← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

*وإنما جازت شركة المفاوضة؛ لأنها منتظمة لمعان، لو أفرد كل واحد منها، وعقد عليه: جاز، وهى الكفالة والوكالة في التصرف وفي الخصومة، والشركة، والمساواة في ذلك. فإن قيل: لو قال رجل لرجل: من بايعت من الناس فأنا ضامن لذلك: لم يصح الضمان على هذا الوجه، فكيف تنعقد عليه المفاوضة؟. وكذلك الوكيل بالخصومة، لا يصح إقراره عند غير القاضي، وقد أجزت إقرار أحد المتفاوضين على صاحبه عند غير قاض. قيل له: قد يجوز أن يتعلق بعقد المفاوضة من هذه المعاني ما لو أفرده لم يصح. ألا ترى أن المضاربة، تحتها وكالة بالبيع، وما يتعلق بالمضاربة من الوكالة لا يصح إفرادها؛ لأن المضارب يجوز له بيع ما يشريه، ولا يعمل نهي رب المال بعد الشرى، والوكالة المفردة من غير جهة المضاربة، يصح فيها النهي عن البيع بعد الشرى. وكذلك لو دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف جاز، وتعلقت بها الوكالة في الشرى والبيع. ولو قال له: قد وكلتك. وسكت، لم ينتظم ذلك جواز البيع والشرى، فصار ما يتعلق باللفظ من طريق الحكم مخالفا لما تفرد به، ألا ترى أنه لا يجوز البيع على شرط خيار مجهول المدة، ولو باع عبدا، فاطلع المشتري على عيب، كان له خيار الرد بالعيب، وهو مجهول المدة. وكذلك لو اشترى إبريق فضة بمائة دينار، وافترقا، ثم وجد به عيبا، كان له الخيار في الرد، ولم يبطل العقد لأجل ما له فيه من الخيار، ولم يكن ذلك بمنزلة خيار الشرط.

стр. 1367

فدل ذلك على أنه قد يجوز أن يتعلق بعقد المفاوضة من الكفالة والوكالة ما لا يصح إفراده لو انفرد عن المفاوضة. *وإنما قلنا إنها تنتظم كفالة عامة فيما يتعلق بالتجارة، وكان ضمنه ضمان التجارة، لئلا تدخل أروش الجنايات، ومهر المرأة، ونحوها في الضمان، إذ كان ذلك مما لا يتعلق بالتجارة، ولا يصح فيه عقد الشركة. *وشرنا إفساد المفاوضة بزيادة المال الذي تصح فيه الشركة؛ لأنه لو ورث عروضا، لم تفسد المفاوضة، ولو ورث دينا لم تفسد حتى يقبض، لأن العروض والدين لا تصح فيهما المفاوضة. [٢ - شركة العنان:] وأما شركة العنان، فهي أن تعقد شركة على مال، يخرجه كل واحد منهما، على أن يشتريا ويبيعا في التجارات كلها، أو في نوع خاص، فهذا منهما، على أن يشتريا عنان، وكل واحد منهما يجوز تصرفه على صاحبه، كما يجوز تصرف المضارب. ويجوز فيها شرط زيادة الربح لأحدهما، وسواء خلطا المالين، أو لم يخلطا، وسواء تساويا في رأس المال، أو تفاضلا فيه، فهو جائز. ولا خلاف بين الفقهاء في جواز شركة العنان، وهو مما أقر النبي ﷺ الأمة عليه؛ لأن أهل كل عصر لم يخلو من ذلك، كالمضاربة، فصار أصلا بإقرار النبي ﷺ الأمة عليه، من

стр. 1368

غير نكير على فاعله. وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا عبد الله بن عثمان عن مجاهد"عن السائب بن أبي السائب أنه كان يشارك النبي ﷺ في أول الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح قال: مرحبا بأخي وشريكي، لا يداري ولا يماري، يا سائب! قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تقبل منك، وكان ذا سلف وصلة، وهي اليوم تقبل منك". وهى تنتظم الوكالة في التصرف في المال الذي عقدا فيه الشركة، واستحقاق الربح دون أن يكون واحد منهما خصما عن صاحبه، أو ضمينا له في شيء من ذلك، كالمضارب سواء. [وجه تسمية شركة العنان:] وقيل: إن قولهم شركة عنان، مأخوذ من عنان الدابة، فإن الراكب يشغل إحدى يديه بالعنان، والأخرى يصرفها كيف يشاء في غيره، كذلك شريك العنان، يتصرف من وجه في مال الشركة، ويتصرف مع ذلك لنفسه

стр. 1369

كيف شاء في غير مال الشركة. وحكي لنا عن أبي جعفر بن أبي عمران أنه قال: قيل لأبي عاصم النبيل: ما معنى شركة العنان؟ فقال: كلمة تطرف بها أهل الكوفة، لا أصل لها في اللغة. قال أبو بكر: وهى مشهورة في اللغة، قال النابغة الجعدي: وشاركنا قريشا في تقاها ... وفي أحسابها شرك العنان بما ولدت نساء بني هلال ... وما ولدت نساء أبي أبان

стр. 1370

وقيل: إن شركة العنان مأخوذة من قولهم: عن لي الشيء: أي ظهر لي، كما قال امرؤ القيس: فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في ملاء مذيل فكأنهما لما ظهر لهما العقد على التصرف في جهة دون غيرها، سموها شركة عنان. *وقد تكون شركة عنان، بأن يكون المال من عندهما جميعا، والعمل على أحدهما خاصة، فتجوز حينئذ بشرط فضل الربح للعامل، لأجل عمله، ولا تجوز بشرط فضل الربح للذي لم يعمل؛ لأنه لم يشر عمل، فهو إنما يستحق الربح بمقدار ملكه فحسب. [٣ - شركة الوجوه:] وأما شركة الوجوه، فهي أن يشتركا من غير مال، على أن ما اشترياه من شيء، فهو بينهما نصفين، أو على الثلثين والثلث، ونحو ذلك: فهذا جائز.

стр. 1371

وكذلك إن اشتركا في نوع خاص من التجارات: جاز أيضا، ويستحقان الربح على قدر الملكين، ولا يجوز لأحدهما أن يستحق ربح شيء من ملك صاحبه. وهي مخالفة لشركة العنان من هذا الوجه، وذلك لأن هذه الشركة ليست معقودة على العمل، لأن ما انعقد من الشركة لا يصح إلا في مال خاص، بمنزلة المضاربة، ولما صحت بغير مال حاضر لهما، دل على أنها ليست معقودة على العمل، وإنما هي وكالة، فلا يجوز لأحدهما أن يستحق ملك صاحبه، منزلة رجل قال لرجل: اشتر لنفسك عبدا على أن ربحه بينى وبينك، فلا يصح هذا الشرط، ولا يكون ذلك مضاربة، كذلك شركة الوجوه بهذه المئابة. ولا يلزم واحدا منهما ضمان ما لزم صاحبه إذا لم يشرطا فيها المفاوضة، وذلك لأن هذه الشركة غير مفتقرة إلى الضمان في صحتها، ولم يكن في عقد الشركة ضمان، وإنما هي وكالة على ما بينا، فلذلك انتفى عنها الضمان، وتفضيل الربح. وقد تصح المفاوضة في شركة الوجوه، رواه أبو الحسن عنهم. [٤ - شركة الأبدان:] وأما شركة الأبدان، فهي أن يشتركا على أن يتقبلا الأعمال، أو نوعا منها، على أن ما ربحا كان بينهما نصفين: فهو جائز. وكذلك إن كان أحدهما خياطا، والآخر قصارا، كما لو اشتركا

стр. 1372

شركة عنان، ولأحدهما دراهم وللأخر دنانير, ويجوز أن يشرط لأحدهما من الفضل أكثر مما شرط للآخر، فإن شرطا أن يكون ما تقبلاه فعلى أحدهما ضمان ثلثه، وعلى الآخر ضمان الثلثين: جاز الشرط على ما عقداه، ويكون الربح بينهما على ما اشترطا، والوضيعة عليهما على قدر الضمان. *وجعل محمد ذلك بمنزلة شركة العنان في المال المعين منهما إذا اشترطا لأحدهما فضل الربح لأجل عمله جاز، والوضيعة على قدر رأس المالين، لا غيره. *وإذا دفع رجل إلى أحد الشريكين عملا، فله أن يأخذ بالعمل أيهما شاء، ولكل واحد منهما أن يطالب بأجرة العمل، وإلى أيهما دفع صاحب العمل: برئ. وعلى أيهما وجب ضمان العمل، كان له أن يطال الآخر وإن لم يتفاوضا، وإنما اشتركا شركة مبهمة، وهي استحسان، ذكر ذلك أبو الحسن من قول أصحابنا. قال أحمد: شركة الأبدان معقودة على الضمان؛ لأنها لا تصح إلا بالضمان، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: تقبل أنت بعمل، على أن يكون ربحه لي، وليس لهما مال يستحقان الربع عليه، فإذا لم يكن ها هنا وجه يجوز أن يستحق عليه الربح غير الضمان، صار عقدهما الشركة متضمنا للضمان، وموجبا لع من حيث لا يصح إلا به، وقد قصد إلى تصحيحها. وليست شركة الأبدان في هذا، مثل شركة الوجوه والعنان؛ لأن شركة

стр. 1373

الوجوه غير مفتقرة إلى الضمان، إذ قد صحت بغيره، وهي حصول ملك ما يشترى. وكذلك في شركة الأبدان مال، ولا ملك لوحد منهما، فوجب أن يكون المعنى الذي انعقدت عليه الشركة وصح به الربح لكل واحد منهما فيما تقبله الآخر هو الضمان. *وإنما جاز شرط التفاضل في الربح في شركة الأبدان: لأجل فضل بصره في العمل، وقد انعقدت الشركة على العمل مع الضمان، فصارت كشركة عنان. وتجوز عندهم شركة الأبدان على عمل بأبدانهم مختلف، وهي مثل شركة عنان، على أن يتجر أحدهما في الدقيق، والآخر في البر. *وتجوز المفاوضة في شركة الأبدان، كما تجوز في شركة الأموال. فصل: [وجوه استحقاق الربح] قال أحمد: ولا يجوز استحقاق الربح إلا بأحد وجوه ثلاثة: أما بالملك، أو العمل، أو بالضمان. فاستحقاقه بالعمل والملك، مثل ما يستحقه المضارب لأجل عمله، ورب المال لأجل ملكه. وأما استحقاق الربح بالضمان، فهو ما يستحقه كل واحد من شريكي شركة الأبدان وإن لم يعمل، بحصول العمل في ضمانه.

стр. 1374

قال أحمد: وقد بينا أصول الشركة، فلنذكر مسائل الباب، ونجريها عليها. مسألة: قال أبو جعفر: (وتصح المفاوضة وإن لم يخلطا المالين). وذلك لأن هذه الشركة تعلقت صحتها بالعقد، على حسب ما تصح الوكالة والمضاربة، فلا تفتقر في صحتها إلى خلط المال. مسألة: [الميراث لا يدخل في المفاوضة] قال: (وإن ورث أحدهما، كان له خاصة، ولا تفسد به المفاوضة حتى يقبضه). قال أحمد: الميراث لا يدخل في المفاوضة، لأنه لا يستحق بالعقد، وإنما يستحق بالنسب ونحوه من الأسباب الموجبة له. وأيضا: فلا يصح أن يستحقه بالوكالة، فلا يدخل في المفاوضة. ولا تفسد المفاوضة إذا كان الذي ورث دراهم أو دنانير حتى يقبض؛ لأنها في الأصل لا تنعقد على مال حاضر، فلا تفسد حتى تصير في يده، بحيث يصح عقد الشركة فيه. مسألة: قال: (ويجوز إقرار كل واحد منهما على نفسه في أسباب المفاوضة، ويلزم الشريك). لما بينا من أنها تقتضي وكالة عامة في هذه الوجوه. مسألة: قال بو جعفر: (وتجوز شركة العنان مع التفاضل في الربح).

стр. 1375

وذلك لأنه يجوز أن يشترطه له، لأجل عمله، كما يستحقه المضارب. قال أحمد: وقال زفر: لا يجوز شرط تفضيل الربح في شركة العنان؛ لأنه شريك في الربح بمنزلة الأجر، فلا يستحقه الشريك، كطعام بين رجلين استأجر أحدهما صاحبه لحمله. قال أحمد: لو صح هذا الاعتبار، لم يصح للمضارب استحقاق الربح؛ لأنه يصير شريكا بأول جزء من الربح، فيكون عاملا في مال نفسه، ومال غيره. وأيضا: فليس ربح الشريك مستحقا على وجه الأجرة؛ لأنه لو كان كذلك، يجبر على العمل، ولما كان له فسخها إلا من عذر، فدل ذلك على جواز شرط فضل الربح في شركة العنان. مسألة: [إقرار أحد المتفاوضين بدين] قال أبو جعفر: (وما أقر به كل واحد منهما من دين بسبب الشركة، فإنه يلزمه دون صاحبه). وذلك لأنه بمنزلة الوكيل في الشرى، وليس بوكيل في الخصومة، فلا يجوز إقراره على الموكل. مسألة: [مفاوضة المسلم مع الذمي] (وجائز أن يتعاقدها المسلم والذمي، ويكره ذلك للمسلم).

стр. 1376

وروى كراهة ذلك عن ابن عباس، وذلك لأن الذمي يستحل ما لا يستحله المسلم من العقود الفاسدة. مسألة: [مفاوضة الحر والعبد] قال: (وجائز أن يتعاقدها الحر والعبد المأذون له في التجارة، والصبي المأذون له في التجارة). وذلك لما وصفنا من أنها في معنى المضاربة والوكالة. مسألة: [شركة الأبدان] قال أبو جعفر: (وشركة الأبدان جائزة فيما تصح فيه الوكالة، ولا تجوز فيما لا تجوز فيه الوكالة. قال: وتفسير ذلك أنه يجوز للرجل أن يوكل صاحبه بالابتياع له، وبالاستئجار عليه، ولا يجوز له أن يوكل صاحبه بالاصطياد له، فما جاز فيه الوكالة من ذلك: جازت فيه الشركة، وما لم تجز فيه الوكالة من هذا، لم تجز فيه الشركة). قال أحمد: وذلك لأن التصرف في الشركة إنما هو على جهة الوكالة، فلذلك اعتبر فيه الوكالة. وفيه وجه آخر: وهو أن الاصطياد والاحتطاب، إنما يقع في أشياء مباحة الأصل، لا ملك فيها لوحد منهما، ولا ضمان، ولا تصح الشركة إلا على ملك أو ضمان، فلما عري ذلك من الوجهين جميعا: لم تصح الشركة.

стр. 1377

والخياطة، والصبغ، والقصارة، فيها ضمان العقد، فصحت الشركة فيها. مسألة: [الشركة في الصناعات] قال أبو جعفر: (وللرجلين أن يشتركا في صناعة واحدة، أو صناعتين مختلفتين، ولا يجوز في هذا أن يفضل أحج الشريكين صاحبه في الربح كما يجوز في شركة العنان). قال أحمد: إن أراد بقوله: لا يجوز تفضيل أحدهما على الآخر في الربح في شركة الوجوه، وأراد بالصناعتين: نوعين من التجارة، نحو البر والدقيق: فالجواب صحيح، لا يجوز فيه تفضيل أحدهما في الربح على مقدار ملكه. وإن أراد به شركة الأبدان: فليس كذلك؛ لأن من أصلهم جواز التفضيل في الربح في شركة الأبدان. مسألة: [عدم جواز شركة العنان بالفلوس] قال أبو جعفر: (ولا تجوز شركة العنان إلا على الدراهم والدنانير في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف: تجوز بالفلوس، ثم رجع فقال لا تجوز، وقال محمد: هي جائزة بالفلوس). قال أحمد: ذكر محمد في كتاب المضاربة: أن المضاربة لا تجوز بالفلوس في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: تجوز. وحكى ابن شجاع عن أبي يوسف أن الشركة جائزة بالفلوس، ولا

стр. 1378

تجوز المضاربة. ففرق بين الشركة، والمضاربة في رواية ابن شجاع، وعلى ما ذكره أبو جعفر من قوله الأخير لم يفرق. *وإنما لم تجوز الشركة بالعروض، من قبل أنها تقتضي الوكالة، على الحد الذي بينا فيما سلف من الباب، فالوكالة لا تصح على هذا الوجه؛ لأنه لا يجوز أن تقول له: بع عبدك هذا على أن يكون بيني وبينك، فكذلك الشركة لا تصح بالعروض، إذ هي متضمنة للوكالة على هذا الوجه، وليس كذلك الدراهم والدنانير؛ لأنه تصح الوكالة فيها على هذا الوجه الذي انعقدت عليه الشركة. ألا ترى أنه يجوز أن يقول: اشتر بدراهمك هذه عبدا يكون بيني وبينك ووجه آخر: وهو أنها لو جازت بالعروض، لوقعت القسمة على القيمة إذا أرادا فسخ الشركة، ولا تعرف قيمتها إلا بالحرز والظن، بتحصل الشركة في مجهول، ولا تصح الشركة في رأس مال مجهول. فإن قيل: قد جازت على ربح مجهول، ولا تفسدها أيضا الشروط، فهلا أجهزتها وإن انقسمت على القيمة عند القسمة. قيل له: لا يجب ما ذكرت؛ لأن عند النكاح قد يصح على مهر مجهول، ولا تفسده الشروط، ولا يصح مع ذلك في منكوحة مجهولة.

стр. 1379

مسألة: [الشركة بالمكيلات أو الموزونات] قال أحمد: قال محمد: إذا جاء أحدهما بنوع من المكيل أو الموزون، وجاء الآخر بمثله في الكيل والصفة والجودة، فخلطاه: جازت الشركة فيما بينهما عند محمد، وأن يتفاضلا في الربح، كما يكون في الدراهم والدنانير. وقال أبو يوسف في الإملاء: يكونان شريكين بالخلط، ولا يجوز أن يفضل أحدهما صاحبه في الريح. فإن قال قائل: أجازة محمد الشركة بالخلط في الصنف الواحد من المكيل والموزون، ينقض علينا اعتلالنا له في امتناع جواز الشركة بالعروض؛ لأنه إذا قال: بع حنطتك هذه على ان يكون ثمنها بيني وبينك، لم يصح. قيل له: لا يلزم، من قبل أن الحنطة قد تصح أن تكون ثمنا، وتصح الوكالة فيها على وجه. ألا ترى انه لو قال: اشتر لي عبدا بكر حنطة في ذمتك، واقضه الكر الذي لك: جازت هذه الوكالة، وإذا قضاه رجع به على الآمر، فلما كانت الوكالة قد تصح فيها من وجه، صحت الشركة فيها إذا خلطاها، لأنهما قد شرطا أن يبيعا ويشتريا بها، فإذا خلطا لم يقع الشرى إلا بهما، فلذلك جازت بحصول شركتهما فيها، وجواز ثبوتها في الذمة ثمنا إذا اشترى بها. وكان أبو الحسن يقول: كل ما لم يكن ثمنا للأشياء: لم تنعقد الشركة عليه إلا بالخلط، فإذا خلط ما يكال أو يوزن صحت الشركة؛ لأن كل جزء منه صار بينهما.

стр. 1380

ويصح أن يستوفى كل واحد منهما عند القسمة رأس ماله من غير تقويم، فهو في هذا الوجه مثل الدراهم والدنانير. ولو كان لأحدهما شعير، وللآخر حنطة، فخلطاه: لم تصح الشركة؛ لأن القسمة تقع فيهما على القيمة، لأن الخلط يجعلهما بمنزلة العروض. مسألة: [الشركة في العروض] وقال محمد: إن أراد الشركة في العروض، باع كل واحد منهما نصف عروضه بنصف عروض الآخر، وتقابضا، حتى يصير ذلك كله بينهما، ثم يشتركان بعد ذلك، فتكون الشركة جائزة. قال محمد: ولو اشتركا هكذا مفاوضة: جاز. حكى ذلك أبو الحسن عن محمد. قال أحمد: وإنما جازت، لأنهما متساويات في الحال، شريكان فيها، ولا يحتاج عند القسمة إلى اعتبار القيمة؛ لأن جميع ما يحصل من الثمن يكون بينهما نصفين. *وأما وجه قول أبي حنيفة في امتناع جوازها بالفلوس، فلأنها يجوز أن تكسد قبل القسمة، فتصير عروضا، ويؤدي ذلك إلى إيقاع القسمة على القيمة. وأيضا: فإنهما إنما تنفق في موضع دون موضع، وجائز أن تصير إلى موضع لا تنفق فيه، فتخرج من أن يصح ابتداء العقد، أو يريد القسمة فيحتاج إلى اعتبار القيمة.

стр. 1381

ويدل على ما ذكرنا: أنها لا تقوم بها المستهلكات، وتقوم بالدراهم والدنانير. مسألة: [يد الشريك يد أمانة] قال أبو جعفر: (وكل واحد من الشريكين أمين فيما في يده، يقبل قوله في ضياع المال مع يمينه). وذلك لأنه قبضه بإذن شريكه لا على وجه البدل، فصار كالمودع. وأيضا: "روي عن على ﵁ انه قال: ليس على من قاسم الربح ضمان"، يعني المضارب والشريك. مسألة: [فسخ الشركة بموت أحد الشريكين] قال: (وأي الشريكين مات انفسخت الشركة). وذلك لأن الملك ينتقل إلى الغير، فيبطل أمره فيه؛ لأن الشركة تحتها وكالة، والموت يبطل الوكالة، كذلك الشركة, مسألة: [حق الشريك في فسخ الشركة] قال: (ولكل واحد من الشريكين أن يفسخ الشركة ما كان المال عينا، كما تفسخ الوكالة. قال: فإن لم يعلم صاحبه بفسخ الشركة، كانت الشركة على حالها، كالعزل عن الوكالة، لا تصح إلا مع العلم). والأصل فيه: أوامر الله تعالى ونواهيه، لا يتعلق حكمها إلا بالعلم.

стр. 1382

وأما في الموت: فإنها تفسخ، علم الآخر بالموت، أو لم يعلم؛ لأن ملك المال قد انتقال إلى الغير، وبطل أمر الميت فيه. ألا ترى أنه لو وكل رجلا ببيع عبده، ثم عزله، وهو لا يعلم: لم ينعزل حتى يعلم. ولو باع العبد، فانتقل ملكه إلى الغير، صار الوكيل معزولا، علم أو لم يعلم، لانتقال ملك العبد إلى الغير، وبطلان أمره فيه، فانعزل من جهة الحكم. مسألة: [المساواة في التصرف بين المتفاوضين] قال احمد: وقال أبو حنيفة: لا تجوز المفاوضة بين عبدين أو صبيين، ولا بين عبد وحر، ولا صغير وكبير، ولا بين مسلم وذمي، وتجوز بين الذميين. وقال أبو يوسف: تجوز مفاوضة المسلم والذمي. أما العبد والصغير، فلأن المفاوضة فيها كفالة، وهما لا يملكان ١ لك بأنفسهما، والعبد وإن جازت كفالته بإذن مولاه، فإنه ليس ممكن يملكها بنفسه. وأما الذمي والمسلم، فلأنهما غير متساويين في التصرف، ألا ترى أنه يجوز تصرف الذمي في الخمر والخنزير، ولا يجوز تصرف المسلم فيهما. وقد بينا فيما سلف أن المفاوضة تقتضي المساواة، فوجب اعتبار المساواة في التصرف، كما اعتبرناها في رأس المال. *****

стр. 1383

كتاب الوكالة مسألة: [دليل جواز الوكالة وبيان وجوهها] قال أبو جعفر: (وللرجل أن يؤكل بحفظ ماله وببيعه، وبالتزويج عليه، وبطلاق نسائه، وبالمكاتبة، والعتق). قال أحمد: الوكالة من الأمور التي أقر النبي ﷺ الأمة عليهما، مع علمه بكونها منها؛ لأن أهل كل مصر لم يكونوا يخلون من ذلك، كما أقرهم على المضاربة والشركة ونحوها. وهي أيضا مذكورة في كتاب الله تعالى، قال الله فيما حكى أصحاب الكهف: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه﴾. فتضمنت التوكيل من جماعتهم لواحد منهم؛ لأنه أضاف الورق إليهم جميعا بقوله: ﴿بورقكم﴾، وهذه وكالة بشرى الطعام. ودل أيضا على أن ما ينبئ عن معني الشرى من الألفاظ، فهو قائم مقام لفظ الشرى في التوكيل في عقد الشرى؛ لأنه قال: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق

стр. 1384

منه﴾ ولم يقل: فليشتر, ويدل أيضا على أن الدراهم إذا كانت معلومة، أو معينة لم يحتج على ذكر مقدار ما يشتريه من الطعام في عقد الوكالة؛ لأنهم لم يذكروا مقدار الطعام. ويدل أيضا على جواز الاجتماع على أكل الطعام بينهم، وإن كان احدهم قد يأكل أكثر مما يأكله الآخر. *ويدل على الوكالة بالشرى والبيع حديث عروة البارقي وحكيم بن حزام حين "دفع النبي ﷺ إلى كل واحد دينارا، وأمره أن يشتري له شاة، ثم أجاز بيع عروة للشاة بغير أمره". *ويدل على جواز الوكالة في قضاء الدين واقتضائه حديث حذيفة عن النبي ﷺ : "أن رجلا لم يعمل من الخير شيئا إلا أنه قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجاوزوا عن الموسر، فقال الله تعالى: تجاوزوا عنه". وحديث أبي رافع: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقضي الرجل بكره". "وحديث أبي حميد الساعدى حين طالب الأعرابي النبي صلى الله

стр. 1385

عليه وسلم بدينه، فأمر بأن يؤخذ من خولة بنت حكيم ويقضي". ولا خلاف بين أهل العلم فيه مع ذلك. مسألة: [الوكالة في الخصومة] قال أبو جعفر: (وليس له أن يوكل في خصومة إلا برضا خصمه، إلا أن يكون مريضا، أو غائبا على مسيرة ثلاث، فإنه إذا كان ذلك: قبلت منه الوكالة في قول أبي حنيفة، ويستوي في ذلك الرجال والنساء. وأبو يوسف ومحمد يقبلان الوكالة في ذلك من الناس جميعا رضي الخصم، أو لم يرض). يحتج لأبي حنيفة فيها من وجهين: أحدهما: أن الخصومة حق قد لزمه للخصم، بدلالة أن الحاكم يعدي عليه، ويحضره، ويحول بينه وبين تصرفه وأشغاله، فليس له أن يحيل بهذا الحق على غير إلا برضا خصمه، كما أن من كان عليه مال، لم تصح إحالته به على غيره إلا برضا الطالب والوجه الآخر: أن على الحاكم التسوية بين الخصوم في المجلس، واللفظ، واللحظ، وليس من التسوية بينهما حضور أحدهما، وابتذاله للخصومة، وقعود الآخر في بيته. ألا ترى أنهما لو حضرا جميعا عند الحاكم، كان عليه التسوية بينهما

стр. 1386

في المجلس، وكذلك يجب أن يكون حكمه ما دام عليه حق الخصومة. وأما المريض والغائب، فحق الخصومة عند القاضي ساقط عنهما، بدلالة أن القاضي لا يعدي عليهما، ولا يحضرهما. وأما أبو يوسف ومحمد فذهبا إلى أن الوكيل يقوم مقام الموكل، وينوب عنه في الخصومة، فإذا وكل فقد وفى الخصم حقه من الخصومة. ولأبي حنيفة أن حق الخصومة إذا تعين على إنسان، فليس له أن يحيل به على غيره، لاختلاف أحوال الناس في الخصومة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ : "إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فإنما أقطع له قطعة من النار". فأخبر عن اختلاف أحوال الناس في القيام بالخصومة، والإدلاء بالحجة، فأشبه الدين الذي في الذمة، ليس له أن يحيله به على غيره إلا برضاه، لاختلاف أحوال ذمم الناس في الملاءة والثقة. *وما روي عن "عن علي ﵁ أنه كان لا يخاصم، ويقول: أن للخصومة قحما، فكان يوكل بها عقيلا، ثم وكل عبد الله ب جعفر، وقبل ذلك عثمان".

стр. 1387

فإن وجهه عندنا، أنه كان يوكل برضا الخصم، وذلك جائز عندنا. فإن قيل: هلا كانت الوكالة بالخصومة كسائر الوكالات من البيع والشرى وقبض الديون. قيل له: لأنه ليس في ذلك إبطال حق أحد، وفي التوكيل بالخصومة إبطال حق قد لزمه عن نفسه. فصل: [مكان قبول إقرار الوكيل بالخصومة] ويجوز إقرار الوكيل بالخصومة على موكله فيما وكل به عند القاضي، ولا يجوز عند غير القاضي في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يجوز أيضا عن غير القاضي. وقال زفر: لا يجوز عند القاضي ولا عند غيره. لأبي حنيفة: أنه قد أقامه مقام نفسه في الخصومة، فيجوز إقراره في الموضع الذي تجوز خصومته فيه، كما جاز إقرار الموكل؛ لأنه قائم مقامه، ولأنه حين كان موكلا بالخصومة، والخصومة فيها إقرار وإنكار، وتنظيم الأمرين، وجب أن يدخل تحتها جميع ذلك. وإنما لم يجز عند غير القاضي؛ لأنه إنما جاز إقراره من حيث ملك الخصومة عنه بأمره، ولا تجوز خصومته عند غير القاضي فكذلك إقراره. مسألة: [توكيل الوكيل غيره بما وكل به] قال أبو جعفر: (وليس للوكيل أن يوكل بما وكل به، إلا أن يطلق له ذلك الموكل، أو يجيز أمره فيما وكل به، فيكون له ذلك). وذلك لأن الوكيل إنما يتصرف من جهة الآمر، وليس تحت الوكالة بالبيع والقبض ونحوه أمر منه بتوكيل غيره؛ لأن البيع وما وكل به، ليس

стр. 1388

هو عبارة عن توكيل الغير، فلذلك لم يجز، غلا أنه يقول له: اعمل فيه برأيك، فيجوز له توكيل غيره إذا رأى ذلك مسألة: [عزل الموكل للوكيل] قال: (وللموكل أن يعزل الوكيل متى شاء) , وذلك لأن الوكالة لم تكن حقا لآخر، وإنما هي حق له، فله أن يبطلها ويعزل عنها متى شاء، وهي تشبه الإباحة، فلو أن رجلا أباح لرجل دخول داره، أو أكل طعامه، كان له أن ينهاه عن فعله قبل أن يفعله، كذلك التوكيل. *وقال: (وإنما يصح العزل إذا علم به الوكيل). وذلك بمنزلة أوامر الله ونواهيه، تتعلق أحكامها علينا بالعلم دون وجوب الأمر. [مسألة:] قال: (ولا يكون عزلا حتى يخبره به رجلا، أو رجل عدل في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: ينعزل بخبر من أخبره بذلك إذا كان خبره حقا). قال أحمد: لم يختلفوا أن الوكالة نفسها ثبتت بخبر الواحد، ثقة كان أو غير ثقة، ولم يختلفوا أن العزل برسالة الواحد إذا أرسله فيه الموكل، عدلا كان أو غير عدل، وإنما اختلفوا في المخبر بالعزل إذا لم يكن رسولا.

стр. 1389

فأما قبول خبر الواحد في الوكالة من شرط العدالة، فلأنه من أخبار المعاملات، نحو الإذن في دخول الدار، وقبول الهدية بخبر الواحد. قال الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا﴾، ثم قال، ﴿فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم﴾. فأباح الدخول بإذن الواحد: من كان من الناس. وقبول أخبار الآحاد في هذا الضرب من المعاملات لا خلاف بين الفقهاء فيه. *وأما الرسول في العزل، فإنما صح به العزل، ولم تشرط فيه العدالة: من قبل أن الرسول قائم مقام المرسل في الأداء، كما يقوم في الكتاب مقام الكاتب، وقد كتب النبي ﷺ إلى ملوك الآفاق، وأرسل إليهم رسلا يدعوهم إلى الإسلام، فقام كتابه ورسوله مقامه عليه الصلاح والسلام في الأداء، والدعاء إلى الدين، كذلك الرسول في العزل عن الوكالة، فليس بدون الكتاب أيضا. وأما إذا أخبره مخبر بالعزل على غير وجه الرسالة، فإن أبا حنيفة قال: ينبغي أن يكون خبر العزل آكد من خبر التوكيل؛ لأنه قد ثبت له حق التصرف بغير ضمان يلحقه، وخبر المخبر بالعزل يلزمه الضمان بالتصرف، فوجب أن يكون آكد من خبر الوكالة.

стр. 1390

ثم أكده بأحد وصفي الشهادة، وهو العدالة، أو العدد؛ لأن الشهادة التي يصح الحكم بها تنظيم معنيين: العددـ، والعدالة، فلما اقتضى هذا الخبر ضربا من التأكيد، لم يحتج مع ذلك فيه إلى جميع شرائط الشهادة، على الوصف الذي بينا. وليس يمتنع في الأصول تنزيل الأخبار على مراتب، على حسب اختلاف أحوال مخبر فيها. * [اختلاف عدد الشهود وصفتهم باختلاف المشهود به:] ألا ترى أن الأخبار الواردة عن النبي ﷺ في إثبات الأحكام، لها منازل في القبول وشرائط، على حسب اختلاف أحوال المعاني التي وردت فيها: فمنها: ما يقبل فيه خبر الواحد العدل. ومنها: ما شرطه الاستفاضة، وتلقي الناس إياه بالقبول. ومنها: ما شرطه التواتر الموجب للعلم. وكان علي ﵁ يقول: "كنت إذا سمعت من النبي ﷺ حديثا نفعني الله بما تشاء منه، وإذا حدثني غيره استحلفته، ثم صدقته، وحدثني أبو بكر الصديق- وصدق أبو بكر- أن النبي ﷺ قال: ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين،

стр. 1391

فيستغفر الله إلا غفر الله له". فكان علي ﵁ يستحلف كل من حدث إلا أبا بكر، فإنه يصدقه بغير يمين، لثقته في نفسه. ومن الأشياء: ما يقبل فيها شهادة المرأة الواحدة العدل، وهي الولادة. ومنها: ما يقبل فيه خبر العدل، ولا يقبل فيه غير العدل، وهو رؤية هلال شهر رمضان، ولا يختلف فيه حكم الحر والعبد، والمرأة والرجل. ومنها: ما لا يقبل فيه إلا رجلان، أو رجل وامرأتان، نحو سائر الحقوق التي لا تسقطها الشبهة. ومنها: ما لا يقبل فيه إلا شهادة أربعة، وهو الزنى. فلما كان ذلك كذلك، لم يمتنع أن تختلف أحوال الأخبار على حسب اختلاف مخيرها، فيحتاج في بعضها من التأكيد إلى أكثر مما يحتاج إليه

стр. 1392

في غيره، فلذلك فرق أبو حنيفة بين التوكيل والعزل فيما وصفنا. وكذلك قال أبو حنيفة في المولى إذا أخبر بجناية عبده، فأعتقه، أنه لا يضمن الدية حتى يخبره رجلان، أو رجل عدل، لما تعلق بخبره من ضمان الدية بالعتق. وجعله أبو يوسف ومحمد مختارا للدية، بخبر من أخبره بعد أن يكون الخبر حقا. مسألة: [فعل الوكيل قبل علمه بالوكالة] قال أبو جعفر: (وما فعله الوكيل قبل علمه بالوكالة: فغير نافذ). ذلك بما ذكرنا من تعليق حكم أوامر الله تعالى بالعلم، كذلك أوامر العباد. وليس كالوصي إذا تصرف بعد موت الموصي وهو لا يعلم بالوصية، فتجوز، وذلك لأن الوصية قد صحت من جهة الميت، بحيث لا يلحقها الفسخ، وإنما وقفت على خيار الوصي، فصارت منزلة رجل باع عبدا على أن المشتري بالخيار ثلاثا، فتصرف المشتري في العبد بالبيع والعتق، وهو لا يعلم أنه العبد المشتري، فيجوز تصرفه، ويبطل خياره، كذلك الوصي. وأما التوكيل فلم يقطع حق الموكل، فلم يثبت حكمها وتصرف الوكيل فيه إلا بالعلم.

стр. 1393

ألا ترى أن من أباح لرجل طعامه لم يثبت للمباح له حكم الإباحة إلا بالعلم، لأن الإباحة لم تقطع حق المبيح عن الشيء *قال: (ومن بلغه من رجل أو امرأة: جاز). وذلك لما بينا من أنه من أخبار المعاملات. مسألة: [الوكالة في الحدود والقصاص] قال أبو جعفر: (ولا تجوز الوكالة في الحدود، ولا في القصاص، إلا في إقامة البينات عليها، ولا يستوفيها الوكيل حتى يحضر الموكل في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا تقبل الوكالة في الخصومة، ولا في إثباتها أيضا). قال أحمد: لم يختلفوا أن الوكالة لا تجوز في استيفاء الحدود والقصاص، وذلك لأنه لا تجوز فيها الشهادة على الشهادة، ولا شهادة النساء؛ لأنها قائمة مقام الغير، وإذا لم يجز ذلك في الإثبات، لم يجوز في الاستيفاء؛ لأن الإثبات إنما يحتاج إليه للاستيفاء. *وأما الوكالة في الخصومة وفي إقامة البينة، فإنما أجازها أبو حنيفة ومحمد، من قبل أن الخصومة إنما هي سبب الإثبات، لا أنها هي المثبتة، فأشبهت شهادة الإحصان، لما كانت سببا في إثبات الرجم، ولكم تكن هي الموجبة له: جاز إثباته بما لا يثبت به الزنى، وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، كذلك الخصومة في إثباته. وأبو يوسف لم يجزها أيضا، كما لا تجوز في الاستيفاء.

стр. 1394

*وقد عقد أبو الحسن ﵀ أصلا لما تجوز فيه الوكالة مما لا تجوز: بأن ما يجوز تمليكه، أو أن توجب فيه الحقوق، جازت الوكالة فيه، وأن ما لا يجوز تمليكه، أو أن توجب فيه الحقوق: لم تجز فيه الوكالة. وما لا يجوز تمليكه، وإيجاب الحقوق فيه، فهو الحدود والقصاص. مسألة: [تأقيت الوكالة] قال أبو جعفر: (وإذا وكل رجل رجلا ببيع عبده غدا، كان وكيله ببيعه في غد، وفيما بعده، وليس بوكيل بذلك قبل غد). وذلك لأنه بمنزلة قوله: بع عبدي إذا قدم فلان، أو إذا جاء رأس الشهر، فتصير وكالة مطلقة عند مجيء الوقت. مسألة: [خصومة الوكيل] قال: (والخصم في حقوق البيع والشرى هو العاقد وإن كان وكيلا، وكذلك الإجارة). *قال أحمد: قد عقد أبو الحسن ﵀ هذا الأصل بأن قال: كل عقد فيه بدل فهو على وجهين: إذا وليه الوكيل، فما كان ما استحقه كل واحد من المتعاقدين يجوز أن ينقله مستحقه إلى غيره: فالحقوق التي يوجبها ذلك العقد للوكيل وعليه، مثل الشرى والبيع والإجازة. قال: وإن كان ما وقع عليه العقد مما لا يجوز أن ينلقه مستحقه إلى غيره، ولا أن يوجب فيه حقا لغيره، فحقوق ذلك العقد للموكل وعليه، دون غيره.

стр. 1395

وذلك مثل عقد النكاح، والخلع، والطلاق على مال، والصلح من دم العمد، والعتق على مال، والكتابة. والدليل على أن حقوق العقد متعلقة بالمتعاقدين فيما قدمنا بدءا: اتفاق الفقهاء على جواز صرف الوكيلين مع غيبة الموكلين عن مجل العقد، والقبض في المجلس من حقوق عقد الصرف، فلما تعلق ذلك بحضورهما، دون حضور الموكلين، دل ذلك على أن حقوق عقد البيع ونظائره متعلقة بالمتعاقدين، فبثبت قبض الثمن للوكيل بالبيع، دون الموكل. ويدل عليه أيضا: اتفاق الجميع على أن الوكيل بالبيع مطالب بتسليم المبيع. وكما توجهت عليه المطالبة بالتسليم دون الموكل، كذلك يثبت له حق القبض دون الموكل. ولهذه العلة بعينها أجاز أبو حنيفة ومحمد إبراء الوكيل بالبيع للمشتري من الثمن قبل القبض، ويضمنه الموكل؛ لأن حق القبض له دون الآمر. وقالوا: لو طالب الآمر المشتري، كان له أن يحلف: ما له عليه شيء، فإذا أسقطه يعني الوكيل، جاز عليه: يعني على الآمر، إذا هو المالك له، ويضمن للآمر؛ لأن ما استحق قبضه إذا تغير، كان ملكا للآمر، فلذلك ضمنه حين أبرأ منه. *وأما النكاح ونظائره، فلا يتعلق بالوكيل شيء من حقوقها، من قبل

стр. 1396

أنه لا تتوجه عليه المطالبة بالتسليم، ولا يثبت له حق القبض، فصار فيه كالسفير والمعبر. وإن شئت قلت: لأنه لا يصح نقله إلى غيره بعد ثبوته له، ولا إيجاب الحق فيه، فصار كالرسول في العقد، فلذلك لم يلزم الوكيل بالنكاح المهر، ولزم الموكل بالعقد المهر. ويدلك على الفصل بينهما: أن الوكيل بالنكاح يقول: زوجت فلانا، والوكيل بالشرى يقول: اشتريت، ولا يحتاج أن يقول: اشتريت لفلان. وكل ما يصح نقله إلى غيره بعد ثبوته، فكأنه انتقل إلى الوكيل، ومن جهة الوكيل انتقل إلى الموكل، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا. وما لا يصح نقله بعد ثبوته له إلى غيره، فإنما انتقل من العاقد إلى المعقود له دون الوكيل؛ لأنه لو انتقل إلى الوكيل، لم يصح نقله من جهته إلى الموكل، لم يثبت للوكيل حق في العقد. مسألة: [بطلان الوكالة بموت الموكل] قال أبو جعفر: (وموت الموكل يخرج الوكيل من الوكالة، علم بذلك الوكيل، أو لم يعلم). لأن الملك قد انتقل عن الموكل، فبطل أمره من جهة الحكم، كما لو باعه الموكل. مسألة: [توكيل الصبي أو العبد] قال أبو جعفر: (وإذا وكل الحر البالغ صبيا أو عبدا محجورا عليه ببيع عبده، ففعلا ذلك، فالعهدة في ذلك الآمر، لا على الصبي، ولا على العبد).

стр. 1397

قال أحمد: الأصل في جواز توكيل الصبي: ما روي "أن النبي ﷺ لما خطب أم سلمة قالت: ليس أحد من أوليائي حاضرا، فقال النبي ﷺ : ليس أحد من أوليائك إلا وهو يرضاني، ثم قالت لابنها: لا عمر، قم فزوج رسول الله ﷺ ، وكان صغيرا". فأجاز ﵊ تزويجه إياها بأمرها. وأيضا: فلو خاطبه بكتاب يطلب فيه البيع أو الشرى جاز؛ لأنه يعبر عنه، فكان الصبي والعبد أولى بذلك، إلا أنهما لا تلزمهما العهدة؛ لأن قولهما لا يجوز على أنفسهما في ضمان الثمن، ولزوم تسليم المبيع. *قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف في الإملاء: إن علم المشتري أن بيعه صبي أو عبد محجور عليه: فهو كذلك). لأنه قد رضي بأن لا تتعلق له حقوق العقد عليه. * (وإن لم يعلم، ثم علم: كان بالخيار: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضاه، وكانت عهدته على الآمر). لأن ظاهر دخوله معه في العقد يقتضي تعلق حقوقه، فإذا لم تلزمه له حقوق العقد: كان له الخيار في الفسخ، ويصير ذلك كعيب لحق العقد. ألا ترى أن إقراره لا يجوز بقبض الثمن، إذ لم تلزمه حقوقه، كمريض باع عبدا، وعليه دين في الصحة، ثم أقر بقبض الثمن من

стр. 1398

المشتري، فلا يصدق، ويكون المشتري بالخيار في فسخ البيع؛ لأنه يقول إنما دخلت معه في العقد على أن يجوز إقراره لي بقبض الثمن، فإذا لم تجوزوه، فذلك عين لحق العقد، فيكون له الخيار في الفسخ، كذلك ما وصفنا. مسألة: [دعوى وكيل البيع تلف الثمن المقبوض] قال أبو جعفر: (وإذا باع الوكيل، ثم ادعى تلف الثمن منه، كان القول في ذلك قوله مع يمينه). وذلك لأنه أمين فيما يحصل في يده من الثمن، كما كان أمينا في المبيع قبل. * (وكذلك لو قال: دفعت الثمن إلى الآمر، كان كذلك أيضا). كما لو قال قبل البيع: رددت العبد إليك، وكالمودع إذا قال: رددت الوديعة إلى المودع. *وقال أبو جعفر: (وكذلك لو أقر الوكيل أن الآمر قبضه من المشتري، أو ادعى المشتري ذلك، وأنكره الآمر، غير أن المشتري إذا أصاب بالمبيع عيبا، كان له رده على الوكيل، وأخذ ثمنه منه، ولم يكن للوكيل أن يرجع بالثمن على الآمر، ولكنه يبيع العبد،

стр. 1399

ويأخذ الثمن الذي غرمه للمشتري، إلا أن يكون فيه فضل، فيدفعه إلى الآمر، وهذا قول أبي يوسف ومحمد. وأما في قول أبي حنيفة، فليس للوكيل بيع العبد في ذلك). قال أحمد: إقرار الوكيل على الآمر بقبض الثمن تضمن معنيين: أحدهما: براءة المشتري بالقبض، وهو يملك إبراءه بالقبض، فجاز إقراره فيه. والثاني: أن الثمن صار مضمونا على الآمر بقبضه، وهو غير مصدق؛ لأن كل من كان أمينا في شيء، فإنما يصدق في براءة نفسه، ولا يصدق في إيجاب الضمان على غيره. كرجل له عند رجل وديعة، فأمره بدفعها إلى ذلك، فقال المودع: قد دفعتها، وأنكر ذلك قبضها، فيكون المودع مصدقا في براءة نفسه، غير مصدق في إيجاب الضمان على غيره، كذلك مسألتنا. فإذا وجد المشتري بالعبد عيبا، رده على الوكيل، وأحذ منه الثمن، لاعتراف الوكيل بأن الثمن صار مضمونا عليه بقبض الآمر، فيصدق على نفسه، ولا يصدق في إيجاب الضمان على الآمر. وللوكيل أن يبيع العبد فيستوفي منه الثمن؛ لأن المشتري قد كان له حبس العبد بالثمن بعد فسخ المبيع، فينتقل ذلك الحق إلى الوكيل. والذي ذكره أبو جعفر من الخلاف، عسى أن يكون حمله على خلافهم في الحجر على الحرـ وإجازة القاضي بيع العبد على مالكه

стр. 1400

لأجل الدين. وقد ذكر محمد هذه المسألة في الجامع الكبير، ولم يذكر فيها خلافا، وقد بيناها هناك. مسألة: [شراء الوكيل وبيعه من نفسه] قال أبو جعفر: (ولا يجوز شرى الوكيل من نفسه، ولا بيعه منها). وذلك لما قدمنا من أن حقوق العقد تتعلق به، فلا يجوز أن يثبت له الثمن على نفسه لنفسه، ولا يجوز أن يستحق التسليم على نفسه لنفسه. مسألة: [شراء أبي الصغير منه لنفسه] (ولأبي الصغير أن يشتري منه لنفسه، وكذلك الجد إذا لم يكن أب، ولا وصي أب). قال أحمد: كان القياس أن لا يجوز للعلة التي ذكرنا، إلا أنهم أجازوه من قبل أن الأب لما كان تصرفه على الصغير من غير جهة العقد، بل بنفسه، استحق هذه الولاية، فصار ايجابه وقبوله في ملك الصبي، كقول الصبي نفسه لو كان بالغا، وهذه العلة معدومة في الوصي، والوكيل، والقاضي، لأن ولاية هؤلاء كلهم من جهة العقد، فلا يجوز عقدهم لأنفسهم. وقال زفر: ليس للأب أن يشتري من نفسه مال اليتيم، وذهب إلى

стр. 1401

القياس. مسألة: [شراء الوصي وبيعه من نفسه بمال اليتيم] قال: (وأما الوصي فإنه يجوز شراؤه وبيعه من نفسه بمال اليتيم إذا كان خيرا لليتيم، في قول أبي حنيفة استحسانا). قال أحمد: يعني بقوله: خيرا لليتيم: أم ما يأخذه لليتيم أكثر قيمة مما يؤخذ منه، قد بينه محمد في مواضع. (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الوصي وشراه مال اليتيم لنفسه). لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، ومن الأحسن أن يثمر ماله، ويزيد فيه. وقال تعالى: ﴿وإن تخالطوهم هم فإخوانكم﴾، وظاهره يقتضي جواز شراه من نفسه وبيعه. وفي قولهما: ولايته من جهة العقد، فلا يشتري لنفسه كالوكيل. مسألة: [حد الغبن في بيع الوكيل وشرائه] قال أبو جعفر: (ويجوز بيع الوكيل بما لما يتغابن الناس في مثله في قول أبي حنيفة.

стр. 1402

ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد إلا بما يتغابن الناس فيه. وأما الشرى: فلا يجوز على الآمر بما يتغابن الناس فيه إذا لم يسم ثمنا). قال أحمد: أما وجه قول أبي حنيفة في البيع، فهو أن الوكيل يتصرف بأمر الآمر، ولفظ الآمر عام في كل ما يسمى بيعا، فجاز بالقليل والكثير، لدخوله تحت اللفظ. فإن قيل: هلا خصصته بالعرف، كما لو أمره بشرى طعام، كان على الطعام المتعارف من الحنطة والدقيق. قيل له: لأن العرف لم يجعل اللفظ مخصوصا بالكثير دون القليل؛ لأن الاسم لم يتناول العقد بقليل من الثمن، كما يتناوله بالكثير، فالعرف في الاسم واحد في الحالين. وإن أردت أن مقاصد الناس البيع بمثل القيمة، فليس كذلك؛ لأن في العرف أن كل من دخل في عقدة، فإنما يقصد إلى غير صاحبه، فهو حين علم أن المشتري يقصد إلى الشرى بقليل الثمن، ثم لم يخصه، فقد أطلق الجميع. وأما أمره إياه بشرى الطعام، فإن الطعام اسم مخصوص في العرف لنوع من المأكول إذا أطلق، ولا يتناول الإطلاق غيره، كما لا يقع اسم اللحم في الإطلاق على السمك، فمن أجل ذلك تناول المتعارف منه، دون غيره.

стр. 1403

فإن قيل: هلا كان البيع كالشرى في اعتباره بما يتغابن فيه من الثمن. قيل له: من قبل أن الثمن الذي يلزم الآمر غير ملفوظ به في لفظ الوكالة، وإنما يلزمه من طريق الحكم، فلم يصح اعتبار العموم فيه، وإنما ذكر في لفظ الوكالة بالشرى العبد المشترى وهو في ملك غيره، ولا يصح اعتبار عموم لفظ في غير ملكه. فأشبه الوكيل بالشرى من هذا الوجه الوصي والأب، لما كان تصرفهما على الصغير من جهة الحكم، لم يجز تصرفهما إلا بما يتغابن الناس فيه. *ووجه آخر في الفصل بين الشرى والبيع: وهو أن من أصلهم: أن المشترى ينتقل إلى الوكيل وإن لم يستقر ملكه فيه، ومن جهته ينتقل إلى الموكل، فلما ألزم نفسه الزيادة على ما يتغابن الناس فيه، أراد ان يبرئ نفسه منها، ويلزمها الآمر، فيتهم فيه. ويدلك الوكيل بالبيع، فلا ينتقل إليه المبيع، وإنما يخرج من ملك الآمر إلى المشتري. يدلك عليه: أنه متى خالف: لم يصح البيع، ولم يلزمه، فلم يكن فيه تهمة في إسقاط شيء قد لزمه عن نفسه وألزم غيره، فلذلك اختلفا. *قال أحمد: والخلاف في بيع المضاربة، وشريك العنان، كهو في الوكيل بالبيع، وشراهما عند الجميع كشرى الوكيل بالشرى في اعتبار ما يتغابن فيه الناس. *وأما العبد المأذون والمكاتب، فإن أبا حنيفة يجيز بيعهما وشراهما بالثمن بما لا يتغابن فيه الناس؛ لأنهما يتصرفان على أنفسهما، لا على

стр. 1404

غيرهما، ألا ترى أنهما لا يرجعان بالثمن على أحد، فأشبها الحرين. والوكيل والمضارب والشريك يتصرفون على الغير، ألا ترى أن الثمن الذي يلزمهما يلزم الآمر، وربا المال، والشريك لهم. *وأبو يوسف ومحمد لا يجيزان تصرف العبد والمكاتب إلا بما يتغابن الناس فيه، وجعلا محاباتهما كهبة مبتدأة. *ومن الناس من لا يجوز تصرفه وبيعه وشراه إلا بمقدار القيمة، سواء من غير حط شيء مما يتغابن الناس فيه أو لا يتغابن، وهو كبيع رب المال لعبد المضاربة، وبيع المريض وعليه دين يحيط بماله. وهؤلاء لا يجوز بيعهم إلا بمثل القيمة سواء، فإن حطوا ما يتغابن فيه، أو لا يتغابن فيه، لم يجز، وقد بينا هذه المسائل في "شرح الجامع الكبير". مسألة: [مقدار ما يتغابن فيه] قال أبو جعفر: (والمقدار الذي بتغابن فيه: نصف العشر). قال أحمد: وهو اجتهاد، ومقداره ما يدخل بين تقويم المقومين. مسألة: [لو وكله بشراء عبد، فاشترى له نصفه] قال أبو جعفر: (وإذا وكل رجل رجلا بشرى عبد، فاشترى له نصفه: لم يلزم الآمر إلا أن يشتري النصف الآخر قبل خروجه من الوكالة، في قولهم جميعا). وذلك لأن في تبعيضه ضررا عليه، فصار كمن قال: اشتر لي عبدا صحيحا، فاشترى له معيبا. مسألة: [لو وكله ببيع عبد، فباع نصفه] قال: (وكذلك لو وكله ببيع عبد، فباع نصفه، عند أبي يوسف

стр. 1405

ومحمد. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز، وخالف بين البيع والشرى). وذلك لأن الضرر لم يدخل على الآمر فيما باع، وإنما دخل الضرر عليه فيما لم يبعه، فلا يقدح ذلك في العقد شيئا؛ لأن أمره بالبيع لا يقتضي بيع الجميع معا في صفقة. ألا ترى أنه لو أمره ببيع طعامه، أو شعيره، فباع بعضه: جاز في قولهم، فدل ذلك على أن الأمر بالبيع لا يتضمن بيع جميعه في الصفقة، فإذا لم يدخل به ضرر فيما عقد، لم يبطل معه. وفصل آخر: وهو أنه من أصله: أنه لو باع جميعه بهذا القدر من الثمن: جاز، فبيع بعضه أحرى بالجواز. والشرى لا يجوز إلا بما يتغابن فيه، فلذلك لا يجوز شرى بعضه لأجل الضرر. مسألة: [بيع الوكيل العبد بعرض] قال أبو جعفر: (ومن وكل ببيع عبد، فباعه بعرض: جاز في قول أبي حنيفة). لعموم اللفظ. فإن قيل: في بيعه بعرض: شرى للعرض، وهو لم يؤمر بالشرى. قيل له: كون العرض مشترى، لا يخرجه من أن يكون العبد مبيعا منطويا تحت لفظ الآمر، فلذلك جاز. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز أن يبيعه إلا بالدراهم أو الدنانير).
следующие страницы →