← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

- والثالث: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا فليح بن سليمان عن أيوب بن عبد الرحمن عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشترى شاة مصراة، فالمشتري بالخيار ثلاثة أيام: إن شاء ردها، وصاعا من لبن". فذكر في هذا الحديث صاعا من لبن. - والوجه الرابع: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا صدقة بن سعيد عن جميع بني عمير التيمي قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "من باع محلفة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها، رد معها مثل لبنها، أو مثليه قمحا".

стр. 1192

فهذا يخالف الأخبار الأول، من قبل أنه ذكر القمح، وذكر رد المثل أيضا، وهذه الألفاظ كلها صحيحة عندنا على مذهبنا، ولا تستقيم على مذهب مخالفنا، وذلك لأنه جائز أن يكون ذلك فيمن اشترى شاة على أنها تحلب كذا وكذا، فيوجب ذلك فساد العقد، فإذا حلبها، وجب عليه رد اللبن إن كان قائما بعينه، أو مثله إن كان مستهلكا، فهذا موافق للخبر الذي ذكر فيه رد اللبن. والخبر الذي ذكر فيه القمح والتمر، يجوز أن يكون على معنى أنه جعله قيمة اللبن، وكان التمر والبر أوجد عندهم من الذهب والفضة. وجهة أخرى، وهي أنه جائز أن يكون في حال كان يجوز فيها عقد البيع على اللبن في الضرع، فصار مشترى معها، فلم يمنع ذلك رد الشاة، وجعل قيمة اللبن تمرا، أو قمحا، وذلك منسوخ بنهي النبي ﷺ عن بيع اللبن في الضرع، رواه ابن عباس. ويحتمل أن يكون رجل اشترى شاة بتمر، فحلبها قبل القبض، ثم وجد بالشاة عيبا بعد القبض، وردها، وكانت حصة اللبن صاعا من تمر من جملة الثمن.

стр. 1193

وحمل الخبر على مذهب المخالف خلاف الأصول؛ لأنه يوجب أن يكون لو اشترى شارة بصاع تمر، ثم حلبها، أنه يردها ويرد معها صاع تمر، ومعلوم أن حصة اللبن أقل من صاع، فهذا خلاف الأصول من وجهين: أحدهما: أنه يلزمه أكثر مما عليه. والثاني: ما فيه من الربا؛ لأنه يأخذ عن نصف صاع تمر: صاع تمر. مسألة: [ظهور العيب في الأمة المشتراة بعد استغلالها] قال أبو جعفر: (من اشترى أمة فاستغلها، ثم أصاب بها عيبا، ردها على بيعها، والغلة طيبة). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا مسلم بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رجلا اشترى غلاما في عهد النبي ﷺ ، وبه عيب لم يعلم به، فاستغله، ثم على بالعيب، فخاصمه إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنه قد استغله منذ زمان، فقال رسول الله ﷺ : "الغلة بالضمان".

стр. 1194

وقد رواه جماعة عن عورة عن عائشة، وقالوا فيه: "الخراج بالضمان" والمعنى واحد، الخراج المذكور في هذا الخبر، هو الغلة المذكورة في غيره. مسألة: [ظهور العيب في الأمة المشتراة بعد وطئها] قال أبو جعفر: (ولو جامعها، ثم أصاب بها عيبا، كان بيعها بالخيار: إن شاء أخذها لا شيء له غيرها، وإن شاء رد أرش عيبها من ثمنها، بكرا كانت أو ثيبا، وكذلك لو جنى عليها جناية ثم وجد بها عيبا). قال أحمد: الجماع عندهم بمنزلة ذهاب جزء منها بجناية المشتري، أو من السماء، والدليل على ذلك أن أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في هذه المسألة: فقال علي ﵇: يرجع بأرش العيب، إلا أن يشاء البيع أن يقبلها، ويرد الثمن. وقال عمر: "يردها، ويرد معها عشر ثمنها إن كانت بكرا، أو نصف العشر إن كانت ثيبا". ثم اختلفوا في جناية المشتري عليها:

стр. 1195

فقال علي ﵇: لا يردها، ويرجع بأرش العيب، إلا أن يشاء البيع أن يقبلها، ويرد جميع الثمن. وقال عمر: يردها مع الأرش. فحصل من اتفاقهم جميعا أن وطء المشتري في الحكم، كجناية عليها، على حسب اختلافهم فيه، فلما ثبت عندنا في حكم جناية المشتري ما وصفنا، وجب أن يكون الوطء بمثابته. فإن قيل: هلا كان الوطء بمنزلة الاستخدام. قيل له: لاتفاق الجميع من السلف على أنه في حكم الجناية دون الاستخدام، على ما بيناه. ويدل على الفصل بينهما، أنه لو اشترى جارية على أنه بالخيار ثلاثا، فاستخدمها: لم يبطل خياره، ولو وطئها: بطل خياره، كما لو جنى عليها بطل خياره، فكان الوطء كالجناية دون الاستخدام. وأيضا: فإن استخدام الغير لها لا يوجب شيئا، ووطؤه إياها لا يخلو من حد، أو مهر، فدل على أن الوطء مخالف للخدمة. ألا ترى أنه يملك إباحة الخدمة، ولا يملك إباحة الوطء إلا من وجه العقد. ودليل آخر: هو أنا لو فسخنا البيع بهذا الوطء، عادت إلى ملك البيع

стр. 1196

على حكم الأصل، كأن العقد لم يكن، وذلك يوجب حصول وطئه في غير ملك، وحصول الوطء في غير ملك، لا يخلو من حد، أو مهر، فلما امتنع وجود ذلك مع الرد، امتنع الرد. مسألة: [ظهور العيب في الأمة المشتراة بعد جناية غيره عليها] قال أبو جعفر: (ولو كان زوجها، أو جنى عليها غيره جناية، فوجب لها مهر، أو أرش، ثم وجد بها عيبا، رجع على بيعها بأرش عيبها، ولم يكن لبيعها أخذها). وذلك لأن المهر الواجب بمنزلة أرش اليد، وأرش اليد بمنزلة الولد؛ لأنه بدل جزء من أجزائها، كما أن الولد جزء من أجزائها، فلما امتنع الرد مع حدوث الولد، امتنع مع الأرش والمهر. مسألة: [ظهور العيب بالأمة المشتراة بعد عتقها] قال أبو جعفر: (ولو أتعقها، ثم علم بعيبها، رجع بأرشه على بيعها). قال أحمد: وهذا استحسان من قولهم، وكان القياس ألا يرجع؛ لأنه منع الرد بفعله، كالقتل، والبيع، والهبة، إلا أنه استحسن الرجوع بأرش العيب. والأصل فيما يمنع الرد من فعله، ويمنع الرجوع بأرش العيب أو لا يمنع: أن المشتري متى منع نقل الملك في المشترى بفعل مضمون: لم يرجع بأرش العيب، ومتى لم يمنع نقل الملك فيه بفعله، أو منعه بفعل غير مضمون: رجع بأرش العيب إذا تعذر رد العيب. فإذا باع فقد نقل الملك فيه بفعل مضمون، وهو التسليم بعد منع البيع.

стр. 1197

ألا ترى من سلم مال غيره إلى آخر: ضمنه، وكذلك إذا وهب وسلم، فقد منع نقل الملك فيه بفعل مضمون، وكذلك لو قتله. وأما إذا أعتقه، فإنه لم يمنع نقل الملك فيه بفعل مضمون؛ لأن العتق لا يوجب ضمانا على المعتق. ألا ترى أن من أعتق عبد غيره، لم يضمنه، ولو سلمه ضمنه. وأما إذا صبغه أحمر، فإن هذا وإن كان فعلا يتعلق به الضمان في ملك الغير، فإنه لم يمنع نقل الملك فيه، ألا ترى أنه يقدر على نقل الملك فيه، وإنما تعذر الرد من طريق الحكم؛ لأنه لا يمكنه فسخ البيع في الزيادة التي حصلت بالصبغ، لأنه لم يدخل تحت العقد، ولا يمكنه فسخ البيع في الثوب دون الصبغ، فإنما امتنع رده من طريق الحكم، لا من جهة أنه لا يمكن نقل الملك فيه، ولذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا. مسألة: [قتل المشتري الأمة المعيبة] قال أبو جعفر: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه إذا

стр. 1198

قتلها المشتري، ثم علم بالعيب، رجع على البيع بأرش العيب). قال أحمد: المشهور من قولهم جميعا أنه لا يرجع بشيء. مسألة: [أكل المشتري الطعام المشترى المعيب] قال أبو جعفر: (ولو كان طعاما فأكله، أو ثوبا فلبسه حتى تخرق: لم يرجه بالأرش في قول أبي حنيفة). للعلة التي وصفنا، وهي أنه منع نقل الملك فيه بفعل مضمون. (وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع بأرش العيب استحسانا). لأن الطعام يشترى للأكل، والثوب للبس. *ولو كان عبدا فقتله غيره، وأخذ قيمته: لم يرجع على البيع في شيء؛ لأن أخذ القيمة بمنزلة أخذ الثمن بالبيع. مسألة: [اختلاف البائع والمشتري فيمن حصل عنده العيب] قال: (وإذا اختلف البيع والمشتري في عيب يحدث مثله، فقال البيع: حدث عندك، وقال المشتري: حدث عندك، فالقول قول البيع مع يمينه على البتات بالله: لقد باعه وسلمه، وما به هذا العيب). وإنما كان القول قول البيع؛ لأن الأصل فيه الصحة، والعيب حادث، فالقول قول مدعي الأصل؛ لأنه معتصم بالظاهر. وأيضا: فإن المشتري يدعي لنفسه خيارا يوجب له فسخ البيع، فالقول قول البيع في نفيه، كما لو ادعى خيار الشرط، أ, خيار الرؤية.

стр. 1199

وأيضا: فإذا علمنا أن العيب حادث، ولم يعلم تقدمه على القبض، لم يجز الحمم به قبله؛ لأنا لا نعلم ما يدعيه المشتري من تاريخ حدوث العيب، فيحكم بحدوثه في أقرب الأوقات إلى حال الخصومة. *فإن نكل البيع عن اليمين، رده عليه؛ لأن نكوله بمنزلة الإقرار، وهذا مما يؤخذ بالنكول؛ لأنه يصح بدله. *وإن أقام المشتري البينة: قبلت بينته، لقوله ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". والمشتري في هذه الحال هو المدعي. مسألة: [ظهور العيب في شيء مأكوله في جوفه] قال: (ومن اشترى شيئا مأكوله في جوفه، وكسره فوجده فاسدا، فإن كان لقشره قيمه، يرجع بأرش العيب، إلا إن شاء البيع أن يقبله ويرد الثمن). لأنه بمنزلة من اشترى ثوبا فقطعه، ولم يخطه. قال: (وإن كان لا قيمة له، رجع بجميع الثمن). لأنه لا يجوز أن يستحق ثمن ما لا قيمة له.

стр. 1200

مسألة: [ملك مال العبد المشترى] قال: (ومن باع عبدا وله مال، فماله للبيع إلا أن يشترط المبتاع، فيكون له على ما تحل عليه البياعات). فكأنه باع عبدا، أو دراهم، أو دنانير، بثمن مسمى، فيجوز على الاعتبار. وإنما كان ماله للبيع؛ لقوله ﷺ : "من باع عبدا، وله مال، فماله للبيع إلا أن يشترط المبتاع". وإنما جاز بيعه مع ماله، على الاعتبار الذي تجوز عليه البياعات؛ لأن ماله ليس يتبع العبد، بل هو بمنزلة سائر أموال المولى، بدلالة أن النبي ﷺ لم يدخله في العقد على العقد إلا بالشرط. مسألة: [جناية العبد المشترى في بني آدم] قال أبو جعفر: (وإذا جنى العبد جناية في بني آدم، ثم باعه مولاه، فإن علم بالجناية: فعليه الأرش كاملا، وإن لم يعلم: فعليه الأقل من قيمة العبد، أو الأرش). وذلك لأن جناية العبد في رقبته، والمولى فيها بالخيار، إن شاء ألزمها بعيبه، وأسقطها عن الرقبة، وإن شاء دفع الرقبة بها. فإذا باعه مع العلم بالجناية، فقد اختار إلزامها نفسه، فتلزمه، وإذا لم يعلم بالجناية، فعليه الأقل؛ لأنه لم يختر إلزام نفسه الجناية، إلا أنه قد أتلف رقبة كانت الجناية فيها، فيغرم قيمة الرقبة، إلا أن تكون الجناية بأقل، فيلزمه الأقل.

стр. 1201

مسألة: [جناية العبد المشترى في مال] قال: (وإن كانت الجناية في مال، فباعه المولى، فللغرماء أن يفسخوا البيع، فإن فسخوه كان لهم أن يستسعوه في دينهم، وإن شاءوا رفعوه إلى الحاكم حتى يبيعه لهم، وإن شاءوا أجازوا البيع، وأخذوا الثمن). وذلك لأن حق الغرماء ثابت في ذمة العبد، لا سبيل للمولى إلى إسقاطه، وأما الجناية فإنما هي في الرقبة، لا في الذمة، وللمولى إسقاطها. ألا ترى أنه لو أعتقه: بطلت الجناية من الرقبة، ولم يبطل الدين، وإذا كان حق الغرماء ثابتا في الذمة، فلهم أن يستوفوه من السعاية، ولهم أن يستوفوه من الثمن، فمن أجل ذلك كان لهم فسخ البيع، وإن شاءوا أجازوه، وأخذوا الثمن. *ولهذه المسائل مواضع أخر، هي أولى بها من هذا الوضع، ولذلك لم نستقص القول فيها هاهنا، وستجدها في مواضعها من هذا الكتاب، مشروحة مفسرة إن شاء الله تعالى. مسألة: [البيع بالبراءة من العيوب] قال أبو جعفر: (والبيع بالبراءة من العيوب جائز في الحيوان وغيره). قال أحمد: لا خلاف بين أهل العلم في جواز البيع مع شرط

стр. 1202

البراءة من عيوب محصورة معلومة، وأن ذلك شرط لا يفسد البيع. وإنما اختلفوا في جواز شرط البراءة من العيوب مطلقا، فأجازها أصحابنا. والأصل في جواز البراءة من المجهول: حديث عبد الله بن رافع عن أم سلمة "أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في مواريث قديمة، قد درست، فقضى لأحدهما على صاحبه، فقال الآخر: والله إن حقي لحق يا رسول الله، فأمرهما أن يعيدا الخصومة، فأعاداها، فقضى عليه ثانيا، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال النبي ﷺ : إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فإنما أقطع له قطعة من النار. فقال له المقضي عليه: قد جعلت حقي له، فقال النبي ﷺ : لا، ولكن اذهبا، فاستهما، وتوخيا الحق، وليحلل كل واحد منكما صاحبه". فقوله: "وليحلل كل واحد صاحبه"، مع ما ذكر في الخبر

стр. 1203

أنهما اختصما في مواريث قديمة قد درست، أصل في جواز البراءة من المجاهيل. ويدل عليه أيضا: أن البراءة إسقاط حق، فأشبهت العتق، فلما جاز العتق في عبيد مجهولين، كان كذلك حكم البراءة. ويدل عليه أيضا: أنه لو سمى جنس العيب، فأبرأ من الشلل، أو القروح، أو الشجاج: جاز بالاتفاق، وهي مجهولة، فكذلك إذا أبهمها. وروي نحو قولنا عن ابن عمر، وزيد بن ثابت. مسألة: [شراء ما باعه بأقل من الثمن قبل قبضه الثمن] قال: (ومن باع شيئا، لم يجز له أن يشتريه بأقل من ذلك الثمن، قبل أن ينقد جميع الثمن). قال أحمد: الأصل فيه: ما روي "أن امرأة سألت عائشة فقال" إني بعت من زيد بن أرقم خادما بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريتها بستمائة، فقالت: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب. فقالت: أرأيت إن لم أجد إلا رأس مالي؟

стр. 1204

فقالت عائشة: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ ". ولا جائز أن يكون هذا القول منها إلا توقيفا عن الرسول ﵊. والدلالة على ذلك من وجهين: أحدهما: أن ما كان طريقه الاجتهاد والرأي، لا يلحق فاعله فيه الوعيد. والثاني: لأن مقادير عظم الأجرام لا تعلم إلا توقيفا، كما أخبرت بمقدار الجرم، فإن مثله يبطل الاجتهاد، فعلم أن ذلك توقيفا. ولا يجوز أن يكون لأجل البيع إلى العطاء؛ لأن هذا الخبر قد دل على أن من مذهب عائشة جواز البيع إلى العطاء، لأن البيع إلى العطاء لو كان عندها فاسدا، لكان الشراء الثاني فسخا للأول؛ لأنه لا خلاف أن من باع شيئا بيعا فاسدا، ثم اشتراه من المشتري: أن الشراء الثاني فسخ للأول، لا يستحق به فاعله الذم، فلما ذمتها على العقدين جميعا بقولها: "بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت"، دل على أن البيع الأول إلى العطاء كان جائزا عندها، وأن الثاني كان فاسدا. فإن قيل: فكيف أنكرت عليها البيع الأول، وهو صحيح عندها.

стр. 1205

قيل له: لأنها علمت أنها قصدت به إلى إيقاع العقد الثاني، كما ترى الناس يفعلونه. مسألة: [الخيانة في الإخبار بالثمن في بيع المرابحة والتولية] قال أبو جعفر: (وإذا باع الرجل من الرجل شيئا مرابحة، ثم علم المشتري بخيانة كانت من البيع ... إلى آخر ما ذكر). قال أحمد: من مذهب أبي يوسف: أن المرابحة والتولية سواء، تحط فيهما جميعا الخيانة. ومن مذهب محمد: أنهما سواء، ولا تحط الخيانة، لكن للمشتري الخيار في فسخ البيع. وأما أبو حنيفة فيحط الخيانة في التولية، ولا يحطها في المرابحة، ويجعل له الخيار في الفسخ. وجه قول أبي حنيفة: أن الخيانة لا تخرج عقد المرابحة من أن يكون عقد مرابحة، وإنما سمى ما حكمه أن يكون ربحا: رأس مال، فإذا لم تخرجه الخيانة من أن يكون عقد مرابحة، لم يجز الحط، ووجب الخيار؛ لأن ما كان رأس مال، فهو أفضل في كونه ثمنا من أن يكون ربحا، فصار كمن اشترى عبدا بثمن مؤجل، وباعه مرابحة بثمن حال، فيكون للمشتري

стр. 1206

الخيار، لأن الحال أفضل من المؤجل. وأما التولية: فإن إثبات الخيانة فيه يخرجه من أن يكون عقد تولية؛ لأنه يصير عقد مرابحة، وهما لم يدخلا في عقد مرابحة، فلا يجوز أن يلزمه إياه. ولأبي يوسف: أن البيع قد رضي بنقله إليه بالعقد الأول، وزيادة الربح المذكور، فلا بد من أن تحط الخيانة مع رضا البيع ببيعه بغير خيانة. ولمحمد: أن البيع وإن كذب في الثمن، فإنه لم يرض بنقله إليه إلا بالثمن المسمى في العقد الثاني، فلا يحط عنه شيء، ولكن للمشتري الخيار. مسألة: [اختلاف المتبايعين في الثمن والمبيع قائم] قال أبو جعفر: (وإذا اختلف المتبايعان في الثمن، والمبيع قائم: تحالفا). وذلك لما رواه جماعة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلف البيعان، والمبيع قائم بنفسه، وليس بينهما بينة: فالقول ما قال البيع، أو يترادان". والخبر مرسل في الأصل؛ لأن عبد الرحمن بن عبد الله يقال إنه لم

стр. 1207

يسمع من أبيه شيئا، ثم كثير من الرواة لا يذكرون فيه عبد الرحمن، وإنما يروونه عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله، إلا أنه لا يضره إرساله عندنا. وعلى أن هذا الخبر مع إرساله قد اتفق فقهاء الأمصار من قابلي المراسيل وراديها، على قبوله، واستعمال حكمه. قال أحمد: ومن الفقهاء من يقول إن القياس ما ورد به الأثر، من إيجاب التحالف والتراد عند الاختلاف، من قبل أن كل واحد من البيعين يدعي عقدا غير ما ادعاه الآخر، فصار كل واحد منهما مدعيا على صاحبه، فيتحالفان ويفسخ البيع؛ لأن واحدا منهما لم تثبت دعواه. وأما أصحابنا فإنهم قالوا: القياس أن يكون القول قول المشتري، لاتفاقهما على حصول السلعة للمشتري في عقد صحيح، والبيع مدع لزيادة الثمن، فعليه البينة، والقول قول المشتري، إلا أنهم تركوا القياس للأثر. وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يميل إلى القول بأن القياس ما جاء به الُر، قال: ألا ترى أن البيع لو قال: بعتكه بألف درهم، وقال الآخر: وهبته لي: أنهما متفقان على حصول الملك للمشتري بعقد صحيح، ولم يختلفوا أنهما يتحالفان قياسا؛ لأن مدعي الهبة غير مصدق على دعواه إلا ببينة، وكذلك مدعي الثمن بالبيع. وكذلك لو قال أحدهما: بعتنيه، وقال الآخر: تزوجتك عليه لامرأة خاطبها بذلك: تحالفا.

стр. 1208

قال: فالقياس عند الاختلاف في الثمن أن يتحالفا، على ما قدمنا من الأصل. فصل: [واختلاف المتبايعين في الثمن والسلعة هالكة] قال أو جعفر: (فإن كانت السلعة هالكة: فالقول قول المشتري مع يمينه، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يتحالفان ويترادان على القيمة). وجه قولهما: ما قدمنا من أن القياس يوجب أن يكون القول قول المشتري، فلما جاء الأثر في وجوب التراد في حال قيام السلعة، تركنا له القياس، وما عداه محمول على الأصل. فإن قيل: قد روي في أخبار أخر: "إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البيع، أو يترادان"، ولم يذكر حال قيام السلعة. قيل له: كل الأخبار المروية فيه تنتظم حال قيام السلعة؛ لأنه قال: "أو يترادان"، والتراد لا يكون إلا والسلعة قائمة؛ لأن المستهلكة لا يمكن ردها. وأيضا: قول النبي ﷺ : "لو أعطي الناس بدعاويهم، لادعى ناس دماء قوم، وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". فمنع عليه الصلاة السلام أن يستحق أحد على غيره شيئا بقوله؛ لأن

стр. 1209

دعواه قوله، فلو أوجبنا التراد، لاستحق البيع القيمة بقوله، وهذا لا يجوز. وأيضا: قد هلكت السلعة على ملك المشتري عن عقد صحيح، لاتفاقهما على صحته، والاختلاف إنما يوجب فسخه في الحال التي يجب فيها التراد، ولا سبيل إلى فسخ العقد على سلعة هالكة. ألا ترى أنهما لو تقايلا: لم تصح الإقالة، ولو اطلع على عيب بها بعد الهلاك: لم يصح فسخ العقد فيها بالعيب، فلذلك لا يصح فسخه بالتحالف. وقال محمد: اختلافهما في الثمن منع صحة العقد؛ لأن كل واحد منهما غير مصدق على صاحبه فيما ادعاه من الثمن، ولا يختلف حكمه في حال قيام السلعة وهلاكها. ويفسخ البيع فيه على القيمة، كسائر البياعات الفاسدة. فصل: قال أحمد: التحالف الواجب عند التراد غير مذكور في عامة الأخبار، وإنما جهة وجوبه قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". وقد ذكر: "اليمين": في بعض أخبار عبد الله من غير طريق القاسم بن عبد الرحمن، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن داود بن توبة السراج قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا سعيد بن مسلمة

стр. 1210

عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير عن ابن لعبد الله بن مسعود عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اختلف البيع والمشتري، ولا شهادة بينهما استحلف البيع، وكان المبتاع بالخيار: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك". مسألة: [بيع الآبق، والسمك في الماء] قال أبو جعفر: (لا يجوز بيع الآبق على حال، ولا بيع سمك لم يصطد، ولا سمك لا يؤخذ إلا بصيد مستأنف). قال أحمد: وقد روي عن النبي ﷺ النهي عن بيع الآبق. ولأنه غرر غير مقدور على تسليمه، فهو كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن السماك أبو العباس عن يزيد بن أبي زياد عن المسيب بن رافع عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى

стр. 1211

الله عليه وسلم: "لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر". ورواه هشيم عن يزيد بن أبي زياد بإسناده مثله موقوفا. قال عبد الباقي: لم يرفعه إلا أحمد بن حنبل عن ابن السماك، وهو عجيب، وابن السماك ثقة. *فأما السمك الذي لم يصطد: مثل ذلك، فإن البيع يبطل فيه من وجهين: احدهما: أن بيعه لا يملكه، لأنه مباح لا يملكه أحد إلا باصطياد. والثاني: لأنه غرر غير مقدور على تسليمه. *فأما ما قد اصطيد، ثم سيب في الماء: فإن البيع يبطل فيه من وجه واحد، وهو الغرر، وتعذر التسليم.

стр. 1212

مسألة: [خيار المالك في بيع الفضولي بثمن في الذمة] قال أبو جعفر: (ومن باع شيئا بغير أمر مالكه، بثمن في الذمة، فمالكه بالخيار: إن شاء أجاز البيع، وإن شاء فسخ، ما لم يمت أحد المتعاقدين). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن موسى الكديمي قال: حدثنا أبو عاصم النبيل قال: حدثنا سعيد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن أبي لبيد "عن عروة البارقي قال: أعطاني رسول الله ﷺ دينارا لأشتري له شاة، فاشتريت له شاتين، فبعت أحداهما بدينار، وجئت بالأخرى، فقال: أحسنت". وقد روى هذا الحديث عن الزبير بن الخريت محمد بن ذكوان أيضا. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا شبيب بن غرقدة أنه سمع الحي يحدثون أنهم "سمعوا عروة البارقي يقول: أعطاني رسول الله ﷺ دينارا أتري به أضحية، فاشتريت له شاتين، فباع أحداهما بدينار، وجاء بدينار وشاة، فدعا النبي ﷺ له بالبركة في بيعه، فكان لو

стр. 1213

اشترى التراب لربح فيه". وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج قال: حدثنا سعيد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن أبي لبيد عن عروة البارقي نحو الحديث الأول. "قال: فقلت: يا رسول الله: هذا ديناركم، وهذه شاتكم. قال: كيف صنعت؟ فحدثته بالحديث، فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا التستري قال: حدثنا هلال بن بشر قال: حدثنا عمر بن عمران العلاف قال: حدقنا الحارث بن عتبة عن حبيب بن أبي ثابت عن عمرو بن واثلة أو عامر بن واثلة "أن رسول الله ﷺ أعطى حكيم بن حزام دينارا، وأمره أن يشتري له أضحية، فاشترى، وباع، ثم اشترى، ثم جاء إلى النبي ﷺ بدينار وشاة، فقال: ما هذا؟ قال: بعت واشتريت وربحت، فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لك في تجارتك، وأخذ الدينار، وتصدق به، وأخذ الشاة، فضحى".

стр. 1214

فدل هذا الخبران على صحة قولنا؛ لأن عروة وحكيما باعا ما اشتريا بغير أمر النبي ﷺ ، وأجاز النبي ﷺ بيعهما بأخذه الجينا. فإن قيل: في حديث عروة أنه أمره بشراء شاة، فاشترى شاتين ولم يفسخه النبي ﷺ ، ولم يدل على وقوف الشراء، كذلك البيع. قيل له: قد ذكر في حديث شبيب بن غرقدة أن النبي ﷺ أمره أن يشتري له أضحية، والأضحية مصدر لا يختص بعدد دون عدد، فتناولت الواحدة فما فوقها. ويجوز أن يكون قال له: اشتر شاة، ثم قال له: اشتر أضحية، فيصح اللفظان جميعا، ويكون مخيرا. *وأما وجه حديث حكيم بن حزام، وقد كان باع ما اشترى، ثم اشترى بأحد الدينارين، ولم يكن مأمورا بالشراء الثاني، فأخذه النبي ﷺ ، فهو أنه كان مشتريا لنفسه، فلما رضي أن يعطيه النبي ﷺ بالدينار الذي نقده، وحصل في ضمانه، وأخذه النبي ﷺ منه، صار ذلك بيعا فيما بينهما. دليل آخر: وهو قول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾، فوجب وقوعه على عموم اللفظ. فإن قيل: دل على أنه بيع.

стр. 1215

قيل له: لا يمنع أحدا من إطلاق القول بأنه باع ما لا يملك، فلما سمي بيعا على الإطلاق، تناوله عموم اللفظ. وأيضا: فإن البيع عبارة عن الإيجاب والقبول، وليس هو عبارة عن إيجاب الملك بالعقد، ألا ترى أن المالكين لو تعاقدا على أنهما بالخيار ثلاثا، كان واقعا من غير إيجاب ملك. وأيضا: الوكيلان يعقدان ولا يملكان، فإذا ليس شرط وقوع البيع أن يكون العاقد مالكا. وأيضا: روى عمرو بن خارجة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة". فإذا وقف وصيته التي لم يملكها على إجازة من يستحق، وصار ذلك عقدا موقوفا على مجيزه، فوجب أن يكون البيع الموقوف كذلك، والمعنى الجامع بينهما أنهما عقد له مجيز، فوقف عليه. وكذلك إذا أوصى بجميع ماله، كان ما فوق الثلث موقوفا على إجازة الورثة، فإن أجازوه: جاز. وأيضا: الملتقط إذا تصدق باللقطة، ثم حضر صاحبها، كان بالخيار بين الأجر والضمان، فوقف عقد الصدقة على إجازة المالك. وكذلك كل عقد له مجيز في الحال، فإنه يقف على إجازة مجيزه.

стр. 1216

فإن قيل: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ "نهى عن بيع ما لم يملك". قيل له: معناه ما روي في سائر الأخبار، أنه نهى عن بيع ما ليس عنده. وأيضا: فإن حديث عمرو بن شعيب هذا، قد روي على غير هذا الوجه. حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عباد قال: حدثنا عبد الله بن بكر قال: حدثنا سعيد عن مطر الوراق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "ليس على الرجل بيع فيما لا يملك". فيشبه أن يكون هذا أصل الحديث، ومعناه: إذا باع ملك غيره، لم يلزمه تسليمه، ولم يؤخذ به، ولا دلالة فيه على نفي وقوع البيع. ويدل على أن المعنى ما ذكرنا: اتفاق الجميع على جواز بيع ما لا يملكه العاقد، وهو الوكيل، يجوز بيعه، ولا يملك ما باع. *وأما الشراء فإنما لم يقف على الغير، من قبل أنه قد صح عليه ولزمه، وما قد لزم وصح لا يكون موقوفا. وأيضا: فإن المشتري للغير، إذا كان وكيلا ينتقل الشيء إليه، ومن

стр. 1217

جهته ينتقل إلى الموكل، فإذا لم تتقدم له وكالة: استقر ملكه فيه، فلا يقف. ويدل على أن الشيء ينتقل إلى الوكيل ومن جهته ينتقل إلى الموكل: أنه متى خالف: لزمه، ولم يبطل الشرى رأسا لإخلافه. وأما الوكيل بالبيع، فإن الشيء لا ينتقل إليه، وإنما يخرج من ملك الموكل إلى المشتري. ألا ترى أنه إذا خالف: لم يلزمه، ولم يصح البيع رأسا، فلذلك اختلف حكم الشرى والبيع في وقوفه على الغير. وإنما شرط في وقوفه بقاء المتعاقدين، وبقاء الملك والمبيع، من قبل أن البيع إذا مات، لم يجز أن تلزمه حقوق العقد بعد موته، إذ لم تلزمه في حال الحياة، لأنه موقوف. وأما المشتري، فإنه لم يلزمه في حال الحياة، فلا يجوز أن يلزمه بعد الموت. وأما المالك، فلأن ملكه ينتقل إلى الوارث، فانفسخ الملك الذي كان موقوفا على المشتري. وأما المبيع فلأن الملك لم ينتقل فيه بالعقد، فلا يجوز انتقال الملك فيه بعد الهلاك، ألا ترى أن ابتداء العقد عليه لا يجوز. فصل: [خيار المالك فيما بيع له بغير أمره بعرض] قال أبو جعفر: (ولو باعه بعرض، كان مالك المبيع بالخيار، إن شاء أمضى البيع، فجاز البيع للذي عقده، وكان عليه قيمة المبيع للذي كان يملكه، وإن شاء أبطل البيع).

стр. 1218

قال أحمد: وذلك لأنه اشترى العرض لنفسه؛ لأن الشراء لا يقف على الغير، وإنما احتيج فيه إلى الإجازة، ليسلم البدل لبيع العرض، وكان على البيع قيمته للمجيز، كأنه استقرضه منه، واشترى به شيئا لنفسه. مسألة: [جواز بيع الأعمى وشراه] قال أبو جعفر: (وبيع الأعمى، وشراه جائز). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، ولم يفرق بين العميان والبصراء. ولأن هذا مما قد نقلت الأمة جوازه؛ لأن أهل كل عصر لا يخلون من عميان يكونون فيهم، يتصرفون في الشراء والبيع، ولم يذكر عن أحد من السلف والخلف بطلان بيعه وشراه. ولو كان كذلك، لكان الأعمى محجورا عليه، وكان ذلك يوجب أن يكون العباس عم النبي ﷺ ، وابن عباس، وابن أم مكتوم، ونظراؤهم من الصحابة ﵃ لا يجوز تصرفهم،

стр. 1219

وكفى بقول يؤدي إلى هذا سقوطا. مسألة: [خيار الأعمى] (وله الخيار فيما اشتراه إذا أمكنه معرفته بالجس أو الذوق). فيقوم ذلك له مقام الرؤية. وإن كان نخلا، أو شجرا: فحتى يوصف، فتقوم له الصفة مقام الرؤية. وما كان في الجامع الصغير: بأنه "إذا كان مما يجس، مثل النخل والشجر: فحتى يقوم مقاما لو كان بصيرا رآه": فلا معنى له، وقد كان أبو الحسن ﵀ ينكره؛ لأن قيامه في ذلك الموضع، وفي غيره سواء، لا يستفيد به علما. مسألة: [بيع الملامسة والمنابذة والحصاة] قال: (والملامسة والمنابذة لا ينعقد بهما بيع). وذلك "لنهي النبي ﷺ عن بيع الملامسة والمنابذة". وكان أهل الجاهلية يتراضون على البيع، فإذا لمسه، أو نبذه إليه، فقد وجب البيع، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وهذا أصل في امتناع جواز عقود البياعات على الأخطار، نحو قوله:

стр. 1220

إن دخلت الدار، أو إن قدم زيد: فقد بعتك هذا العبد. وكذلك بيع الحصاة، وهو أن يتراضوا على البيع، فإذا وضع المشتري على المبيع حصاة: فقد وجب البيع، فأبطله النبي ﷺ ، والمعنى فيه كهو في البيعين الأولين. مسألة: [بيع الحمل دون أمه] قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع الحمل دون أمه). وذلك لما حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدقنا عبد الله بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا وكيع عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المجر- يعني ما في الأرحام- وعن بيع الكالئ بالكالئ".

стр. 1221

وحدثنا دعلج قال: حدثنا عبد الله بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا النضر بن شميل قال: حدثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ "نهى عن المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة".

стр. 1222

ونهيه ﷺ عن بيع المضامين مشتمل على الولد في البطن، واللبن في الضرع، وبيع الزيت في الزيتون؛ لأن جميعه من المضامين إذا كان معينا في خلقة. ومن جهة أخرى: إن الولد بمنزلة عضو بعينه من أعضائها، كبدها ورجلها، فلا يجوز إفراده بالبيع. مسألة: [بيع الأم دون الحمل] قال: (ولا يجوز بيع الأم دون الحمل). وذلك لأنه بمنزلة من باع الأصل دون يدها ورجلها، ولأن كل ما لا يصح بيعه على الاتفراد، لا يجوز استثناؤه من البيع. مسألة: [بيع اللبن في الضرع] قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع اللبن في الضرع). وذلك لأنه من المضامين؛ لأنه مما تضمنه الضرع خلقة، كما تضمنت الرحم الولد. ولما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال: حدثنا حفص بن عمر الحوضي قال: حدثنا عمر بن فروخ صاحب الأقتاب عن حبيب عن عكرمة عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله

стр. 1223

صلى الله عليه وسلم عن بيع صوف على ظهر، وعن لبن في ضرع، وسمن في لبن". وقد روي هذا الحديث موقوفا على ابن عباس، ولا يفسد ذلك رفع من رفعه؛ لأنه جائز أن يكون رواه عن النبي ﷺ تارة، وأفتى به أخرى. مسألة: [بيع عسب الفحل] قال: (ولا يجوز بيع عسب الفحل). قال أحمد: يعني ما يلقح، وذلك لأنه من الملاقيح، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ . وروى ابن عمر أن النبي ﷺ "نهى عن عسب الفحل". وقال جابر: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضرب الفحل".

стр. 1224

مسألة: [خيار الرؤية] قال: (ومن اشترى شيئا لم يره: جاز، وله فيه خيار الرؤية). والأصل في جواز شراه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، فاشترى شيئا، فهو بالخيار إذا أتى السوق". ولا معنى لهذا الخيار إلا أنه اشترى الشيء في وعائه، ثم حمله إلى السوق، فنظر إليه، فجعل له فيه خيار الرؤية؛ لأن العادة كانت فيمن يتلقى الجلب، أن يشتري الحمل على ظهر البعير، فلا يفتحه حتى يرده إلى بيته. ويدل عليه أيضا: حديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ أنه "نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم". ومعناه عندنا: أن يشتري المتاع في الوعاء، ثم يفتحه إذا نقله إلى رحله، فمنعه أن يبيعه قبل أن يراه، لئلا يلزم نفسه مغيبا مجهولا في الصفة. وأيضا "روي أن عثمان ﵁: باع مالا له بالكوفة من طلحة ابن عبيد الله، فقال طلحة: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره، وقال عثمان: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره، فحكما بينهما جبير بن مطعم،

стр. 1225

فقضى بالخيار لطلحة". فقد اتفق هؤلاء الثلاثة على جواز شراء ما لم يره، من غير خلاف من أحد من الصحابة عليه. *ومن جهة النظر: إن الذي جهله المشتري لما لم يره، إنما هو صفات المبيع، وجهالة الصفة لا تمنع صحة العقد، كما لم يمنعه عدمها رأسا. ألا ترى أنه لو اشترى عبدا على أنه صحيح، فوجده أعمى، مقطوع اليدين والرجلين: لم تمنع عدم هذه الصفات صحة العقد، فجهالة صفاته أحرى أن لا تمنع. وأيضا: اتفقت الأمة على جواز بيع الباقلاء الرطب بقشوره، وشرى الجوز واللوز ونحوه من عدم رؤية ما وراءه، وعلى جواز شراء الصبرة من الطعام مع عدم الرؤية لما تحت الظاهر منها، فدل جميع ذلك على أن عدم رؤية المشتري، لا تمنع صحة العقد. مسألة: [البيعتين في بيعة] قال: (ومن باع عبده من رجلا بثمن، على أن يبيعه الآخر عبد بثمن ذكراه: لم يجز البيع في واحد من بيعتي العبدين المذكورين). وذلك "لنهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة".

стр. 1226

فانتظم ذلك المعنى الذي ذكرنا. وينتظم أيضا أن يبيعه حالا بكذا، ونسيئة بكذا. مسألة: قال: (ولا يحل النجش). قال أحمد: وهو أن يزيد في الثمن، وهو لا يريد شراه، ليرغب غيره فيه، فيشتريه. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، ورواه أيضا أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي ﷺ . مسألة: [تلقي الركبان، وبيع الحاضر للباد] قال أبو جعفر: (ولا يصلح تلقي السلع في البلد الأدنى الذي يضر بأهله، ولا بأس به في البلد الأدنى الذي لا يضر بأهله، وكذلك بيع الحاضر للباد). وذلك لأن المعنى في النهي ما يدخل من الضرر على غيره، لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق".

стр. 1227

وروى جابر عن النبي ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". فهذا يدل على أن النهي إنما يتناول الحال التي يضر فيها بأهله. وكما أن النهي عن الاحتكار إنما هو في الحال التي يضر ذلك بأهل البلد، فإذا لم يضر: فلا بأس. مسألة: [بيع الرجل على بيع أخيه] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي أن يسوم الرجل على يوم أخيه إذا جنح البيع إلى بيعه). وذلك لما روى أبو سعيد أبو هريرة وعقبة بن عامر قالوا: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع الرجل على بيع أخيه". وفي بعض ألفاظ حديث أبي سعيد وأبي هريرة: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه". وهذا محمول على الحال التي وقع منهما فيها التراضي بالبيع، فأما إذا لم يجنح البيع إلى بيعه، لا بأس بأن يزيد عليه. لما روى أنس "أن النبي ﷺ باع قعبا

стр. 1228

وحِلْسًا فيمن يزيد". وقال زيد بن أسلم سأل رجل ابن عمر عن بيع المزايدة؟ فقال:"نهى رسول الله ﷺ أن يزيد أحدكم على بيع أخيه، إلا المواريث والغنائم". مسألة: [تأخير أجل الدين] قال أبو جعفر: (ومن كان عليه دين من غير قرض، فأخره، جاز التأخير). لأنه عندنا بمنزلة الزيادة في العقد أو الحط، وذلك يلحق العقد. ولا يصح التأجيل في القرض؛ لأنه عارية ومعروف، فهو كالتأجيل في العواري.

стр. 1229

مسألة: [تجارة الوصي بمال اليتيم] قال: (ولا بأس بأن يتجر الوصي بمال اليتيم). لقول الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. فاللفظان جميعا قد دلا على جواز التصرف في مال اليتيم؛ لأن قوله تعالى: ﴿إصلاح لهم خير﴾: إباحة للصرف في مالهم إذا كان صلاحا له. وكذلك قوله : ﴿وإن تخالطوهم﴾. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾. "وروى أنس أن أبا طلحة قال: يا نبي الله! إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري قال: أرق الخمر، واكسر الدنان". مسألة: [إقرار العبد بدين] قال: (ولا يجوز إقرار العبد المحجور على نفسه بدين).

стр. 1230

لأنه لو جاز استحق به ملك المولى، ولا يجوز إقرار الإنسان في ملك غيره. ويجوز إقرار المأذون له؛ لأن المولى رضي به أذن له. ويباع العبد وما في يديه من الدين؛ لأن الدين في ذمته، والمالك يملك كسبه من جهته، كالوارث يملك من جهة الميت، والغريم أولى بمال الميت من الوارث، فكذلك غريم العبد أولى بماله من المولى. مسألة: [جواز بيع الكلاب المنتفع بها ونحوها] قال: (وبيع الكلاب التي ينتفع بها، والصقور، والفهود، والهر جائز) وذلك لقول الله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، ولفظ الإحلال: يقتضي إباحة سائر وجوه المنافع، والبيع أحدها، فوجب جوازه؛ لعموم اللفظ. وقد روي أن الآية نزلت في إباحة منافع الكلاب. حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يقول بن غيلان العماني قال: حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا يحيى بن زكريا قال: حدثنا إبراهيم بن عبيد قال: حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن
следующие страницы →