← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

إلزامه خصمه، فهو ساقط من أصله. مسألة: [حبس المدين بطلب الغرماء] قال أبو جعفر: (وإن سأل الغرماء القاضي حبس المطلوب بدينهم، وقد ثبت عنده: فعل ذلك به). قال احمد: "روي عن الحسن أن ناسا من أهل الحجاز اقتتلوا، فقتلوا بينهم قتيلا، فبعث إليهم رسول الله ﷺ فحبسهم". "وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة". وقال النبي ﷺ : "مطل الغني ظلم". فإذا استحق الحبس في التهمة، فبالظالم أحرى أن يستحقه. "وحبس النبي ﷺ بني قريظة لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، ثم قتلهم". وروى أبو مجلز "أن النبي ﷺ حبس رجلا أعتق

стр. 1297

شقصا له في مملوك، حتى باع غنيمه له". وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لي الواجد يحل عرضه، وعقوبته". ومعلوم أنه لم يرد الضرب، فثبت انها الحبس. وروي الحبس في الدين عن علي ﵁، وعن جماعة من السلف. مسألة: [بيع مال المدين] قال أبو جعفر: (فإن سألوه بيع ماله، لم يبعه إلا الدراهم بالدنانير، أو الدنانير بالدراهم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يبيع العروض، وكل شيء). لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾.

стр. 1298

وقول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه". ولما "روي أن النبي ﷺ حبس رجلا اعتق شقصا له في عبد حتى باع غنيمه له". ولو جاز أن تباع عليه، لباعها النبي ﷺ ، ولم يجبره على البيع بالحبس. *وما "روي أن النبي ﷺ باع على معاذ ماله": فإن معناه عندنا أنه أمره بالبيع. وجائز أن يقال: باع عليه، إذا أمره بالبيع، كما روي في حديث سويد ابن المقرن، "أنه كانت له جارية، فلطمها أحدهم، فقال في بعض ألفاظ الحديث، فأمرهم النبي ﷺ بعتقها". وفي بعضها: فأعتقها النبي ﷺ "، فأضاف العتق

стр. 1299

إليه، إذ كان بأمره. وكقول الله : ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم﴾، ومعلوم أنه لم يكن يلي ذلك بنفسه، وإنما كان يأمر به. ولا يحتمل حديث غير ما وصفنا، من قبل أن أحدا لا يرى البيع على الغريم، إلا في حال امتناعه من البيع، وقضاء الدين، ولا جائز أن يكون معاذ ممتنعا من قضاء الدين، وبيع ماله مع إلزام النبي ﷺ إياه ذلك، فعلم أن معنى الخبر، أنه أمره بالبيع. *ووجه آخر للمسألة وهو أن نقول: الغريم لما كان جائز التصرف في ماله، ولم يستفد الولاية من ماله، والتصرف فيه من جهة القاضي، وجب ألا يجوز تصرف القاضي عليه بالبيع؛ لأن تصرف الإنسان إنما

стр. 1300

يجوز على غيره إذا كان الغير استفاد جواز تصرفه من جهة أمره، كالصبي المأذون له، والعبد المأذون له، فأما من كان جائز التصرف على نفسه، ولم يستفده من جهة غيره، فهذا لا يجوز تصرف الغير عليه، قياسا على الأحرار البالغين الذين لا حق عليهم لأحد. *وهذا القياس في الدراهم والدنانير، إلا أن أبا حنيفة استحسن فيهما، فأجاز للقاضي بيع أحدهما بالآخر، وذلك لأنهما في كثير من الأحكام كالشيء الواحد، وبهما تقوم المستهلكات، إن شاء بالدراهم، وإن شاء بالدنانير، وأن كل واحد منهما ينوب عن صاحبه في الزكاة. وقد اتفق أصحابنا على أن المضارب يشتري بالعروض ما تشاء بعد موت رب المال، ولو كان في يده دراهم، ورأس المال دنانير: لم يكن له أن يصرفها إلا في رأس المال. * (وأبو يوسف ومحمد يبيعان العروض وغيرها في الدين). لما روي في قصة معاذ. مسألة: [بيع القاضي أموال المطلوب بموته] قال أبو جعفر: (وإن مات المطلوب: باع لهم القاضي جميع ذلك، في قولهم جميعا للغرماء، والعهدة فيه على الغرماء، دون الورثة). وذلك لأن ولاية الميت قد زالت عن نفسه بالموت، فجاز تصرف القاضي عليه، كالصغير، والمعتوه، وسائر من لا ولاية له في ماله. وتكون العهدة على الغرماء؛ لأن البيع وقع لهم، كرجل أمر رجلا

стр. 1301

ببيع عبده، فباعه ثم استحق، فإن ضمان الثمن على الآمر إذا لحقه درك. ولا ضمان على القاضي في ذلك، لأنه تصرف فيه من جهة الحكم، وما تصرف فيه القاضي من طريق الحكم، ولا يلحقه فيه ضمان، لأنه لو لحقه فيه ضمان، لكان خصما فيه، وكونه خصما فيه يمنع جواز حكمه؛ لأن حكمه لا يجوز فيما يكون خصما فيه. مسألة: بالدين الآجل يحل بموت المدين] قال أبو جعفر: (ومن مات وعليه دين إلى أجل: فقد حل دينه). وذلك لأن مال الميت لا يخلو من أن يكون محبوسا على الدين، ممنوعا منه الوارث، أو يكون للوارث تصرف فيه إلى وقت حلول الدين، فإن سلمناه إلى الوارث، كان ذلك خلاف الكتاب؛ لأن الله تعالى جعل الميراث بعد الدين بقوله: ﴿من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ وإن حبسناه على الدين، ومنعناه الورثة، لم يكن في حبسه حق لأحد، والأجل إذا لم يكن حقا لأحد: سقط، فوجب أن يحل الدين.

стр. 1302

فصل: [يطلق المطلوب إذا ثبت فقره، وتجوز ملازمته] قال أبو جعفر: (ومن ثبت عند القاضي عدمه بعد حبسه إياه: أطلقه، ولم يحل بينه وبين غرمائه، وبين لزومه). وإنما قال: يطلقه؛ لأن الحبس عقوبة على منع الدين عند إمكان الأداء، فإذا لم يمكنه الأداء، لم يستحق العقوبة. وأيضا: قال الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، فأمر بإنظاره، لا يجوز للقاضي حبسه، مع أمر الله بإنظاره. *وأيضا: لم يحل بينه وبين لزومه؛ لقول النبي ﷺ : "لصحاب الحق اليد واللسان". فقيل في معنى اليد: أنه اللزوم، واللسان: التقاضي والمطالبة. ويدل عليه قول النبي ﷺ : "من أنظر معسرا، أو وضع عنه: أظله الله في ظل عرشه". فجعل الإنظار إليه، فدل أنه لا يكون منظرا حتى ينظره، وإلا فله

стр. 1303

لزومه، كما له أن لا يضع عنه، ولو لم يكن له لزومه: لكان منظرا. مسألة: [حبس المدين وإن ادعى الإعسار] قال أبو جعفر: (وإذا ادعى الغريم إعسارا، لم يصدق، وحبس). وذلك لأن دخوله في السبب الملزم له الدين اعتراف منه بلزوم أدائه، فلا يصدق على سقوطه بما يدعيه من الإعسار. *لا أبو جعفر: (ثم يسأل القاضي عنه بعد أن يمضي له في حبسه شهر). قال أحمد: روى محمد عنهم شهرين أو ثلاثة، وقال محمد عن نفسه: ما بين أربعة أشهر إلى ستة أشهر، ثم يسأل عنه. *وإنما حبسه بداءا، ولم يسأل عنه؛ لأن في حبسه اختبار حاله في الظاهر في يساره وإعساره، وفى الغالب أنه علمه يظهر في مثل هذه المدة، وتوقيت المدة اجتهاد. وجائز أن يكون له مال مخبوء لا يقف الناس عليه، فإذا حبسه مدة ما، يظهر أمره في العادة، ويلجئه الضجر بالحبس إلى إخراجه. فإذا لم يظهر ذلك، سأل عنه، فإن وقف على أن لا مال له: أطلقه. مسألة: [بيع أموال المدين لقضاء الدين منها] قال: (وإن كانت عليه ديون عاجلة وآجلة، فأمره القاضي ببيع ماله، فإنه يقضي أصحاب الديون العاجلة ديونهم، فإذا حلت الديون الآجلة:

стр. 1304

دخلوا مع الذين اقتضوا ديونهم، فحاصصوهم). وذلك لأنه ليس لأصحاب الديون الآجلة حق القبض في الحال، فيسلم المال إلى أصحاب العاجل، فإذا حل الأجل: شاركوهم، من قبل أن ديونهم كانت ثابتة وقت القضاء، وإنما كانت المطالبة بالقبض متأخرة، فإذا صحت المطالبة: ساووهم. قال أبو بكر أحمد: وهذا قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنهما يريان أثبات حق الغرماء في عين مال المطلوب بالإفلاس والحجر. وأما على مذهب أبي حنيفة: فلا يدخل أصحاب الديون المؤجلة، مع من قبض دينه على ذلك. مسألة: [إقرار المدين المحبوس بدين لغرماء آخرين] قال أبو جعفر: (ومن حبس بدين عليه لقوم، ثم أقر بدين لقوم آخرين، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف كانا يقولان في ذلك: إقراره جائز، يشارك من أقر لهم أصحاب الديون الأولى). مسألة: [الحجر على المدين المحبوس] قال: (وإن سأل الغرماء الأولون القاضي- قبل إقرار غريمهم لغيرهم بدين- الحجر على الغريم، ومنعه الإقرار لغيرهم: لم يجبهم إلى ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يجيبهم إلى ذلك، ويحجر على المطلوب، ويمنعه من الإقرار لغيرهم، ومن صرف ماله في هبة، أو صدقة، حتى يبرأ من الديون

стр. 1305

التي حبسه فيها). قال أحمد: أبو يوسف مع محمد، وذلك مشهور من قوله، وأبو حنيفة وحده. وجه قول أبي حنيفة ﵀ في إبطال الحجر على الحر: أن الحر البالغ لم يستفد التصرف قبل الدين من جهة الغرماء، ولا من جهة القاضي، لا يجوز حجره؛ لأن الحجر إنما يجوز من جهة من استفيد التصرف من جهته، كحجر المولى على العبد، والأب من ابنه الصغير، ونحوه. وأيضا: فإن الغريم يلزمه بإقراره حقوق الله التي تسقطها الشبهة، وهي الحدود، فلأن حقوق العباد أولى، إذ لزمه ما سقط بالشبهة، فما لا يسقط بالشبهة أولى باللزوم، كسائر الأحرار البالغين من أهل التكليف. فإن قيل: العبد المحجور عليه تلزمه الحدود بإقراره، ولا يلزمه المال. قيل له: يلزمه ما يقر به من المال في ذمته، وإنما لا نجيز إقراره على المولى، لأنا لو أجزناه، أجزناه في ملك غيره، ولا يجوز إقراره في ملك الغير، وإنما يجوز على نفسه، ألا ترى أنه إذا أعتق، أخذ به. فإن قيل: المريض يجوز إقراره بالحدود، ولا يجوز إقراره في ماله مع غرماء الصحة، لأجل حقهم. قيل له: من قبل أن تصرفه في المال معتبر به حال الموت.

стр. 1306

والدليل على ذلك: أن هبته من الثلث، وإن لم يكن عليه دين، فصار إقراره في الحكم كأنه واقع في الحال التي لا يجوز تصرفه في المال، وهي حال الموت، وفي تلك الحال لا يصح منه إقرار بالحدود، ولا غيرها، فلم تلزم على الغريم. وجعله أبو يوسف ومحمد بعد حجر القاضي، بمنزلة مريض عليه دين في الصحة. مسألة: [النفقة من مال المحبوس على من يجب عليه الإنفاق عليه] قال أبو جعفر: (وينفق في قول محمد من مال المحجور عليه المحبوس على من يجب عليه الإنفاق عليه). وذلك لأن وجوبها لم يتعلق بقوله، فهي كنفقته على نفسه. مسألة: [ليس لغريم مدين بدين آجل منعه من السفر] قال: (ومن وجب عليه حق إلى أجل، كان له السفر قبل حلوله، وليس لغريمه منعه). لأنه ليس له حق المطالبة في الحال، وليس له لزومه ولا حبسه، فلا سبيل له إلى منعه. *****

стр. 1307

كتاب الحجر مسألة: قال أبو جعفر: (وإذا بلغ الغلام رشيدا: دفع إليه ماله). وذلك لقول الله : ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾. *قال: (وكذلك الجارية وإن لم تتزوج). وذلك لأن عموم اللفظ ينتظمهما. مسألة: [السن التي يدفع فيها المال إلى اليتيم] قال: (وإن بلغ واحد منهما غير رشيد، فإنا أبا حنيفة قال: لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا كملها دفع إليه ماله، ولم ينظر إلى رشده بعد أن يكون صحيحا في عقله. وفي قول أبي يوسف: إذا لم يكن رشيدا: حجر عليه في ماله، فكان بمنزلة الصغير، إلا في التزويج، فإنه يجوز بمهر المثل، ويجوز عتقه عنده، ويسعى العبد في قيمته، فيكون ذلك حاله حتى يؤنس منه الرشد، والرشد عنده: الصلاح في المال، فإذا ثبت ذلك أطلق عنه الحجر، وخلي

стр. 1308

بينه وبين ماله. وقال محمد: إذا كان غير رشيد، كان محجورا عليه، حجر عليه القاضي، أو لم يحجر، فإن عاد رشيدا زال عنه الحجر، أطلق عنه القاضي أو لم يطلق. وقوله في الترويج كقوله أبي يوسف، وكذلك العتق، ثم رجع فقال: لا سعي على العبد المعتق). قال أحمد: أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يرى الحجر على الحر البالغ المكلف بحال. وأبو يوسف ومحمد يريان عليه من وجهين: أحدهما: الدين والإفلاس، ولا خلاف بينهما انه لا يصير محجورا عليه في ذلك إلا بحجر الحاكم. والآخر: الحجر من جهة السفه، وتبذير المال. واختلفا في حال وقوع الحجر، فقال أبو يوسف: لا يكون محجورا عليه إلا بحكم الحاكم؛ لأن الحجر مختلف فيه، ولا يثبت أو يحكم به الحاكم. وقال محمد: يصير محجورا عليه بنفس السفه، بمنزلة المريض يصير محجورا عليه في ماله بالمرض، من غير حكم الحاكم. وأما حجر التفليس، لا يثبت إلا بحكم الحاكم في قولهما جميعا؛ لأنه لا يعلم إفلاسه ولا يوقف عليه إلا بعد حبسه، واستبراء حاله زمانا،

стр. 1309

وذلك لا يحصل إلا بحكم الحاكم. *قال أحمد: وأبو حنيفة ﵀ يرى جواز إقراره وبيعه وتصرفه بعد البلوغ، وإن لم يدفع ماله إليه إلا بعد ما يصير له خمسا وعشرين سنة. والحجة لأبي حنيفة في بطلان الحجر على الحر لأجل السفه: قول الله : ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى﴾ فأثبت عليه حكم سعيه، وهو عام في جميع تصرفه وأفعاله. ويدل على صحة قوله: قول الله : ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾، ثم قال: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾. فأجاز مداينة السفيه والضعيف اللذين لا يقومان بضبط الإملاء، ولو كان السفه والضعف عن معرفة التجارة، وحفظ المال موجبا للحجر، لما جازت مداينتهما، ولكانا فيه بمنزلة الصبي والمجنون. فلما أجاز الله تعالى مداينتهما، مع وصفه لهما بالضعف والسفه، دل على أن الضعف والسفه عن حفظ المال، ليس بعلة في إيجاب الحجر. وقوله : ﴿ضعيفا﴾: عموم في جميع السفهاء المبذرين، والعاجزين عن حفظ المال. فإن قيل: قوله: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾: يدل على الحجر؛ لأنه أجاز

стр. 1310

إملاء الولي عليه بالعدل. قيل له: ولم زعمت أنه أراد ولي السفيه، دون أن يكون المراد ولي الحق، وهو بذلك أولى؛ لأن الذي تجوز مداينته من الأحرار البالغين، لا يجوز تصرف أحد عليه. ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، فأباح أكل المال بتجارة عن تراض، وهو عموم في السفيه وغيره. ويدل عليه من جهة السنة: قوله ﵊: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه". فأباحه لغيره بطيبة من نفسه، فانتظم ذلك السفيه وغيره. ويدل عليه أيضا: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأزري وأبو ثور المفتي قالا: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرني سعيد عن قتادة عن أنس "أن رجلا على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع، وفي عقدته ضعف، فأتى أهله نبي الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! احجر على فلان، فإنه يبتاع، وفي عقدته ضعف، فداع النبي ﷺ ، فنهاه عن البيع، فقال: يا نبي الله! لا أصبر عن البيع، فقال رسول الله صلى الله عليه

стр. 1311

وسلم: إن كنت غير تارك البيع فقل: هاء وهاء، ولا خلابة". فهذا الحديث يدل على بطلان الحجر على السفيه؛ لأن السفه لو كان موجبا للحجر، لما أطلق له النبي ﷺ البيع حين قال الذي في عقدته ضعف: "لا أصبر عن البيع". ألا ترى أن سائر من يستحق الحجر، نحو الصبي، والمجنون لا يزول الحجر عنهم بأن لا يصبروا عن البيع، فثبت بذلك بطلان القول بالحجر، وأن نهي النبي ﷺ إياه عن البيع، لم يكن على وجه الحجر، وإنما كان على جهة النظر له. وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر "أن رجلا كان يخدع في البيع، فقال له النبي ﷺ : إذا بعت فقل: لا خلابة". فكان يقول ذلك إذا بايع، فلم يحجر عليه النبي ﵊، مع علمه بعجزه عن دفع الخيانة عن ماله، وقال له: أشرط: لا

стр. 1312

خلابة، فدل على أن السفه والضعف عن حفظ المال لا يوجبان حجرا عليه. وقد روي في قصة منقذ بن عمرو مثل ذلك، رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان "أن منقذ بن عمرو أصابته آمة في رأسه، فكسر لسانه، وغاب عنه عقله، وكان لا يدع مع ذلك التجارة، وكان يغبن، فكان إذا باع بيعا يقول: أنا بالخيار: إن رضيت أخذت، وإن سخطت رددت، فإن رسول الله ﷺ كان جعلني بالخيار ثلاثا". ويدل على بطلان الحجر من جهة النظر: ما استدللنا به فيما سلف من جواز إقراره بالحدود، وإيقاع طلاقه، وذلك يدل على نفي الحجر، ولزوم أحكام أقواله، كسائر الأحرار البالغين. وقد روي نحو قول أبي حنيفة في نفي الحجر عن إبراهيم، ومحمد

стр. 1313

بن سيرين. *وأما أبو يوسف ومحمد، فأجازا من عقوده: النكاح، والعتق، والطلاق، لأن جد ذلك وهزله سواء، إلا أن الزيادة على مهر المثل الذي هو قيمة البضع لا تلزمه؛ لأن هذه الزيادة هو متبرع بها، إذ ليس بإزالتها شيء، كالمريض إذا تزوج بأكثر من مهر المثل، وكذلك العبد يسعى في قيمته، كالمريض إذا عتق، وعليه دين. فصل: وأما منع ماله قبل الخمس والعشرين سنة، ودفعه إليه بعدها، فإن أبا حنيفة ذهب فيه إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾. فلو خلينا وموجب اللفظ، لمنعتاه المال أبدا حتى يؤنس منه رشده، فلما قال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾، وكانت؛ حتى: غاية يقتضي أن يكون حكم ما بعدها بخلاف الذي يكون قبلها، تضمنت الآية وجوب دفع المال إليه، والامتناع من قربه عند بلوغ أشده، فكان ذلك مجموعا إلى الآية التي فيها ذكر إيناس الرشد، فصار تقديرهما بمجموعهما كأنه قال: فإن آنستم منهم رشدا، وبلغوا أشدهم،

стр. 1314

فادفعوا إليهم أموالهم. فاقتضت الآيتان بمجموعهما حكمين: أحدهما: منعه المال قبل بلوغ الأشد إذا لم يؤنس منه رشد. والثاني: دفع المال إليه بعد بلوغ الأشد، وإن لم يؤنس منه رشد. ثم الكلام في معني بلوغ الأشد، ومعرفة مقداره مسألة أخرى غيرها، وسنذكرها بعد الفراغ من هذا الفصل. وليس في منعه المال حجر عليه، إذ قد يجوز أن يمنع الإنسان من ماله لأسباب توجبه، ولا يوجب ذلك أن يكون محجورا عليه، مثل الرهن ممنوع من الرهن، والمؤاجر ممنوع مما آجر، وليسا محجورا عليهما. *وأما القول في المقدار الذي إذا بلغه الإنسان كان بالغا أشده، فإن طريقه الاجتهاد، وعليه الرأي، ولا سبيل لنا فيما كان سبيله ما وصفنا من المقادير إلا الاجتهاد، أو التوقيف، وذلك لأنه فصل بين حد الكبر وحال الحداثة. ولا يتوجه على القائل بشيء منه سؤال، كتقويم المستهلكات، ونفقات الزوجات، ونحوها من المقادير التي طريقها الاجتهاد إذا عدمنا فيها التوقيف، ولا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق القياس، ولا يمكن إقامة الدليل عليه إذا كان طريقها الاجتهاد، إلا أنه وإن كان حاله ما وصفنا، فلا بد من ذكر جهة تغلب في النفس إثبات هذا المقدار بعينه دون غيره من المقادير، فنقول:

стр. 1315

إنه قد قيل في بلوغ الأشد: إنه ثماني عشر سنة، وقيل: اثنتان وعشرون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة. وقال الله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة﴾، فلما اتفق الجميع على سقوط اعتبار الأربعين سنة في جواز دفع المال إليه، لم يعتبرها، وبقي الكلام فيما عداها من المقادير التي ذكرنا، فكان عنده أن من بلغ خمسا وعشرين سنة فقد بلغ هذا الحد، وخرج من حد الحداثة إلى حد الكبر. وذلك لان مثله قد يكون جدا؛ لأن أقل بلوغ الرجال في اثني عشر سنة، وأقل الحمل ستة أشهر، فقد يولد له وله اثنا عشر سنة ونصف، ثم يولد لولده مثل ذلك المقدار، فيكون هذا جدا في خمس وعشرين سنة، ومحال أن يكون جدا وهو في سن حد الصغر والحداثة، فلذلك كان اعتبار الخمس والعشرين أولى في دخوله في حد الكبر، وبلوغ الأشد، وبالله التوفيق. *****

стр. 1316

كتاب الصلح مسألة: [وجوه الصلح] قال أبو جعفر: (والصلح جائز على الإقرار، وعلى الإنكار، وعلى السكوت الذي لا إقرار معه ولا إنكار). الدليل على جواز الصلح على الإنكار: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾، والصلح عقد، فلزمه الوفاء به، لعموم اللفظ. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، وعقد الصلح تجارة واقعة عن تراض. وقال الله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، وعمومه يقتضي جواز الجميع؛ لأنه كلام قائم بنفسه، غير مفتقر إلى ما قبله. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال: حدثنا مروان قال: حدثنا كثير بن

стр. 1317

عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال لبلال بن الحارث: "أعلم أن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا". وهذا الخبر يدل على جواز الصلح على الإنكار من وجهين: أحدهما: قوله: "الصلح جائز إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا"، ولم يثبت ها هنا ما يوجب التحريم، فهو على الجواز. والثاني: قوله: "المسلمون على شروطهم"، والصلح شرط، فلزمه الوفاء به حتى يثبت التحريم. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن نصر بن منصور قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين". وظاهره يقتضي جواز الصلح في حال الإنكار، والإقرار.

стр. 1318

وأيضا: فإن كل متعاقدين دخلا في عقد، فدخولهما فيه اعتراف منهما بجوازه. والدليل عليه: أالمتبايعين، والمتعاقدين عقد نكاح، متى ادعى احدهما فسادا في العقد، لم يصدق عليه، وكان القول قول مدعي الصحة منهما. فإذا كان كذلك، وجب أن لا يمنع تقدم الإنكار من صحة عقد الصلح بعده، كما لا يمنع صحة إقراره لو أقر له بالحق، إذ كان دخوله معه في عقد الصلح: اعترافا بجواز الصلح له. مسألة: [الصلح على عبد، فاستحق] قال أبو جعفر: (وإذا ادعى رجل دارا في يد رجل، فصالحه منها على عبد، فاستحق العبد: رجع المدعي على دعواه). وذلك لأن العبد لم يسلم له، وهو فإنما أبرأ من الدعوى على شرط سلامة العبد له، كالبيع فمتى لم يسلم له البدل، رجع في دعواه. فإن كان المدعى عليه صالحه على إقرار منه: كان ذلك بيعا، فإذا استحق العبد: أخذ الدار. وإن كان على غير إقرار: رجع المدعي على دعواه، كما كان قبل الصلح؛ لأنه أبرأ من الدعوى على شرط سلامة العبد له، فإذا لم يسلم له، عاد فى الدعوى. فإن قيل: إن كان دخوله في عقد الصلح اعترافا منه بجوازه، فهلا

стр. 1319

جعلت له الرجوع في المدعى بعينه عند استحقاق البدل، كما لو أقر به، قيل له: لم نقل إن دخوله معه في عقد الصلح اعتراف منه بأن الشيء للمدعي، وإنما قلنا هو اعتراف بجواز العقد، وقد يجوز العقد وإن لم يكن الشيء له، بأن يدخل معه في الصلح افتداء من اليمين، وإسقاطا للخصومة. فصل: [وجوه الصلح على الإنكار] قال أحمد: الصلح على الإنكار من الاموال على أربعة أوجه: ١ - صلح من معلوم على معلوم، فيجوز. ٢ - وصلح من مجهول على معلوم، فيجوز أيضا. ٣ - وصلح من معلوم على مجهول، فلا يجوز. ٤ - وصلح من مجهول على مجهول، فلا يجوز. وهذه الجملة ينتظمها حرفان: أن الصلح من المجهول جائز، وعلى المجهول غير جائز، وما يأخذه الدعي بعقد الصلح فهو محمول على أحكام البيع أن كان مالا، وإن كان منافع فعلى أحكام الإجارة. وما حصل للمدعى عليه إذا كان منكرا لحق المدعي، فهو في حكم المبرأ منه، ومن أجل ذلك جاز من المجهول. والدليل على ان المصالح عنه في حكم المبرأ منه: أن الصلح إنما هو إبراء وإسقاط. والدليل عليه: أنه لو صالحه من ألف درهم له عليه، على خمس مائة: جاز. وقد وردت به السنة عن النبي ﷺ في قصة كعب بن

стр. 1320

مالك حين لزم غريما له في المسجد، فقال له النبي ﷺ : "خذ النصف، فرضي بذلك". فثبت به جواز الصلح من الألف على خمس مائة، ولو لم يقع ذلك على جهة البراءة: لما جاز؛ لأنه كان يكون بيع ألف بخمس مائة. ومن الدليل على أنه براءة: أنا وجدنا عقد الصلح مخصوصا بهذا الاسم، دون غيره من العقود، فدل اختصاصه بهذا الاسم على أنه اختص به، لمعنى فارق به سائر العقود، وهو معنى البراءة. وإذا ثبت أنه براءة، جاز من المجهول؛ لأن البراءة من المجاهيل جائزة، لما بينا في غير هذا الموضع. ويدل عليه أيضا: ما روي "أن النبي ﷺ بعث عليا ﵇ إلى بني جذيمة حين قتل خالد بن الوليد من قتل منهم، ودفع إليه مالا، وأمره أن يدي لهم قتلاهم، وما استهلك من أموالهم، قال: فودى لهم كل ما أخذ منهم حتى ميلغة الكلب، وبقيت في يده بقين من مال، فقال أعطيكم هذا مما لا تعلمونه، ولا يعلمه رسول الله ﷺ . ثم جاء فأخبر النبي ﵊، فسر به النبي ﷺ ، وقال: ما يسرني بها حمر النعم".

стр. 1321

فأجاز النبي ﷺ دفعه بقية المال إليهم عن المجهول الذي لا يعلمونه. *وأما الصلح على المجهول: فغير جائز، من قبل أن حكم المصالح عليه حكم البيع إن كان مالا، وحكم الإجارة إن كان منافع، ولا يجوز ذلك إلا على معلوم. وأيضا: فلأن المصالح عليه يقتضي العقد تسليمه إلى المدعي، فلا يصح في مجهول، لتعذر تسليمه. وبهذا المعني أيضا فارق المصالح عنه؛ لأنه في يد المدعى عليه لا يحتاج إلى تسليم. وأيضا: فإن المدعي معترف بأن ما أخذه على وجه البدل، فهو محمول على أحكام عقود المعاوضات، ولهذا المعنى قالوا: إذا وقع الصلح على دار، كان للشفيع فيها الشفعة، لإقرار المدعي بأنه أخذها ببدل، ولو صالح من دراهم ادعاها على دنانير، لم يفارقه حتى يقبض؛ لأن حكم المصالح عليه حكم عقد الصرف. ولو كانت الدراهم هي المدعاة، فجحد الذي في يديه، ثم صالحه على عبد أو دار: لم يكن للشفيع فيها شفعة؛ لأن الدار غير مبيعة في الحكم، وإنما هي مبرأ منها، لما بينا أن المصالح عنه مبرأ منه.

стр. 1322

مسألة: [الصلح على خدمة عبد مدة معينه، ثم موته قبل تمامها] قال أبو جعفر: (ولو ادعى دارا في يد رجل، فصالحه منها على خدمة عبد له سنة، فخدمة بعض السنة، ثم مات العبد: رجع المدعي بمقدار ما بقي من الخدمة فيما قابله من الدار، على ما بينا في حكم الإقرار والإنكار. وكذلك لو مات المصالح او المصالح، وهو في حكم الإجارات). قال أحمد: قد بينا فيما تقدم أن المصالح عليه مأخوذ على وجه البدل، فإن كانت منافع: فهي إجارة، وإن كان مالا: فهو بيع. قال أحمد: وقد ذكر محمد هذه المسألة، ولم يذكر فيها خلافا، وذكرها أبو الحسن أيضا في المختصر، ولم يذكر فيها خلافا. وقال محمد في كتاب الصلح: لو صالحه على خدمة عبد له سنة، فقتل العبد خطأ، فأخذ قيمته: فإن صاحب الخدمة بالخير: إن شاء اشترى له بها عبدا، فخدمه، وإن شاء ترك ذلك، وكان على حقه في قول أبي يوسف، وفي قول محمد قد انتقض الصلح، ويعود على دعواه. وقال محمد أيضا في كتاب الصلح: ولو ادعى في دار في يدي رجل حقا، فأنكره، فصالحه من ذلك على سكنى بيت منها معلوم سنين مسماة: فإن ذلك جائز. فإن مات صاحب السكنى: كان ما في يده من السكنى لو ورثته.

стр. 1323

وكذلك لو مات صاحب الدار، وبقي صاحب السكنى: فإن السكنى لصاحبه على حاله. ولا يشبه الصلح في هذا الإجارة في قول أبي يوسف. وقال محمد: يبطل ما بقي من السكنى، ويرجع المدعي على دعواه بقدر ما بطل من السكنى. فذكر الخلاف في هاتين المسألتين، ولم يذكره في المسألة الأولى. وينبغي في قول أبي يوسف أن تكون مسألة السكنى، وخدمة العبد سواء، في أن موت أحدهما لا يبطله، كما لم يبطله بقتل العبد إذا أخذ قيمته. ومن شيوخنا من كاف يفرق بين مسألة خدمة العبد، وبين مسألة السكنى في موت أحدهما، بأن في مسألة السكنى ادعاء حق في الدار، فصالحه على سكنى بيت منها، فالمدعي زعم أنه أخذ السكنى لا على جهة العوض من الحق المدعى في الدار؛ لأن حقه الذي ادعاه لا يخلو من أن يكون سكنى، فيكون ساكنا في حقه، فينتقل إلى ورثته، وإن كان حقه بعض الدار، فله أيضا حق السكنى، فلذلك حمل الأمر على ما وصفنا. وفي مسألة الخدمة أخذها عن عوض في قوله. قال أحمد: والصحيح عندي أنهما سواء، وأنه لا يبطل على قول أبي يوسف؛ لأنه قد نقل حق الخدمة إلى القيمة عند القتل، ولم يبطلها قتله، كما يبطل الإجازة. وقد سمعت أبا الحسن يقول في مسألة ذكرها محمد بعد ذلك فقال: لو أعتق صاحب الصلح العبد: جاز عتقه، وكان المدعي على حقه: أنه قول محمد عندي.

стр. 1324

قال أبو الحسن: ويجيء في قول أبي يوسف أن يضمن المعتق قيمة عبد الخدمة. ألا ترى أن قاتل عبد الرهن، تؤخذ منه القيمة، فتكون رهنا مكانه، كما قال أبو يوسف في العبد المصالح على خدمته سنة إذا قتل، فأخذ قيمته. *وكان أبو الحسن ﵀ يحتج قول أبي يوسف في مسألة العبد المصالح على خدمته إذا قتل: أنه أجراه في هذا الوجه مجرى الوصية بالخدمة، من قبل أنه لم يثبت عن هذه الخدمة للمدعى عليه بدل في الظاهر، فكأنها خدمة يستحقها بنفسها، كالعبد الموصى بخدمته. قال: ويدل على أن المدعى عليه لم يحصل له عنها بدل: أنه لو صالحه من دعواه على عبد، لم يجب للشفيع الشفعة في الدار المدعاة. وعلى هذا المعني أجرى أبو الحسن مسألة الصلح على سكنى بيت منها. فإن قال قائل: الوصية بالسكنى لا تنتقل إلى ورثة الموصى له، فإن كان الصلح بمنزلة الوصية، فالواجب أن يبطل بالموت. قيل له: ليس يمتنع أن نجعله بمنزلة الوصية من وجه، وإن اختلفا من وجه آخر، فأما وجهة اشتباههما فهي أن هذه خدمة، أو سكنى مستحقة بنفسها، فلا يبطلها قتل العبد، ولا موت أحدهما. ويختلفان من جهة أن هذا لا يبطله موت المدعي. ويفصل بينهما: بأن الموصي إنما أوصى بالخدمة لهذا، فإذا مات بطلت الوصية، لاستحالة وجود الخدمة الموصى بها، فلم يكن هناك بعد موته وصية تنتقل إلى الوارث.

стр. 1325

وفي مسألتنا استحق الخدمة والسكنى بالعقد، فجاز أن تنتقل. إلا ترى أن الموصى له بالخدمة، ليس له أن يؤاجر العبد؛ لأنه لم يرض بالخدمة لغيره، وها هنا قد أثبت له حقا استحقه عليه بعقد الصلح، فيثبت ذلك لورثته. فإن قيل: فهذا إذا يكون خارجا عن الأصلين جميعا: الإجارة والوصية، لأن موت المستأجر، والموصى له، يبطل الإجارة والوصية. قيل له: لا يمتنع إذا أخذ الشبه من أصلين، أن يكون خارجا عنهما في بعض أحكامه، وإنما يشبه أحدهما في بعض أحكامه، والآخر في حكم آخر غيره. ألا ترى أن الهبة على عوض، لها حكم البيع من وجه، وحكم الهبة من وجه آخر، وهو مع ذلك خارج عنهما جميعا. مسألة: [ادعاء كل من الجارين الجدار الحاجز بينهما] قال أبو جعفر: (وإذا كان الجدار حاجزا بين دارين، فادعاه كل واحد من صاحبي الدارين، فإن كان الجدار داخلا في ترابيع بناء إحدى الدارين دون بناء الأخرى: فهو لصاحبها دون صاحب الأخرى. وإن لم يكن داخلا في ترابيع بناء واحدة من الدارين، وكان مرتبطا ببناء إحدى الدارين: كان لصاحبها. فإن لم يكن شيء من ذلك، وكان عليه حمولة خشب لإحداهما: فهو لصاحبها دون الآخر.

стр. 1326

فإن كان متصلا ببناء إحداهما بتربيع، وللآخر عليه حمولة: فالحائط لصاحب التربيع، ويترك خشب الآخر بحاله). قال أحمد: الأصل في ذلك أن اليدين إذا اجتمعتا لرجلين في شيء، فإنما يستحقه آكدهما يدا، وأظهرهما تصرفا. والدليل على ذلك: أن رجلا لو كان راكب دابة، وآخر متعلق بلجامها: أن الراكب أولى بها، وإن كان الممسك باللجام له يد لو انفرد بها: لحكم له باليد فيها، إلا أن الركوب لما كان آكد في باب ثبوت اليد، كان صاحبه أولى. فقلنا على هذا، إن صاحب التربيع أولى من صاحب الاتصال بلا تربيع؛ لأن التربيع: أن يكون الحائط المتنازع فيه يداخل آخره آخر بناء الحائط الآخر، وذلك الحائط يداخل مالكه من جوانب البيت الأربعة، فيكون حينئذ بمنزلة الأزج، والبيت واحد، فيستحقه صاحبه. وكذا كان يقول أبو الحسن في معني اتصال التربيع. *وأما اتصال غير التربيع: فهو أن يداخل آخر الحائط المتنازع فيه آخر الحائط الأخر، ولا يكون لذلك الحائط اتصال بسائر حيطان البيت، أو الدار على نحو ما ذكرنا، فتكون حينئذ يد صاحب التربيع أظهر وأكد، هو أولى. فإن كان لأحدهما اتصال بغير تربيع، وليس للآخر اتصال ولا حمل:

стр. 1327

فصاحب الاتصال أولى؛ لأن له ضربا من اليد لم يشاركه الآخر فيه، فكان أولى. *وإن كان لأحدهما عليه خشب، وللآخر اتصال بتربيع: حكم بالحائط لصاحب الاتصال، من جهة يده؛ لأن الاتصال متقدم يحمل الخشب. ولا ينزع خشب الآخر؛ لأن هذا يجوز أن يكون حقا له، ألا ترى أنه قد يجوز وقوع القسمة في الابتداء على أن يكون الحائط لأحدهما، والخشب الذي عليه لآخر: يترك على حاله، وبمنزلة السفل والعلو. ولأنه لا يجوز أن يستحق على الغير بالظاهر؛ لأن الظاهر إنما يدفع به، ولا يستحق به. وليس الاتصال في هذا كقيام البينة، لو قامت البينة لأحدهما، وللآخر عليه خشب: أمر بنزع الخشب؛ لأنه استحق ملك الحائط بالبينة، والبينة يستحق بها على الغير، فأمر الآخر برفع الخشب إلا أن يقيم البينة أنه يستحق تركها بحق يوجبه له. وأما صاحب اتصال التربيع، فإنما حكم له به من جهة ظهور يده، لا من طريق الاستحقاق، والظاهر لا يستحق به على الغير، ولصاحب الخشب أيضا يد ظاهرة، كيد صاحب العلو، فلذلك لم يؤمر برفع الخشب. والمحكوم له بذلك يستحلف إن طلب الآخر يمينه؛ لأنه مدعى عليه، كما يستحلف صاحب اليد، لقول النبي ﷺ :

стр. 1328

"اليمين على المدعى عليه". فإن نكل عن اليمين: قضي به عليه للمدعي؛ لأن النكول عندنا يستحق به. مسألة: قال أبو جعفر: (وإذا كان لرجل سفل، ولآخر عليه علو، فسقطا جميعا: لم يجبر أحدهما على البناء إذا أبى، وقيل لصاحب العلو: إن شئت فابن سفله، وابن عليه العلو الذي كان لك عليه، وامنع صاحب السفل من سفله حتى يؤدي إليك ما أنفقته عليه). وإنما لم يجبر واحد منهما على البناء إذا أباه؛ لأنه لم يتعد في طرحه، ولا يجبر على بناء ملكه لأجل صاحبه. ولصاحب العلو أن يبنى؛ لأنه لا يصل إلى حقه إلا بالبناء، فإذا بنى كان له منع صاحب السفل من السكنى حتى يعطيه قيمة البناء؛ لأن البناء ملك لصاحب العلو، فله أن يمنع صاحب السفل الانتفاع بملكه حتى يعطيه قيمته؛ لأنه لا يجوز أن نملكه إياه بغير بدل. والذي ذكره أبو جعفر من أنه يرد عليه النفقة، ليس بسديد، إلا أن تكون النفقة مثل قيمة البناء؛ لأنا نحتاج أن نملكه هذا البناء في الحال،

стр. 1329

فتعتبر قيمته وقت التمليك. مسألة: [انتفاع الرجل بجناح مده من بيته على الطريق] قال أبو جعفر: (وإذا أشرع الرجل جناحا على طريق نافذ، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: له الانتفاع به ما لم يمنعه من ذلك أحد، أو خاصمه فيه، فإن منعه أحد أو خاصمه فيه: لم يسعه الانتفاع به، وكان عليه نزعه. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان ذلك مما لا ضرر فيه: لم يكن لأحد منعه، وكان له الانتفاع به). وجه قول أبي حنيفة: أن حق كافة المسلمين ثابت في الموضع، إلا أن له الانتفاع به ما لم يمنع منه، كما له أن يقعد في الطريق، وينتفع بفنائه ما لم يؤذ به أحدا. فإن خاصمه فيه أحد: كان عليه نزعه؛ لأن كل أحد خصم في ذلك، إذ كل الناس متساوون في ثبوت الحق في الموضع. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا لم يضر أحدا: فله أن ينتفع به، إذ ليس فيه إبطال حق أحد. وهذا كما قال أبو حنيفة في أرض الموات، أن المحيي لها لا يملكها إلا بإذن الإمام في قول أبي حنيفة، لتساوي الكافة في الحق في الموضع. وفي قولهما: يملكها المحيي لها: أذن الإمام، أو لم يأذن، إذ ليس فيه إبطال حق أحد. *قال أحمد: قال محمد في كتاب الصلح: ولو كان لرجل ظلة،

стр. 1330

أو كنيف شارع على طريق نافذ، فخاصمه رجل فيه، وأراد طرحه، فصالحه من ذلك على درهم: كان الصلح باطلا، ويخاصمه في طرحه متى شاء. ووجه ذلك: أن الطريق النافذ حق لجماعة المسلمين، ولا يجوز لأحد منهم تمليكه؛ لأنه ليس بحق صحيح يصح تمليكه، ولا يورث، ولا تؤخذ عنه الأعواض، فلا يجوز أخد المال على تركه. وله أن يخاصمه متى شاء؛ لأن حقه في الخصومة لم يسقط، إذ لم يصح إسقاطه. *قال محمد: وإن كان على طريق غير نافذ، فصالحه على دراهم مسماة: كان الصلح جائزا. قال أحمد: كان أبو الحسن يقول: قد حصل محمد هذه المسألة في غير هذا الموضع، فقال: إن كان الطريق ملكا لهم، وكان أصله دارا، أو أرضا بينهم, فبنوها حجرا، أو رفعوا بينهم طريقا: فإن الصلح جائز، من قبل أنهم مالكون، يورث عن كل واحد منهم ملكه إذا مات، ويجوز تمليكه، كدار بين رجلين. قال وإن كانت هذه السكة اختطت في الأصل هكذا: لم يجز الصلح؛ لأنها ليست بملك لهم، ولو احتاج المسلمون إلى هذه السكة لزحمة، أو غيرها، لتساووا فيها.

стр. 1331

* قال محمد في كتاب الصلح: ولو صالحه على مائة درهم على أن يطرح الظلة عن هذا الطريق: كان ذلك جائزا؛ لأن في هذا منعة لأهل الطريق. وكان أبو الحسن يقول: يعنى محمد: أن صاحب الظلة هو الذي أخد المال على طرحه. وإنما أجاز ذلك؛ لأن له في هذا لموضع حقا، فإذا أسقط حقه من ذلك بعوض أخذه على أن يطرحه، جاز ذلك. فإن قيل: فالباني للظلة عليه طرحها، فكيف يجوز له أخذ العوض على ما عليه قلعه؟ أرأيت لو بنى أحد الشريكين في دار بينهما بغير أمر شريكه، هل يجوز له أخذ العوض على رفع بنائه؟ قيل له: لا يجوز ذلك في الدار، ويجوز في السكة التي ليست بنافذة، التي لا تملك لواحد منهم فيها إلا حق الانتفاع، إذ لا تصح قسمتها بينهم، وهي كفناء خاص لهم، دون غيرهم من الناس، فلو ربط فيها أحدهم دابة، لم يكن لصاحبة منعه، فلما كان له حق الانتفاع به من هذا الوجه، جاز صلحه على طرحه، على أن يأخذ الباني دراهم، إذ كان بذلك تاركا لحقه، والحق المتروك بمنزلة ما هو ملك له خاص؛ لأن لكل واحد الانتفاع به.

стр. 1332

فإن قيل: لو كان كذلك، كان لا يكون له أن يخاصمه في طرحه؛ لأنه في حقه. قيل له: لأن البناء يبقى على الأيام، فيبطل حق الآخرين في الانتفاع، وهو يفارق أيضا ربط الدابة من هذا الوجه. *قال أحمد: ومن شيوخنا من كان يقول في جواب محمد في هذه المسألة إن معناه: أن المخاصم هو الذي أخذ الدراهم على طرحها، كأن الباني استأجره عليه، وذلك جائز، كما لو استأجره غيره. مسألة: [حكم مصالحة المدين الدائن على دينه الآجل ببعضه حالا] قال أبو جعفر: (وإذا كان لرجل على رجل مال إلى أجل، فصالحه على أن يعطيه بعضه حالا، وعلى أنه بريء مما بقي: فإن ذلك لا يجوز). قال أحمد: الأصل في هذه المسألة ونظائرها: أن ينظر إلى ما وقع عليه الصلح، فإن كان مما استحقه بعقد المداينة فهذا جائز، وما بقي فهو مبرأ منه. وإن كان مما لا يستحقه بعقد المداينة، فهذا عقد مستأنف بينهما، فيحمل على نظائره من العقود في صحته وفساده. فقلنا على هذا في مسألتنا: إن الخمس مائة المأخوذة في الحال، لم يستحقها بعقد المداينة، وإنما أراد أن يستحقها بعقد الصلح، وذلك عقد مستقل، فيه بيه الألف التي استحقها بعقد المداينة، بخمس مائة، عقد عليها عقد الصلح، فلم يجز ذلك؛ لأنه بيع ألف بخمس مائة. وعلى هذا قالوا: لو كان عليه ألف سود، فصالحه منها على خمس مائة بيض، أنه لا يجوز، لأن البيض غير مستحقة بعقد المداينة، وإنما يريد استحقاقها بعقد الصلح، فصار كثرى خمس مائة بيض، بألف سود.

стр. 1333

وكذلك لو كان له عليه ألف درهم، فصالحه منها على مائة دينار، كان ذلك عقد صرف مبتدأ، فيجوز إن قبضها قبل الافتراق؛ لأنه لم يكن استحق الدنانير بعقد المداينة. ولو كان له عليه ألف بيض، فصالحه على خمس مائة بيض، أو سود جاز؛ لأن المأخوذ بالصلح مستحق بعقد المداينة، فهو آخذ لبعض حقه، ومبرئ من الباقي، لأن من له عليه دراهم بيض، كان له أخذ السود بغير رضا الغريم، لأنها دون حقه، ويعتبر ما أوجبه له عقد المداينة بما له أخذه بغير رضا الغريم، وما لم يوجبه عقد المداينة بما ليس له أخذه بغير رضا. ولو كان عليه ألف حالة، فصالحه منها على خمس مائة مؤجلة: جاز لما وصفنا؛ لأن المؤجلة مستحقة بعقد المداينة، فهو لم يأخذها بعقد ثان، فكان آخذا لبعض حقه، ومبرئا من الباقي. مسألة: [صالحه على الألف التي عليه على خمسمائة في يومه هذا] قال أبو جعفر: (ولو كان لرجل على رجل ألف درهم، فصالحه منها على خمس مائة درهم، على أن يدفعها إليه في يومه هذا، وعلى أنه إن لم يدفعها إليه حتى يمضي يومه هذا، عاد المال عليه كما كان: كان الصلح على هذا جائزا). وذلك لأن البراءة واقعة في الحال، وليست معلقة على خطر، فصحت، وإنما شرط فسخها بترك الدفع، وهذا جائز؛ لأن البراءة مما يلحقه الفسخ بعد صحته، ألا ترى لو أن رجلا أبرأ رجلا من دين له عليه: وقعت البراءة بغير قبول المبرأ، فإن رد المطلوب البراءة: انفسخت. وكذلك لو أن رجلا له على رجل مال، فصالحه منه على عبد بعينه، برئ منه المطلوب، فإن مات العبد قبل القبض: عاد المال على

стр. 1334

المطلوب، وانفسخت البراءة. فلما كانت البراءة مما يلحقه الفسخ بعد وقوعه وصحته، جاز شرط فسخها بترك دفع المال في اليوم. ألا ترى أنه لو اشترى عبدا على أنه إن لم ينقده الثمن فيما بينه وبين ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، أن ذلك جائز على ما شرط، وينفسخ البيع بترك نقد الثمن في الثلاث. كذلك البراءة واقعة في الحال، فإذا شرط فسخها بترك تعجيل الخمس المئين في اليوم، جاز ذلك، وعاد المال عليه إذا لم يف بالشرط. [مسألة:] قال أبو جعفر: (ولو كان صالحه على خمس مائة درهم، على أن يعجلها له في هذه اليوم، ولم يذكر شيئا سوى ذلك: جاز الصلح، وكان هذا والأول سواء في قول أبي حنيفة ومحمد. وفي قول أبي يوسف: لا يعود المال عليه إن لم يعجل). لأبي حنيفة ومحمد: أن قوله: عجل لي اليوم خمس مائة، على أنك بريء من الفضل، معلوم من الظاهر أن البراءة واقعة بشرط التعجيل، وأنه لولاه لم يبرئه، فصار كقوله: إن لم تعجلها، عاد عليك المبرأ منه، فلم يفرقا بين أن يكون ذلك ملفوظا به، وبين ما يكون منه معقولا من معناه. وأبو يوسف قال: البراءة واقعة، ولم يشرط عود المال بترك التعجيل فلا يعود. مسألة: [صالحه على جارية فاستحقت بعد أن أولدها] قال أبو جعفر: (وإذا ادعى رجل على رجل دارا، فأنكر، وصالحه

стр. 1335

على جارية، وقبضها المصالح، فوطئها، وأولدها ولدا، ثم استحقت الجارية: يأخذها وعقرها وقيمة ولدها من المصالح. ويرجع المدعي في دعواه في الدار، فإن أقام بينة على الدار: قضي له بها، وقضي له بقيمة الولد على الذي صالحه على الجارية، وإن لم يقم على ذلك بينة: لم يكن له على المدعى عليه شيء غير الرجوع في الدعوى). قال أحمد: المصالح مغرور في باب صحة الدعوة، وحرية الولد مع الاستحقاق؛ لأنه وطئ على وجه الملك. ولم يختلف السلف فيمن اشترى جارية واستولدها، فاستحقت: أنه يصدق على الدعوة، وأن ولده حر الأصل، ويغرم للمشتري قيمة الولد، والعقر للمستحق. فكذلك المصالح بهذه المنزلة في باب صحة الدعوة، وحرية الولد، وضمان العقر، وقيمة الولد. ثم إن صح له ملك الدار: كان بمنزلة المشتري في الرجوع بقيمة الولد على المدعى عليه الدار؛ لأنه قد غره ببدل أخذه منه. وإن لم تقم له بينة على ملكها: لم يرجع بشيء. كمن وهب له جارية، فاستولدها، فلا يرجع على الواهب بقيمة الولد
следующие страницы →