← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

مسألة: [الإقالة في السلم] قال: (وتجوز الإقالة في السلم كله، وفي بعضه). لا خلاف في جوازها في جمعيه، والبعض مثله؛ لأن كل شيء جازت الإقالة في جميعه، فالبعض مثله؛ لأن كل شيء جازت الإقالة في جميعه، جازت في بعضه. وما روي: "أن لا تأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك": لا ينفي الإقالة في البعض؛ لأنه لم يأخذ إلا سلما، أو رأس مال. مسألة: [السلم بمال واحد في شيئين مختلفين] قال: (وإذا أسلم دراهم في شيئين من جنسين: لم يجز حتى يبين رأس مال كل واحد منهما، في قول أبي حنيفة). لأن من أصله: أنه كلما تعلق العقد على مقدار من رأس مال السلم، فإنه لا يجوز إلا أن يكون معلوم القدر، على ما تقدم من بيانه. فإن كان رأس المال عرضا، جاز وإن لم يبين رأس مال كل واحد منهما؛ لأن مقادير العروض من الثياب ونحوها إنما تعرف بالذرع، والذرع في الأعيان لا يتعلق العقد عليه؛ لأنه لو باع ثوبا على انه عشرة أذرع، فوجده أقل: أخذه عن شاء بجميع الثمن، وغن شاء ترك، وإن كان

стр. 1262

أكثر: كان جميعه له، فهذا مما لا يتعلق العقد على مقداره، فلا معني لذكر المقدار فيه. *قال: (ويجوز في قول أبي يوسف ومحمد). *قال أبو جعفر: "ولا تجوز في قولهما الإقالة في واحد منهما دون صاحبه". قال أحمد: ولا أعرف لقوله: "ولا تجوز الإقالة في واحد منهما دون صاحبه": معني، فإن كان مراده انه إذا أسلم دراهم، أو عرضا في شيئين مختلفين: لم تجز الإقالة في أحدهما، في قول أبي يوسف ومحمد، فإن هذا لا نعرفه من قولهما، ولا أدري من أين وقع ذلك إليه، ولا على أي أصل قاسه؟ مسألة: [جعل أجل السلم في وقتين] قال: (ولا بأس بالسلم في نوع واحد، مما يكال أو يوزن، على أن يكون حلول بعضه في الوقت، وحلول بقيته في وقت آخر). كما جاز أن يجعل أجل الجميع إلى أحد الوقتين. مسألة: [انقطاع المسلم فيه من أيدي الناس بعد حلول الأجل] قال: (وإذا حل السلم، فلم يقبضه رب السلم حتى فات وانقطع من أيدي الناس، فالمسلم بالخيار: إن شاء فسخ السلم وأخذ رأس ماله، وإن شاء صبر إلى وقت وجود مثله).

стр. 1263

وذلك لأنه لما صحت المطالبة به بحلول أجله، لم يفسد العقد بعد ذلك بانقطاعه من أيدي الناس، وذلك لأن وجوده مرجو في الثاني، فصار كإباق العبد من يدي البيع بعد صحة العقد، لا يفسد العقد، وللمشتري الخيار في الفسخ، كذلك انقطاع السلم بعد حلول الأجل. وليس ذلك مثل انقطاعه قبل حلول الأجل؛ لأن بمنزلة بيع العبد الآبق، لأنه لم يكن مما يصح تسليمه وقت وجوب المطالبة به. وليس مما يطرأ على العقد من ذلك بعد صحته، بمنزلة ما كان موجودا في العقد، ألا ترى أن العدة تمنع ابتداء العقد، فلا ترفع عقدا متقدما. مسألة: [إذا أصاب المسلم فيه عيب] قال أبو جعفر: (ومن قبض ما أسلم فيه، ثم أصاب به عيبا: رده، وطالب المسلم إليه بما أسلم إليه فيه غير معيب). وذلك لأنه استحق على المسلم إليه تسليم السلم إليه صحيحا كسائر البياعات، إذ كان العقد يوجب لكل واحد من المتعاقدين صحة العقود عليه، فإذا رده: انتقض القبض فيه، كأنه لم يقبض، وعاد ما كان في ذمته من السلم. *قال: (فإن كان حدث به في يده عيب آخر قبل الرد، فإن أبا حنيفة قال: قد لزمه، ولا يرجع بشيء إلا يشاء المسلم إليه أن يقبله). وذلك لأنه قد تعذر رد العين، لأجل العيب الحادث في يد المسلم، كمن اشترى حنطة بعينها، فوجد بها عيبا، وحدث بها عيب عنده، فيمنع ذلك ردها. وإنما لم يرجع بشيء من أرش العيب؛ لأن السلم مقبوض عما كان له

стр. 1264

في ذمة المسلم إليه، وليس هو المبيع بعينه، لأنه لو كان كذلك، لا نتقض السلم برده بالعيب، لا يجوز أن يأخذ عما كان له في ذمه المسلم إليه فيه وزيادة؛ لأنه لا يجوز له أن يأخذ إلا أو رأس ماله. وكذلك قال أبو حنيفة في الدراهم، إذا وجدها الذي له زيوفا، وقد هلكت، أنه لا يرجع بشيء، ولا يرد مثلها، لهذه العلة بعينها. وليس هو مثل الحنطة المشتراة بعينها بدراهم، إذا قبضها، فحدث بها عيب عنده، ثم اطلع على عيب كان عند البيع، فيرجع بأرش العيب؛ لأن العقد ينتقض في الجزء المرجوع به من حصة العيب، وها هنا لا ينتقض عند السلم في ذلك الجزء بالرجوع، كما لا ينتقض برد الكر لو كان قائما بعينه، فرده. *وقال أبو يوسف: يغرم المسلم كرا مثله معيبا، ويرجع بسلمه أذا أبى المسلم إليه أن يقبله). وذلك لأنه لا يمكنه استدراك حقه إلا بنقض القبض في مثله. وكذلك قال في الدراهم الزيوف، إذا قبضها عن الجياد، وهو لا يعلم، فهلكت: أنه يغرم مثل الزيوف، ويرجع بالجياد. وأبى ذلك أبو حنيفة؛ لأن فيه نقض القبض على غير ما وقع عليه القبض، وذلك لا يجوز، كما لا يجوز نقض العقد على ما لم يقع عليه العقد. * (وقال محمد: يرجع المسلم على المسلم إليه بنقصان العيب من رأس المال). وجعله بمنزله كر بعينه اشتراه بدراهم، ثم اطلع على عيب، وقد حدث به عيب عنده، فيرجع بنقصان عيبه من الثمن.

стр. 1265

*قال: (وذلك إذا كان العيب الحادث عنده من جنايته، أو من السماء، فإن كان من جناية جان، فأخذ له أرشا، فلا خيار للمسلم إليه في قبوله). والاختلاف فيما سوى ذلك على ما وصفنا. مسألة: [تصرف المسلم برأس المال بعد الإقالة] قال: (ولا يجوز للمسلم بعد الإقالة وقبلها أن يشتري به شيئا قبل قبضه إياه من المسلم إليه). وذلك لما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو بدر عن زياد بن خيثمه عن سعد- يعني الطائي- عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره". وقد روي عن جماعة من السلف: "لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك"، منهم ابن عمر وغيره.

стр. 1266

مسألة: قال: (ولا يجوز التسعير على الناس). لأن الله تعالى لم يبح أخذ مال الغير إلا عن تراض بقوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ وقال النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه". وروي عن أنس بن مالك قال: "غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقال الناس: يا رسول الله! قد غلا السعر، فسعر لنا، فقال رسول الله ﷺ : إن الله الخالص القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس يطلبني أحد منكم بمظلمة في نفس ولا مال".

стр. 1267

باب الاستبراء مسألة: [استحباب استبراء الجارية من قبل بائعها] قال أبو جعفر: (وإذا كانت للرجل جارية يطؤها، لم يبعها حتى يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض، أو بشهر إن كانت ممن لا تحيض). قال أحمد: وهذا استحباب في البيع، وليس بواجب، وذلك لأنها إذا كانت ذات حيض، وقد وطئها، لا يأمن أن تكون حاملا منه، فيستهلكها المشتري، أو يحدث ما يمنع صحة دعوه، فاستحب له الاستبراء احتياطا. مسألة: [يجب على المشتري استبراء الأمة] قال أبو جعفر: (ولا يقربها المشتري، أو من ملكها بغير شراء، حتى يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض، أو شهرا إن كانت ممن لا تحيض). قال أحمد: الأصل فيه: ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع،

стр. 1268

ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة", فصار ذلك أصلا في وجوب الاستبراء لحدوث الملك؛ لأنه معلوم أن هذا الاستبراء لم يجب عن فراش، لأنه لو كان كذلك، لفرق بين ذات الفراش، وبين غيرها. فلما أوجب الاستبراء في الجميع، دل على أنه وجوبه متعلق بحدوث الملك، فكل من استحدث ملكا في جارية، وتم ملكه فيها: لم يطأها حتى يستبرئها. وقد روي نحو ذلك عن علي، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان وعمر، وعبادة بن الصامت. * (فإن كانت ممن لا تحيض: فشهر). وروي نحوه عن ابن عمر في آخرين من السلف. لأن الشهر يقوم مقام حيضة في العدة، فكذلك في الاستبراء. مسألة: [يكره تحريما دواعي الوطء قبل استبراء الجارية] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي له أن يقبلها، ولا ينظر إلى فرجها من

стр. 1269

شهوة، حتى يستبرئها). قال أحمد: كما أن رجلا لو وجبت على امرأته عدة من وطء بشبهة، لم يكن للزوج أن يقبلها، ولا يباشرها حتى تنقضي عدتها، وكذلك الأمة، إذا كانت معتدة من زوج، لا يقبلها المولى ما دامت في العدة، والاستبراء يشبه العدة؛ لأن العدة تجب على وجه الاستبراء. مسألة: [وجوب استبراء الجارية الحامل من زنى] قال أبو جعفر: (ومن ابتاع جارية حاملا من زنى، لم يطأها حتى تضع حملها). لحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ في السبايا: "لا توطأ حامل حتى تضع"، وهو عام في سائر الحوامل. وكما روي عن النبي ﷺ : "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره". رواه رويفع بن ثابت الأنصاري. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل لرجلين يؤمنان بالله واليوم الآخر أن يجتمعا في امرأة في طهر واحد".

стр. 1270

وهذا كله يحظر من وطء الحامل على من ليس الحمل منه. مسألة: قال: (ولا يعتد المشتري بالحيضة التي حاضتها في يد البيع بعد البيع قبل القبض). وذلك لأن المشتري إنما يملك الوطء بعد القبض، ولا يجوز له أن يطأ قبل القبض، فإنما يجب الاستبراء في الحال التي يملك فيها الوطء. وأيضا: فإن الملك لا يتم فيها إلا بالقبض، وعند تمام الملك يجب الاستبراء. *قال: (وروي عن أبي يوسف أنه قال بأخرة: يعتد بتلك الحيضة من الاستبراء). وذهب إلى أن الملك قد صح له وإن لم يقبض. مسألة: [مدة استبراء الجارية التي ارتفع حيضها] قال أبو جعفر: (وإذا اشترى جارية ممن تحيض، فقبضها، فارتفع حيضها لا من حمل، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: لا يطأها حتى يعلم أنها غير حامل، ولم يقدر ذلك بشيء. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عنه مثل ذلك، إلا أنه قال: حتى تمضي عليها ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر، فإذا مضى ذلك عليها، ولم يعلم حمل: كان له وطؤها). وذلك لأن الحيضة لما كانت استبراء من الحمل في ذوات الحيض، لقوله ﵊ "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى

стр. 1271

تستبرأ بحيضة"، وحب أن يعتبر حصول غلبة الظن في براءة رحمها من الحبل، وذلك قد يظهر في مثل المدة التي ذكر. وليس ذلك كالعدة لذات الحيض: أن عدتها لا تنقضي حتى تحيض ثلاث حيض وإن كانت في سنين؛ لأنها منصوص في كتاب الله عليها: ﴿ثلاثة﴾، لا يجوز النقصان عنها. * (وقال محمد: لا يطؤها حتى يمضي عليها شهران وخمسة أيام، ثم رجع فقال: حتى تمضي أربعة أشهر وعشر). قال أبو بكر: ذكر محمد في الأصل: أربعة أشهر وعشرا، وروى ابن سماعة عنه: شهران وخمسة أيام، فاعتبر فى إحدى الروايتين عدة الحرة في الوفاة، والأخرى عدة الأمة. مسألة: [عدم وجوب استبراء الجارية المطلقة غير المدخول بها] قال أبو جعفر: (ومن اشترى جارية ولها زوج لم يدخل بها، وقبضها، وهي كذلك، ثم طلقها زوجها: حل له أن يطأها، ولم يكن عليه أن يستبرأها). وذلك أن الاستبراء إنما يجب بتمام الملك، وقد وجد ذلك، وهي

стр. 1272

تحت زوج فلم يجب؛ لأن غيره هو المالك لوطئها، وطلاق الزوج لم يحدث للمولى ملكا فيها، فلم يجب الاستبراء، إذ كان وجوبه متعلقا بحدوث الملك لاستباحة الوطء. والدليل على ذلك: أن المولى لو زوج أمته من رجل، حرم وطؤها عليه، فإن طلقها الزوج قبل أن يدخل بها، لم يجب عليه استبراء لاستباحة وطئها، إذ لم يستحدث بذلك ملكا. مسألة: قال أبو جعفر: (ومن اشترى جارية، ولم يفارق بيعها عن موطن البيع، أو لم يكن قبضها، حتى تقايلا البيع، فإن أبا حنيفة قد قال: في الأصل القياس أن لا يطأها حتى يستبرئها، قال: وأستحسن فأجعل له وطأها من غير استبراء. وروى أبو يوسف في الإملاء عن أبي حنيفة أنه قال: لا يطأها حتى تستبرأ). قال أحمد: القياس أن يستبرئها البيع، لحدوث ملكه فيها بالإقالة، ولا تستبرأ استحسانا؛ لأن ملك المشتري لم يتم حتى عادت إليه. ألا ترى أن المشتري لم يكن يعتد بالحيضة التي كانت في يد البيع من الاستبراء، وأنها في هذا الوجه بمنزلة من هي في ملك البيع، فكذلك هي في حكم ملكه في سقوط الاستبراء عنه بالإقالة. *قال: (وذكر ابن سماعة عن محمد: أن القياس أن لا يستبرأها). قال أحمد: وذلك لأن ملك المشتري لم يتم فيها بعد، والله أعلم. *****

стр. 1273

كتاب الرهن مسألة: [شروط الرهن] قال أبو جعفر: (ولا يجوز الرهن إلا مقبوضا، مفرغا، محوزا، خارجا عن يد راهنه إلى يد مرتهنه، أو إلى يد عدل يرتضيان به). قال أحمد: وذلك لقول الله : ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾، وحكم جواز الرهن مأخوذ من الآية، ولم يرد إلا معقودا بصفة القبض. وأيضا: فإن الرهن وثيقة، ولا يحصل معناها إلا يحصل معناها إلا بحصول ي المرتهن عليه. وإنما يصح قبض العدل؛ لأن الله تعالى لما قال: ﴿فرهان مقبوضة﴾، أجازه مقبوضا على الإطلاق، ولم يفرق فيه بين قبض المرتهن وقبض العدل، وعمومه يقتضي جوازه بقبض أيهما قبض. وأيضا: فإن العدل وكيل للمرتهن في القبض، وقد يحصل مضمونا عليه، ويد الوكيل كيد الموكل. مسألة: [رهن المشاع] قال: (ولا يصح رهن المشاع فيما يقسم، ولا فيما يقسم).

стр. 1274

وذلك لأن كونه مشاعا يوجب استحقاق القبض بالمهايأة، فإذا كان المعنى الموجب لاستحقاق القبض الذي هو شرط في صحة العقد مقارنا للعقد، لم يصح الرهن. وإنما كان شرط استصحاب اليد مع بقاء الرهن، من قبل أن الرهن لما كان وثيقة، وكان لا يحصل معنى الوثيقة فيه إلا بالقبض، فمتى استحق القبض، ارتفعت الوثيقة، ومنى ارتفع ذلك بطل الرهن. وليس الرهن كالهبة في جوازها في المشاع الذي لا يقسم؛ لأن القبض في الهبة شرط في صحة العقد، لا في بقاء الملك، لأن صحة بقاء الملك غير مفتقرة إلى استصحاب اليد، وصحة بقاء الرهن مفتقرة إلى استصحاب اليد، إذ به تحصل وثيقة، وليس في الرهن معني غيرها، ففي ارتفاعها ارتفاع الرهن، فلذلك افترقا. فإن قيل: فقد يصح بقاء الرهن عندكم مع زوال اليد، وهو أن يستعيره الراهن، فلا يبطل الرهن. قيل له: إنما منعنا صحة رهن المشاع؛ لأن اليد التي بها صح معنى الرهن مستحقة بمعنى يقارب العقد. ولا يلزم على ذلك العارية؛ لأن يد العارية غير مستحقة على المعير، وكونه شائعا يوجب استحقاق يده عليه، فلذلك اختلفا.

стр. 1275

مسألة: [الانتفاع بالرهن بإجارة ونحوها] قال أبو جعفر: (ولا يؤاجر الرهن، ولا يخرج من يد المرتهن إلا بعد قضاء الدين، ولا ينتفع به). وذلك لأن في إجارته استحقاق يد المرتهن، وفي ذلك إبطال الرهن. ولا يركب؛ لأن ركوب الرهن يزيل يد المرتهن. والمرتهن لا يجوز له أن يركبه؛ لأنه لا يملك منافعه بعقد الرهن، إذ كان عقد الرهن لا يوجب له ملك المنافع. وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الرهن محلوب ومركوب": فإنه يحتمل أن يريد به جواز الرهن فيما يحلب ويركب، كأنه قال ﵊: المحلوب والمركوب يصح رهنه. ويحتمل أن يحلب، واللبن رهن معه. ويركبه الراهن عارية من جهة المرتهن، ولا يبطل به حق المرتهن في إعادته إلى يد الراهن.

стр. 1276

فأفاد أن العقد لا يبطل بعوده على يد الراهن عارية. وقد روى الشعبي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا كانت الدابة مرهونة، فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشربه نفقته". وهذا جائز أن يكون كان قبل تحريم الربا، وقبل تحريم كل قرض جر منفعة؛ لأنه جعل اللبن بإزاء النفقة، وقد يتقاربان، فلم يعتبر ذلك. مسألة: [رهن عبد ابن المدين] قال: (ويجوز للرجل أن يرهن عبد ابنه الصغير بدين على الأب). وذلك لأنه يلي الصرف عليه في الشراء والبيع، وله أن يودع مال ابنه بغير ضمان، فإذا شرط فيه ضمانا يحصل عليه بالهلاك، فهو أنفع للصبي. فإن قيل: هلاك الرهن يوجب استيفاء الدين، وليس له أن يقضي دينه من مال ابنه. قيل له: نفس القبض لا يحصل به استيفاء، وإنما يحصل ذلك بالهلاك، وإذا هلك بضمان الدين، ضمن الأب مقدار ما قضى به الدين للصغير، كمن أعاره رجل عبده على أن يرهنه بدين عليه، فما قضى به من الدين: ضمنه المستعير.

стр. 1277

مسألة: [ضياع الرهن، وضمانه] قال أبو جعفر: (وإذا ضاع الرهن في يدي المرتهن، ضاع بالأقل مما هو مضمون به، ومن الدين). والدليل على أن الرهن مضمون، ليس بأمانة، قول الله تعالى، ﴿فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليود الذي اؤتمن أمانته﴾. ففرق بين الرهن والأمانة، فدل على أن الرهن ليس بأمانة، وإذا لم يكن أمانة، فهو مضمون. وأيضا: "روى عطاء بن أبي رباح أن رجلا رهن رجلا فرسا بدين له عليه، فنفق الفرس، فقال النبي ﷺ للمرتهن: ذهب حقك". وأيضا اتفقت الصحابة على ضمانه أي الرهن، إلا أنهم اختلفوا في كيفية الضمان:

стр. 1278

فروي عن عمر نحو قولنا. وروي عن علي بن أبي طالب أنهما يترادان الفضل، وعن ابن عمر نحوه. وعن شريح قال: الرهن بما فيه، ولو خاتم من حديد. فحصل من اتفاقهم ضمانه، فمن قال هو أمانة غير مضمون بوجه، فهو خارج من اختلافهم، ومخالف لإجماعهم. *ومن جهة النظر: إن الرهن مقبوض للاستيفاء، والدليل عليه: أن المرتهن أحق به بعد الموت من سائر الغرماء لاستيفاء دينه، وإذا كان مقبوضا للاستيفاء، وجب أن يكون هلاكه على الوجه الذي حصل عليه قبضه. ألا ترى أن المقبوض على وجع البيع، والغصب، والسوم، إذا هلك، هلك على الوجه الذي هو مقبوض عليه من الضمان. وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يغلق الرهن،

стр. 1279

لصاحبه غنمه، وعليه غرمه". فإنه روي عن إبراهيم والزهري في تأويل قوله: "لا يعلق الرهن": أن أهل الجاهلية كانوا يرهنون على انه إن يأته بالمال وقت كذا: فهو له، فأبطل النبي ﷺ ذلك بقوله: "لا يغلق الرهن"، يعني أنه لا يملك بالدين. وقد حكي عن جماعة من أهل اللغة أن العرب تقول: غلق الرهن: إذا ذهب بغير شيء، وأنشد في ذلك قول زهير: وفارقتك برهن لا فكال له ... يوم الوداع، فأمسى رهنا غلقا

стр. 1280

يعني قد ذهب بغير شيء. وأما قوله: "لصاحبه غنمه، وعليه غرمه": فإن الغنم هو الزيادة من نحو اللبن، والولد، والصوف، والسمن، والغرم: هو الدين. فيكون تفسيرا لقوله: "لا يغلق الرهن": يعني أنه لا يملك بالشرط عند محل الأجل، ولصاحبه إذا جاء زيادته، وعليه دينه الذي هو مرهون به. وتأول بعض المخالفين: "عليه غرمه": يعني على الراهن هلاكه، فأخطأ في اللغة خطأ بينا. قال لنا أبو عمر غلام ثعلب: أخطأ في اللغة من قال: إن الغرم الهلاك؛ لأن الغرم أصله في اللغة هو اللزوم، ومنه يسمى من عليه الدين: غريما؛ لأنه قد لزمه الدين والمطالبة. ويسمى المطالب الذي له الدين: غريما؛ لأن له اللزوم والمطالبة، إلا ترى أنه لا يقال لمن ذهب ماله: غريم، وغنما يقال ذلك لمن عليه دين. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إن عذابها كان غراما﴾: يعني لازما دائما. وقال: ﴿إنا لمغرمون﴾: يعني مطالبون بما قدمناه. ومنه قول الشاعر:

стр. 1281

"إني بحبك مستهام مغرم" يعني: ملزوما مطالبا. *ومما يدل على ضمان الرهن: أنه محبوس في يد المرتهن لاستيفاء الدين. *وفي الأصول: أن الحبس لا يثبت إلا مع تعلق ضمان، إلا ترى أن البيع لما كانت السلعة محبوسة في يده لاستيفاء الثمن، كانت مضمونة عليه. فإن قيل: فالمستأجر لا يضمن العبد المستأجر، وهو محبوس في يده. قيل له: هو مضمون في يده بما هو محبوس به، وهو المنافع، ألا ترى أنه يكون مستوفيا للمنافع على حسب بقائه في يده. *ويدل على أن الرهن مضمون: أن جوازه مقصور على ما يصح أن يكون مضمونا به من الديون المضمونة، وأنه لا يصح بالأعيان التي ليست بمضمونة، نحو الودائع والعواري؛ لأنه إذا هلك لم يهلك بها، وصح بالدين، فدل على أنه إنما يصح به؛ لأن هلاكه يوجب استيفاء الدين، ولولا ذلك لكان يصح بالأعيان التي وصفنا، فلما لم يصح بها، لأن هلاكه لا يوجب استيفاءها، دل على صحة ما ذكرنا. *وإنما جعلوا الرهن مضمونا بالأقل من الدين، ومن قيمته: من قبل أنه أي الرهن، لما كان مقبوضا للاستيفاء، وجب أن يكون أمينا في الفضل؛ لأن الدين إذا كان مائة درهم، لا يجوز أن يستوفي المائة، إلا

стр. 1282

من مقدارها من الرهن. وإن كان الدين أكثر، فليس يجوز أن يستوفي من خمسين درهم مائة درهم. مسألة: [عتق الراهن العبد المرهون، وضمانه] قال أبو جعفر: (وإذا أعتق الراهن عبده المرهون، كان حرا، وخرج من الرهن). وإنما جاز عتقه؛ لأن صحة الرهن فيه لم يزل ملكه عنه، وإذا كان مالكا: نفذ عتقه، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم"، فأجاز العتق فيما يملك، وهذا مالك. ويخرج العبد من الرهن؛ لأنه حر لا يصح استيفاء الدين منه، والرهن مقبوض للاستيفاء، لما بينا، ولا يمنع حق المرتهن من نفاذ عتق الرهن فيه، كما أن حق أحد الشريكين في العبد وما يلحقه من الضرر بالعتق، لا يمنع عتقه. *فإن كان الراهن موسرا: غرم قيمته، كما لو قتله غرم قيمته؛ لأن له حق الاستيفاء من الرقبة، فتقوم القيمة مقامها.

стр. 1283

وكما لو قتله أجنبي، كان المرتهن أحق بها، حتى يستوفي حقه منها. *قال: (وإن كان الراهن معسرا: سعى العبد في الأقل من الدين وقيمته للمرتهن، ثم رجع به على الراهن). وذلك لأن حق المرتهن كان ثابتا في استيفاء الدين من الرقبة، فإذا حصلت الرقبة للعبد، ولم يقدر على أخذ بدلها من الراهن، ضمنها. كما أن المريض إذا عتق عبده في مرضه، وعليه دين، ولا مال له: سعى العبد في قيمته. فإن قيل: لو أعتق المشتري العبد المشترى قبل القبض، لم يسع العبد في شيء وإن كان المشتري معسرا، مع ثبوت حق البيع في الإمساك، لاستيفاء الثمن. قيل له: الفرق بينهما أن الثمن غير متعلق برقبة العبد المبيع على جهة الاستيفاء بهلاكه، والدين متعلق برقبة الرهن على جهة أن يكون مستوفى بهلاكه. ألا ترى أن العبد المرهون لو هلك كان المرتهن مستوفيا لدينه، ولو هلك المبيع في يد المبيع: لم يكن البيع مستوفيا للثمن بهلاكه، وإنما ينتقض به البيع، ويهلك من ماله. *وإنما كان للعبد الرجوع على المولى بما أدى من ذلك؛ لأنه لزمه قضاء دينه من جهة الحكم، فصار كأنه قضاه بأمره، ألا ترى أن الوصي والوارث متى قضيا دين الميت، كان لهما أن يرجعا به في مال الميت. مسألة: [ضمان الأمة الرهن باستيلادها] قال أبو جعفر: (ولو حبلت الأمة الرهن، فادعى الراهن حملها، ثم

стр. 1284

وضعت، ضمن قيمتها إن كان موسرا). لأنه أخرجها من الرهن بالاستيلاد. * (وإن كان معسرا، سعت الأمة في الدين بالغا ما بلغ، ولم يرجع به على الراهن). وذلك لما ذكرنا، من أن حقه كان متعلقا بالرقبة، وقد استحقت هي تلك الرقبة من الرهن بالاستيلاد. *وإنما سعت في جميع الدين، ولم تكن كالعبد المعتق؛ لأن كسبها في هذه الحال للمولى، فالمرتهن اولى به، ولا ترجع على المولى بما أدته؛ لأنها أدته من مال المولى. وأما المعتق فإنما لزمه الأقل؛ لأن كسبه لنفسه، وإنما يضمن الرقبة التي حصل له، ثم يرجع به على المولى؛ لأنه أداه من ماله نفسه. *ولا سعي على الولد؛ لأنه كان علوقا يوم الدعوة، لا قيمة له، لم يدخل في الرهن. مسألة: [ادعاء الراهن ولد الأمة الرهن] قال أبو جعفر: (وإن ادعى الراهن الولد بعد ما وضعت، والراهن معسر: قسم الدين على قيمة الأمة يوم الرهن، وعلى قيمة الولد يوم الدعوة، فما أصاب الأمة: سعت فيه، بالغا ما بلغ للمرتهن، فيكون رهنا فيه، ولا ترجع به على مولاها. وما أصاب الولد: سعى في الأقل منه ومن قيمته، ثم يرجع بذلك على

стр. 1285

الراهن، وقبض المرتهن ما سعى فيه الولد من دينه، ورجع ببقية دينه أيضا على الراهن) وذلك لأن الولد دخل في الرهن بعد الولادة، فصار مع الأم، بمنزلة عبد وأمة رهنا جميعا، ثم أعتق الراهن العبد، وادعى أن الأمة أم ولد له، فيسعى العبد في الأقل، ويرجع به عليه، وتسعى هي في جميع حصتها على ما بينا. [مسألة:] قال: (وتدبير الأمة الرهن، بمنزلة دعوى الاستيلاد). لأن كسبها للمولى. مسألة: قال: (وتجوز الزيادة في الرهن). قال أحمد: كان القياس عندهم أن لا تجوز؛ لأن فيها تحويل ضمان بعض الرهن إلى الزيادة، وذلك الضمان لا يرتفع إلا بارتفاع السبب الموجب له، وهو القبض، والقبض باق لم يرتفع، فهذا هو القياس، إلا أنهم تركوا القياس؛ لأن الزيادة تلحق العقد، وتصير كأنها كانت موجودة فيه، فكأنه رهنهما معا. ولا يجوز اعتبار الزيادة على حيالها كأنها رهن مبتدأ، ألا ترى أن من اشترى عبدا بألف درهم، ثم إن البيع زاده عبدا آخر، ودخل في العقد بحصة الألف من الثمن، كأنه كان موجودا فيه، ولو اعتبر حكمه على جهة ابتداء العقد عليه لما صح؛ لأن عقد البيع لا يجوز بالحصة.

стр. 1286

مسألة: [حكم الزيادة في الدين] (وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوز الزيادة في الدين، وتجوز فى قول أبي يوسف). لأبي حنيفة: أن الزيادة في الدين لو جازت، ولحقت العقد كأنها كانت موجودة فيه، لما صحت على الوجه الذي أوقع الزيادة؛ لأنه لو قال في حال العقد: قد رهنتك هذا العبد نصفه بخمس مائة، ونصف الآخر بخمس مائه، كذلك الدين لما كان مسمى في العقد على حياله، والزيادة مسماة على حيالها، والزيادة مسماة على حيالها، لم يصح العقد. وليس كذلك الزيادة في الرهن؛ لأن ابتداء الرهن عليهما على هذا الوجه جائز. وأجازها أبو يوسف، كأن جملة الدين كانت موجودة وقت العقد. مسألة: [جناية العبد المرهون] قال: (وإذا جنى العبد المرهن، فإن فداه المرتهن، كان متطوعا). لأنه أصلح به رهنه، وجنايته مضمونة عليه في مقدار المضمون؛ لأن العبد مضمون في يده. وإن دفع بها برضا الراهن، بطل الدين؛ لأنه استحق بجناية كانت في يد المرتهن، كالعبد المغصوب إذا جنى في يد الغاصب، فدفع بها، ضمن الغاصب قيمته، كأنه هلك في يده، كذلك العبد المدفوع بالجناية، كأنه هلك في يد المرتهن. *قال: (وإن فداه الراهن: أخذه، وبطل الدين). لأن ضمانه على المرتهن.

стр. 1287

* (وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين، كان بمقدار المضمون على المرتهن، وبمقدار الأمانة على الراهن) لأن المضمون منه كالغصب، والأمانة منه كالوديعة. [مسألة:] (وما جني على العبد: فالخصم فيه المرتهن). لأنه أحق بإمساكه ورده إلى يده. مسألة: [نماء الرهن] قال: (والولد وسائر النماء الحادث من الرهن داخل في الرهن). لأن حق المرتهن ثابت في الرقبة، مستقر فيها، فيسري ذلك الحق في الولد، كما يسري في حق الكتابة، والتدبير، والاستيلاد في الأولاد. فإن قيل: فلم لا يسري حق ولي الجناية في ولد الجانية، لثبوت حقه في الرقبة في حال الولادة. قيل له: ليست الجناية حقا مستقرا في الرقبة، وإنما توجب الجناية أحد شيئين: إما الدفع، وإما الفداء، فلم يستقر الحق بنفس الجناية في الرقبة، فلذلك لم يسر في الولد. مسألة: [هلاك نماء الرهن] قال: (وإن هلك النماء الحادث في يد المرتهن: هلك بغير شيء). لأنه دخل في العقد على وجه البيع، كولد المبيعة الحادث في يد البيع، يدخل في البيع تبعا، ولا يسقط بهلاكه شيء من الثمن، كذلك ولد الرهن.

стр. 1288

مسألة: [هلاك الأصل وبقاء النماء] قال: (وإن هلك الأصل، وبقي النماء: هلك بحصته). كالمبيعة إذا هلكت في يد البيع، وبقي الولد. مسألة: [تقدير قيمة الهالك] قال: (وتعتبر قيمة الولد يوم الفكاك، وقيمة الأصل يوم العقد). كما تعتبر قيمة المبيعة يوم العقد، وقيمة الولد يوم القبض فيما ينقسم عليه الثمن. وإنما كان هذا هكذا، من قبل أن الولد ليس بمضمون، ولا يثبت له حكم في الرهن إلا عند الفكاك، وفي البيع إلا عند القبض، فلذلك اعتبر قيمتها على ما وصفنا. مسألة: قال: (والقول قول الرهن في مقدار الدين). لأن الأصل أنه بريء الذمة من حق الغير، فلا يلزمه إلا مقدار ما اعترف به، لقول النبي ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". ولأنه لو أنكر الدين رأسا والرهن، كان القول قوله، كذلك يرجع إلى قوله في مقدار ما اعترف به.

стр. 1289

مسألة: [اعتبار قول المرتهن في قيمة الرهن] قال: (والقول قول المرتهن في قيمة الرهن، إذا هلك في يده). لأنهما إذا اختلفنا في مقدار ما استوفاه، فالقول قوله فيه. كما لو اختلفا في مقدار ما قضاه من غير رهن، كان القول قول الطالب؛ لأن الأصل بقاء الدين الذي علم وجوبه، فالقول قوله في مقدار ما برئت منه ذمته. والأصل في جميع ذلك: أن كل من اعتصم بالظاهر: فالقول قوله ومن ادعى خلاف الظاهر: فعليه البينة. وإن شئت قلت: إن من ادعى أمرا حادثا: فهو المدعي، وعليه البينة، ومن أنكره: فهو المدعى عليه، والقول قوله مع يمينه. *****

стр. 1290

كتاب المداينات مسألة: [البائع أسوة الغرماء لو أفلس المشتري] قال أبو جعفر: (وإذا أفلس المشتري، أو مات وقد قبض المبيع: فالبيع أسوة الغرماء، ولا يكون أحق بالمبيع من سائرهم). وذلك لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. ودلالة هذه الآية على ما قلنا من وجهين: أحدهما: أنه أباح للمشتري الأكل والتصرف فيه، موسرا كان أو معسرا. الثاني: أنه منع البيع أخذه إلا برضا المشتري، وقال النبي ﵊: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه". وأيضا: فلما سلمه إلى المشتري، فقد رضي بإسقاط حقه من عينه، فلا فرق بينه وبين غيره؛ لأن ثمنه في ذمة المشتري، لا في العين، فكان كسائر الغرماء.

стр. 1291

ونظيره المرتهن إذا رضي برد الرهن إلى الراهن، فيكون هو وسائر الغرماء فيه سواء. وما روي في حديث أبي هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: "من وجد متاعه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به من سائر الغرماء". فإنه محمول عندنا على حقيقة اللفظ، وهو أن يكون وجد ملكه في يد غيره وديعة، أو مضاربة، أو نحوها، فيكون أحق به، ولا يجوز أن يحمل على من باع متاعا، فوجده في يد مشتريه وقد أفلس؛ لأن هذا وحج متاع غيره، ولم يجد متاعه. ويحتمل أن يكون معناه: ما روى سمرة بن جندب عن النبي ﷺ انه قال: "من وجد متاعه عند رجل قد اشتراه، فهو أحق به، ويرجع المشتري على البيع بالثمن". فإن قيل: روي في حديث أبي هريرة هذه القصة في البيع. قيل له: إن صح: احتمل أن يكون معناه؛ أن المشتري قبضة بغير إذن البيع وهو مفلس لا يقدر على الثمن، فيكون البيع أولى برده إلى يده حتى يقضي الثمن، أو تباع له دون سائر الغرماء.

стр. 1292

وأيضا: أصل الحديث ما ذكر في الخبر الأول: "من وجد متاعه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به". ومن ذكر البيع من الرواة، فجائز أن يكون حمله على المعني عنده، وترك نقل اللفظ على وجهه، إذا كان من الرواة من يرى نقل المعنى دون اللفظ. وأيضا: يحتمل أن يكون الحديث فيمن اشترى سلعة في مرضه بحضرة الشهود، وقبضها، ثم أقر بدين في مرضه، فيكون صاحب السلعة أولى بها بعد الموت من غرماء المرض الذين أقر لهم. فإن قيل: روي في بعض ألفاظه: "فإن كان قد قبض بعض الثمن، فهو أسوة الغرماء". قيل له: مخالفنا لا يقول بذلك، ولو ثبتت الرواية: لم تدل على أنه من قول النبي ﷺ ، لجواز أن يكون من قول بعض الرواة، أدرجه في الحديث. وعلى أنه قد روي عن النبي ﷺ خلاف ذلك.

стр. 1293

حدثنا محمد بن أبي حفص المدني قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عبيد الله بن إلياس الحافظ قال: حدثنا واقد بن موسى قال: حدثنا عبدة بن سليمان المروزي قال: حدثنا أبو عصمة نوع بن أبي مرين عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أفلس الرجل، فوجد رجل متاعه عنده، فهو بين غرمائه". وحدثنا محمد بن أبي حفص قال: حدثني عبد الله بن إسحاق الأنماطي أبو محمد قال: حدثنا عبيد بن شريك قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا صدقة بن خالد عن عمرو بن قيس عن ابن أبي مليكة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من باع بيعا، فوجده بعينه وقد أفلس الرجل، فهو بين غرمائه". وعلى أنه قد روي في خبر أبي هريرة الذي ذهب إليه مخالنا الفرق بين حال الحياة والموت. وهو ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الجبار الخبائري قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن الزبيدي، -قال أبو داود: وهو محمد بن الوليد أبو الهذيل الحمصي- عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن

стр. 1294

أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به، وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء. قال: فإن كان قضاه من ثمنها شيئا، فما بقي فهو أسوة الغرماء". ففرق في هذا الخبر بين الموت والحياة، وبين أن يكون قبض من ثمنها شيئا، أو لم يكن قبض، ومخالفنا قد تركه وسوى بين حال الموت والحياة. فإن قيل: لما كان ذلك عقد معاوضة، أوجب على كل واحد منهما تسليم ما أوجب ملكه لصاحبه، ثم بطلت ذمة المشتري بالموت، وصارت رقبة معيبة بالإفلاس: أوجب أن يكون للبيع الرجوع في عين المبيع، وفسخ البيع فيه؛ لأن الثمن قد صار معيبا قبل القبض، كما لو حدث بالمبيع عيب قبل القبض، كان للمشتري الخيار في فسخ البيع. وكما لو قلتم في الحوالة: متى مات المحتال عليه مفلسا، كان للمحتال الرجوع على المحيل؛ لأنه شرط في صحة الحوالة سلامة المال الذي أحال به له من جهة المحال عليه، لما لم يسلم له: كان له الرجوع على المحيل، كذلك يلزمكم مثله في البيع إذا أفلس المشتري أو مات. قيل له: أما سؤالك الإفلاس، فساقط على مذهب أبي حنيفة رحمه

стр. 1295

الله؛ لأنه لا يرى الإفلاس شيئا، ولا يوجب به لمحتال الرجوع على المحيل. وأما موت المشتري مفلسا، فمخالف للعيب الحادث بالسلعة قبل القبض؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون موته موجبا لانتقاض البيع، وعود الشيء إلى ملك البيع، لبطلان الذمة التي كان فيها الثمن، كما يبطل البيع بهلاك المبيع قبل القبض، فلما لم يوجب أحد انتقاض البيع بموت المشتري مفلسا، علمنا أن موت المشتري لم يوجب عيبا في الثمن. وأيضا: فإن البيع قد كان ثبت له حق الحبس بنفس العقد، ليكون أحق به بعد الموت من سائر الغرماء، أسقط هذا الحق، فاستوى هو غيره، كالمرتهن إذا رضي برد الرهن على الراهن، يكون وسائر الغرماء فيه سواء، وكذلك مسألة الحوالة، لا يلزم على هذا، من قبل أن البيع قد أسقط حقه الذي أوجبه له العقد بتسليمه، فلا سبيل له إلى فسخه. وأما مسألة الحوالة، فلم يتعلق بها حق أوجبه له العقد فأسقطه، وإنما أحال بالمال على أن يسلم له، ولم يجعل له قبض شيء قد كان حقه متعلقا به، فلما لم يسلم له، رجع بالمال على المحيل. ثم يقال لمخالفنا: فهلا أوجبت الرجوع في الحوالة بموت المحال عليه وإفلاسه، قياسا على البيع، فمن حيث لم يلزم مسألة الحوالة على أصلك في البيع، كذلك لا يلزمنا مسألة البيع على الحوالة، فقد سقط هذا السؤال من هذا الوجه؛ لأن كل سؤال يرجع على سائله من حيث يريد

стр. 1296

إلزامه خصمه، فهو ساقط من أصله. مسألة: [حبس المدين بطلب الغرماء] قال أبو جعفر: (وإن سأل الغرماء القاضي حبس المطلوب بدينهم، وقد ثبت عنده: فعل ذلك به). قال احمد: "روي عن الحسن أن ناسا من أهل الحجاز اقتتلوا، فقتلوا بينهم قتيلا، فبعث إليهم رسول الله ﷺ فحبسهم". "وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة". وقال النبي ﷺ : "مطل الغني ظلم". فإذا استحق الحبس في التهمة، فبالظالم أحرى أن يستحقه. "وحبس النبي ﷺ بني قريظة لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، ثم قتلهم". وروى أبو مجلز "أن النبي ﷺ حبس رجلا أعتق

стр. 1297

شقصا له في مملوك، حتى باع غنيمه له". وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لي الواجد يحل عرضه، وعقوبته". ومعلوم أنه لم يرد الضرب، فثبت انها الحبس. وروي الحبس في الدين عن علي ﵁، وعن جماعة من السلف. مسألة: [بيع مال المدين] قال أبو جعفر: (فإن سألوه بيع ماله، لم يبعه إلا الدراهم بالدنانير، أو الدنانير بالدراهم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يبيع العروض، وكل شيء). لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾.

стр. 1298

وقول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه". ولما "روي أن النبي ﷺ حبس رجلا اعتق شقصا له في عبد حتى باع غنيمه له". ولو جاز أن تباع عليه، لباعها النبي ﷺ ، ولم يجبره على البيع بالحبس. *وما "روي أن النبي ﷺ باع على معاذ ماله": فإن معناه عندنا أنه أمره بالبيع. وجائز أن يقال: باع عليه، إذا أمره بالبيع، كما روي في حديث سويد ابن المقرن، "أنه كانت له جارية، فلطمها أحدهم، فقال في بعض ألفاظ الحديث، فأمرهم النبي ﷺ بعتقها". وفي بعضها: فأعتقها النبي ﷺ "، فأضاف العتق

стр. 1299

إليه، إذ كان بأمره. وكقول الله : ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم﴾، ومعلوم أنه لم يكن يلي ذلك بنفسه، وإنما كان يأمر به. ولا يحتمل حديث غير ما وصفنا، من قبل أن أحدا لا يرى البيع على الغريم، إلا في حال امتناعه من البيع، وقضاء الدين، ولا جائز أن يكون معاذ ممتنعا من قضاء الدين، وبيع ماله مع إلزام النبي ﷺ إياه ذلك، فعلم أن معنى الخبر، أنه أمره بالبيع. *ووجه آخر للمسألة وهو أن نقول: الغريم لما كان جائز التصرف في ماله، ولم يستفد الولاية من ماله، والتصرف فيه من جهة القاضي، وجب ألا يجوز تصرف القاضي عليه بالبيع؛ لأن تصرف الإنسان إنما

стр. 1300

يجوز على غيره إذا كان الغير استفاد جواز تصرفه من جهة أمره، كالصبي المأذون له، والعبد المأذون له، فأما من كان جائز التصرف على نفسه، ولم يستفده من جهة غيره، فهذا لا يجوز تصرف الغير عليه، قياسا على الأحرار البالغين الذين لا حق عليهم لأحد. *وهذا القياس في الدراهم والدنانير، إلا أن أبا حنيفة استحسن فيهما، فأجاز للقاضي بيع أحدهما بالآخر، وذلك لأنهما في كثير من الأحكام كالشيء الواحد، وبهما تقوم المستهلكات، إن شاء بالدراهم، وإن شاء بالدنانير، وأن كل واحد منهما ينوب عن صاحبه في الزكاة. وقد اتفق أصحابنا على أن المضارب يشتري بالعروض ما تشاء بعد موت رب المال، ولو كان في يده دراهم، ورأس المال دنانير: لم يكن له أن يصرفها إلا في رأس المال. * (وأبو يوسف ومحمد يبيعان العروض وغيرها في الدين). لما روي في قصة معاذ. مسألة: [بيع القاضي أموال المطلوب بموته] قال أبو جعفر: (وإن مات المطلوب: باع لهم القاضي جميع ذلك، في قولهم جميعا للغرماء، والعهدة فيه على الغرماء، دون الورثة). وذلك لأن ولاية الميت قد زالت عن نفسه بالموت، فجاز تصرف القاضي عليه، كالصغير، والمعتوه، وسائر من لا ولاية له في ماله. وتكون العهدة على الغرماء؛ لأن البيع وقع لهم، كرجل أمر رجلا
следующие страницы →