Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
فانتظم ذلك المعنى الذي ذكرنا.
وينتظم أيضا أن يبيعه حالا بكذا، ونسيئة بكذا.
مسألة:
قال: (ولا يحل النجش).
قال أحمد: وهو أن يزيد في الثمن، وهو لا يريد شراه، ليرغب غيره فيه، فيشتريه.
وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، ورواه أيضا أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي ﷺ .
مسألة: [تلقي الركبان، وبيع الحاضر للباد]
قال أبو جعفر: (ولا يصلح تلقي السلع في البلد الأدنى الذي يضر بأهله، ولا بأس به في البلد الأدنى الذي لا يضر بأهله، وكذلك بيع الحاضر للباد).
وذلك لأن المعنى في النهي ما يدخل من الضرر على غيره، لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق".
стр. 1227
وروى جابر عن النبي ﷺ قال: "لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
فهذا يدل على أن النهي إنما يتناول الحال التي يضر فيها بأهله.
وكما أن النهي عن الاحتكار إنما هو في الحال التي يضر ذلك بأهل البلد، فإذا لم يضر: فلا بأس.
مسألة: [بيع الرجل على بيع أخيه]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي أن يسوم الرجل على يوم أخيه إذا جنح البيع إلى بيعه).
وذلك لما روى أبو سعيد أبو هريرة وعقبة بن عامر قالوا: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع الرجل على بيع أخيه".
وفي بعض ألفاظ حديث أبي سعيد وأبي هريرة: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه".
وهذا محمول على الحال التي وقع منهما فيها التراضي بالبيع، فأما إذا لم يجنح البيع إلى بيعه، لا بأس بأن يزيد عليه.
لما روى أنس "أن النبي ﷺ باع قعبا
стр. 1228
وحِلْسًا فيمن يزيد".
وقال زيد بن أسلم سأل رجل ابن عمر عن بيع المزايدة؟ فقال:"نهى رسول الله ﷺ أن يزيد أحدكم على بيع أخيه، إلا المواريث والغنائم".
مسألة: [تأخير أجل الدين]
قال أبو جعفر: (ومن كان عليه دين من غير قرض، فأخره، جاز التأخير).
لأنه عندنا بمنزلة الزيادة في العقد أو الحط، وذلك يلحق العقد.
ولا يصح التأجيل في القرض؛ لأنه عارية ومعروف، فهو كالتأجيل في العواري.
стр. 1229
مسألة: [تجارة الوصي بمال اليتيم]
قال: (ولا بأس بأن يتجر الوصي بمال اليتيم).
لقول الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾.
فاللفظان جميعا قد دلا على جواز التصرف في مال اليتيم؛ لأن قوله تعالى: ﴿إصلاح لهم خير﴾: إباحة للصرف في مالهم إذا كان صلاحا له.
وكذلك قوله : ﴿وإن تخالطوهم﴾.
ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾.
"وروى أنس أن أبا طلحة قال: يا نبي الله! إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري قال: أرق الخمر، واكسر الدنان".
مسألة: [إقرار العبد بدين]
قال: (ولا يجوز إقرار العبد المحجور على نفسه بدين).
стр. 1230
لأنه لو جاز استحق به ملك المولى، ولا يجوز إقرار الإنسان في ملك غيره.
ويجوز إقرار المأذون له؛ لأن المولى رضي به أذن له.
ويباع العبد وما في يديه من الدين؛ لأن الدين في ذمته، والمالك يملك كسبه من جهته، كالوارث يملك من جهة الميت، والغريم أولى بمال الميت من الوارث، فكذلك غريم العبد أولى بماله من المولى.
مسألة: [جواز بيع الكلاب المنتفع بها ونحوها]
قال: (وبيع الكلاب التي ينتفع بها، والصقور، والفهود، والهر جائز)
وذلك لقول الله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، ولفظ الإحلال: يقتضي إباحة سائر وجوه المنافع، والبيع أحدها، فوجب جوازه؛ لعموم اللفظ.
وقد روي أن الآية نزلت في إباحة منافع الكلاب.
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يقول بن غيلان العماني قال: حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا يحيى بن زكريا قال: حدثنا إبراهيم بن عبيد قال: حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن
стр. 1231
سلمى أم رافع عن أبي رافع قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب.
فقال الناس: يا رسول الله! ما أحل لنا في هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟
فأنزل الله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ ".
ومن جهة السنة: ما رواه عبد الله بن مسعود وأبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من اقتنى كلبا إلا كلب صيد، أو ماشية، أو حرث، نقص من أجره كل يوم قيراط".
ورواه ابن عمر أيضا، ولم يذكر كلب الحرث.
стр. 1232
والاقتناء هو التملك؛ لأن القنية الملك، يقال: عبد قن: يعني مملوك.
وهذا اللفظ يقضتي إباحة جميع جهات القنية، والشراء أحدها. فوجب جوازه بالعموم.
وأيضا حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن النضر بن بحر قال: حدثنا محمد بن مصفى قال: حدثنا بحجاج بن إبراهيم الازرق قال: حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن أبي إسحاق عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وهر، إلا الكلب المعلم".
стр. 1233
وحدثنا ابن قانع قال: حدثنا العباس بن أحمد بن عقيل قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: حدثنا عباد بن العوام عن الحسن بن أبي جعفر الجفري عن أبي الزبير عن جابر قال "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، والهر، إلا الكلب المعلم".
فأباح ثمن الكلب المعلم، فدل على جواز بيع الكلاب التي ينتفع بها من وجهين:
أحدهما: أنه إذا جاز بيع الكلب المعلم، جاز بيع غيره من الكلاب؛ لأن احداً لم يفرق بينهما.
والثاني: أن ذكره الكلب المعلم، لأجل ما فيه من النفع، فكل ما أمكن الانتفاع به منها، فهو مثله.
ودل ذلك على أن النهي إنما يتناول الكلاب التي لا نفع فيها، وإنما يبتغى بها الهراش، والقمار.
وأما ما روي عن النبي ﷺ من الأخبار في النهي عن ثمن الكلب، وأن ثمن الكلب حرام، فإن خبرنا قاض عليها؛ لأن النهي موجود فيه، مع استثناء الكلب المعلم.
ولأن النهي كان في حال الأمر بقتلها، وإباحة الاقتناء متأخرة عنه لا محالة.
стр. 1234
وأيضا: لما كان الكلب مما أبيح الانتفاع به، من غير حق له في منع البيت، أشبه الحمار الأهلي، والهر، وسائر ما أبيح الأنتفاع به، من غير حق للمبيع في منع البيع، فوجب أن يجوز.
ولا تلزم عليه أم الولد والمدبر؛ لأن لهما حقا في منع البيع لاستيفاء العتق الذي استحقاه بموته، إذا كان في جواز البيع إبطاله.
وأيضا: فقد اتفقنا جميعا على أن الكلب موروث عن مالكه، وتجوز الوصية به، فوجب أن يجوز بيعه؛ لأنه مما قد صح انتقال الملك فيه بالميراث والوصية، كسائر الأشياء الموروثة.
فإن قيل: ليس الميراث والوصية أصلا لجواز البيع؛ لأنهما يصحان في المجاهيل، ولا يصح بيع المجهول.
قيل له: افتراقهما من هذا الوجه، لا يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرناه في جواز البيع، إلا ترى أن كل ما بطل بيعه لأجل جهالته، أنه متى زالت الجهالة جاز البيع، ولا جهالة ها هنا تمنع من بيع الكلب، فهو في هذا الوجه بمنزلة الموروث، والموصى به.
مسألة: [بيع الهر]
وأما بيع الهر، فقد روى ابن عباس وأبو هريرة عن النبي صلى الله
стр. 1235
عليه وسلم إباحة بيعه، وقد روي فيه نهي، إلا أن الفقهاء قد استعملوا خبر الإباحة، دون خبر الحظر، فهو أولى.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وأجر وزان الثمن على المشتري).
стр. 1236
وذلك لأن عليه تمييزه، وإفرازه من ماله، وتسليمه إلى البيع، ولا يعلم ذلك إلا بالوزن.
* (وأجر كيال المبيع على البيع)؛ لهذه العلة بعينها.
مسألة: [بيع ما لم يقبض]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع ما لم يقبض من الأشياء المبيعة إلا العقار في قول أبي حنيفة، وأما أبو يوسف ومحمد: فكانا لا يجيزان بيع ذلك أيضا حتى يقبضه).
قال أحمد: رجع أبو يوسف إلى قول أبي حنيفة، والذي ذكره عنه أبو جعفر هو قوله الأول.
لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾، وهو عام في كل شي، إلا ما قام دليله.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع ما لم يقبض".
стр. 1237
قيل له: إنما يتناول هذا اللفظ ما يتأتى فيه القبض الحقيقي، فأما العقار فلم يتناوله؛ لأنه لا يتأتى فيه القبض على الحقيقة، لأن القبض الحقيقي هو النقل، وذلك لا يصح في العقار.
فإن قيل: القبض المستحق بالبيع ليس هو النقل، وإنما هو التخلية، وذلك يمكن في العقار.
قيل له: إنما تعتبر التخلية في جواز البيع، وتقام مقام النقل فيما يتأتي فيه القبض الحقيقي، فأما ما لا يتأتى ذلك فيه، فاعتبار التخلية فيه من هذا الوجه ساقط.
*ومن جهة النظر: إنه لما كان العقار مما لا يخشى انتقاض البيع بهلاكه، صار كالمهر، والجعل في الخلع، والصلح من دم العمد، ويجوز التصرف في جميع ذلك قبل القبض؛ لأنه لا يخشى انتقاض العقد بهلاكه.
وأما أبو يوسف، فكان قوله مثل قول محمد، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة.
هذا المسألة مبنية على اختلافهم في ضمان العقار بالغصب.
مسألة: [بيع المكيلات قبل كيلها]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز لمن اشترى شيئا كيلا وإن قبضه أن يبيعه حتى يكتاله).
وذلك لما رواه جابر وأبو هريرة أن النبي ﷺ "نهى
стр. 1238
عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البيع، وصاع المشتري".
والمعنى فيه: أنه لا يتعين حقه إلا بالكيل؛ لأنه يجوز أن يزيد إذا اكتاله، أو ينقص، فصار بمنزلة ما لم يقبض، إذ كان الواجب استيفاؤه بالكيل، وهو لم يكتل، فكأنه لم يستوفه، ولهذه العلة قلنا مثله في الموزون.
*وأما المعدود: فقد روي فيه عن أبي حنيفة مثل ذلك، وروي أن له أن يبيعه إذا قبضه قبل أن يعده.
* (وذكر أبو جعفر أن أبا يوسف قال بأخرة في المعدود: له أن يبيعه قبل أن يعده إذا كان قد قبضه.
قال: وقد روي ذلك أيضا عن محمد بن الحسن)
وجه القول الأول: ما ذكرنا من أن حقه لا يتعين إلا بالعدد، فلا يصح التسليم إلا بتمييز ما اشتراه عددا.
ووجه الرواية الأخرى التي فرق فيها بين الكيل والمعدود: أن المكيل والموزون يختلفان إذا أعيد عليهما الكيل أو الوزن، فيزيدان تارة، وينقصان أخرى، وليس كذلك المعدود؛ لأنه لا يختلف بحال إذا أعيد عده، فلا يحصل القبض في مجهول.
فأما ما اشتراه مذارعة: فإنه يجوز بيعه قبل الذرع إذا قبضه؛ لأن الذرع ليس مما يقع عليه العقد.
стр. 1239
ألا ترى أن من اشتري ثوبا على أنه عشرة أذرع، فوجده أكثر: كان كله له، ولو كان تسعا كان بالخيار: إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه، فلما لم يتعلق العقد عليه، سقط اعتباره، والكيل والوزن والعدد، مما يتعلق عليه العقد إذا ذكر.
مسألة: [بيع الأخرس]
قال أبو جعفر: (وبيع الأخرس، وابتياعه، وعقوده على نفسه بالإشارات المفهومة منه جائز كله).
وذلك لأنه يفهم بها ما يفهم بالكلام، فقامت مقامه، إذ لا يتوصل إلى مراده من غير هذا الوجه، فليست بدون الكتاب.
[مسألة:]
قال: (ومن اعتقل لسانه: لم تجز عقوده بالإشارة).
لأنه يرجى إمكان الوصول إلى مراده بصريح القول، فكان بمنزلة إشارة الصحيح.
مسألة: [ظهور العيب في أحد النعلين ونحوهما]
قال: (ومن اشترى شيئين لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه، كالخفين، والنعلين، فقبضهما، فأصاب بأحدهما عيبا، فهو كالشيء الواحد، إن شاء ردهما، وإن شاء أخذهما).
стр. 1240
وذلك لأن انفراد أحدهما عن صاحبه الآخر يوجب عيبا فيه؛ لأنه ينقص ثمنه، فيصير كم اشتري شيئا صحيحا، فلا يجوز أن يرده معيبا.
مسألة: [حبس البائع المبيع ليستوفي الثمن]
قال أبو جعفر: (وللبيع احتباس ما باع ما بقي له على المبتاع شيء من الثمن، أو على حويل إن أحاله عليه بشيء من الثمن إن كان الثمن حالا).
قال أحمد: وذلك لأنه عقد معاوضة يقتضي وقوع ملك كل واحد منهما لصاحبه بحذاء ملك الآخر، ويقتضي التسليم على كل واحد بحذاء تسليم الآخر، فذلك كان له حبسه حتى يسلم له الثمن.
وكذلك إن أحاله بالثمن على غيره؛ لأن مطالبته بالثمن قائمة، كما لو كفل به عنه كفيل.
*قال: (وإن كان الثمن مؤجلا: لم يكن له حبسه).
وذلك لأنه قد عقد على نفسه أن لا يستحق تسليم الثمن بإزاء تسليم المبيع.
ولأنا لو جعلنا له الحبس إلى أن يحل الأجل، لصار الأجل داخلا على المبيع. ولا يصح دخول الأجل على الأعيان المبيعة.
مسألة: [يكره التفريق بين ذوي رحم محرم في بيع العبيد]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي لأحد أن يفرق بين ذوي رحم محرم فيهما صغير).
وذلك لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵊ قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعت أحدهما، وذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال
стр. 1241
أرجعهما، ـ ولا تبعهما إلا جميعا، ولا تفرق بينهما".
وروى أبو عبد الرحمن الحبلي عن أبي أيوب الأنصاري أنه مر بصبيان بيكون من السبي، قد فرق بينهم وبين أمهاتهم، فردهم أبو أيوب إلى أمهاتهم، وقال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فرق بين والدة وولدها: فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (فإن فرق بينهم: فإن أبا حنيفة كان يكره ذلك، ولا يفسخ البيع فيه، وكان أبو يوسف ومحمد يفسخان البيع فيه).
قال أحمد: لا خلاف بينهم أنه لا يفسخ في الأخوين.
стр. 1242
وقال أبو يوسف وحده: يفسخ في الولد والوالد.
ومحمد مع أبي حنيفة في أنه لا يفسخ في شيء منه.
وجه قول أبي حنيفة: أن النهي لم يتناول معني في نفسد العقد، وإنما تناول معنى في غيره، فصار كتلقي الجلب، وبيع حاضر لباد، إذ لم يتناول النهي معنى في نفس العقد، وإنما تناول معني في غيره، وهو ما يلحق الناس من الضرر بالتلقي، وما يلحق الصغير من الوحشة بالتفريق.
وكالبيع عند أذان الجمعة، والمعنى الاشتغال به عن الصلاة.
وإنما اعتبروا ذلك إذا كان معهم صغير؛ لأن ذلك في معنى الحق الذي يثبت بالحضانة، والحضانة إنما تثبت في الصغر.
*قال أبو جعفر: (غير أن محمدا قال في الصبي: إذا كان له أخوان، أو أختان، أو عمتان: فلا بأس ببيع واحد من ذلك، واحتباس الصغير مع الآخر".
وذلك لأنه قد بقي للصغير من له قرابة، مثل قرابة من باعه.
****
стр. 1243
باب أحكام البيوع الفاسدة
مسألة: [تصرف المشتري فيما اشتراه في البيع الفاسد]
قال أبو جعفر: (ومن اشترى شيئا فشراء فاسدا، فلم يقبضه بأمر بيعه: لم يخرج عن ملك بيعه).
وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء.
*قال: (فإن قبضه بأمر بيعه: ملكه، وجاز تصرفه فيه).
وذلك لأن البيع قد ملك عليه القيمة عن عقد فيه تسليط، فأشبه البيع الصحيح حين ملك عليه الثمن عن عقد فيه تسليط، فملك المشتري المبيع.
ألا ترى أن البيع الصحيح إذا كان فيه للبيع خيار، لم يملك المشتري المبيع لعدم التسليط.
وأما إذا لم يقبض: فإن البيع لم يملك القيمة على المشتري، فلم يملك عليه المبيع.
فإن قيل: المقبوض على وجه السوم مضمون بالقيمة، وكذلك الغصب، ولا يملك به.
قيل له: لأنه ليس هناك عقد وتسليط، ولم نقل بجواز حصول ضمان القيمة يوجب له الملك، دون ما ذكرناه.
стр. 1244
وأيضا: فقد اتفق الجمع على أن النكاح الفاسد لا يحكم له بانفراده، ثم إذا اتصل به الدخول صار في حكم التصحيح فيما يتعلق به الحكم، فكان بمنزلة ملك البضع بعقد صحيح.
إلا ترى أنه لو وطئ فيه مرارا: لم يجيب عليه فيه إلا مهر واحد، وكان في حكم من وطئ ما يملك، ولو لم يحصل له حكم الملك، لوجب لكل وطء مهر، فكذلك البيع الفاسد إذا اتصل به القبض، والمعنى الجامع بينهما: حصول ضمان البدل عن عقد فيه تسليط.
ولا يلزمنا على ذلك الشراء بالميتة والدم؛ لأن ذلك ليس بعقد عندنا، ولا تعرف الرواية عن أصحابنا في كونه مضمونا على مشتريه بالقبض.
وجائز أن يقال: إنه لا يضمنه؛ لأنه قبضه بإذنه عن غير عقد، ولا سوم، فصار بمنزلة الوديعة، وإذا كان كذلك، فلم يحصل هناك ضمان ولا عقد، فلم يملك.
وأيضا: فقد اتفقنا على أن الكتابة الفاسدة إذا اتصل بها الأداء، صارت في حكم الصحيحة في باب وقوع العتاق بها عند حصول الأداء، كذلك البيع.
وقد احتج لذلك بحديث بريرة "أن عائشة ﵂ اشترتها، واشترطت لهم الولاء، وأعتقتها، وأخبرت بذلك النبي صلى الله عليه
стр. 1245
وسلم، فأجاز العتق، وأبطل الشرط".
وقد صح عندنا أم ما كان بهذا الوصف من البيوع: فهو فاسد، فأجاز النبي ﷺ عتق عائشة فيها.
فإن قيل: لما كان العقد على حالة غير موجب للملك باجتماعهما، إذ كان القبض والعقد جميعا فاسدين، لم يفد الملك، ولم يجز تصرفه.
قيل له: ولو انفرد عقد النكاح الفاسد: لم يوجب مهربا، ولو انفرد الوطء عن العقد: لم يوجب أيضا مهرا، ثم باجتماعهما: قد وجب وإن وقعا على الفساد، كذلك ما وصفنا.
ولو انفرد الإيجاب في العقد الصحيح عن القبول: لم يوجب الملك، ولو انفرد القبول عن الإيجاب: لم يوجبه أيضا، قم إذا اجتمعا: أوجباه.
والكتابة الفاسدة لا توجب العتق، والأداء عن غير عقد لا يوجبه، ثم إذا اجتمعا: أوجباه، ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى.
*****
стр. 1246
باب السلم
مسألة: [شروط السلم]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز السلم، ولا آجال البياعات إلى الحصاد والدياس، ولا إلى صوم النصارى، ولا إلى فطرهم قبل دخولهم في الصوم، فإن كانوا قد دخلوا في صومهم: فقد صار آخره معروفا، فيجوز).
قال أحمد: روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، فانتظم هذا الخبر معاني منها:
نفي الجهالة عن مقدار السلم؛ لأن الكيل موضوع لمعرفة المقادير.
ومنها: نفي الجهالة عن القبض؛ لأن الأجل مشروط للقبض، فكل ما كان جهالة في المقدار، فحكمها أن تكون منفية عن السلم، قياسا على الكيل، وما كان جهالة في القبض، فهي منفية عنه، قياسا الأجل.
وأفادنا بطلان السلم الحال؛ لأنه أمر بشرط الأجل المعلوم في
стр. 1247
السلم، والأمر على الوجوب.
وأيضا "نهى النبي ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان"، ورخص في السلم، والسلم يختص بتعجيل رأس المال، وتأخير المسلم فيه، ومنى كان تعجيلهما جميعا مستحقا بالعقد، خرج من أن يكون سلما، وصار بيع ما ليس عند الإنسان، فامتنع جوازه بعموم نهيه عن بيع ما ليس عند الإنسان.
وأيضا لما اتفقنا على عدم جواز بيع العين التي ليست عند بيعها، قسنا عليه السلم الحال، بعلة أنه بيع ما ليس عنده مؤجل.
قال احمد: والسلم لا يصح عند أبي حنيفة إلا بشرائط سبع مذكورة في العقد:
١ - أحدها: أن يكون جنسا معلوما، كقوله: تمر.
٢ - ونوعا معلوما، كقوله: شهريزا، أو فارسيا.
٣ - وصفة معلومة، كقوله: جيد أو رديء.
٤ - وأجلا معلوما.
٥ - ومقدارا معلوما، كقولك: كر، أو مائة رطل، أو كذا ذراعا.
٦ -
стр. 1248
والمكان الذي يوفيه فيه، فيما لا حمل ومؤونة.
٧ - ومقدار رأس المال، فيما يتعلق العقد فيه على المقدار.
وعند أبي يوسف ومحمد خمس:
وهي الجنس، والنوع، والصفة، والمقدار، والأجل.
ولا يجعلان المكان، ومقدار رأس المال شرطا فيه.
فأما الجنس، والنوع، والصفة، فإنما وجب أن يكون معلوما؛ لأن النبي ﷺ لما نفى جهالة المقدار عن السلم بقوله: "فليسلم في كيل معلوم": كانت جهالة الجنس، والنوع والصفة أولى بأن تكون منفية عنه؛ لأنها مثل جهالة الكيل، أو أكثر، وأما الأجل فقد بيناه.
وأما شرط المكان: فلأن جهالته توجب جهالة القبض، وقد نفى النبي ﷺ جهالة القبض عن السلم بقوله: "إلى أجل معلوم".
وهذا المعنى لا خلاف بين أصحابنا فيه، وإنما الخلاف في أن مكان العقد هو مكان للتسليم أم لا، إذا لم يشرط غيره؟
فقال أبو حنيفة: لا يوجب العقد الإيفاء في الموضع الذي وقع فيه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يوجبه في السلم، إذا لم يشرط مكانا غيره.
لأبي حنيفة: أن العقد لا يقتضي التسليم في الموضع الذي وقع فيه، ألا ترى أنه لو اشترى طعاما بالسواد، وهما في المصر، أنه لا يلزمه تسلميه في موضع العقد، كذلك السلم.
وأيضا: لو كان عقد السلم يوجب الإيفاء في الموضع الذي وقع فيه،
стр. 1249
لما جاز نفسه بالشرط، فلما اتفق الجميع على جواز نفيه بالشرط، وشرط مكان غيره، دل ذلك على أن العقد لا يقتضي تسليمه في موضعه؛ لأن ما كان من موجب العقد: لا يصح نفيه بالشرط.
ألا ترى أن رجلا لو اشترى طعاما بالسواد، وشرط تسليمه في المصر، أن العقد فاسد، لنفيه موجب العقد.
*وإنما اعتبرنا ذكر المكان فيما له حمل ومؤونة؛ لأن ما له حمل ومؤونة؛ تختلف قيمته في الأماكن، لأجل ما يلزم فيه من نفقة الحمل ومؤونته، فصار كجهالة مقدار السلم وصفته.
وأما ما لا حمل له ولا مؤونة، فلا يلزم له نفقة الحمل، فتختلف من أجلها قيمته، فلذلك لم يحتج إلى شرط المكان فيه.
وأما مقدار رأس المال فيما يتعلق العقد فيه على المقدار، فإنما احتيج إلى معرفته في العقد عند أبي حنيفة، من قبل أنه لما كان بدلا عن السلم، وكان شرط السلم أن يكون معلوم المقدار، إذا كان العقد يتعلق على مقداره، وجب أن يكون كذلك رأس ماله؛ لأن حكم البدل حكم المبدل عنه.
فإن قيل: فقد خالفت بينهما حين جعلت السلم مؤجلا، ورأس المال معجلا.
قيل له: لم يختلفا في المعني؛ لأن السلم إنما احتاج إلى الأجل، ليكون وقت القبض معلوما، وشرطنا تعجيل رأس المال لنفي جهالة وقت القبض، فهما في المعنى سواء.
стр. 1250
فإن قيل: إذا كان رأس المال عينا، فليس بمجهول، إلا ترى أن مثله يجوز السراء به.
قيل له: وعقد الشراء يجوز أيضا على صبرة لا يعرف مقدارها، ولا يجوز أن يكون السلم مجهول القدر.
دليل آخر: وهو أن حكم السلم مراعى إلى وقت حلوله، بدلالة أنه لو أسلم في مثل هذا الإناء: لم يجز، وصار جواز هلاك الإناء قبل حلوله، بمنزلة عقده على مقدار إناء غير موجود.
ومن أجل ذلك، جعلوا السلم فيما يجوز انقطاعه من أيدي الناس، بمنزله ما هو منقطع في الحال، وفرقوا بينه وبين سائر البياعات، فلم يجعلوا جواز هلال العبد الغائب قبل حضوره مانعا من جواز العقد عليه، فوجب على ذلك اعتبار مقدار رأس المال في جواز ورود انتقاض العقد، فيحصل رأس المال مجهولا، لا يدرى ما يرد.
ألا ترى أنه جائز انقطاعه من أيدي الناس بعد حلول أجله.
وجائز أن يجد بعضه زيوفا، فيرده، فلا يدري كم يبقى من السلم.
فلما كان ذلك جائزا فيه، وجب اعتباره في حال العقد، كما اعتبرنا جواز هلال الإناء قبل حلول السلم.
قال أحمد: فهذه الشرائط السبع هي التي يحتاج إلى ذكرها في العقد.
[أوصاف أخرى للسلم]
وللسلم أوصاف أخر، لا يتم العقد إلا بها.
١ - منها: قبض رأس المال في المجلس.
٢ - ومنها أن يكون المسلم فيه موجودا في أيدي الناس، من وقت
стр. 1251
العقد إلى وقت حلول الأجل.
٣ - ومنها: أن لا يخشى انقطاعه من أيديهم.
*فأما قبض رأس المال في المجلس:
فإن رأس المال إن كان دينا، ـ احتيج إلى قبضه في المجلس لمعنيين:
أحدهما: أنه دين بدين، وقد "نهى النبي ﷺ عن الكالئ بالكالئ".
والثاني: أن السل يختص بتعجيل رأس المال، وتأخير المسلم فيه؛ لأن السلم والسلف واحد، فإذا كان المستثني من جملة بيع ما ليس عند الإنسان شرطه أن يكون سلما معجلا، صار التعجيل من شرائط صحته.
وأنا إذا كان رأس المال عينا، فإن القياس عندهم أن يجوز، كما لو اشترى عبدا بكر حنطة وسطـ، وجعل الكر ثمنا، جاز له أن يفارقه قبل قبض العبد، ولكنهم تركوا القياس على هذا الأصل، وألحقوه بالأصل الآخر، وهو أنه متى لم يجعله، حصل بيع ما ليس عند الإنسان في غير السلم، وهذا لا يجوز.
وأما شراء العبد بالكر، فإن الكر ليس يمتنع إذا لاقى عرضا، وصحبته الباء، وإنما هو بمنزلة الدراهم والدنانير.
*وإنما قلنا إنه لا يجوز أن ينقطع من أيدي الناس؛ لأن النبي صلى
стр. 1252
الله عليه وسلم لما قال: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، وكان معقولا من مراده الكيل المعلوم عند الناس، فمنع بذلك جواز عقد السلم في مال بإناء لا يعرف مقداره من الكيل المعلوم، والوزن المعلوم، لجولا هلاكه قبل استيفاء السلم، وحصوله في مجهول: اعتبرنا ذلك فيما يجوز انقطاعه من أيدي الناس، فقلنا إن جواز انقطاعه قبل حلوله بمنزلة كونه معدوما، وحصول السلم في مجهول.
ويدل على ذلك: ما حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام "أن رسول الله ﷺ أسلف رجلا دنانير في تمر مسمى، فقال: من حائط فلان، فقال رسول الله ﷺ : أما من حائط فلان: فلا، ولكن تمر مسمى، وكيل مسمى، وأجل مسمى".
فهذا الخبر ينفي جواز السلم فيما يجوز انقطاعه، واقتضى أيضا وجوب معرفة الجنس، والمقدار، والأجل.
*وإنما قلنا إنه يجب أن يكون موجودا من وقت وقوع العقد إلى وقت حلول الأجل: للمعنى الذي قدمناه في جواز الانقطاع، وهو انه جائز أن يموت المسلم إليه، فيحل عليه السلم، وهو معدوم.
ولا خلاف أن كونه منقطعا في وقت حلول الأجل: يفسد العقد،
стр. 1253
فجعلنا جواز انقطاعه، كالانقطاع الموجود في وقت الحلول، كما كان جواز هلال الإناء، كعدمه في الحال.
مسألة: [السلم في الحيوان]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز السلم في شيء من الحيوان).
وذلك لما روي "عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إن من الربا أبوابا لا تخفى: منها السلم في السن".
حدثنا به الثقة قال حدثنا على بن العباس المقانعي قال حدثنا محمد بن عمر بن الوليد قال حدثنا وكيع قال حدثنا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن يزيد بن شريك وهو أبو إبراهيم التيمي عن عمر.
وقد رواه وكيع في كتابه في البيوع، وجعله عن القاسم عن عمر، ولم يذكر فيه يزيد بن شريك.
فلما جعل عمر السلم في الحيوان ربا، ـ لم يحل إطلاقه، وذلك من احد وجهين:
стр. 1254
إما من طريق اللغة، أو الشرع، فإن كان قاله من جهة اللغة، فهو حجة فيها.
وإن قاله من طريق الشرع، لم يكن ذلك إلا توقيفا؛ لأن أسماء الشرع لا توجد إلا توقيفا.
وإذا ثبت أن اسم الربا يتناوله، بطل العقد عليه بقوله الله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾.
ومن جهة السنة: ما روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئه" رواه ابن عباس وجابر وسمرة بن جندب.
ويدل عليه ايضا: قول النبي ﷺ : "إنما الربا في النسيئة"، وعمومه ينفي جوازه في الحيوان.
ولا يخصه قوله: "فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم"؛ لأنه في غير الحيوان.
وأيضا: قال النبي ﷺ : "من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم".
فنفى بذكر الكيل جهالة القدر؛ لأن الكيل موضوع لمعرفة المقدار،
стр. 1255
فكل ما كان جهالة في المقدار، فهي منتفية عن السلم، قياسا على الكيل.
والحيوان لا سبيل إلى معرفة مقداره بالصفة؛ لأن ذكر السن لا يدل على المقدار، إذا قد يتفقان في السن، ويتفاوتان في المقدار.
وليست كالثياب؛ لأن مقاديرها تضبط بالذرع.
ويدل هذا الخبر على صحة ما ذكرنا من وجه آخر، وهو قوله: "فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم".
وظاهر أمره يقتضي الاقتصار بالسلم على المكيل والموزون، ونفيه عما سواهما؛ لأن الأمر على الوجوب، فلا يجوز تركه بحال، إلا بدلالة، فانتفى به جواز السلم في الحيوان.
وأيضا: المبتغى من الحيوان الشدة، والقوة، وعظم الجثة والسمن، ونحوها، وذلك غير مضمون بذكر السن، لتفاوت المتساويين منها في السن في المعاني المبتغاة منه، لم يجز السلم فيه.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها".
فأقام الصفة مقام الرؤية.
قيل له: هذا فيما قد رؤي، فأما ما لم ير، وإنما نريد إثباته في الذمة، فلا دلالة في الخبر عليه.
أرأيت لو قال: قد أسلمت إليك في مثل هذه الجارية، هل كان
стр. 1256
يجوز، مع وجود العين التي جعلتها صفة لما في الذمة؟ فكيف يجوز ابتداؤه على ما في الذمة، من غير ضبط الصفة؟
فإن احتج محتج بما روى أبو سفيان عن عمرو بن حريش عن عبد الله بن عمرو "أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين، إلى إبل الصدقة".
قيل له: لا دلالة في هذا الخبر على موضع الخلاف، وذلك لأن قوله: "خذ على قلاص الصدقة": لا يدل على أنه أمره بإثبات القلاص في الذمة، إذ لا يمتنع أن يكون مراده شراه بالدراهم، ليقبضها من إبل الصدقة، بأن يبيعها، فيقضي من ثمنها.
وقوله: "كان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة": إنما هو حكاية فعل عبد الله بن عمرو، وليس فيه أن النبي ﷺ أمره به، ولا علم به، فأقره عليه.
وأيضا: لو ثبت أن النبي ﷺ أمره به، كان منسوخا بتحريم الربا، لما ذكرنا أن السلم في الحيوان من جنس الربا، وينهيه عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، ويكون خبر الحظر حينئذ أولى من خبر الإباحة.
وأيضا: فلا دلالة فيه على البيع، وجائز أن يكون كان قرضا على إبل
стр. 1257
الصدقة، كما "استلف بكرا، ثم قضاه من إبل الصدقة".
وقد يجوز عندنا أن يثبت على الصدقة حيوان مجهول، كما يجوز أن يثبت لها حيوان مجهول.
ويدل على ما ذكرنا: أنه أخذه إلى إبل الصدقة، وذلك أجل مجهول، ـ لا يصح مثله في البياعات، فدل على انه كان في حال كان يجوز فيه الربا، والقرض الذي يجر منفعة، وشرط الآجال المجهولة.
فإن قيل: ثبت الحيوان مهرا في النكاح، والدية.
قيل له: النكاح يصح على مهر المثل، والبيع لا يصح بالقيمة، وكذلك يثبت فيه عند مطلع تسمية، ولا خلاف أن السلم في عبد مطلق غير جائز، والدية ثبتت إبلا مجهولة بنات مخاض، وبنات لبنون، ولا
стр. 1258
يجوز السلم في مثلها.
مسألة: [الكفالة والحوالة في السلم]
قال أبو جعفر: (ولا بأس بالكفالة والحوالة في السلم).
وذلك لقول النبي ﷺ "الزعيم غارم".
وقال: "من أحيل على مليء فليحتل".
وكما صحتا بسائر الديون، صحتا بالسلم؛ لأنه ليس من شرط السلم قبضه من المسلم إليه بعينه، دون غيره.
ألا ترى أنه لو وكل رجلا بتسليمه إليه: جاز.
وتجوز الحوالة والكفالة برأس المال إذا قبضه المسلم إليه قبل أن
стр. 1259
يفارقه رب السلم.
أما جوازها، فلما وصفنا.
وأما قبضه في المجلس، فلأن حقوق العقد ثبتت بين المتعاقدين، فاعتبر افتراقهما، دون افتراق الكفيل والمحال عليه.
مسألة: [بيع المسلم فيه قبل قبضه]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه ممن هو عليه، ولا من غيره، ولا التولية، ولا الشركة).
لأنه بيع ما لم يقبض، ولأنه بيع دين في ذمة الغير، وبيعه غير قادر على تسليمه.
مسألة: [الرهن بالسلم]
قال: (ولا بأس بالرهن بالسلم).
قوله تعالى: ﴿أذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممكن ترضون من الشهداء أن تضل
стр. 1260
إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صفير أو كبيرا على اجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى إلا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليك جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فلوس بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم وأن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾، وذلك عام في السلف وغيره.
وقال ابن عباس: السلم المؤجل في كتاب الله، ثم تلا قول الله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾.
وأيضا الرهن مقبوض للاستيفاء، والسلم يوجب الاستيفاء، فصح الرهن به.
[مسألة:]
(وإذا هلك الرهن، وقيمته والسلم سواء، كان مستوفى كسائر الديون. ويجوز الرهن برأس المال إذا كان دينا، فإن هلك الرهن قبل الافتراق: كان مستوفى، وإن افترقا قبل الهلاك: بطل السلم).
لأنه حصل دينا بدين بعد الافتراق؛ لأن قبض الرهن لا يحصل به الاستيفاء حتى يهلك.
стр. 1261
مسألة: [الإقالة في السلم]
قال: (وتجوز الإقالة في السلم كله، وفي بعضه).
لا خلاف في جوازها في جمعيه، والبعض مثله؛ لأن كل شيء جازت الإقالة في جميعه، فالبعض مثله؛ لأن كل شيء جازت الإقالة في جميعه، جازت في بعضه.
وما روي: "أن لا تأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك": لا ينفي الإقالة في البعض؛ لأنه لم يأخذ إلا سلما، أو رأس مال.
مسألة: [السلم بمال واحد في شيئين مختلفين]
قال: (وإذا أسلم دراهم في شيئين من جنسين: لم يجز حتى يبين رأس مال كل واحد منهما، في قول أبي حنيفة).
لأن من أصله: أنه كلما تعلق العقد على مقدار من رأس مال السلم، فإنه لا يجوز إلا أن يكون معلوم القدر، على ما تقدم من بيانه.
فإن كان رأس المال عرضا، جاز وإن لم يبين رأس مال كل واحد منهما؛ لأن مقادير العروض من الثياب ونحوها إنما تعرف بالذرع، والذرع في الأعيان لا يتعلق العقد عليه؛ لأنه لو باع ثوبا على انه عشرة أذرع، فوجده أقل: أخذه عن شاء بجميع الثمن، وغن شاء ترك، وإن كان
стр. 1262
أكثر: كان جميعه له، فهذا مما لا يتعلق العقد على مقداره، فلا معني لذكر المقدار فيه.
*قال: (ويجوز في قول أبي يوسف ومحمد).
*قال أبو جعفر: "ولا تجوز في قولهما الإقالة في واحد منهما دون صاحبه".
قال أحمد: ولا أعرف لقوله: "ولا تجوز الإقالة في واحد منهما دون صاحبه": معني، فإن كان مراده انه إذا أسلم دراهم، أو عرضا في شيئين مختلفين: لم تجز الإقالة في أحدهما، في قول أبي يوسف ومحمد، فإن هذا لا نعرفه من قولهما، ولا أدري من أين وقع ذلك إليه، ولا على أي أصل قاسه؟
مسألة: [جعل أجل السلم في وقتين]
قال: (ولا بأس بالسلم في نوع واحد، مما يكال أو يوزن، على أن يكون حلول بعضه في الوقت، وحلول بقيته في وقت آخر).
كما جاز أن يجعل أجل الجميع إلى أحد الوقتين.
مسألة: [انقطاع المسلم فيه من أيدي الناس بعد حلول الأجل]
قال: (وإذا حل السلم، فلم يقبضه رب السلم حتى فات وانقطع من أيدي الناس، فالمسلم بالخيار: إن شاء فسخ السلم وأخذ رأس ماله، وإن شاء صبر إلى وقت وجود مثله).
стр. 1263
وذلك لأنه لما صحت المطالبة به بحلول أجله، لم يفسد العقد بعد ذلك بانقطاعه من أيدي الناس، وذلك لأن وجوده مرجو في الثاني، فصار كإباق العبد من يدي البيع بعد صحة العقد، لا يفسد العقد، وللمشتري الخيار في الفسخ، كذلك انقطاع السلم بعد حلول الأجل.
وليس ذلك مثل انقطاعه قبل حلول الأجل؛ لأن بمنزلة بيع العبد الآبق، لأنه لم يكن مما يصح تسليمه وقت وجوب المطالبة به.
وليس مما يطرأ على العقد من ذلك بعد صحته، بمنزلة ما كان موجودا في العقد، ألا ترى أن العدة تمنع ابتداء العقد، فلا ترفع عقدا متقدما.
مسألة: [إذا أصاب المسلم فيه عيب]
قال أبو جعفر: (ومن قبض ما أسلم فيه، ثم أصاب به عيبا: رده، وطالب المسلم إليه بما أسلم إليه فيه غير معيب).
وذلك لأنه استحق على المسلم إليه تسليم السلم إليه صحيحا كسائر البياعات، إذ كان العقد يوجب لكل واحد من المتعاقدين صحة العقود عليه، فإذا رده: انتقض القبض فيه، كأنه لم يقبض، وعاد ما كان في ذمته من السلم.
*قال: (فإن كان حدث به في يده عيب آخر قبل الرد، فإن أبا حنيفة قال: قد لزمه، ولا يرجع بشيء إلا يشاء المسلم إليه أن يقبله).
وذلك لأنه قد تعذر رد العين، لأجل العيب الحادث في يد المسلم، كمن اشترى حنطة بعينها، فوجد بها عيبا، وحدث بها عيب عنده، فيمنع ذلك ردها.
وإنما لم يرجع بشيء من أرش العيب؛ لأن السلم مقبوض عما كان له
стр. 1264
في ذمة المسلم إليه، وليس هو المبيع بعينه، لأنه لو كان كذلك، لا نتقض السلم برده بالعيب، لا يجوز أن يأخذ عما كان له في ذمه المسلم إليه فيه وزيادة؛ لأنه لا يجوز له أن يأخذ إلا أو رأس ماله.
وكذلك قال أبو حنيفة في الدراهم، إذا وجدها الذي له زيوفا، وقد هلكت، أنه لا يرجع بشيء، ولا يرد مثلها، لهذه العلة بعينها.
وليس هو مثل الحنطة المشتراة بعينها بدراهم، إذا قبضها، فحدث بها عيب عنده، ثم اطلع على عيب كان عند البيع، فيرجع بأرش العيب؛ لأن العقد ينتقض في الجزء المرجوع به من حصة العيب، وها هنا لا ينتقض عند السلم في ذلك الجزء بالرجوع، كما لا ينتقض برد الكر لو كان قائما بعينه، فرده.
*وقال أبو يوسف: يغرم المسلم كرا مثله معيبا، ويرجع بسلمه أذا أبى المسلم إليه أن يقبله).
وذلك لأنه لا يمكنه استدراك حقه إلا بنقض القبض في مثله.
وكذلك قال في الدراهم الزيوف، إذا قبضها عن الجياد، وهو لا يعلم، فهلكت: أنه يغرم مثل الزيوف، ويرجع بالجياد.
وأبى ذلك أبو حنيفة؛ لأن فيه نقض القبض على غير ما وقع عليه القبض، وذلك لا يجوز، كما لا يجوز نقض العقد على ما لم يقع عليه العقد.
* (وقال محمد: يرجع المسلم على المسلم إليه بنقصان العيب من رأس المال).
وجعله بمنزله كر بعينه اشتراه بدراهم، ثم اطلع على عيب، وقد حدث به عيب عنده، فيرجع بنقصان عيبه من الثمن.
стр. 1265
*قال: (وذلك إذا كان العيب الحادث عنده من جنايته، أو من السماء، فإن كان من جناية جان، فأخذ له أرشا، فلا خيار للمسلم إليه في قبوله).
والاختلاف فيما سوى ذلك على ما وصفنا.
مسألة: [تصرف المسلم برأس المال بعد الإقالة]
قال: (ولا يجوز للمسلم بعد الإقالة وقبلها أن يشتري به شيئا قبل قبضه إياه من المسلم إليه).
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو بدر عن زياد بن خيثمه عن سعد- يعني الطائي- عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره".
وقد روي عن جماعة من السلف: "لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك"، منهم ابن عمر وغيره.
следующие страницы →