Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وأيضا: لا خلاف بين أهل العلم في جواز ترك القبض في الحنطة بالتمر إذا كانا بأعيانهما، والمعنى فيه أنهما ليسا من جنس الأثمان التي هي الذهب والفضة، وذلك موجود في الحنطة بالحنطة
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد".
قيل له: هذا لا يدل على وجوب القبض؛ لأنه أشار به إلى حال العقد.
والدليل عليه قوله ﵊ في حديث عبادة: "لا تبيعوا الحنطة بالحنطة إلا يدا بيد". وذكر الحديث، ثم قال: "وبيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يدا بيد".
فإنما أشار إلى حال العقد.
ويدل عليه أيضا: أن الباء إنما تصحب الأثمان، وهو إنما يكون ثمنا في حال العقد، لا بالقبض، فدل أن قوله: "يدا بيد": يتناول حال العقد، كأنه قال: ما في يد هذا بما في يد هذا، ومعناه: عينا بعين، وأفاد بأنه منع النساء.
ويدل عليه أيضا: أنه ذكر اليد باليد في الجنسين المختلفين، ولا خلاف أن المراد به العين، فكذلك في الجنس الواحد إنما أوجب به تعيين المبيع في العقد، ومنع النساء.
стр. 1157
ويدل عليه: ما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان إلا يدا بيد"، ولا خلاف أنه لم يرد به إيجاب القبض في المجلس، وإنما أراد التعيين.
فإن قيل: إذا حملت قوله: "يدا بيد": على معنى التعيين، بطلت فائدته؛ لأنه قد قال: "عينا بعين، يدا بيد".
قيل له: كرره على وجه التأكيد، قال: "مثلا بمثل، وزنا بوزن، سواء بسواء".
فإن قيل: قد أوجبت التقابض في الصرف بقوله: "يدا بيد".
قيل له: لم نوجبه بذلك، وإنما أوجبناه بقوله في حديث ابن عمر: "ما لم يفترقا وبينكما شيء"، وفي بعض الألفاظ: "وبينكما لبس"، فمنع افتراقهما مع بقاء شيء من حقوق العقد.
ألا ترى أن الذهب والفضة لما كان من شرط بقاء العقد فيهما المجلس، لم يتخلف فيهما حكم النوع الواحد، والنوعين المختلفين في وجوب التقابض في المجلس، وأن سائر المكيلات والموزونات إذا اختلفت أجناسها: جاز ترك القبض فيهما في المجلس إذا كانا عينين.
стр. 1158
مسألة: [بيع المكيلات بجنسها]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع شيء من المكيلات بجنسه نسيئة).
قال أحمد: الأصل في هذه المسألة ونظائرها: أن التفاضل عندهم يحرم بشيئين: وجود الكيل أو الوزن، والجنس، فهذان الوصفان علة تحريم البيع عند وجود التفاضل.
والنساء يحرم بأحد هذين الوصفين: الكيل أو الوزن، أو الجنس، فالجنس بانفراده يحرم النساء، والمعنى المضموم إليه في إيجاب تحريم التفاضل يحرم النساء على اختلاف الفقهاء فيه، فمن جعله كيلا أو وزنا حرم النساء بوجود ذلك منفرا عن الجنس.
والأصل فيه قول النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: "وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد".
وفي بعض الألفاظ: "وإذا اختلف الصنفان".
وقال: "بيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا التمر بالشعير كيف شئتم يدا بيد".
فأجاز التفاضل لعدم الجنس، وحرم النساء بوجود الكيل.
وأما الجنس بانفراده، فإنما منع النساء عندنا؛ لأنه أحد وصفي علة
стр. 1159
تحريم التفاضل، فأشبه الكيل والوزن، والمعنى الجامع بينهما ما وصفنا.
فإن قيل: قد أجزت الدراهم في الموزونات نساء، مع وجود علتك الموجبة لتحريم النساء.
قيل له: لأن من أصلنا القول بتخصيص العلة، ولو قيدنا العلة في الأصل، بأن قلنا: إن علة تحريم النساء وجود أحد صنفي علة تحريم التفاضل في جنس ما يتعين، لم نحتج إلى تخصيص؛ لأن الدراهم والدنانير مما لا تتعين عندنا، وسائر الأشياء تتعين، فالعلة مستمرة على أصلنا.
مسألة:
قال أبو جعفر: (والتمور كلها جنس واحد وإن اختلفت أسماؤها).
وذلك لقول النبي ﷺ : "التمر بالتمر مثلا بمثل"، ولم يفرق بين الأنواع المختلفة منه.
وقال في حديث أبي سعيد وأبي هريرة: "أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، إنما نأخذ من هذا الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة من الجمع، فقال النبي ﷺ : لا تفعلوا، ولكن بع هذا، واشتر بثمنه من هذا".
стр. 1160
فأبان أن اختلاف أنواعه لا يبيح التفاضل فيه؛ لأن الجمع هو الأنواع المختلفة منه، وكذلك الحنطة كما وصفنا.
مسألة:
(ولحوم الضأن والماعز جنس واحد).
لأن اختلافهما كاختلاف أنواع التمر، ألا ترى أنهما من جنس واحد في الصدقات، وكذلك البقر والجواميس.
قال: (والحنطة والشعير جنسان).
لقوله ﷺ : "وبيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم، يدا بيد".
مسألة: [بيع الحيوان باللحم]
قال أبو جعفر: (ولا بأس ببيع الحيوان باللحم من جنسه، من غير اعتبار اللحم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز إلا أن يعلم أن في الحيوان المبيع من اللحم أقل من اللحم الذي اشترى به).
لأبي حنيفة: أن اعتبار لحم الحيوان في حال حياته ساقط؛ لأنه لو اعتبر لما صح العقد رأسا، لأنه لا يحل إلا بالزكاة، ألا ترى أن ما بان منه قبل الزكاة فهو ميتة، فلما جاز البيع إذا كان أقل، دل على سقوط اعتباره في حال الحياة.
وأما ما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع اللحم
стр. 1161
بالحيوان"، فوجهه إذا كان حيوانا مذبوحا بلحم، لأنه قد نسميه حيوانا بعد الذبح، كما يقول القائل: أكلنا من الحيوان كذا.
والفرق بينه وبين جواز بيع الزيت بالزيتون، على الاعتبار أن الزيت الذي في الزيتون ليست إباحته موقوفة على الزكاة، فلذلك جاز اعتباره.
*وجعله محمد بمنزلة الزيت بالزيتون، والشاة بالصوف، وذهب أيضا إلى ظاهر ما روي من النهي عن بيع اللحم بالحيوان.
مسألة: [بيع الزيت بالزيتون]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون إلا أن يعلم أن الزيت أكثر مما في الزيتون من الزيت).
وذلك لأن هناك زيتا معقودا عليه، فوجب اعتبار ما في الزيتون منه.
والأصل في وجوب هذا الاعتبار: ما روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن بيع اللحم بالحيوان"، وقد قامت الدلالة على أن المراد الحيوان المذبوح، وقد تقدم بيان ذلك، فصار أصلا في الزيت بالزيتون ونظائره.
والمعنى فيه: اعتبار المساواة، فإذا كان الزيت أكثر، صار الزيت الذي في الزيتون بمثله من الزيت، والفضل بالثفل".
стр. 1162
فإن قيل: هلا أبطلته من حيث وجبت قسمة الزيت المعقود عليه على قيمة الزيت الذي في الزيتون وعلى الثفل، وما وقعت القسمة فيه على القيمة لم تحصل فيه المساواة بيقين، فلا يحوز إذا كانت هذه القسمة التي يقتضيها العقد.
كرجل اشترى حنطة وشعيرا بزيت أو غيره، فيقسمه على قيمة الحنطة والشعير، ويكون ثمن كل واحد منهما ما يخصه بالقيمة.
قيل له: إنما يجوز اعتبار قسمة العقد على الوجه الذي ذكرت، ما لم يؤد إلى فساد العقد، فأما إذا أدى إلى فساده، فإنه لا يجوز اعتبارها، وذلك لأن دخولهما في العقد قصد منهما إلى تصحيحه، فمتى وجدنا له وجها في الصحة حملناه عليه.
وأيضا: فإن سائر المكيلات والموزونات إذا لاقى جنسه، فإنما تكون قيمته مثله في مقداره؛ لأنها كذا جعلت في الشرع، فوجب أن يكون محمولا عليه.
وما روي عن فضالة بن عبيد في بيع القلادة التي كان فيها ذهب وخرز بذهب، فسأل النبي ﷺ فقال: "لا تبعها حتى تفصل".
فإن وجهه عندنا: أنه لم يعلم أن الذهب الذي أعطى أقل أو أكثر مما
стр. 1163
فيها، فلذلك نهى عنه.
ويدل عليه أنه قال: "الذهب بالذهب مثلا بمثل".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا الليث بن سعيد عن سعيد بن يزيد عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن فضالة بن عبيد قال: "اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا ذهبا وخرزا، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: لا تباع حتى تفصل".
فإنما نهى عن بيعه حتى يفصل، للمعنى الذي ذكرنا.
مسألة: [بيع الشاة وفي ضرعها لبن بلبن]
قال أبو جعفر: (وبيع الشاة التي في ضرعها لبن بلبن، كبيع الشاة باللحم، على ما ذكرنا من الاختلاف).
قال أحمد: قول أبي جعفر: إن ذلك على الخلاف: غلط، لا خلاف بين أصحابنا في أن ذلك إنما يجوز على الاعتبار، وهو أن يكون اللبن يعطى أكثر من اللبن الذي في الضرع.
وكذلك بيعها بصوف، وعلى ظهرها صوف، ولا خلاف بينهم في
стр. 1164
جوازه على الاعتبار.
والفرق بينهما على مذهب أبي حنيفة ما بينا.
مسألة: [بيع الرطب بالتمر]
قال أبو جعفر: (لا بأس ببيع الرطب بالتمر، يدا بيد، مثلا بمثل، في قول أبي حنيفة، ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد.
ولا يجوز متفاضلا في قولهم جميعا).
لأبي حنيفة: أنا الرطب والتمر لا يخلو من أن يكون جنسا واحدا، أو جنسين مختلفين، فإن كانا جنسا واحدا: جاز، لقوله ﵊ "التمر بالتمر مثلا بمثل".
وإن كانا جنسين: فهو أجوز، لقوله ﷺ : "وإذا اختلف النوعان، فبيعوا كيف شئتم، يدا بيد".
وأيضا: فقد اتفقوا على جواز بيع التمر الحديث بالعتيق، لوجود المساواة في الحال، فكذلك الرطب بالتمر.
وأما حديث زيد بن عياش عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1165
في "النهي عن بيع الرطب بالتمر"، فإن زيدا أبا عياش مجهول، ـ لا يجرى من هو، ولم يرد هذا الحديث إلا من هذا الطريق.
وهو مع ذلك مضطرب المتن؛ لأنه روي في بعض ألفاظه: "أينقص الرطب إذا جف؟ ".
وفي بعضها: "أنه نهى عن ذلك نسيئة".
ولو سلم كان معناه: متفاضلا.
فإن قيل: روي في بعض ألفاظه: "أينقص الرطب إذا جف؟ ": تقرير على العلة الموجبة لفساد البيع.
قيل له: لا يجوز أن يكون على معنى التنبيه على العلة من وجهين:
стр. 1166
أحدهما: أنه قد ذكر فيه: "نساء"، وليست على تحريم علة النساء فيه حدوث النقصان في الثاني.
والوجه الآخر: أن هذه العلة موجودة مع التمر الحديث بالعتيق، مع جوازه عند الجميع، فدل أنه لم يخرج مخرج الاعتلال.
وأما الفرق بينه وبين الحنطة بالدقيق، فهو أن نقصان أحدهما عن الآخر موجود في الحال؛ لأن أجزاء أحدهما أكثر من أجزاء الآخر، فلذلك لم نجزه.
وأما الرطب والتمر، فهما متساويان في الحال، وإنما يحدث النقصان في الرطب بعد الجفاف بذهاب بعض أجزائه باليبوسة، كما يحدث في التمر الحديث بمرور الأوقات عليه.
مسألة: [لا يرد المبيع بالعيب إذا أدى الرد إلى تفريق الصفقة]
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى الرجل عبدين، فلم يقبضهما، أو قبض أحدهما، ولم يقبض الآخر، حتى وجد بأحدهما عيبا، فهو الخيار: إن شاء أخذهما جميعا، وإن شاء ردهما جميعا، ليس له غير ذلك، وإن كان قبضهما، ثم علم بالعيب، رد المعيب خاصة دون الآخر بحصته من الثمن).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنه ليس لأحد من المتابعين تفريق الصفقة على صاحبه في الأثمان، وله تفريق الصفقة عليه في الفسخ، والدليل على صحة هذا الأصل: أن رجلا لو قال: قد بعتك هذين العبدين بألف درهم، أو قال: كل واحد بخمسمائة: لم يكن له أن يقبل
стр. 1167
البيع في أحدهما دون الآخر؛ لأن فيه تفريق الصفقة عليه في الأثمان، ومن أصلنا أن الصفقة لا تتم إلا بالقبض، فلذلك لم يجيزوا له تفريق الصفقة فيهما.
وعلى هذا الأصل قالوا: إذا اشترى عبدين على أنه بالخيار ثلاثا فيهما، وقبضهما، أو لم يقبضهما، لم يكن له رد أحدهما دون الآخر، لأن شرط الخيار يمنع تمام الصفقة، وإن كانا مقبوضين جميعا.
وكذلك هذا في خيار الرؤية وإن قبض؛ لأن خيار الرؤية يمنع تمام الصفقة، لجهالة المبيع عنده إذا كان خياره، لئلا يلزم نفسه مجهولا.
وأما إذا قبضها، ولا خيار له فيه: فقد تمت الصفقة، فله أن يرد أحدهما دون الآخر؛ لأن في ذلك تفريق الصفقة في الفسخ، لا في الأثمان، وذلك جائز بلا خلاف.
مسألة: [العيب في ثمن الصرف]
قال: (وإذا وجد في ثمن الصرف درهما زائفا بعد الافتراق، فإنه يستبدله ما بينه وبين النصف، ولا يفارقه إذا رده حتى يقبض البدل.
فإن كان أكثر من النصف: انتقض الصرف بمقداره إن رده في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا ينتقض إذا أخذ البدل في المجلس الذي رده فيه ولو وجدها كلها زيوفا).
قال أحمد: وقد روي عن أبي حنيفة في هذه المسألة روايتان أخريان:
إحداهما: أنه ينتقض الصرف في النصف، ولا ينتقض في أقل منه.
والأخرى: أنه ينتقض في الثلث، ولا ينتقض في أقل منه.
стр. 1168
والقياس عنده أنه ينتقض في القليل والكثير إذا رده، ولا يصح له أخذ بدله، وذلك لأن رده يوجب نقض القبض في المردود، وإعادة الدين الذي كان في العقد، ولا يصح إعادته دينا بعقد صرف قد حصل عنه افتراق، إذ كان الافتراق موجبا لبطلانه لو كان الدين باقيا.
واستحسن في القليل فأجازه، وترك القياس فيه، كما جاز أن يتجاوز بالزيوف عن ثمن الصرف وإن وقع العقد على الجياد.
ومعلوم أن الزيوف قد خالطها عين الفضة، فسقط حكمه لأجل قلته، وصار الحكم فيه للأكثر، ولم يكن بمنزلة من أخذ عن ثمن الصرف وغيره، فكذلك ما وصفنا.
وهذه علة للرواية التي أجاز فيها أقل من النصف، ولم يجز النصف، وهي أصح الروايات.
*قال أبو جعفر: (إذا انتقض العقد فيما رده: كان شريكا في الدينار بحسابه، وكذلك إذا وجد بعضها ستوقا بعد الفرقة).
стр. 1169
قال أحمد: أما الستوق، فلا يحصل به استيفاء لثمن الصرف؛ لأنه ليس بعضه، فهو بمنزلة من تصرف في ثمن الصرف قبل القبض، فلا يجوز.
والأصل فيه: أن كل ما أخذ علينا تعجيله في مجلس العقد، فإنه لا يجوز التصرف فيع قبل القبض، مثل ثمن الصرف، ورأس مال السلم.
*وأما قوله: "إنه يصير شريكا في الدينار الذي قبضه بيع الدراهم": فإن محمدا قد أطلق نحو ذلك في كتاب الصرف، ومعناه: أنه يشاركه في دينار، إن شاء كان ذلك الدينار، وإن شاء غيره.
ولا يستحق بيع الدينار بانتقاض الصرف بعد صحته؛ لأن من أصلهم: أن رجلا لو اشترى عبدا بألف درهم، وقبض البيع الدراهم، ثم مات العبد قبل القبض: لم يستحق المشتري غير تلك الدراهم، وكان للبيع أن يعطيه غيرها، وذلك لأنها لم تملك بالعقد، وإنما ملكت بالقبض، وما لم يملك بالعقد، لم ينتقض الملك فيه بانتقاض العقد.
стр. 1170
باب العرية
مسألة: [بيع العرايا]
قال: (والعرية أن يعري الرجل الرجل ثمر نخلته، فلا يجذها المعرى حتى يبدو للمعري أن يمنعه منها، ويعوضه منها خرصها تمرا، ويقبل ذلك منه المعرى، فيطيب ذلك للمعري والمعرى، ويخرج المعري بذلك من حكم من وعد وعدا ثم أخلفه، ويخرج المعرى من حكم من أخذ عوذا عن شيء لم يكن ملكه).
قال أبو بكر أحمد: العرية عندهم هي الهبة، وذلك لأنها مشتقة من العارية، والعارية إنما هي تمليك المنافع بغير بدل، فكان اسم العرية بالهبة أولى منه بالبيع الذي هو تمليك ببدل.
ويدل عليه قول الشاعر يصف نخلة:
ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح
стр. 1171
يعني أنها موهوبة التمر في هذه السنين.
ويدل عليه قول النبي ﷺ "إذا خرصتم فدعوا الثلث أو الربع، فإن في المال: العرية والوصية".
وروى ابن طاوس عن أبي بكر بن محمد أن النبي ﷺ أمر أن لا تخرص الثمار العرايا".
والعرايا: أن يمنح الرجل من حائطه رجلا نخلات، ثم يبتاعها الذي منحها من الممنوح بخرصها كيلا.
وليس يمتنع إطلاق لفظ البيع عليه وإن كان المشتري مالكا للثمرة قبل تسليمها إلى الموهوب له، كقول الله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين
стр. 1172
أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾، وهي كلها لله قبل الشراء وبعده.
وقال: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾.
ولا يجوز عندنا بيع ثمرة النخلة والنخلتين، ولا أكثر من ذلك بخرصها تمرا إذا كان البيع مالكا للثمرة.
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن بيع المزابنة، وهي بيع الثمرة في رؤوس النخل بالتمر كيلا".
وقال ﵊: "التمر بالتمر، مثلا بمثل، كيلا بكيل".
ولاتفاق الجميع على امتناع جواز بيعها لو كانت موضوعة بالأرض إلا مكايلة.
ولاتفاق المسلمين أيضا على امتناع جواز بيع تمر النخل الكثير بخرصها تمرا.
فإن قيل: روى زيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وجابر، وأنس، وأبو هريرة "أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها".
стр. 1173
وقال أبو هريرة: فيما دون خمسة أوسق.
قيل له: العرية ما وصفنا من الهيئة، وقد دللنا عليه في صدر المسألة.
ويدل عليه أيضا: ما روى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ "نهى عن المزابنة".
وقال زيد بن ثابت: ورخص رسول الله ﷺ في النخلة والنخلتين، يوهبان للرجل، فيبيعهما بخرصهما تمرا".
فإن قيل: فما فائدة الرخصة على ما تأولت، والثمرة ملك الواهب بعد لم يملكها الموهوب له.
قيل له: لولا خبر الرخصة فيه، لمنعناه من ذلك، لما فيه من إخلاف الوعد.
ولم يكن نبيح أيضا للموهوب له أخذ البدل؛ لأنه لم يملك بعد، فأفادنا الخبر جواز ذلك.
وأيضا: فلو كان خبر العرية واردا على الوجه الذي ادعيتموه من جواز عقد الشراء على ثمرة بخرصها تمرا، لكان خبر النهي عن المزابنة، وقوله ﷺ "التمر بالتمر، مثلا بمثل": أولى بالاستعمال منه؛ لأنه متفق على استعماله، وخبر العرية مختلف في استعماله على الوجه الذي ذهب إليه المخالف، ومتى ورد خبران على هذا الوصف، كان
стр. 1174
الخبر المتفق عليه، قاضيا على الآخر، وقد بينا ذلك فيما سلف.
ثم إذا وجدنا لخبر العرية وجها يوافق الخبر الآخر، حملناه عليه، واستعملناهما، ومخالفنا لا يجيز بيع العرية إذا كان محاطا على النخلة والنخلتين، وإنما يجيزه إذا كانت فيما بين نخل لغيره، من غير أن يكون عليها حائط.
والخبر لم يفرق بين ذلك، فكان الحائط الذي بينهما حينئذ يكون مانعا من البيع، والحائط لا تأثير له في ذلك.
стр. 1175
باب بيع أصول النخل والشجر والثمار
مسألة: [بيع الشجر وعليه ثمر]
قال أبو جعفر: (وإذا باع نخلا أو شجرا فيها ثمر قد بدا: فالثمر للبيع، ويقطعه من شجر المشتري، سواء أبره أو لم يؤبره).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من باع نخلا مؤبرا، فثمرته للبيع إلا أن يشترط المبتاع".
أفادنا بذلك أن كل ما كان لقطعه نهاية في العادة: فغير داخل في شراء الأصل، إلا بالشرط مثل الزرع في الأرض.
وإنما استوى حكم المؤبر وغير المؤبر، لوجود المعنى الذي من أجله لم يدخل المؤبر منه في العقد، وهو أن لقطعه نهاية، وتخصيص النبي ﷺ للمؤبر لا يوجب أن يكون الحكم مقصورا عليه؛ لأن ذكر التأبير إنما هو إبانة عن حال ظهور الثمرة؛ لأنها تؤبر عند ظهورها.
وهو كقوله ﵊: "لا قطع في ثمر حتى يؤويه الجرين"، ولو آواه البيت والدار كان كذلك حكمه؛ لأن المعنى فيه
стр. 1176
الإحراز، وبلوغ حال الاستحكام.
ويؤمر البيع بقطع الثمرة؛ لأنها في ملك المشتري، بمنزلة من باع دارا له فيها متاع، فيؤمر برفع المتاع ونقله.
مسألة: [بيع الثمر دون الشجر]
قال: (وإن اشترى الثمرة دون الأصل: جاز، وعلى المشتري أن يجدها، أبرت أم لم تؤبر).
قال أحمد: لا خلاف بين الفقهاء في جواز شرائها إذا شرط قطعها.
ولا خلاف في فساده إذا شرط الترك قبل بدو صلاحها.
واختلفوا فيه إذا لم يشرط قطعها، ولا تركها:
فأجازه أصحابنا، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من باع نخلا مؤبرا: فثمرته للبيع إلا أن يشترط المبتاع".
فأجاز شرط الثمرة للمشتري على الإطلاق، من غير شرط القطع.
стр. 1177
وأيضا: فإن العقد يوجب التسليم في الحال، ولا يفرق بين شرط القطع وبين الدخول في عقد يوجب قطعه، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يبيع العبد، ويشترط تسليمه للمشتري، وبين أن يبيعه ويسكت عن شرط التسليم، إذ كان العقد يوجبه.
وإنما يبطل العقد إذا شرط الترك؛ لأنه نفى موجب العقد، إذ كان العقد يوجب قطعه، كمن باع عبدا، وشرط أن لا يسلمه شهرا، فيفسد العقد، لنفيه بالشرط ما يوجب العقد من التسليم.
قال أبو جعفر: (فإن اشترط في البيع تركها إلى جدادها: فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: البيع على ذلك فاسد).
للعلة التي وصفنا، وهي أنه نفى التسليم الموجب بالعقد بالشرط، كشرطه أن لا يسلم العبد إلى شهر.
* (وقال محمد: إن كان قد بدا صلاحها: جاز البيع والشرط)؛ استحسانا وشبهه برجل اشترى نعلا على أن يحذوها البيع ويشركها، فيجوز البيع والشرط، لجريان العادة بجواز مثله، كذلك الثمرة إذا بدا صلاحه: جاز شرط الترك فيها للعادة، ولأنها لا يحدث فيها بالترك أجزاء معدومة في الحال.
والفصل بينهما على مذهب أبي حنيفة: أن القياس يمنع جواز شرط الحذو والتشريك في شراء النعل، إلا أنه ترك القياس فيه، لجريان
стр. 1178
العادة بمثله في السلف، مع ترك الفقهاء النكير على فاعله، فصار إجماعا من السلف، ولم نجد مثله في شرط ترك الثمرة، فحمل أمرها على القياس.
مسألة: [بيع الثمرة مع جهالة قدرها]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع الثمرة إلا صاعا منها).
وذلك لأنه مجهول، كأنه اشترى بعض الثمرة، ولم يبين مقداره.
قال: (ولا بأس ببيع الجزء المعلوم من أجزائها).
وذلك لأنه معلوم، كبيع ربع العبد، ونصفه.
مسألة: [هلاك الثمرة بعد القبض]
قال أبو جعفر: (وما هلك من الثمرة بعد قبض المشتري، فهو من مال المشتري).
لأنها قد صارت في ضمانه، وخرجت من ضمان البيع، كمان اشترى طعاما أو ثيابا، وقبضها، فتهلك من ماله إذا هلكت.
مسألة: [هلاك الثمرة قبل القبض]
قال: (وما هلك قبل القبض: فهو من مال البيع، فإن هلك بعضه: فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن شاء ترك).
قال أحمد: صحة بقاء العقد عندنا موقوفة على سلامة القبض، والأصل فيه: أن الله تعالى لما حرم الربا، أبطل منه ما لم يكن مقبوضا، ولم يتعقب منه ما كان مقبوضا بالفسخ، فدل على أن من شرط بقاء
стр. 1179
العقد: سلامة القبض، وأنه متى عدم التسليم: بطل العقد.
ويدل عليه من جهة السنة: "نهي النبي ﷺ عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها".
وقال: "أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه".
فأخبر أن البيع لا يستحق الثمن إلا بسلامة المبيع للمشتري.
ويدل عليه نهيه ﵊ عن بيع العبد الآبق، وعن بيع الغرر، وسائر البياعات التي يتعذر فيها التسليم.
*ومن جهة النظر: إن وجود العيب بالمشترى، يحدث للمشتري خيارا في الفسخ، لاستدراك الجزء الفائت الذي شرط تسليمه بالعقد، فإذا عدم الأصل: فهو أولى أن لا يستحق عليه الثمن.
стр. 1180
وأيضا: لو منع البيع تسليم العبد، وغيبه، لم يستحق الثمن، لعده التسليم، كذلك إذا مات.
وأيضا: فإن عقد البيع يتناول كل واحد من البدلين، فلا يستحق أحدهما تسليم ما ملك على صاحبه، إلا بتسليم ما ملك عليه.
*وإنما وجب له الخيار إذا هلك بعض المبيع، من قبل أن تفريق الصفقة عليه قبل تمامه يوجب له الخيار.
والدليل عليه: أنه لو قال: قد اشتريت منك هذا الكر بمائة درهم، فقال: قد بعتك نصفه: كان له أن لا يقبله، لتفريق الصفقة عليه.
مسألة: [استهلاك الأجنبي المبيع]
قال: (ولو استهلكه أجنبي: كان للمشتري أن يختار اتباع الجاني، ويعطي البيع الثمن).
وإنما كان له الخيار، من قبل أن السلعة قد تغيرت قبل التسليم، فوجب له الخيار لذبك، ولا يبطل البيع؛ لأن ما حصل على الجاني من ضمان القيمة أو المثل قائم مقام الأصل، وإنما حدث تغير، فلا يبطل البيع.
فإن قيل: لما لم يصح ابتداء العقد عليه وهو في ذمة الغير، وجب أن لا يبقى فيه حكم العقد إذا صار كذلك.
قيل له: لا يجب ذلك، ألا ترى أن الآبق لا يجوز ابتداء العقد عليه،
стр. 1181
ولو أبق بعد البيع قبل القبض: لم يبطل العقد.
ولا يجوز ابتداء عقد النكاح على معتدة، ولو طرأت عليها عدة وهي تحت زوج: لم يبطل النكاح، فليس حكم البقاء في ذلك حكم الابتداء.
مسألة: [جز الكلأ المشترى على المشتري]
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى رطبة قائمة في الأرض: جاز ذلك، وكان عليه جزها، وإن اشترط ذلك على البيع: فسد البيع).
وذلك لأن نقلها على المشتري، فإذا اشترط نقلها على البيع: فسد البيع؛ لأنه شرط شرطا لا يوجبه العقد، بمنزلة من اشترى طعاما على أن يحمله البيع إلى منزله.
مسألة: [البيع قبل القبض]
قال: (ومن اشترى شيئا بعينه، أو في ذمته: لم يجز له بيعه قبل قبضه، ولا التولية، ولا الشركة).
قال أحمد: هذا في غير العقار، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن بيع ما لم يقبض".
стр. 1182
والإشراك، والتولية بيع، فلا يجوز.
قال أبو جعفر: (والحوالة به كالبيع فيه، فلا يجوز شيء من ذلك).
قال أحمد: قوله: "والحوالة به كالبيع": لا معنى له؛ لأن من قولهم: إنه إن كان في الذمة: جازت الحوالة به، ألا ترى أن رجلا لو كان له على رجل كر حنطة سلما، فأحال به عليه رجلا له كر حنطة: جاز، ولم يكن بمنزلة البيع.
ويجوز أيضا للمسلم إليه أن يحيل المسلم بالسلم على غيره.
وإن كان المشترى عينا: جازت الحوالة به أيضا، ويكون المحال وكيلا للمشتري في قبضه، فلا وجه لقوله: "إن الحوالة به كالبيع".
مسألة:
قال أبو جعفر: (والإقالة قبل القبض فسخا للبيع).
قال أحمد: هذا لا خلاف فيه بين الفقهاء؛ لأن بيعه قبل القبض لا
стр. 1183
يجوز، فدل أنها فسخ.
قال: (وهي بعد قبض المبيع فسخ أيضا في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: بعد قبض المبيع بيع مستقبل، وقبل قبضه: فسخ للبيع).
قال أحمد: وجه قول أبي حنيفة: أن الإقالة في اللغة: رفع العقد، والأصل فيها قولهم: أقال الله عثرتك، يعني: رفعها وأزالها.
فإذا كانت رفعا للعقد الأول، وهما دخلا فيها على هذا الوجه، لم يجز لنا أن نجعلها بيعا مستقبلا؛ لأنها تكون حينئذ غير ما تعاقدا عليه، كما لو أنهما عقدا عقد هبة، لم يجز لنا أن نجعله عقد بيع.
وأيضا: لا يختلفون أنها تصح بغير تسمية ثمن، ولو كانت بيعا مستقبلا: لما صحت بغير تسمية ثمن.
وأيضا: تجوز الإقالة على القيمة بالاتفاق، والبيع المستقبل لا يصح على القيمة.
وأما مذهب أبي يوسف: فهو كما قال.
وأما محمد: فإنها عنده إذا كانت بجنس الثمن الأول: فهي فسخ، ولا
стр. 1184
تصح إلا بالثمن الأول، وإن كانت بغير جنس الثمن: فهي بيع مستقبل، كما قال أبو يوسف.
وذهب أبو يوسف إلى أنها لما وقعت بتراضيهما في حال يصح فيها عقد البيع، وجب أن تكون بيعا، ألا ترى أن حكمها حكم البيع في حق الغير في باب وجوب الشفعة بها، وامتناع رد المبيع بالعيب على بيعه.
ولا خلاف بينهم أنها في حق الغير بمنزلة البيع المستقبل، وكذلك إذا وقعت قبل القبض؛ لأنه عاد إلى البيع بتراضيهما، وقال الله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾.
فمن حجة الغير أن يقول: ليس علي من حكم العقد الأول شيء، وهذا قد عاد إلى البيع ببدل عن تراض منهما، وفسخكما لا يجوز علي، فهي بيع في حقي.
مسألة: [ما يجوز فيه التصرف قبل القبض]
قال أبو جعفر: (ومن وجب له حق من قرض، أو ثمن مبيع، أو غصب، فابتاع به شيئا بعينه: جاز، قبضه أو لم يقبضه).
قال أحمد: الأثمان التي لا يستحق قبضها في المجلس، يجوز التصرف فيها قبل القبض.
والأصل فيه: حديث ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فآخذ بالدراهم الدنانير، وبالدنانير الدراهم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1185
فقال: "لا بأس به ما لم تفترقا، وبينكما شيء".
فثبت بذلك جواز التصرف في الأثمان التي لا يستحق قبضها في المجلس قبل الافتراق.
فأما ما يستحق قبضه في المجلس نحو ثمن الصرف، ورأس مال السلم، فإنه لا يجوز التصرف فيه قبل القبض؛ لأن في إسقاط قبضه إفساد العقد.
ألا ترى أنه لو أبرأ منه، لم تصح براءته إلا أن يقبلها الآخر، فيكون حينئذ إقالة وفسخا للعقد.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وإن ابتاع به شيئا بغير عينه، فإن قبضه قبل أن يتفرقا: تم البيع، وإلا: بطل).
قال أحمد: هذا على وجهين:
إن كان الأصل فيه دراهم أو دنانير أو فلوسا، فاشترى بها طعاما، أو نحوه من مكيل، أو موزون في الذمة، لم يصح العقد رأسا؛ لأن هذه الأشياء إذا لاقت الأثمان كانت مبيعا، ولا يصح العقد على مبيع عندنا في الذمة إلا في السلم خاصة.
وإن كان الأصل غير الدراهم والدنانير، وإنما هو طعام أو غيره من المكيل والموزون، ثم عقد به على مكيل أو موزون في الذمة، فهذا أيضا على وجهين:
стр. 1186
إن جعل الأصل ثمنا، بأن قال: اشتريت منك كذا من طعام موصوف بما في ذمتك: لم يصح العقد؛ لأن الطعام المشترى في هذه الحالة مبيع في الذمة.
ولو قال: قد بعتك الطعام الذي لي في ذمتك بكذا وكذا من زيت موصوف أو غيره: جاز البيع، واحتاج إلى قبضه في المجلس؛ لأن دين بدين، والدين بالدين معفو عنه مقدار المجلس، غير معفو عنه بعد المجلس.
ولو باع الطعام الذي في ذمته بدراهم أو دنانير: جاز أيضا إذا قبض في المجلس؛ لأنهما أثمان.
مسألة: [جواز بيع الطعام قبل نقله إن كان قبضه بالتخلية]
قال أبو جعفر: (ومن اشترى طعاما صبرة، فقبضه، جاز له بيعه، نقله عن موضعه الذي ابتاعه فيه، أو لم ينقله).
وذلك لأن القبض في مثل هذا يقع بالتخلية؛ لأن هذا هو التسليم المستحق على البيع، فإذا فعل ما عليه: استحق الثمن، ونقل المشتري غير مستحق بالبيع، فلا يتعلق به حكم فيما بينهما، ألا ترى أن المؤجر بالتخلية، سكنها المستأجر، أو لا.
مسألة: [جهالة جملة الثمن]
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى صبرة طعام على أن كل قفيز منها
стр. 1187
بدرهم: فإن البيع يصح في قفيز واحد في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن جملة الثمن مجهولة، لا يصح العقد فيها، وثمن القفيز الواحد معلوم، فيصح العقد فيه.
*قال: (فإذا كاله البيع للمشتري، كان المشتري بالخيار، إن شاء أخذ بقيتها بعد القفيز، كل قفيز منها بدرهم، وإن شاء ترك).
وذلك لأن الجهالة قد زالت، فصح البيع فيها، لزوال المعنى الذي من أجله أبطلناه.
وإنما كان له الخيار؛ لأنه لم يعلم بدءا بجملة الثمن، وإنما علمها الآن، فكان بمنزلة من اشترى شيئا لم يره، فإذا رآه كان له الخيار، بمنزلة من اشترى شيئا برأس ماله، ثم علم برأس المال.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه البيع فيها كلها، كل قفيز بدرهم)؛ لأن المعقود عليه من الطعام معين يصح البيع فيه، وإنما بقي علينا في جملة ثمنها أن نكيل الطعام، فلا يفسد ذلك البيع.
*قال: (فإن اشترى الصبرة كلها بمائة درهم، كل قفيز منها بدرهم: جاز البيع في جميعها، في قولهم جميعا)؛ لأن الثمن معلوم، والطعام معين.
стр. 1188
باب المصراة وغيرها
مسألة: [ما يوجبه عيب التصرية]
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى الرجل ناقة، أو بقرة، أو شاة، على أنها لبون، ثم حلبها مرة بعد مرة، فتبين له بنقصان لبنها، أنها مصراة: فإنه يرجع على بيعها بنقصان عيبها، وليس له ردها عليه بوجه.
وقال أبو يوسف بعد ذلك: يردها وقيمة صاع من تمر، واللبن له).
قال أحمد: قول أبي جعفر في الشاة ونحوها، إذا اشتراها على أنها لبون، وإجازة البيع فيها مع هذا الشرط، فإن الذي نعرفه في مذهبهم في ذلك أن البيع فاسد.
وقد روي عن محمد في الرجل يشتري شاه على أنها حلوب: أن البيع فاسد، وقد ذكره أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى في الجماع الصغير الذي صنفه.
قال أحمد: والأصل في ذلك، أن الشيء لا يدخل في حكم العقد،
стр. 1189
ولا يكون له حصة فيه، إلا بأحد وجهين: إما أن يتناوله العقد بالتسمية، أو يقع عليه التسليم الموجب بالعقد، وما عدا ذلك فليس بداخل في العقد، ولا حصة له من الثمن.
واللبن الحادث بعد القبض لا حكم له في العقد، وذلك لأن العقد لم يتناول؛ لأنه لا يصح العقد عليه على حياله، ولم يقع عليه التسليم، فلما لم يكن داخلا في العقد، لم يجز أن يكون له حصة فيه، وإذا امتنع ثبوت الحصة، امتنع رد الأصل؛ لأن الناس فيه على قولين:
إما قائل يقول: يردها ويرد معها صاعا من تمر.
وقائل يقول: لا يردها، ويرجع بأرش النقصان.
فلما امتنع إثبات الحصة للبن لما وصفنا، امتنع الرد.
وأيضا: فإن الولد الحادث بعد القبض، لا حصة له من الثمن بالاتفاق، وهو جزء من أجزائها كاللبن، فوجب أن يكون كذلك حكم اللبن، إذ كل واحد منهما لا يصح إفراده بالعقد في حال اتصاله بالأصل، ولم يقع عليه التسليم.
قال أحمد: والولد واللبن وما جرى مجراهما مما يحدث بعد القبض، فإنه وإن لم يكن دخل في العقد، فهو موجب به.
والدليل عليه: أن المشتري المغرور يرجع عند الاستحقاق بقيمة الولد على الغار، فلولا أنه أوجبه له بالعقد، لما رجع عليه بقيمته، حينئذ لم يسلم له إلا بضمان القيمة، فلم يخل حكم الأصل بعد حدوث
стр. 1190
الزيادة من أحد الوجهين:
إما أن يفسخ العقد من الأصل على جميع الثمن، فيبقى اللبن والولد للمشتري بغير شيء، وهو موجب بالعقد، وقد انفسخ العقد، فلا يجوز أن يبقى في يده ما هو موجب به مع فسخه.
أو أن يرده بحصته مع حصة الولد واللبن، وهذا لا يجوز؛ لأنه لا حصة لهما إذا حدثا بعد القبض، لما بيناه، ومثله إذا كان مستهلكا، فهذا موافق للخبر الذي ذكر فيه رد اللبن.
*وأما خبر المصراة، فإنه يروى عن النبي ﷺ على أربعة أوجه:
يروى من طريق أبي هريرة على ثلاثة أوجه:
- أحدها: "من اشترى شاة مصراة فهو بأحد النظرين: عن شاء أمسكها، وإن شاء رد معها صاعا من تمر".
- والوجه الآخر: "فليرد معها صاعا من طعام، أو تمر".
стр. 1191
- والثالث: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا سعيد بن
منصور قال: حدثنا فليح بن سليمان عن أيوب بن عبد الرحمن عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشترى شاة مصراة، فالمشتري بالخيار ثلاثة أيام: إن شاء ردها، وصاعا من لبن".
فذكر في هذا الحديث صاعا من لبن.
- والوجه الرابع: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا صدقة بن سعيد عن جميع بني عمير التيمي قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "من باع محلفة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها، رد معها مثل لبنها، أو مثليه قمحا".
стр. 1192
فهذا يخالف الأخبار الأول، من قبل أنه ذكر القمح، وذكر رد المثل أيضا، وهذه الألفاظ
كلها صحيحة عندنا على مذهبنا، ولا تستقيم على مذهب مخالفنا، وذلك لأنه جائز أن يكون ذلك فيمن اشترى شاة على أنها تحلب كذا وكذا، فيوجب ذلك فساد العقد، فإذا حلبها، وجب عليه رد اللبن إن كان قائما بعينه، أو مثله إن كان مستهلكا، فهذا موافق للخبر الذي ذكر فيه رد اللبن.
والخبر الذي ذكر فيه القمح والتمر، يجوز أن يكون على معنى أنه جعله قيمة اللبن، وكان التمر والبر أوجد عندهم من الذهب والفضة.
وجهة أخرى، وهي أنه جائز أن يكون في حال كان يجوز فيها عقد البيع على اللبن في الضرع، فصار مشترى معها، فلم يمنع ذلك رد الشاة، وجعل قيمة اللبن تمرا، أو قمحا، وذلك منسوخ بنهي النبي ﷺ عن بيع اللبن في الضرع، رواه ابن عباس.
ويحتمل أن يكون رجل اشترى شاة بتمر، فحلبها قبل القبض، ثم وجد بالشاة عيبا بعد القبض، وردها، وكانت حصة اللبن صاعا من تمر من جملة الثمن.
стр. 1193
وحمل الخبر على مذهب المخالف خلاف الأصول؛ لأنه يوجب أن يكون لو اشترى شارة بصاع تمر، ثم حلبها، أنه يردها ويرد معها صاع تمر، ومعلوم أن حصة اللبن أقل من صاع، فهذا خلاف الأصول من وجهين:
أحدهما: أنه يلزمه أكثر مما عليه.
والثاني: ما فيه من الربا؛ لأنه يأخذ عن نصف صاع تمر: صاع تمر.
مسألة: [ظهور العيب في الأمة المشتراة بعد استغلالها]
قال أبو جعفر: (من اشترى أمة فاستغلها، ثم أصاب بها عيبا، ردها على بيعها، والغلة طيبة).
وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا مسلم بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رجلا اشترى غلاما في عهد النبي ﷺ ، وبه عيب لم يعلم به، فاستغله، ثم على بالعيب، فخاصمه إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنه قد استغله منذ زمان، فقال رسول الله ﷺ : "الغلة بالضمان".
стр. 1194
وقد رواه جماعة عن عورة عن عائشة، وقالوا فيه: "الخراج بالضمان" والمعنى واحد، الخراج المذكور في هذا الخبر، هو الغلة المذكورة في غيره.
مسألة: [ظهور العيب في الأمة المشتراة بعد وطئها]
قال أبو جعفر: (ولو جامعها، ثم أصاب بها عيبا، كان بيعها بالخيار: إن شاء أخذها لا شيء له غيرها، وإن شاء رد أرش عيبها من ثمنها، بكرا كانت أو ثيبا، وكذلك لو جنى عليها جناية ثم وجد بها عيبا).
قال أحمد: الجماع عندهم بمنزلة ذهاب جزء منها بجناية المشتري، أو من السماء، والدليل على ذلك أن أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في هذه المسألة:
فقال علي ﵇: يرجع بأرش العيب، إلا أن يشاء البيع أن يقبلها، ويرد الثمن.
وقال عمر: "يردها، ويرد معها عشر ثمنها إن كانت بكرا، أو نصف العشر إن كانت ثيبا".
ثم اختلفوا في جناية المشتري عليها:
стр. 1195
فقال علي ﵇: لا يردها، ويرجع بأرش العيب، إلا أن يشاء البيع أن يقبلها، ويرد جميع الثمن.
وقال عمر: يردها مع الأرش.
فحصل من اتفاقهم جميعا أن وطء المشتري في الحكم، كجناية عليها، على حسب اختلافهم فيه، فلما ثبت عندنا في حكم جناية المشتري ما وصفنا، وجب أن يكون الوطء بمثابته.
فإن قيل: هلا كان الوطء بمنزلة الاستخدام.
قيل له: لاتفاق الجميع من السلف على أنه في حكم الجناية دون الاستخدام، على ما بيناه.
ويدل على الفصل بينهما، أنه لو اشترى جارية على أنه بالخيار ثلاثا، فاستخدمها: لم يبطل خياره، ولو وطئها: بطل خياره، كما لو جنى عليها بطل خياره، فكان الوطء كالجناية دون الاستخدام.
وأيضا: فإن استخدام الغير لها لا يوجب شيئا، ووطؤه إياها لا يخلو من حد، أو مهر، فدل على أن الوطء مخالف للخدمة.
ألا ترى أنه يملك إباحة الخدمة، ولا يملك إباحة الوطء إلا من وجه العقد.
ودليل آخر: هو أنا لو فسخنا البيع بهذا الوطء، عادت إلى ملك البيع
следующие страницы →