فيه، ولو علم نجاسة الماء: لم يجز استعماله بحال. فلما كان ذلك من حكم الماء النجس، ثم استوى هو والطاهر، لم يكن أحدهما بأولى بثبوت حكمه من الآخر، بل حكم النجس أولى؛ لأن اليسير من النجاسة يفسد الكثير من الماء. * والمسلوختان يجوز التحري فيهما إذا كانت إحداهما ميتة كالثوبين، وذلك إذا لم يجد غيرهما، فأما إذا وجد غيرهما: فلا، وكذا كان يقول أبو الحسن الكرخي ﵀. * وأما إذا كانت ثلاثة أوان، أحدها نجس: فإنه يجوز له التحري؛ لأن الطاهر قد حصل له الغلبة، وقد تعلق الحكم بالغالب في كثير من الأصول. ألا ترى أن من دخل دار الحرب يسعه استعراضهم بالقتل، وأن جميع من في دار الإسلام محظور الدم، وإن لم يخل من أن يكون فيهم مرتد أو ملحد يحل قتله، إلا أن الحكم كان للغالب، كذلك الأواني إذا صار للطاهر حكم الغلبة: جاز التحري فيها. فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴿، وهذا واجد. قيل له: لو كان واجدًا لجاز له استعماله والإقدام عليه بغير تحر، فلما

стр. 98

لم يجز له قبل التحري الإقدام عليه، علمنا أنه غير واجد قبل التحري، فينبغي أن يثبت أولًا جواز التحري حتى يحصل الوجود للماء. وأيضًا: فإنا نأمره بالتيمم بعد خلطهما أو إراقتهما. فإن قيل: قد جاز التحري في القبلة مع غلبة جهات غير القبلة؛ لأن القبلة لها جهة واحدة، وسائر الجهات ليست لها. قيل له: لأن هذا مما تبيحه الضرورة. وأيضًا: يلزمه قياسًا عليه: جواز التحري في الثوب الواحد إذا أصاب طرفًا منه نجاسة، فيغسله دون سائره، وقد اتفق الجميع على سقوط التحري في ذلك. فإن قيل: لما كان أصل الماء الطهارة، وجب أن لا يزول حكمه بالاشتباه، كما أن الشاك في الحدث يعمل على أصل اليقين في طهارته. قيل له: فينبغي أن يقدم على استعمال أي الماءين شاء بغير تحر، كما يلغي الشك في الحدث، ويبني على يقين الطهارة، وهذا لا يقوله أحد. ويلزمه مثله أيضًا في الثوب الواحد إذا أصاب طرفًا منه نجاسة، واشتبه عليه موضعها. وأيضًا: فكما أن طهارة الماء تتعين في الأصل، كذلك وجود النجاسة تعين، وهي محظورة الاستعمال. وقد تكلمنا في هذه المسألة بأكثر من ذلك في "مسائل الخلاف". *****

стр. 99

باب الآنية وجلود الميتة سوى الخنازير مسألة: [طهارة جلود الميتة بالدباغ] قال أبو جعفر: (وإذا دبغ الإهاب مما ذكرنا: فقد صار حلالاً، وجاز بيعه، والتوضؤ فيه، والصلاة عليه). قال أحمد: روى طهارة جلود الميتة بالدباغ ابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، وسلمة بن المحبق رضي الله

стр. 100

عنهم عن النبي ﷺ بألفاظ كلها تقتضي جميعًا طهارتها بالدباغ، وهي مشهورة، فلذلك تركنا ذكر أسانيدها. وفي حديث ميمونة ﵂: "إنما حرم أكلها"، وفي بعض ألفاظه: "إنما حرم لحمها". فإن قيل: في حديث عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ : "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب"، وذلك قبل موته بشهر. وروى محمد بن بكار عن عدي بن الفضل عن محمد بن عبد العزيز عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بشيء".

стр. 101

قيل له: أما حديث ابن عمر ﵄ فغير معروف، ورواته مجهولون، فلا يعارض به أخبار من قدمنا ذكره. وأما حديث ابن عكيم ﵁، فلا يعترض به على ما روينا، فإن فيه: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب"، والمدبوغ لا يسمى إهابًا، إنما يسمى أديمًا، والإهاب قبل الدباغ، فلم يتناول المدبوغ، فلا دلالة على موضع الخلاف. وعلى أنا نجمع بينهما، فنستعملهما، فنقول: لا ينتفع من الميتة بإهاب، ولا عصب قبل الدباغ؛ لحديث ابن عكيم، وينتفع به بعد الدباغ؛ لأخبار الآخرين. فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴿، وهو عام في الجلد وغيره.

стр. 102

قيل له: خصصنا منه الجلد المدبوغ بالسنة. وعلى أنه بعد الدباغ عندنا ليس بميتة، لأن النبي ﷺ قال: "دباغها ذكاتها"، والمذكى ليس بميتة. وقد وافقنا الخصم على جواز الانتفاع بعد الدباغ، إلا أنه زعم لا يجعل فيه شيء مائع، ولا يصلي عليه، وفرق بينه وبين حاله قبل الدباغ. فقد ثبت أن الدباغ قد أخرجه من حكم الميتة، لولا ذلك لما جاز الانتفاع به بحال. * ومن جهة النظر: أنه لما خرج عن حد الأكل بالدباغ، صار كالخشبة والثوب ونحوه مما لا يحله حكم الموت. ويدل على اعتبار هذا المعنى: قول الله : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، فحرم منها المأكول. وقال النبي ﷺ في شاة ميمونة ﵂:

стр. 103

"إنما حرم أكلها". * وليس جلد الخنزير، وجلد الإنسان كجلود سائر الحيوان؛ لأن هذين لا يلحقهما الذكاة بالذبح، وسائر الحيوان يلحقه الذكاة، والدباغ قائم مقام الذكاة؛ لقوله ﷺ : "دباغها ذكاتها". فإن قيل: فينبغي أن لا يطهر جلد الكلب بالدباغ؛ لأن الذكاة لا تلحقه. قيل له: تلحقه الذكاة عندنا، لو ذبح: جاز الانتفاع بجلده، وكذلك إذا دبغ جلده بعد موته. مسألة: [لا يكره شيء من الآنية غير الذهب والفضة] قال أبو جعفر: (وكل إناءٍ غير الذهب والفضة فغير مكروه في شيء من ذلك). قال أبو بكر أحمد: أما الذهب والفضة فيكره استعمالهما للوضوء والأكل، والشرب. والأصل فيه: ما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن

стр. 104

الشرب في آنية الذهب والفضة"، وقال: "إن الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" والوضوء، والادهان فيه مكروه أيضًا، قياسًا على الشرب، لأن ذلك قد يفعل لإصلاح الجسم كالشرب. وكذا كان الأكل مكروهًا –وإن لم يذكر –قياسًا على الشرب. مسألة: [طهارة أجزاء الميتة التي لا دم فيها]. قال أبو جعفر: (وصوف الميتة، وعظامها، وشعرها، وعصبها كجلدها فيما ذكرنا). قال أبو بكر أحمد: الصوف والشعر والعظم طاهر لا يحتاج إلى دباغ. والعصب يحتاج إلى ذلك، فعسى أن يكون أراد بقوله: "كجلدها": في العصب، أو أن يكون أراد كجلدها بعد الدباغ. والأصل في ذلك أن الشعر والصوف والعظم ونحوها لا يلحقها حكم الموت؛ لأنها لا حياة فيها، والدليل عليه أن الحيوان لا يألم بأخذها منه. وأيضًا قال ﷺ : "ما بان من البهيمة وهي حية، فهو ميتة"، وهذه الأشياء تبين منها وليست بميتة، فعلمنا أنها لا يلحقها

стр. 105

حكم الموت؛ لأنها لو لحقها لما كانت مذكاة إلا بذكاة الأصل، كسائر أعضائها. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال: حدثنا يوسف بن الصقر قال: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: سمعت أم سلمة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء". فإن قيل: لما قال النبي ﷺ في شاة ميمونة ﵂: "هلا انتفعتم بإهابها"، ولم يذكر فيه الشعر والصوف، دل على أنه لا يجوز الانتفاع بالشعر؛ لأنه لو جاز لنبههم عليه، كما علمهم التوصل إلى الانتفاع بالجلد بالدباغ.

стр. 106

قيل له: أمره إياهم بالانتفاع بالإهاب بعد الدباغ: أمر بالانتفاع به على جثته إذا كان عليها شعر أو وصوف؛ لأنه لو لم يجز ذلك لقال لهم: احلقوا شعرها، ثم انتفعوا بها. وقد بينا هذه المسألة في مواضع، فأغنى عن إعادته. *****

стр. 107

باب السواك وسنة الوضوء [مسألة: السواك سنة يؤمر به تأديباَ لا حتمًا] قال أبو جعفر: (والسواك سنة). قال أبو بكر: وذلك لما روي عنه ﷺ أنه قال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور". وروى رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ قال:"السواك واجب على كل مسلم"، وهذا معناه وجوب تأديب، لا

стр. 108

حتم، كما قال:"غسل الجمعة واجب علي كل محتلم، وأن يمس من طيب أهله". والدليل عليه: قوله ﷺ :"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"، وفي بعض الألفاظ:"لفرضت عليهم السواك". فدل أنه غير واجب، ولا مأمور به َمر حتم. مسألة: [عدم اشتراط النية للطهارة بالماء، بخلاف التيمم] قال أبو جعفر: (والطهارة بالماء من الأحداث كلها بلا نية جائزة). قال أبو بكر: والحجة في ذلك قول الله : ﴿إِذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيدَيكم إلى المَرافق﴾، واسم الغسل لا ينطوي علي النية، وهو فرض مستغن عن البيان، وفي إيجاب النية فيه:

стр. 109

زيادة في النص، والزيادة في حكم النص يوجب النسخ؛ لأن الآية تقتضي أن يكون غسل هذه الأعضاء طهارة صحيحة تامة يصح أداء الصلاة بها، ومتى شرطنا فيها النية: منعنا ما أباحته الآية، وهذا هو النسخ. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾، واتفق المسلمون على أن من شرط صحتهما: النية، ولم يوجب ذلك نسخها، وإن كان فيه زيادة في حكمها. قيل له: إن لفظ الصلاة والزكاة مجمل مفتقر إلى البيان، فمهما ورد فيهما من حكم: فهو مراد باللفظ، إذ كان حكمهما غير لازم بنفس ورود اللفظ بهما إلا بعد ورود البيان. وأما فرض الوضوء فهو مفسر غير مفتقر إلى البيان، فما ورد فيه من زيادة: فهو نسخ لما أوجبه اللفظ. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم

стр. 110

إلى المرافق﴾: يقتضي أن يكون الاغتسال لها: إذا أرادها، كما تقول: إذا أردت الحج: فأحرم، وإذا أردت الصوم: فانو: يعني له، وإذا كان هذا مقتضى اللفظ، فقد تضمن إيجاب النية. قيل له: ليس شرط وقوع الوضوء للصلاة أن ينويه لها، ألا ترى أنه يصح أن يقال: إذا أردت أن تصلي فطهر بدنك وثوبك من النجاسة واستر عورتك، ولم يقتض اللفظ إيجاب النية للصلاة، كذلك الوضوء وكما يقال: إذا أردت الخروج فالبس ثيابك، و: إذا سافرت فاركب الدابة، ولا يقتضي شيء من ذلك إيجاب النية. وعلى أنه لا خلاف أنه لا يحتاج أن ينويه للصلاة أو القيام إليها، وإنما قال مخالفنا: ينوي به إزالة الحدث. فإن قيل: هذا كقولك: إذا سرق فاقطعه، و: إذا زنى فاجلده: يريد إيقاعه له. قيل له: لم يقتض وقوعه له من جهة اللفظ، لكن من جهة أنه لما خرج مخرج المجازاة، علم أن شرطه أن يقع له، وليس الوضوء جزءًا للصلاة فيقع لها، ألا ترى أن الوضوء يصح ولا صلاة واجبة، ولا يصح القطع للسرقة والجلد للزنى ولما يوجد الزنى ولا السرقة. *دليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾.
следующие страницы →