Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
* قال محمد في كتاب الصلح: ولو صالحه على مائة درهم على أن يطرح الظلة عن هذا الطريق: كان ذلك جائزا؛ لأن في هذا منعة لأهل الطريق.
وكان أبو الحسن يقول: يعنى محمد: أن صاحب الظلة هو الذي أخد المال على طرحه.
وإنما أجاز ذلك؛ لأن له في هذا لموضع حقا، فإذا أسقط حقه من ذلك بعوض أخذه على أن يطرحه، جاز ذلك.
فإن قيل: فالباني للظلة عليه طرحها، فكيف يجوز له أخذ العوض على ما عليه قلعه؟
أرأيت لو بنى أحد الشريكين في دار بينهما بغير أمر شريكه، هل يجوز له أخذ العوض على رفع بنائه؟
قيل له: لا يجوز ذلك في الدار، ويجوز في السكة التي ليست بنافذة، التي لا تملك لواحد منهم فيها إلا حق الانتفاع، إذ لا تصح قسمتها بينهم، وهي كفناء خاص لهم، دون غيرهم من الناس، فلو ربط فيها أحدهم دابة، لم يكن لصاحبة منعه، فلما كان له حق الانتفاع به من هذا الوجه، جاز صلحه على طرحه، على أن يأخذ الباني دراهم، إذ كان بذلك تاركا لحقه، والحق المتروك بمنزلة ما هو ملك له خاص؛ لأن لكل واحد الانتفاع به.
стр. 1332
فإن قيل: لو كان كذلك، كان لا يكون له أن يخاصمه في طرحه؛ لأنه في حقه.
قيل له: لأن البناء يبقى على الأيام، فيبطل حق الآخرين في الانتفاع، وهو يفارق أيضا ربط الدابة من هذا الوجه.
*قال أحمد: ومن شيوخنا من كان يقول في جواب محمد في هذه المسألة إن معناه: أن المخاصم هو الذي أخذ الدراهم على طرحها، كأن الباني استأجره عليه، وذلك جائز، كما لو استأجره غيره.
مسألة: [حكم مصالحة المدين الدائن على دينه الآجل ببعضه حالا]
قال أبو جعفر: (وإذا كان لرجل على رجل مال إلى أجل، فصالحه على أن يعطيه بعضه حالا، وعلى أنه بريء مما بقي: فإن ذلك لا يجوز).
قال أحمد: الأصل في هذه المسألة ونظائرها: أن ينظر إلى ما وقع عليه الصلح، فإن كان مما استحقه بعقد المداينة فهذا جائز، وما بقي فهو مبرأ منه.
وإن كان مما لا يستحقه بعقد المداينة، فهذا عقد مستأنف بينهما، فيحمل على نظائره من العقود في صحته وفساده.
فقلنا على هذا في مسألتنا: إن الخمس مائة المأخوذة في الحال، لم يستحقها بعقد المداينة، وإنما أراد أن يستحقها بعقد الصلح، وذلك عقد مستقل، فيه بيه الألف التي استحقها بعقد المداينة، بخمس مائة، عقد عليها عقد الصلح، فلم يجز ذلك؛ لأنه بيع ألف بخمس مائة.
وعلى هذا قالوا: لو كان عليه ألف سود، فصالحه منها على خمس مائة بيض، أنه لا يجوز، لأن البيض غير مستحقة بعقد المداينة، وإنما يريد استحقاقها بعقد الصلح، فصار كثرى خمس مائة بيض، بألف سود.
стр. 1333
وكذلك لو كان له عليه ألف درهم، فصالحه منها على مائة دينار، كان ذلك عقد صرف مبتدأ، فيجوز إن قبضها قبل الافتراق؛ لأنه لم يكن استحق الدنانير بعقد المداينة.
ولو كان له عليه ألف بيض، فصالحه على خمس مائة بيض، أو سود جاز؛ لأن المأخوذ بالصلح مستحق بعقد المداينة، فهو آخذ لبعض حقه، ومبرئ من الباقي، لأن من له عليه دراهم بيض، كان له أخذ السود بغير رضا الغريم، لأنها دون حقه، ويعتبر ما أوجبه له عقد المداينة بما له أخذه بغير رضا الغريم، وما لم يوجبه عقد المداينة بما ليس له أخذه بغير رضا.
ولو كان عليه ألف حالة، فصالحه منها على خمس مائة مؤجلة: جاز لما وصفنا؛ لأن المؤجلة مستحقة بعقد المداينة، فهو لم يأخذها بعقد ثان، فكان آخذا لبعض حقه، ومبرئا من الباقي.
مسألة: [صالحه على الألف التي عليه على خمسمائة في يومه هذا]
قال أبو جعفر: (ولو كان لرجل على رجل ألف درهم، فصالحه منها على خمس مائة درهم، على أن يدفعها إليه في يومه هذا، وعلى أنه إن لم يدفعها إليه حتى يمضي يومه هذا، عاد المال عليه كما كان: كان الصلح على هذا جائزا).
وذلك لأن البراءة واقعة في الحال، وليست معلقة على خطر، فصحت، وإنما شرط فسخها بترك الدفع، وهذا جائز؛ لأن البراءة مما يلحقه الفسخ بعد صحته، ألا ترى لو أن رجلا أبرأ رجلا من دين له عليه: وقعت البراءة بغير قبول المبرأ، فإن رد المطلوب البراءة: انفسخت.
وكذلك لو أن رجلا له على رجل مال، فصالحه منه على عبد بعينه، برئ منه المطلوب، فإن مات العبد قبل القبض: عاد المال على
стр. 1334
المطلوب، وانفسخت البراءة.
فلما كانت البراءة مما يلحقه الفسخ بعد وقوعه وصحته، جاز شرط فسخها بترك دفع المال في اليوم.
ألا ترى أنه لو اشترى عبدا على أنه إن لم ينقده الثمن فيما بينه وبين ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، أن ذلك جائز على ما شرط، وينفسخ البيع بترك نقد الثمن في الثلاث.
كذلك البراءة واقعة في الحال، فإذا شرط فسخها بترك تعجيل الخمس المئين في اليوم، جاز ذلك، وعاد المال عليه إذا لم يف بالشرط.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (ولو كان صالحه على خمس مائة درهم، على أن يعجلها له في هذه اليوم، ولم يذكر شيئا سوى ذلك: جاز الصلح، وكان هذا والأول سواء في قول أبي حنيفة ومحمد.
وفي قول أبي يوسف: لا يعود المال عليه إن لم يعجل).
لأبي حنيفة ومحمد: أن قوله: عجل لي اليوم خمس مائة، على أنك بريء من الفضل، معلوم من الظاهر أن البراءة واقعة بشرط التعجيل، وأنه لولاه لم يبرئه، فصار كقوله: إن لم تعجلها، عاد عليك المبرأ منه، فلم يفرقا بين أن يكون ذلك ملفوظا به، وبين ما يكون منه معقولا من معناه.
وأبو يوسف قال: البراءة واقعة، ولم يشرط عود المال بترك التعجيل فلا يعود.
مسألة: [صالحه على جارية فاستحقت بعد أن أولدها]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى رجل على رجل دارا، فأنكر، وصالحه
стр. 1335
على جارية، وقبضها المصالح، فوطئها، وأولدها ولدا، ثم استحقت الجارية: يأخذها وعقرها وقيمة ولدها من المصالح.
ويرجع المدعي في دعواه في الدار، فإن أقام بينة على الدار: قضي له بها، وقضي له بقيمة الولد على الذي صالحه على الجارية، وإن لم يقم على ذلك بينة: لم يكن له على المدعى عليه شيء غير الرجوع في الدعوى).
قال أحمد: المصالح مغرور في باب صحة الدعوة، وحرية الولد مع الاستحقاق؛ لأنه وطئ على وجه الملك.
ولم يختلف السلف فيمن اشترى جارية واستولدها، فاستحقت: أنه يصدق على الدعوة، وأن ولده حر الأصل، ويغرم للمشتري قيمة الولد، والعقر للمستحق.
فكذلك المصالح بهذه المنزلة في باب صحة الدعوة، وحرية الولد، وضمان العقر، وقيمة الولد.
ثم إن صح له ملك الدار: كان بمنزلة المشتري في الرجوع بقيمة الولد على المدعى عليه الدار؛ لأنه قد غره ببدل أخذه منه.
وإن لم تقم له بينة على ملكها: لم يرجع بشيء.
كمن وهب له جارية، فاستولدها، فلا يرجع على الواهب بقيمة الولد
стр. 1336
التي غرمها للمستحق؛ لأنه ملكها بغير بدل، وعقد الهبة لا يوجب ضمانا ع الواهب.
قال أحمد: والغرور الموجب للرجوع بقيمة الولد على الموجب للملك، إنما يكون باجتماع شيئين:
أحدهما: أن يكون عقدا يوجب ضمانا، وهي عقود المعاوضات.
والثاني: أن يكون التمليك واقعا برضا من كان التمليك من جهته؛ لأنه استحق عليه بغير رضاه، لم يلزمه ضمان قيمة ما تضمنه الذي حصل له الملك بالغرور.
مثل الشفيع إذا بنى، ثم استحق، لم يرجع على المشتري بقيمة البناء.
ومثل الجارية المسبية إذا أخذها المالك الأول من مشتريها من أهل الحرب، واستودلها، ثم استحقت، فضمن القيمة: لم يرجع المولى على المشتري بقيمة الولد؛ لأنه أخدها منه بغير رضاه.
وكذلك الرجل يستولد جارية ابنه، فيغم له القيمة، ثم استحقها مستحق، فإنه يأخذها، وعقرها، وقيمة ولدها، ويرجع الأب على الابن بالقيمة التي أعطاه، ولا يرجع عليه بقيمة الولد؛ لأنه ملكها عليه بغير رضا، حسب ما قلنا في المسيبة ومسألة الشفعة.
مسألة: [الصلح على عدم الاستخلاف حال الإنكار]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى على رجل مالا، فأنكر، فصالحه
стр. 1337
على دراهم على أن لا يستحلفه: فإن الصلح جائز، وهو بريء من اليمين).
قال أحمد: هذه المسالة مبنية على جواز الصلح على الإنكار، والعلة فيهما واحدة، وهي أن دخولهما في العقد اعتراف منهما بجوازه، ولأن المدعي يزعم أنه أخذه عما له عليه، فيجمل أمره فيما أخذه على الجواز والصحة، حتى يتبين غيره.
وأيضا: فهو بمنزلة الناكل؛ لأنه بذل المال صيانة لنفسه عن اليمين، والمال مما يصح بذله، فجاز أخذه من هذا الوجه.
ويدل عليه قوله تعالى:﴾ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴿،وهذا واقع عن تراض.
ويدل عليه قول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه"، وقد أخذه بطيبة من نفسه، فجاز.
باب: [الشفعة في الدار حال الصلح]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى دارا في يدي رجل، فأقره، ثم صالحه على دراهم: فللشيع فيها شفعة).
لأنه بيع، ولو أنكر: لم يكن للشفيع فيها شفعة؛ لأنه لم يعترف له، وقد يجوز أن يكون الصلح للبراءة من الخصومة، وصيانة النفس عن اليمين.
стр. 1338
مسألة: [ادعى دراهم فصاحله على دنانير]
قال: (وإن ادعى عليه دراهم، وصالحه على دنانير، ثم افترقا قبل أن يقبضها: بطل الصلح).
لما بينا أن حكم ما يأخذه المدعي حكم الأعواض المأخوذة عن اعتبارها، فاعتبر فيه حكم الصرف في إيجاب القبض في المجلس.
مسألة: [العيب في بدل الصلح إن كان عرضا]
قال أبو جعفر: (ولو كان صالحه منها على عرض بعينه، فقبضه، ثم أصاحب به عيبا: كان له أن يرده على المدعى عليه، وينتقض الصلح بذلك، ويرجع عليه دعواه إن كان صالحه على إقرار).
قال أحمد: وذلك لأنه مشتر للعرض، وعقود المعاوضات تقتضي صحة الأبدال من كل واحد منهما، فإذا وجده معيبا، كان له الرد والرجوع في البدل.
*قال أبو جعفر: (فإن كان صالحه على إنكار، وكان العيب فاحشا: فالجواب فيه كذلك، وإن كان غير فاحش: فالصلح ماض).
قال أحمد: قوله: "إن كان الصلح على إنكار: لم يرد بعيب فاحش": ليس بسديد، ومذهبهم أنه يرد بالعيب الفاحش وغير الفاحش؛ لأنه يرجع في الدعوى.
ويجوز أن يقيم البنية، فيستحق المال الذي كان جعله بدلا عن العوض.
стр. 1339
ويشبه أن يكون أبو جعفر جلعه كالمهر، والجعل، والخلع، والصلح من دم العمد، وليست مسألتنا من نظائر هذه المسائل؛ لأن هذه العقود لا تنفسخ ببطلان البدل، وفسخ الملك فيه، وإنما يرجع فيه بقيمه العرض المردود، فلا يرده إلا بعيب فاحش؛ لأن العيب غير الفاحش لا يستردك به حق في مثل هذا بالرد، لأن ذلك القدر قد يدخل فيما بين تقويم المقوين، فلم يرد لهذه العلة.
مسألة: [ظهور العيب في بدل الصلح بعد جناية عليه]
قال أبو جعفر: (ولو كان لما قبض العرض لم يجد فيه عيبا، حتى جنى عليه جان، فأخذ لها أرشا، ثم اطلع على عيب به قديم: فإنه يرجع بحصة العيب من الشيء الذي ادعى على دعواه فيه).
وذلك لأن العقد ينفسخ في حصة العيب؛ لأنه لا سبيل له إلى فسخ الملك في العرض لما وجب من الأرش، على مابينا من مسائل البيوع.
كمن اشترى عبدا، فقطعت يده في يد المشتري، ثم اطلع على عيب: فإنه يرجع بأرش العيب، ولا يرد، إلا أنه إذا كان الصلح على إنكار: رجع في الدعوى في حصة العيب.
مسألة: [الصلح من غير المدعى عليه]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى رجل على رجل مالا، فأنكره ذلك،
стр. 1340
فصالحه غيره عنه بأمره: فالصلح جائز، والدراهم على الآمر، لا على المصالح.
وإن كان بيغر أمره: فالصلح موقوف على إجازة المدعى عليه، فإن أجازه: جاز، وكانت الدراهم عليه، وإن لم يقبله ورده: بطل الصلح، وعاد المدعي على دعواه).
قال أحمد: إذا صالح عنه بأمره، فهو وكيل، ولا يلزمه ضمان المال؛ لأنه بمنزلة الوكيل بالخلع على مال، والنكاح، وذلك لأن الصلح إبراء وإسقاط للحق، على ما تقدم من بيانه فيما سلف.
ومعلوم أن البراءة ليست معنى يصح انتقالها إلى الوكيل، فصار كالوكيل بالعتق على مال، والطلاق على مال، والنكاح، إذ لم تكن هذه المعانى مما يصح نقله إلي الوكيل، فصار الوكيل معبرا فيه وسفيرا، ولا يتعلق به شيء من حقوق هذه العقود.
وإذا صالح عنه بغير أمره: فهذا عقد موقوف، بمنزلة من طلق امرأة رجل على مال، أو أعتق عبده على مال، أو زوجه، فيكون العقد موقوفا على المعقود له ذلك، فإن أجازه: جاز، وكانت حقوق العقد متعلقة بالمجيز دون العاقد.
قال أحمد: قالوا: لو ضمن المصالح المال، صح ضمانه ووقعت البراءة، كمن خاطب رجلا في طلاق امرأته على جعل، وضمنه فيكون المال عليه بالضمان، وذلك لأن البراءة لا يحتاج في صحة وقوعها إلى قبول المبرأ منه كالطلاق، وإنما يحتاج إلى القبول إذا
стр. 1341
شرط فيها المال، ليسلم المال إلى المبرأ، فإذا كان هناك من صح عليه الضمان: تم العقد.
*وإنما صح تبرع الغير بالضمان والأداء، لما روي في حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس "أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير، فقال: والله ما عندي شيء أقضيكه اليوم.
فقال رسول الله ﷺ : هل تنظرة شهرا واحدا؟
قال: لا، قال: فأنا أحمل بها، فتحمل بها رسول الله ﷺ ، فذهب الرجل، فأتاه بقدر ما وعده.
فقال رسول الله ﷺ : من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن.
قال: فاذهب، فلا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير، فقضي رسول الله ﷺ عنه بغير أمره"
فإذا جاز الضمان عنه بغير أمره، جاز الأداء.
ويدل عليه "حديث أبي قتادة في ضمانه لدينارين عن الميت، حتى
стр. 1342
صلى عليه النبي ﵊".
فاستدللنا بذلك على جواز الضمان عن الغير بغير أمره، وجواز الأداء أيضا عنه بغير ضمان.
стр. 1343
كتاب الحوالة والكفالة والضمان
مسألة: [الحواله وشروطها]
قال أبو جعفر: (وإذا أحال رجل رجلا بمال له عليه، على رجل له عليه مثله، فرضي المحال والمحال عليه بذلك: فقد برئ المحيل من مال المحتال، وصار ما للمحتال على المحتال عليه، ولم يكن للمحتال أن يرجع على المحيل بشيء، ما لم يتو المال على المحتال عليه).
قال أحمد: الأصل في جواز الحوالة: قول النبي ﷺ : "مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل".
وفي بعض ألفاظه: "فليتبع".
ومعنى الحوالة: تحويل المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال، ومن أجل ذلك برئ المحيل، لاستحالة أن يكون محولا إلى ذمة غيره باقيا في ذمته، إلا أن من شرط بقاء الحوالة بقاء ذمة المحتال عليه، وإممكان استيفائه منها.
وللمحتال أن يقبل الحوالة، وأن لا يقبل إن شاء؛ لأن له أن لا يبرئ
стр. 1344
الذمة التي فيها المال، ولا ينقله إلى غيرها، لاختلاف أحوال الذمم، كما أن من له حق في عين، كان له أن لا ينقله إلى غيرها.
ولا تصح أيضا إلا بقبول المحتال عليه؛ لأنه لا يجوز للمحيل إثبات دين في ذمة المحتال عليه لغيره إلا برضاه.
وليس للمحال أن يرجع على المحيل بشيء، ما لم يتو المال؛ لأنه لما أمكنه استيفاء دينه من الذمة الني نقلها إليها: لم يكن له سبيل إلى إعادته في ذمة المحيل.
كمن له على رجل مال، فاشترى به منه عبدا، فقد نقل ما كان له في الذمة إلى الغير.
ثم لا سبيل إلى إعادته في دمة البيع ما أمكن استيفاء العين على حسب ما اقتضاه العقد.
مسألة: [رجوع المحتال على المحيل عند هلاك المال]
قال أبو جعفر: (فإن توى المال على المحال عليه: رجع المحتال بماله على المحيل).
وإنما رجع فيه عند التوى، من قبل أنه لما شرط استيفاء الألف التي في ذمة المحال عليه عما كان له في ذمة المحيل، صار ذلك بمنزلة لو اشترى به عبدا، أنه قد نقل حقه من الألف إلى العبد، فإن سلم له العبد لم يرجع بالمال، وإن لم يسلم له العبد حتى مات، أو تعذر تسليمه عادت الألف التي قد برئ منها بعقد البيع في ذمته.
ويدل على ذلك قول النبي ﷺ : " وإذا أحيل على
стр. 1345
مليء فليتبع"، فأمره بالإتباع بشرط الملاء، كأنه قال: فليتبع ما دام مليا، فمتى لم يكن مليا، وتوى المالـ، كان له إتباع الأول، إذ كان الأمر بالإتباع تناول حال إمكان استيفاء المال من المحال عليه دون غيرها.
وشرط الملاء: يدل على براءة صاحب الأصل بالحوالة؛ لأن المال لو كان باقيا في ذمة الأول: لم يضره أن لا يكون مليا، إذ كان المال باقيا في ذمة الأول.
وليست الحوالة بمنزلة الرهن، في باب أن هلاكه يسقط الدين، ولا يوجب له الرجوع على الراهن، من قبل أنه قد حصلت له يد مضمونة على الرهن، فصار من أجل ذلك في ضمانه، فلم تحصل للمحال يد على المال باحتياله به، فلا يصير في ضمانه.
فإن قيل: ليست الحوالة بمنزلة البيع، وإنما هى تحول المال إلى ذمة الثاني، فتصير به في ضمانه.
والدليل على أنها ليست ببيع: أن بيع ما في ذمة الغير لا يصح، ولو كان بيعا كان بمنزلة بيع ألف بألف، فكان لا يجوز له مفارقته قبل القبض، لأنه صرف.
قيل له: لم نقل إنها بيع فيلزم ما ذكرت، وإن كان من شرطها أن يسلم له ما في ذمة المحال عليه، وليس يقتضي ما قلنا أن يكون ذلك بيعا.
ألا ترى أن القرض ليس ببيع، ولو كان بيعا، ما جاز له مفارقته حتى يقبض ما عليه، ولا يخرجه ذلك من أن تكون الألف المقبوضة مضمونة عليه بألف مثلها بدلا منها.
стр. 1346
والكتابة عقد معاوضة، وليست ببيع، وكذلك الإجازة، والنكاح والصلح من دم العمد، ونظائرها من العقود المعقودة على شرط سلامة الأبدال، فكذلك الحوالة، وإن لم تكن بيعا فإن ذلك لا يمنع من أن يكون من شرط بقائها وصحتها إمكان استيفاء المال من جهة المحال عليه.
وعلى أنا لو جعلناها كأنها هي الألف التي كانت للمحيل حولها إلى ذمة المحال عليه، لم يوجب دخولها في ضمان المحال.
ألا ترى أن رجلا لو اشترى من رجل عبدا، ووضعاه فلى يدي عدل حتى ينقده الثمن، أن ذلك لا يوجب دخوله في ضمان المشتري وخروجه من ضمان البيع، فكذلك ما وصفنا.
وقد روى عن عثمان بن عفان أن المحال يرجع عند التوى على المحيل، وقال: لا توى على مال امرئ مسلم.
وروي نحوه عن شريح، ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
فصل: [وجوه هلاك المال لرجوع المحتال على المحيل]
قال أبو جعفر: (والتوى في قول أبي حنيفة ﵀ يكون من أحد وجهين:
وهو أن يجحد المحتال عليه الحوالة، ويحلف له عليها عند القاضي: ولا يكون للمحتال بها بينة.
стр. 1347
أو: يموت المحتال عليه معدما لا يترك شيئا فيه وفاء بالدين الذي احتيل به عليه، ولا كفيل له بالمال.
فأي هذين الوجهين كان، فإن للمحتال أن يرجع بماله على المحيل.
وفي قول أبي يوسف ومحمد: أن التوى يكون من ثلاثة أوجه:
وجهان منها ما قال أبو حنيفة، والوجه الثالث: أن يفلس المحتال عليه، ويقضي القاضي بعدمه، ويخرجه من السجن، فأي هذه الثلاثة الأوجه كان: رجع المحتال بدينه على المحيل).
وإنما كان الحلف والموت مع الإفلاس توى، من قبل أنه إذا حلف فقد انقطعت الخصومة فيما بينهما، وصار بريئا من حقه في الظاهر، فتعذر استيفاء المال من جهتة، فعاد المال على المحيل، بمنزلة إباق العبد المشترى في يد بيعه، فللمشتري فيه فسخ البيع، والرجوع بالدين، لتعذر تسليم البدل.
وأما إذا مات مفلسا، فقد بطلت ذمته التي ثبتت فيها الحوالة، ولم يخلفها مال للميت يتحول الدين فيه، فصار بمنزلة موت العبد في يد بيعه، فينفسخ البيع فيه، ويرجع المشتري بالدين الذي اشترى بيه العبد.
وأما الإفلاس في حال الحياة، فإنه لا يتوى به المال، من قبل أن أبا حنيفة لا يرى الإفلاس شيئا، ولا يتعلق به حكم عنده.
ألا ترى أنه لا يوجب الحجر عليه, ولا يمنعه التصرف في ماله، فالذمة التي تحول إليها المال باقية على ما كانت عليه، لم تبطل، ولم يحدث فيها عيب، فلذلك لم يرجع به.
*وأما أبو يوسف ومحمد، فمن أصلهما أن الإفلاس يوجب كون الذمة معيبة؛ لأنهما يريان الحجر، ومنع التصرف لأجل الإفلاس فيمن
стр. 1348
عليه دين، فلذلك كان للمحتال الرجوع على المحيل.
فصل: [الحوالة بغير أمر الذي عليه المال]
قال أبو جعفر: (وإن كانت الحوالة بغير أمر الذي كان عليه المال: جاز أيضا، غير أن المحتال عليه إذا أدى المال، لم يرجع على المحيل بشيء إن لم يكن عليه شيء، وإن كان له عليه مال: فماله بحاله).
وإنما جازت الحوالة بغير أمر الذي عليه المال؛ لأن براءته من المال ليست بموقوفة على قبوله، ألا ترى أنه لو أبرأه من المال بغير حوالة، صحت البراءة، ما لم يفسخها بالرد، فإذا كانت حوالة: احتيج فيها إلى قبول المحال عليه؛ لأن المحيل لم يرض بإبراء صاحب الأصل إلا بضمان المحال عليه.
وهذا مثل الطلاق، أنه يصح وقوعه من جهة الزوج من غير قبول المرأة، فإن عقده بمال، لم يقع أو يحصل له المال، فإن خالعه أجنبي بغير أمر المرأة، وضمن المال، صح الخلع، لصحة المال له بضمان الأجنبي.
والأصل في جميع ما قدمنا من جواز ضمان الأجنبي المال عن الذي عليه بغير إذنه، وجواز أدائه عنه متبرعا به، ما ذكرنا من حديث ابن عباس وأبي قتادة.
стр. 1349
مسألة: [تصرف المحال والمحال عليه في مال الحوالة]
قال أبو جعفر: (وللمحال أن يصارف المحال عليه مما عليه، ويجوز إذا قبضه قبل الافتراق).
وذلك لأن دين الحوالة ليس بمبيع في الذمة، ولا قبضه مستحق في المجلس، وكل ما كان هذا وصفه من الديون، جاز التصرف فيه قبل القبض، كالقرض، وثمن المبيع، والغصب، ونظائره من الديون، فلما لم يكن من شرط الحوالة قبض المال في المجلس، ولا كان معينا في الذمة، جاز التصرف فيه قبل القبض بالصرف وغيره، إلا أنه في الصرف يحتاج إلى قبض البدل في المجلس، كما قال النبي ﷺ لابن عمر حين سأله فقال:
إني أبيع الإبل بالبقيع، فآخذ بالدراهم الدنانير، وبالدنانير الدراهم، فقال: "لا بأس به ما لم تفترقا، وبينكما شيء".
قال أحمد: وإنما يجوز التصرف في مال الحوالة قبل القبض فيما كان للمحيل والمحال أن يتصرفا فيه قبل الحوالة، وذلك مثل ثمن المبيع والقرض ونحوه، فإن كان أحاله بدين لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، مثل السلم، وثمن الصرف: فإنه لا يجوز للمحال أن يتصرف فيه قبل القبض، ولا يأخذ به شيئا غيره، كما لم يجز له التصرف فيه قبل الحوالة.
مسألة: [الكفالة]
قال أبو جعفر: (وإذا ضمن الرجل للرجل مالا عن رجل بأمره، ولا
стр. 1350
شيء للمضمون عنه على الضامن: فقد وجب الضمان، وللمضمون له مطالبة كل واحد منهما).
قال أحمد: الأصل في جواز الكفالة قول النبي ﷺ : "الزعيم غارم"، والزعيم الكفيل.
"وتحمل النبي ﷺ عشرة دنانير عن رجل"، في حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس.
وفي حديث قبيصة بن المخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يؤديها ... "، وذكر الحديث.
ولا يبرأ صاحب الأصل؛ لأنه لم تشرط براءته، وليس في صحة ضمانه ما يبرئ صاحب الأصل.
والدليل عليه: حديث أبي قتادة، وهو ما حدثنا عن بشر بن موسى قال: حدثنا زكريا بن عدي، قال: وأخبرنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: مات رجل فغسلناه وكفناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ في الصلاة عليه، فجاء معنا خطى ثم قال:
стр. 1351
لعل على صاحبكم دينا؟ قالوا: نعم. ديناران، فتخلف.
فقال له رجل منا- يقال له أبو قتادة-: يا رسول الله! هما علي.
فجعل رسول الله ﷺ يتوثق على أبي قتادة، ويقول: هما عليك، وفي مالك، وحق الرجل عليك، والميت منهما بريء.
فقال: نعم، فصلى عليه.
فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: ما صنعت في الدينارين، حتى كان آخر ذلك، قال: قد قضيناهما يا رسول الله، فقال: "الآن حين بردت عليه جلده".
فدله قوله: "الآن حين بردت عليه جلده": أن الميت لم يكن برئ من الدين بنفس الضمان حتى أدي.
ويدل هذا الحديث أيضا على جواز أداء المال وضمانه بغير أمر المضمون عنه.
فإن قيل: لو لم يكن برئ بضمانه، لما صلى عليه.
قيل له: إنما صلى عليه؛ لأنه صار بمنزلة من ترك وفاء، "وقد كان النبي ﷺ في ذلك الوقت لا يصلي على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء، ويصلي على من ترك وفاء، ثم لما فتح الله تعالى
стр. 1352
الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين، فترك دينا، فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته"، كذلك ذكر أبو هريرة عن النبي ﷺ .
فإن قيل: فقد قال في حديث جابر هذا: إنه ﷺ قال لأبي قتادة: هما عليك، والميت منهما بريء.
قيل له: معناه أنه يبرأ بأدائك، كما روي في حديث عثمان بن موهب عن ابن أبي قتادة في هذه القصة أن النبي ﷺ قال: "هما عليك بالوفاء": يعنى توفيه إياهما.
ويدل على أن الميت لم يكن برئ منهما: أن صاحب الدين لم يكن حاضرا فيبرأ به.
ويدل على أنه لم يبرأ: حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس حين "تحمل النبي ﷺ بعشرة دنانير، فجاء الرجل بذهب من المعدن ليؤديه، فقال: لا حاجة لنا فيه، فقضى عنه".
ولو لم يكن الدين باقيا، لقال للرجل: ليس عليك، وقد برئت.
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون مال واحد في ذمة اثنين؟
قيل له: لا يمتنع ذلك، ألا ترى أن رجلا لو مات، وترك ابنين وألفي درهم، فأخذ كل واحد منهما ألف درهم، واستهلكه، ثم أقام رجل البينة
стр. 1353
أن له على الميت ألف درهم دينا، أن له أن يطالب كل واحد منهما بالألف، فصارت ألف واحدة، كلها في ذمة هذا، وكلها في ذمة الآخر.
وكذلك لو كاتب عبدين له على ألف درهم كتابة واحدة، على أن كل واحد كفيل عن صاحبه، فالألف كلها على هذا، وكلها على هذا.
مسألة: [رجوع الضمين على المطلوب بما أداه للطالب]
قال أبو جعفر: (فإن طالب به الضمين، فأداه إليه: فإن له أن يرجع على المطلوب).
وذلك لأنه ضمنه بأمره، فصار ذلك استقراضا منه للمؤدي، ألا ترى أن من قال لرجل: اقض فلانا ما له علي من دين: أن ذلك بمنزلة قوله: ملكني الألف التي في ذمتي، بألف تعطيها إياه، يكن لك علي مثلها: فصار كعقد معاوضة.
مسألة: [لا يطالب الضمين المطلوب قبل الأداء]
قال أبو جعفر: (وليس للضمين أن يطالب المطلوب بالمال قبل الأداء، ولكنه يطالبه بتخليصه مما ادخله فيه).
وإذا لم يكن له أن يطالبه بالمال قبل الأداء، لأنه لم يملكه بعد الدين الذي عليه للطالب في ذمته، فلم يكن في معنى المستقرض: لم يكن له الرجوع عليه، إلا أن له مطالبته بتخليصه مما أدخله فيه؛ لأنه بأمره ضمنه.
فإن قيل جواز عقد الشرى بين الكفيل والمطلوب فيما ضمنه عنه، يدل على ثبوت المال عليه بعقد الكفالة.
قيل له: إنما جاز ذلك بوجود سبب ملك الدين في ذمته، وهو صحة الضمان بأمره.
стр. 1354
وقد يجوز أن يقال: إن الضمين قد ملك المال على المطلوب حسب ما ملكه الطالب عليه، ولكنه لا يرجع عليه حتى يؤدي، بمنزلة الدين المؤجل.
مسألة: [الضمان بغير أمر المطلوب]
قال أبو جعفر: (وإن كان الضمان بغير أمر من المطلوب: لم يرجع عليه بشيء).
لأنه متبرع به.
ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه سلم لأبي قتادة حين أدى الدينارين: "الآن بردت عليه جلده".
ولو كان ضمانه بغير أمره يوجب له الرجوع، لكان الدين باقيا لأبي قتادة على الميت، كما كان للطالب عليه، وهذا ينفيه قوله: "الآن بردت عليه جلده"؛ لأنه يقتضي براءته من الدين، ولو كان دين أبي قتادة باقيا عليه، لما كان قد برد عليه جلده.
مسألة:
قال أبو جعفر: (والكفالة والحمالة كالضمان في جميع ما وصفنا).
وذلك لأن هذه عبارات عن معنى واحد، وقال النبي ﷺ في الذي عليه عشرة دنانير: "أنا أتحمل بها عنه"، وفي حديث
стр. 1355
قبيصة بن المخارق: "وجل تحمل حمالة".
وكذلك القبيل، والضمين، والزعيم.
قال أحمد: ومن الناس من يظن أن قوله تعالى:﴾ ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ﴿: أن ذلك كفالة، وليس من الكفالة في شيء؛ لأن القائل لذلك مستأجر لمن جاء به، وهو الذي يلزمه ضمان الأجر بعقد الإجارة، سواء شرط الضمان أو سكت، لقوله:﴾ وأنا به زعيم ﴿، يعنى ضامن للأجرة التي عقد عليها لمن جاء به، وليس ذلك كفالة، ولا ضمانا عن إنسان.
مسألة: [يشترط في الكفالة قبول الطالب]
قال أبو جعفر: (ولا تجوز الكفالة إلا بقبول الطالب مخاطبا له بذلك، إلا في خصلة واحدة، فإن أبا حنيفة كان يجيز الضمان فيها بغير قبول ممن ضمن له، وهي أن تحضر الرجل الوفاة، فيقول لورثته: إن علي ديونا فاضمنوها علي، فيضمنوها بغير محضر من أهلها، ثم يموت الذي هي عليه: فيجوز الضمان فيجوز الضمان في ذلك استحسانا.
وأما أبو يوسف ومحمد، فكانا يجيزان الكفالة بغير قبول من المكفول له في جميع ما ذكرنا).
стр. 1356
قال أحمد: محمد مع أبي حنيفة، وأبو يوسف وحده، قد ذكره محمد في الأصل، وفي غيره.
وما ذكره من قول أبي يوسف في جواز الضمان بغير قبول المضمون له: فإن محمدا قال في الأصل:
وقال أبو يوسف: تجوز الكفالة، وإن لم يحضر المضمون له.
وكان أبو الحسن ﵀ يقول: إن قول أبي يوسف: إن الكفالة موقوفة على إجازة المضمون له، وأن الخلاف بينه وبين أبي حنيفة إنما هو في: أنها تقف على قبول غائب عن المجلس أم لا؟
وقال في المختصر: وقال أبو يوسف: المريض في هذا وغيره سواء إذا ضمن رجل لرجل غائب عنه، فبلغه ذلك، فرضي: فهو جائز.
قال أبو الحسن: يعنى أن الضمان خاطب المكفول عنه في الضمان عنه للغائب، ويحتمل أن يكون معنى ما ذكره محمد عن أبي يوسف في الأصل، أن الضمان جائز وإن لم يحضر الطالب، أنه واقع وإن كان موقوفا على إجازة الطالب.
فأما وجه قول أبي حنيفة ومحمد: فهو أن الضمان عقد يقتضي قبول المضمون له كسائر العقود، وكل عقد اقتضى قبولا من غيره، فإنما يقف قبوله على حاضر في المجلس، كالنكاح والخلع والبيع، ونحوها من العقود، ولا تقف على غائب عن المجلس.
стр. 1357
وأيضا: فلا سبيل له إلى إثبات الدين للغائب في ذمته إلا بقبوله، كما لا يصح تمليكه الأعيان إلا بقبوله، وإن كان متبرعا بها كالهبة، والصدقة، ونحوها، فمن حيث اقتضى قبولا من المضمون له، وجب أن يتعلق على المجلس، كما تعلق قبول الهبة ونحوها.
وأيضا: فلو قضاه إياه بغير ضمان متبرعا به، لم يصح قضاؤه له إلا بقبوله، فالضمان أولى بذلك، ولا خلاف في القضاء أنه لا يصح إلا بقبوله، وأن له أن يمتنع منه إذا لم يكن كفيلا، قد ذكره محمد في كتاب الحوالة والكفالة.
*ووجه قول أبي يوسف: أنه جعل خطاب الضمين المطلوب عقدا واقعا موقوفا على قبول الغائب، كما قال في عقد النكاح إذا عقده واحد على الزوجين، أن يكون موقوفا على قبول الزوجين.
*وأما وجه قول أبي حنيفة في إجازته كفالة الوارث عن الميت لغرمائه في مرضه: فهو أن حق الورثة يثبت بالمرض في مال المريض، فيصير حال المرض كحال الموت فيما يتعلق به من حق الورثة.
ألا ترى أن هبته تكون من الثلث، كأنها وصية أوصى بها بعد الموت، فلما كان ذلك، وكانت الورثة إنما يخلفون الميت في ملكه، ويقومون في مقامه، بدلالة أنهم يردون بالعيب على بيع الميت: جاز ضمانهم، وقاموا فيه مقام الميت.
*قال: (والحوالة بمنزلة الكفالة في القبول).
على ما قدمنا؛ للعلة التي ذكرناها في الكفالة.
مسألة: [إبراء الطالب المطلوب براءة للكفيل أيضا]
قال أبو جعفر: (وإذا أبرأ الطالب المطلوب من المال الذي كفل له
стр. 1358
به، وقبل ذلك منه: برئ منه المطلوب والكفيل جميعا).
قال أحمد: قبل أو سكت، فالبراءة واقعة ما لم يردها؛ لأنها إسقاط حق كالعتق والطلاق، إلا أنها يلحقها الفسخ، فتنفسخ بالرد، والطلاق والعتق لا ينفسخان بعد وقوعهما، فمن هذا الوجه يختلفان.
فإذا أبرأ صاحب الأصل: برئ الكفيل؛ لأن صحة الكفالة متعلقة بصحة الأصل، لأنه لا تصح الكفالة بما ليس بمضمون على إنسان، فإذا أبرأ صاحب الأصل: برئ الكفيل.
وليس كالحوالة؛ لأنها تحويل المال من ذمته إلى ذمة المحال عليه، فجاز أن يبرأ منها صاحب الأصل إذا شرط تحويله إلى ذمة الغير.
*وسوى زفر بين الحوالة والكفالة، فلم يبرئ صاحب الأصل فيهما، واستشهد بالمسألة التي ذكرنا، من أن براءة صاحب الأصل توجب براءة الكفيل، فلا يصح ضمانه على الغير مع براءة الذي عليه الأصل، وقد بينا وجه المسألة في أول الباب.
مسألة: [إبراء الطالب الكفيل دون المطلوب صحيح]
قال أبو جعفر: (ولو لم يبرئ منه المطلوب، ولكنه أبرأ منه الكفيل، وقبل ذلك منه الكفيل: برأ الكفيل من المال، وكان للطالب أن يرجع بالمال على المطلوب، وسواء في ذلك قبل الكفيل البراءة، أو لم يقبلها).
قال أحمد: ليست صحة المال على صاحب المال متعلقة بصحته على الكفيل؛ لأن المال يصح ضمانه على صاحب الأصل من غير أن يكون به كفيل، وصحته على الكفيل متعلقة بصحة ضمانه في الأصل على المكفول عنه، فمن أجل ذلك كان إبراؤه صاحب الأصل، موجبا لبراءة الكفيل، ولم يوجب إبراءه الكفيل براءة صاحب الأصل.
стр. 1359
وبراءة الكفيل واقعة وإن ردها، من قبل أنه ليس فيها تمليك؛ لأنها لو كانت موجبة للتمليك، لوجب أن يبرأ صاحب الأصل؛ لأنه غير جائز أن يملك ذلك المال غيره، وهو باق مع ذلك في ذمة صاحب الأصل، لأنه لا يجوز أن يبقى له ملك فيما قد ملكه غيره.
ولما لم يقتض إبراء الكفيل تمليكا بحال، كان بمنزلة البراءة من سائر الحقوق التي لا تمليك فيها، نحو البراءة من العيب، وإسقاط خيار الرؤية بعد رؤية المبيع، وتسليم الشفعة، والعفو من دم العمد، ونحو ذلك من الحقوق التي إذا أبرأ منها: لم تنفسخ بالرد.
وليس كذلك براءة صاحب الأصل، في باب أنها تنفسخ بالرد؛ لأن فيها تمليك أصل المال، فلذلك انفسخت بالرد.
مسألة: [تصدق الطالب أو هبته المال للكفيل]
قال أبو جعفر: (ولو لم يبرئه من المال، ولكنه وهبه له، أو تصدق به عليه، وقبل منه الكفيل: جازت الهبة والصدقة، وللكفيل أن يرجع بالمال على المطلوب).
وذلك أن الهبة والصدقة من ألفاظ التمليك، ألا ترى أنها تملك بها الأعيان، وليست البراءة كذلك، ألا ترى أن الأعيان لا تملك بلفظ البراءة.
وإذا كان كذلك، انتقل ملك المال إلى الكفيل، وبرئ المطلوب من مال الطالب، وصار المال للكفيل.
وإنما جاز أن يملكه الكفيل، من قبل أن ذلك المال بعينه في ذمة الكفيل، فجاز تمليكه إياه، ورجع الكفيل بالمال على المطلوب، كما لو ملكه بالأداء، رجع به على المطلوب.
*قال أبو جعفر: (وإن لم يقبل الكفيل الهبة ولا الصدقة: بطلت،
стр. 1360
وكانت الكفالة على حالها).
وذلك لأن الهبة والصدقة لما كانتا عقدي تمليك، كان له أن لا يقبل، ويفسخها بالرد، وكانت الكفالة بحالها، والمال على حاله يأخذ له أيهما شاء.
مسألة: [تأخير الطالب مطالبة الكفيل لا يعتبر تأخيرا للمطلوب]
قال أبو جعفر: (وإذا أخر الطالب المال عن الكفيل: لم يكن تأخيرا عن صاحب الأصل، وإن أخر عن المطلوب: كان تأخيرا عن الكفيل).
وهذا علة ما بينا في براءة صاحب الأصل، أنها توجب براءة الكفيل، ولا توجب براءة الكفيل إبراء صاحب الأصل.
فإن قيل: فقد يجوز أن يكون المال مؤجلا على صاحب الأصل، حالا على الكفيل، وهو أن يموت الكفيل فيحل عليه المال.
وكالعبد المحجور عليه إذا أقر بمال، أو الفقير، فيكفل به عنهما رجل، فيكون المال على الكفيل حالا، وعلى العبد بعد العتق، وعلى الفقير إذا وجد.
قيل له: إذا مات الكفيل، فإن الأجل حل عليه من جهة الحكم، ولم يكن سقوطه من جهة من هو عليه، فصار كأنه أداه في حياته حالا، فلا يرجع به على صاحب الأصل إلا إلى أجله.
فأما العبد المحجور عليه، فليس المال مؤجلا عليه، ولكنه لا يطالب به في الرق؛ لأن الرق ملك للمولى، والعبد لا يملك شيئأ، فلم يجز إقراره على غيره، فهو بمنزلة الفقير الذي لا يملك شيئا.
стр. 1361
وكونه فقيرا: لا يوجب أن يكون المال مؤجلا عليه؛ لأن المطالبة قائمة عليه في اللزوم.
مسألة:
قال: (وإذا صالح الطالب الكفيل من المال على بعضه: جاز).
قال أحمد: وهو على ثلاثة أوجه:
١. إما أن يوقع الصلح مبهما، فيقول: قد صالحتك من المال على نصفه أو ثلثه: فيجوز، فيبرأ الكفيل وصاحب الأصل من البقية.
٢. أو أن يقول: صالحتك على أن تبرأ أنت من البقية: فهذا لا يوجب براءة الأصل.
أو يقول: صالحتك على أن تبرآ جميعا من الباقي: فيبرآن جميعا.
وذلك لأن المال مال واحد، الذي على الكفيل هو الذي على صاحب الأصل، فإن صالح من المال على البعض، فالظاهر أنه قد أسقط حقه من الباقي.
وإذا شرط براءتهما جميعا: فكذلك.
وإذا شرط براءة الكفيل خاصة: لم يبرأ صاحب الأصل، إذ ليست صحة بقائه على صاحب الأصل متعلقة ببقائه على الكفيل، على ما قد بينا.
مسألة: [ضمان العهدة]
قال: (وقال أبو حنيفة ضمان العهدة باطل).
стр. 1362
قال أبو أحمد: العهدة في كتاب الشرى، وهو للمشتري، فهو منزلة من ضمن لرجل ملكه، وهذا باطل؛ لأن صحة الضمان إنما تتعلق بما كان مضمونا على إنسان، فيضمنه الكفيل عنه، وكتاب الشرى ليس بمضمون على أحد فيضمنه الكفيل.
وأما أبو يوسف ومحمد فقالا: إن حملنا الضمان على هذا المعنى: بطل، وصار لغوا، فحملاه على ضمان الدرك فيما عقد عليه الشرى، ليصح معنى الضمان، ولا يصير لغوا.
مسألة: [صحة الكفالة بالمجهول، وإلى الأجل المجهول المتعارف]
قال أحمد: والكفالة تتعلق ع الأخطار، وتصح في المجهول، وإلى الآجال المجهولة التي لها سبب في المال، أو جرت العادة من الناس بمثلها.
فأما تعلها على الأخطار، فنحو قوله: ما بايعت به فلانا من شيء: فهو علي.
و: وإن لم يوفك فلان اليوم ما لك عليه: فهو علي.
وبالمجهول أن يقول: ما لك على فلان: فهو علي.
والأجل المجهول: إلى الحصاد والدياس، وإلي قدوم فلان، وهو الذي عليه الأصل، أو: هو كفيل عنه: فهي جائزة إلى هذه الآجال؛ لأنها
стр. 1363
أسباب قد يتعلق بها إمكان الأداء.
ولو جعل أجلها إلى أن تمطر السماء، أو تهب الريح: لم يكن ذلك أجلا، وكان المال حالا عليه، ذلك لأن هذه الآجال ليس لها سبب في إمكان الأداء، ولا يتعارفها الناس آجالا.
والأصل في جواز تعلقها على الأخطار: اتفاق الفقهاء على جواز ضمان الدرك، وهو خطر، لجواز كون الاستحقاق أو عدمه، وإذا جازت على الأخطار، جازت بالمجهول، وإلى الآجال المجهولة؛ لأن كل ما كان تعلقه على خطر، جاز في المجهول، وإلى أجل مجهول، كالطلاق والعتاق ونحوهما.
وبهذا المعنى فارقت البيوع؛ لأن لها أصلا آخر، وهو قول النبي ﷺ : "من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم".
ونهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، وسائر الأخبار الواردة في هذا المعنى.
*****
стр. 1364
كتاب الشركة
مسألة: [وجوه الشركة]
قال أحمد: الشركة على وجهين: شركة العقود، وشركة الأملاك.
فأما شركة الملك، فهي مثل العبد بين رجلين، أو الدار ونحوها، أو دين بين رجلين لهما على رجل من ثمن عبد باعاه صفقة، أو غصبه رجل فاستهلكه، فهما شريكان في الدين، يقبضه أحدهما، شركه الآخر فيه.
وأما شركة العقود، فهي على ضربين: شركة الأموال، وشركة الأبدان.
وشركة الأموال تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: شركة المفاوضة، والثاني: شركة عنان، والثالث: شركة الوجوه.
فأما شركة الأبدان فهي على وجهين: منها مفاوضة، وغير مفاوضة.
[١ - شركة المفاوضة:]
فأما شركة المفاوضة في الأموال، فإنها تنتظم الكفالة فيما يتعلق
стр. 1365
بالتجارة، والوكالة العامة في التصرف، والخصومة والمساواة في جميع ذلك، وفي ملك ما يصح انعقاد الشركة عليه، وهو الدراهم والدنانير، وأن يكون جميع المال الذي تنعقد عليه الشركة داخلا في شركتهما.
ولا تنعقد إلا بذكر لفظ المفاوضة مع ذلك في عقد الشركة، وذلك مروي عن أصحابنا.
ومتى فقد شيء من هذه الشروط التي ذكرنا: لم تكن مفاوضة، وكانت شركة عنان.
وقد قيل: إن المفاوضة أصلها المساواة، كما قال الأفوه الأودي: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وقيل: إنها من التفويض، وهو أن كل واحد منهما يفوض أمره في التصرف في التجارة والخصومة وما يتعلق بها إلي صاحبه، وأقامه في ذلك مقام نفسه.
وقد روي جواز شركة المفاوضة عن الشعبي وابن سيرين وغيرهما.
стр. 1366
*وإنما جازت شركة المفاوضة؛ لأنها منتظمة لمعان، لو أفرد كل واحد منها، وعقد عليه: جاز، وهى الكفالة والوكالة في التصرف وفي الخصومة، والشركة، والمساواة في ذلك.
فإن قيل: لو قال رجل لرجل: من بايعت من الناس فأنا ضامن لذلك: لم يصح الضمان على هذا الوجه، فكيف تنعقد عليه المفاوضة؟.
وكذلك الوكيل بالخصومة، لا يصح إقراره عند غير القاضي، وقد أجزت إقرار أحد المتفاوضين على صاحبه عند غير قاض.
قيل له: قد يجوز أن يتعلق بعقد المفاوضة من هذه المعاني ما لو أفرده لم يصح.
ألا ترى أن المضاربة، تحتها وكالة بالبيع، وما يتعلق بالمضاربة من الوكالة لا يصح إفرادها؛ لأن المضارب يجوز له بيع ما يشريه، ولا يعمل نهي رب المال بعد الشرى، والوكالة المفردة من غير جهة المضاربة، يصح فيها النهي عن البيع بعد الشرى.
وكذلك لو دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف جاز، وتعلقت بها الوكالة في الشرى والبيع.
ولو قال له: قد وكلتك. وسكت، لم ينتظم ذلك جواز البيع والشرى، فصار ما يتعلق باللفظ من طريق الحكم مخالفا لما تفرد به، ألا ترى أنه لا يجوز البيع على شرط خيار مجهول المدة، ولو باع عبدا، فاطلع المشتري على عيب، كان له خيار الرد بالعيب، وهو مجهول المدة.
وكذلك لو اشترى إبريق فضة بمائة دينار، وافترقا، ثم وجد به عيبا، كان له الخيار في الرد، ولم يبطل العقد لأجل ما له فيه من الخيار، ولم يكن ذلك بمنزلة خيار الشرط.
стр. 1367
فدل ذلك على أنه قد يجوز أن يتعلق بعقد المفاوضة من الكفالة والوكالة ما لا يصح إفراده لو انفرد عن المفاوضة.
*وإنما قلنا إنها تنتظم كفالة عامة فيما يتعلق بالتجارة، وكان ضمنه ضمان التجارة، لئلا تدخل أروش الجنايات، ومهر المرأة، ونحوها في الضمان، إذ كان ذلك مما لا يتعلق بالتجارة، ولا يصح فيه عقد الشركة.
*وشرنا إفساد المفاوضة بزيادة المال الذي تصح فيه الشركة؛ لأنه لو ورث عروضا، لم تفسد المفاوضة، ولو ورث دينا لم تفسد حتى يقبض، لأن العروض والدين لا تصح فيهما المفاوضة.
[٢ - شركة العنان:]
وأما شركة العنان، فهي أن تعقد شركة على مال، يخرجه كل واحد منهما، على أن يشتريا ويبيعا في التجارات كلها، أو في نوع خاص، فهذا منهما، على أن يشتريا عنان، وكل واحد منهما يجوز تصرفه على صاحبه، كما يجوز تصرف المضارب.
ويجوز فيها شرط زيادة الربح لأحدهما، وسواء خلطا المالين، أو لم يخلطا، وسواء تساويا في رأس المال، أو تفاضلا فيه، فهو جائز.
ولا خلاف بين الفقهاء في جواز شركة العنان، وهو مما أقر النبي ﷺ الأمة عليه؛ لأن أهل كل عصر لم يخلو من ذلك، كالمضاربة، فصار أصلا بإقرار النبي ﷺ الأمة عليه، من
стр. 1368
غير نكير على فاعله.
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا عبد الله بن عثمان عن مجاهد"عن السائب بن أبي السائب أنه كان يشارك النبي ﷺ في أول الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح قال: مرحبا بأخي وشريكي، لا يداري ولا يماري، يا سائب! قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تقبل منك، وكان ذا سلف وصلة، وهي اليوم تقبل منك".
وهى تنتظم الوكالة في التصرف في المال الذي عقدا فيه الشركة، واستحقاق الربح دون أن يكون واحد منهما خصما عن صاحبه، أو ضمينا له في شيء من ذلك، كالمضارب سواء.
[وجه تسمية شركة العنان:]
وقيل: إن قولهم شركة عنان، مأخوذ من عنان الدابة، فإن الراكب يشغل إحدى يديه بالعنان، والأخرى يصرفها كيف يشاء في غيره، كذلك شريك العنان، يتصرف من وجه في مال الشركة، ويتصرف مع ذلك لنفسه
стр. 1369
كيف شاء في غير مال الشركة.
وحكي لنا عن أبي جعفر بن أبي عمران أنه قال: قيل لأبي عاصم النبيل:
ما معنى شركة العنان؟ فقال: كلمة تطرف بها أهل الكوفة، لا أصل لها في اللغة.
قال أبو بكر: وهى مشهورة في اللغة، قال النابغة الجعدي:
وشاركنا قريشا في تقاها ... وفي أحسابها شرك العنان
بما ولدت نساء بني هلال ... وما ولدت نساء أبي أبان
стр. 1370
وقيل: إن شركة العنان مأخوذة من قولهم: عن لي الشيء: أي ظهر لي، كما قال امرؤ القيس:
فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في ملاء مذيل
فكأنهما لما ظهر لهما العقد على التصرف في جهة دون غيرها، سموها شركة عنان.
*وقد تكون شركة عنان، بأن يكون المال من عندهما جميعا، والعمل على أحدهما خاصة، فتجوز حينئذ بشرط فضل الربح للعامل، لأجل عمله، ولا تجوز بشرط فضل الربح للذي لم يعمل؛ لأنه لم يشر عمل، فهو إنما يستحق الربح بمقدار ملكه فحسب.
[٣ - شركة الوجوه:]
وأما شركة الوجوه، فهي أن يشتركا من غير مال، على أن ما اشترياه من شيء، فهو بينهما نصفين، أو على الثلثين والثلث، ونحو ذلك: فهذا جائز.
следующие страницы →