← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

القياس. مسألة: [شراء الوصي وبيعه من نفسه بمال اليتيم] قال: (وأما الوصي فإنه يجوز شراؤه وبيعه من نفسه بمال اليتيم إذا كان خيرا لليتيم، في قول أبي حنيفة استحسانا). قال أحمد: يعني بقوله: خيرا لليتيم: أم ما يأخذه لليتيم أكثر قيمة مما يؤخذ منه، قد بينه محمد في مواضع. (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الوصي وشراه مال اليتيم لنفسه). لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، ومن الأحسن أن يثمر ماله، ويزيد فيه. وقال تعالى: ﴿وإن تخالطوهم هم فإخوانكم﴾، وظاهره يقتضي جواز شراه من نفسه وبيعه. وفي قولهما: ولايته من جهة العقد، فلا يشتري لنفسه كالوكيل. مسألة: [حد الغبن في بيع الوكيل وشرائه] قال أبو جعفر: (ويجوز بيع الوكيل بما لما يتغابن الناس في مثله في قول أبي حنيفة.

стр. 1402

ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد إلا بما يتغابن الناس فيه. وأما الشرى: فلا يجوز على الآمر بما يتغابن الناس فيه إذا لم يسم ثمنا). قال أحمد: أما وجه قول أبي حنيفة في البيع، فهو أن الوكيل يتصرف بأمر الآمر، ولفظ الآمر عام في كل ما يسمى بيعا، فجاز بالقليل والكثير، لدخوله تحت اللفظ. فإن قيل: هلا خصصته بالعرف، كما لو أمره بشرى طعام، كان على الطعام المتعارف من الحنطة والدقيق. قيل له: لأن العرف لم يجعل اللفظ مخصوصا بالكثير دون القليل؛ لأن الاسم لم يتناول العقد بقليل من الثمن، كما يتناوله بالكثير، فالعرف في الاسم واحد في الحالين. وإن أردت أن مقاصد الناس البيع بمثل القيمة، فليس كذلك؛ لأن في العرف أن كل من دخل في عقدة، فإنما يقصد إلى غير صاحبه، فهو حين علم أن المشتري يقصد إلى الشرى بقليل الثمن، ثم لم يخصه، فقد أطلق الجميع. وأما أمره إياه بشرى الطعام، فإن الطعام اسم مخصوص في العرف لنوع من المأكول إذا أطلق، ولا يتناول الإطلاق غيره، كما لا يقع اسم اللحم في الإطلاق على السمك، فمن أجل ذلك تناول المتعارف منه، دون غيره.

стр. 1403

فإن قيل: هلا كان البيع كالشرى في اعتباره بما يتغابن فيه من الثمن. قيل له: من قبل أن الثمن الذي يلزم الآمر غير ملفوظ به في لفظ الوكالة، وإنما يلزمه من طريق الحكم، فلم يصح اعتبار العموم فيه، وإنما ذكر في لفظ الوكالة بالشرى العبد المشترى وهو في ملك غيره، ولا يصح اعتبار عموم لفظ في غير ملكه. فأشبه الوكيل بالشرى من هذا الوجه الوصي والأب، لما كان تصرفهما على الصغير من جهة الحكم، لم يجز تصرفهما إلا بما يتغابن الناس فيه. *ووجه آخر في الفصل بين الشرى والبيع: وهو أن من أصلهم: أن المشترى ينتقل إلى الوكيل وإن لم يستقر ملكه فيه، ومن جهته ينتقل إلى الموكل، فلما ألزم نفسه الزيادة على ما يتغابن الناس فيه، أراد ان يبرئ نفسه منها، ويلزمها الآمر، فيتهم فيه. ويدلك الوكيل بالبيع، فلا ينتقل إليه المبيع، وإنما يخرج من ملك الآمر إلى المشتري. يدلك عليه: أنه متى خالف: لم يصح البيع، ولم يلزمه، فلم يكن فيه تهمة في إسقاط شيء قد لزمه عن نفسه وألزم غيره، فلذلك اختلفا. *قال أحمد: والخلاف في بيع المضاربة، وشريك العنان، كهو في الوكيل بالبيع، وشراهما عند الجميع كشرى الوكيل بالشرى في اعتبار ما يتغابن فيه الناس. *وأما العبد المأذون والمكاتب، فإن أبا حنيفة يجيز بيعهما وشراهما بالثمن بما لا يتغابن فيه الناس؛ لأنهما يتصرفان على أنفسهما، لا على

стр. 1404

غيرهما، ألا ترى أنهما لا يرجعان بالثمن على أحد، فأشبها الحرين. والوكيل والمضارب والشريك يتصرفون على الغير، ألا ترى أن الثمن الذي يلزمهما يلزم الآمر، وربا المال، والشريك لهم. *وأبو يوسف ومحمد لا يجيزان تصرف العبد والمكاتب إلا بما يتغابن الناس فيه، وجعلا محاباتهما كهبة مبتدأة. *ومن الناس من لا يجوز تصرفه وبيعه وشراه إلا بمقدار القيمة، سواء من غير حط شيء مما يتغابن الناس فيه أو لا يتغابن، وهو كبيع رب المال لعبد المضاربة، وبيع المريض وعليه دين يحيط بماله. وهؤلاء لا يجوز بيعهم إلا بمثل القيمة سواء، فإن حطوا ما يتغابن فيه، أو لا يتغابن فيه، لم يجز، وقد بينا هذه المسائل في "شرح الجامع الكبير". مسألة: [مقدار ما يتغابن فيه] قال أبو جعفر: (والمقدار الذي بتغابن فيه: نصف العشر). قال أحمد: وهو اجتهاد، ومقداره ما يدخل بين تقويم المقومين. مسألة: [لو وكله بشراء عبد، فاشترى له نصفه] قال أبو جعفر: (وإذا وكل رجل رجلا بشرى عبد، فاشترى له نصفه: لم يلزم الآمر إلا أن يشتري النصف الآخر قبل خروجه من الوكالة، في قولهم جميعا). وذلك لأن في تبعيضه ضررا عليه، فصار كمن قال: اشتر لي عبدا صحيحا، فاشترى له معيبا. مسألة: [لو وكله ببيع عبد، فباع نصفه] قال: (وكذلك لو وكله ببيع عبد، فباع نصفه، عند أبي يوسف

стр. 1405

ومحمد. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز، وخالف بين البيع والشرى). وذلك لأن الضرر لم يدخل على الآمر فيما باع، وإنما دخل الضرر عليه فيما لم يبعه، فلا يقدح ذلك في العقد شيئا؛ لأن أمره بالبيع لا يقتضي بيع الجميع معا في صفقة. ألا ترى أنه لو أمره ببيع طعامه، أو شعيره، فباع بعضه: جاز في قولهم، فدل ذلك على أن الأمر بالبيع لا يتضمن بيع جميعه في الصفقة، فإذا لم يدخل به ضرر فيما عقد، لم يبطل معه. وفصل آخر: وهو أنه من أصله: أنه لو باع جميعه بهذا القدر من الثمن: جاز، فبيع بعضه أحرى بالجواز. والشرى لا يجوز إلا بما يتغابن فيه، فلذلك لا يجوز شرى بعضه لأجل الضرر. مسألة: [بيع الوكيل العبد بعرض] قال أبو جعفر: (ومن وكل ببيع عبد، فباعه بعرض: جاز في قول أبي حنيفة). لعموم اللفظ. فإن قيل: في بيعه بعرض: شرى للعرض، وهو لم يؤمر بالشرى. قيل له: كون العرض مشترى، لا يخرجه من أن يكون العبد مبيعا منطويا تحت لفظ الآمر، فلذلك جاز. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز أن يبيعه إلا بالدراهم أو الدنانير).

стр. 1406

لأنهما الأثمان التي تدور عليها البياعات. مسألة: [بيع الوكيل الشيء نسيئة] قال أبو جعفر: (ومن وكل ببيع شيء، ولم يسم له نقد، ولا نسيئة: فله أن يبيعه بالنسيئة في قول أبي حنيفة ومحمد، وأبي يوسف الأول). وذلك لعموم لفظ الآمر؛ لأن الاسم ينتظم العقد في الحقيقة والعرف. قال: (وقال أبو يوسف بعد ذلك في الإملاء: عن قال بعه لأقضي بثمنه ديني، أو أشتري دقيقا لأهلي: لم يجز أن يبيعه إلا نقدا). وذلك لأن دلالة اللفظ والحال كالنطق بها، فصار كأنه قال: بعه بنقد. قال أحمد: وينبغي أن لا يكون بينهم خلاف في هذا المعني، ألا ترى أن رجلا لو قال لرجل: اشتر لي عبدا للخدمة: لم يجز له أن يشتريه أعمى، ولو لم يقل ذلك: جاز أن يشتريه أعمى في قول أبي حنيفة. وكذلك لو قال: اشتر لي جارية أطؤها: لم يجز أن يشتري له ذات محرم منه. فينبغي أن يكون قوله: "لأقضي بثمنه ديني، أو أشتري به دقيقا لأهلي": كذلك في قولهم. مسألة: [بيع وكيل الوكيل بمحضره] وقال أبو جعفر: (ومن وكل يبيع شيء، فوكل غيره بذلك، ففعله بمحضره، كان جائزا). لأنه عقده برأيه. * (وإن كان غائبا: لم يجز). لتعذر رأيه وإجازته.

стр. 1407

* (إلا أن يجيزه: فيجوز بإجازته). وذلك لأنه عقده برأيه وإجازته، والوكالة اقتضت جواز العقد برأيه، وقد وجد. وقد تقدم الكلام في البيع الموقوف والشرى الموقوف في كتاب البيوع. مسألة: [بيع الوكيلين] قال أبو جعفر: (وإذا وكل رجلين ببيع عبد أو شراه: لم يجز لأحدهما أن يعقد دون الآخر). قال أحمد: الأصل في ذلك: أن كل عقد فيه بدل، متى وكل به رجلا: لم يجز لأحدهما إيقاعه دون الآخر، مثل البيع، والشرى، والخلع، والصلح من دم العمد، والكتابة، والعتق على مال؛ لأنه يحتاج فيه إلى الرأي لتمليك البدل، وهو حين وكلهما لم يرض برأي أحدهما، وإنما رضي رأيهما جميعا، فلا ينعقد عليه برأي أحدهما. وكذلك كل ما لم يكن فيه بدل، وجعله إليهما على وجه التمليك: فإنه لا يجوز لأحدهما إيقاعه دون الآخر. وذلك كقوله: أمر امرأتي بأيديكما إن شئتما، أو: أمر عبدي في العتق إليكما، أو: أعتقاه إن شئتما: فإنه لا يجوز لأحدهما إيقاعه دون الآخر. *ودلالة التمليك فيه: تعلقه على المجلس، وإنما كان كذلك؛ لأن ما خرج مخرج التمليك، صار كأن المشيئة مشروطة فيه، ومن أجل ذلك تعلق على المجلس، فصار كقوله: طلقاها إن شئتما، فلا يجوز لأحدهما إيقاعه دون الآخر؛ لأن مشيئتهما مشروطة فيه، كقوله: إن دخلتما الدار فهي طالق، أو: فعبدي حر، في كون دخولهما شرطا فيه.

стр. 1408

وأما ما لا بدل فيه من الإيقاع، ولم يخرج الأمر مخرج التمليك، فإن لأحدهما إيقاعه دون الآخر، كقوله: طلقا امرأتي، و: أعتقا عبدي، وذلك لأنه لما لم يكن فيه تمليك البدل، ولا شرط مشيئتهما، جرى مجرى الإباحة، فلو أن رجلا قال لرجلين: أبحا هذا الطعام لفلان، كان لأحدهما أن يبيحه دون الآخر، وأيضا في الطلاق يصير كل واحد منهما كأنه موكل بإيقاع نصف تطليقة، وإيقاع نصف منها يقتضي الجميع. مسألة: [بطلان الوكالة بمجهول] قال أبو جعفر: (ومن وكل بشرى عبد، ولم يسم جنسا، ولا مالا: كانت الوكالة باطلة). قال أحمد: الوكالة على ضربين: -وكالة عامة: على وجه التفويض، وهو أن يقول: اشتر لي بألف درهم ما شئت، أو: خذ هذه الألف بضاعة، أو: اجعل لي في مالك بضاعة ألف درهم، ونحو ذلك من الألفاظ الموجبة للتفويض، وجعل الخيار إليه فيما يشتريه، فهذا الضرب من الوكالة لا يضر فيها جهالة الشيء المأمور بشراه. والأصل في المضاربة والشركة والبضاعة لا يضره فيها أن لا يذكر جنس المشترى، وكذلك الوكالة إذا خرجت مخرجها. -ووكالة خاصة: وهو أن لا تقع على وجه التفويض والتخيير: فلا تصح حينئذ مع الجهالة الكثيرة، وتصح مع الجهالة اليسيرة، وذلك مثل قوله: اشتر لي عبدا، فلا تصح الوكالة فيه لكثرة الجهالة، ولو قال: اشتر

стр. 1409

لي عبدا ومتاعا، أو: اشتر لي عبدا بألف درهم: جازت الوكالة. والأصل في هذا الضرب من الوكالة: أن يكون الثمن معلوما، لا يصح إلا بذلك، ثم مع الجنس: ينبغي أن يكون الثمن معلوما أو الصفة، فإن كان الثمن معلوما: جازت الوكالة مع جهالة الصفة, وإن كانت الصفة معلومة: جازت مع جهالة الثمن. وكان القياس عندهم أن لا تصح إلا مع نفي الجهالات التي هي منفية عن عقود البياعات، من قبل أن الشيء ينتقل إلى الوكيل، ومن جهته ينتقل إلى الموكل في هذا الوجه. كمن اشترى عبدا من جملة عبيد بغير عينه، فلا يجوز، هذا هو القياس في الوكالة الشرى، إلا أنهم تركوا القياس، وأجازوها مع جهالة الصفة إذا كان الجنس والثمن معلوما، ومع جهالة الثمن إذا كان الجنس والصفة معلومة. والأصل فيه: حديث عروة البارقي، وحكيم بن حزام "أن النبي ﷺ دفع إليه دينارا وأمره أن يشتري له شاة"، والشاة مجهولة الصفة، معلومة الجنس. فاجزنا هذا القدر من الجهالة في الوكالة الخاصة, وجازت أيضا مع جهالة الثمن إذا كانت الصفة معلومة, مثل أن يقول: اشتر لي عبدا روميا وإن لم يسم الثمن؛ لأن جهالة الثمن مع معرفة الصفة، ليست بأكثر من جهالة الصفة مع معرفة الثمن.

стр. 1410

فإن قيل: عبد رومي بعشرة آلاف، وعبد رومي بخمسمائة، وهذا تفاوت عظيم. قيل له: إنما يعتبر العبد المأمور بشراه، على قدر حال الرجل، وما يشتريه مثله، فإذا اعتبرنا ذلك، لم تكن جهالة الثمن بأكثر من جهالة الصفة مع معرفة الثمن. مسألة: بجهالة الثمن في التوكيل بشراء دابة أو ثوب] قال أبو جعفر: (ومن وكل بشرى دابة، أو ثوب، ولم يسم صنفا: لم يجز ذلك، وإن سمى صنفا: جازت الوكالة، سمى في ذلك ثمنا أو لم يسم). قال أحمد: وقد بينا أن جهالة الجنس تمنع صحة الوكالة، سواء سمى الثمن أو لم يسم، والدواب أجناس مختلفة، وكذلك الثياب مختلفة الجنس، فلا تصح الوكالة فيه. وأما إذا سمي صنفا فقال: حمارا، أو برذونا، أو قال ثوبا مرويا: جاز وإن لم يسم الثمن، وذلك لأنه ليس يتناول أنواعا مختلفة يتفاوت ما بينها، فصار كالعبد الرومي، والحبشي، تجوز الوكالة فيه، وإن لم يسم

стр. 1411

ثمنًا. مسألة: [جهالة الثمن في التوكيل بشراء دار] قال أبو جعفر: (ومن وكل بشرى دار، ولم يسم ثمنا: لم يجز ذلك، وإن سمى ثمنا: جاز ذلك، وكان ذلك على دور المصر الذي وقعت فيه الوكالة، في قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول، ثم رجع فقال: لا تجوز الوكالة في ذلك وإن سمى فيه الثمن، حتى يسمي فيه مصرا بعينه). قال أحمد: الدور مختلفة متفاوتة القيمة، فكانت جهالتها كجهالة صحيحة، وكان لها مهر مثلها، كما لو تزوجها على دابة. فإن سمى بيتا: جازت الوكالة؛ لأن دور المصر الواحد لا تتفاوت مع تسمية الثمن، كالدابة إذا سمى نوعا، وكالثوب إذا سمى صنفا منه. وجعلها أبو حنيفة على دور المصر، للعرف والعادة؛ لأنه معلوم من أمر إنسانا أن يشتري دارا وهو ببغداد: لم يرد به شراها بمصر، أو مكة. *وأبو يوسف حمل الوكالة على الإطلاق، غير مخصوصة بدور المصر، فلم تجوز لأنها تختلف في البلد الواحد ولو مع تسمية الثمن. *****

стр. 1412

كتاب الإقرار بالحقوق [مسألة: القول قول المقر] قال أبو جعفر: (وإذا أقر الرجل: لفلان علي شيء، ثم قال: هو كذا، بشيء ذكره: لم يلزمه غيره). قال أحمد: يقوله: لفلان علي شيء، يقتضي لزومه شيئا تصح المطالبة به، ويكون مضمونا عليه، فإذا أقر بشيء له قيمة: صدق، ولم يلزمه غيره، وإن أقر بشيء لا قيمة له: لم يصدق؛ لأن مثله لا يكون مضمونا، ولا تصح المطالبة به، ولا لزومه. وإنما كان القول قوله، ولم يصدق المدعي على ما ادعى من الزيادة إلا ببينه؛ ولا نلزمه ما شككنا فيه، هل دخل في إقراره أم لا؟ من قبل أن الإنسان بريء الذمة في الأصل من حق الغير، فما تيقنا أن إقراره قد شغله منها: شغلناه، وما شككنا فيه: فهو فارغ على الأصل. والدليل عليه: قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". فجعل القول قول المدعى عليه، من حيث كان بريء الذمة في الظاهر

стр. 1413

من حق الغير، وجعل المدعي خلاف الظاهر البينة. وكذلك المقر مدع للزيادة التي لم يتيقن دخولها في إقرار المقر، فكان القول فيها قول المقر مع يمينه، وعلى المدعي البينة. مسألة: [الاستثناء في ألفاظ الإقرار] قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة دراهم إلا سبعة: لم تلزمه إلا ثلاثة دراهم). وذلك لأن الثلاثة مع الاستثناء عبارة عن الباقي، فصارت الثلاثة لها عبارتان، إحداهما: قولك ثلاثة، والثانية: قولك: عشرة إلا سبعة. والدليل على ذلك: أن المعقول بكل واحد منهما من القولين هو المعقول بالآخر، ألا ترى إلى قوله: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾، عقل منه ما يعقل من قوله لو قال: تسعمائة وخمسين. مسألة: [الاستثناء من المستثنى] قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة إلا ثلاثة إلا درهما: كان له ثمانية دراهم). وذلك لأن الاستثناء حكمه أن يرجع إلى ما يليه، والدليل عليه: قوله تعالى: ﴿إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته﴾، فكان آل لوط مستثنيين من المهلكين، ثم كانت المرأة مستثناة من المنجين، لاحقة بالمهلكين، وكان الاستثناء في كل واحد راجعا إلى ما يليه دون ما يقتصر.

стр. 1414

وإذا صح ذلك، كان قوله: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة: موجبا لاستثناء الثلاثة من العشرة لو اقتصر عليها، فلما لم يقتصر عليهما حتى قال: إلا درهما، كان الدرهم مستثنى من الثلاثة؛ لأنه يليها، فنفى منها درهما، فحصل الاستثناء من العشرة درهمان. مسألة: [الاختلاف في حلول المال المقر به] قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة دراهم إلى شهر، فقال المقر له: بل هي حالة: كان القول قول المقر به له مع يمينه). وذلك أن قوله: علي عشرة: إقرار له يما لزمه في الحال، وذكر الأجل دعوى لحق يدعيه لملك الغير؛ لأن كل من أقر لغيره بملك شيء، ثم ادعى فيه حقا: لم يصدق إلا ببينة، كمن أقر لرجل بدار في يده، وادعى أنه آجرها منه، أو رهنها إياه، فلا يصدق إلا ببينة. [مسألة:] قال: (ولو قال: كفلت لك بعشرة دراهم إلى شهر، فقال المقر له: بل كفلت في حالة، كان القول قول المقر، في قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول، ثم رجع أبو يوسف فقال: لا يصدق على الأجل). وإنما صدق على الأجل، لأن مال الكفالة قد يجوز أن يتعلق ثبوته بمجيء الوقت، بأن يقول: إذا جاء رأس الشهر، فقد كفلت بما لك على فلان، فيصح ذلك، فلما كان كذلك، كان القول كقوله فيه، كأنه أقر بضرب من المال دون غيره، وأما سائر الديون فلا يصح تعلقها بمجيء الوقت، فكان قوله: علي عشرة دراهم: إقرار يلزمه، وادعى دخول الأجل عليه، فلم يصدق. ألا ترى أنه لو قال: قد بعتك هذا العبد بألف درهم، على أن لا

стр. 1415

تلزمك الألف إلا بعد شهر: لم يصح، ولو قال: بألف إلى شهر: جازه لأن الألف قد لزمت في الحال، ودخل الأجل عليه لتأخير المطالبة، فلذلك اختلفا. مسألة: [الاستثناء بعد السكوت في الإقرار] قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة دراهم، ثم سكت، ثم قال: إلا درهما: كانت عليه عشرة، وكان الاستثناء باطلا). وذلك لأن الاستثناء إذا لم يكن موصولا بالجملة: انفرد عن حكمها، وثبت حكم الجملة معفوا منها ما تضمنته من المال؛ لأن قوله: له علي عشرة: إذا سكت عليها يلزمه العشرة، فإذا قال بعد لزومها: إلا درهما: كان ذلك رجوعا عما لزمه، ولم يكن استثناء. ألا ترى أن الاستثناء الذي هو المشيئة، لا يصح حكمه بعد مع السكوت إذا قال: عبدي حر، ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله: لم يقبل الاستثناء، ولو قال: عبدي حر إن شاء الله، موصولا: لم يعتق. ويدل على ذلك: انه لو قال: لفلان علي ألف درهم ولفلان: كانت الألف لهما جميعا، ولو قال: لفلان علي ألف درهم، ثم سكت، ثم قال: ولفلان: لم ينقص الأول من الألف شيئا. مسألة: [الجمع بين شيئين في الإقرار] قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي عشرة ودرهم: كانت عليه أحد عشر درهما). وذلك لأن قوله: علي: يقتضي شيئا عليه في ذمته، والدرهم مما يصح ثبوته في الذمة، فكانت العشرة من جنس الزيادة، فصار كقوله: له علي أحد عشر درهما.

стр. 1416

قال أحمد: وكذلك هذا في كل مكيل، أو موزون، أو معدود؛ لأن جميع ذلك يثبت في الذمة بنفسه، ألا ترى أن على مستهلكه مثله في ذمته. مسألة: قال أبو جعفر: (لو قال: له علي عشرة وثوب: كان له عليه ثوب، وكان القول قوله في العشرة). قال أحمد: وذلك لأن قوله: له علي عشرة: يقتضي ثبوت شيء في ذمته، والثوب مما لا يصح ثبوته في ذمته بنفسه؛ لان مستهلكه لا يلزمه مثله، وإنما يلزم قيمته، وليس ذكر الثوب في ذلك عبارة عن عدد، إذ جائز أن يكون عبارة عن الجنس إذا دخلت الألف واللام عليه، فلم يكن في اللفظ دلالة على ان العشرة من جنس الثوب، لاختلاف حكمهما في ثبوتهما في الذمة، وفي العبارة عن العدد، فلم يجز أن نجعله كقوله: له علي أحد عشر ثوبا، فلذلك انفرد حكم الثوب عن حكم العشرة، وكان القول قوله في العشرة. وكذلك لو قال: عشرة وثوبان؛ لأن قوله: وثوبان: تضعيف لذلك الثوب الذي لو يوجب ذكره كون العشرة أثوابا. مسألة: قال: (ولو قال: له علي عشرة وثلاثة أثواب: كان عليه ثلاثة عشر ثوبا). وذلك لأنه قرر الأثواب، وذكر الأعداد، وهو قوله: ثلاثة، فالعشرة أيضا من ألفاظ الأعداد، فصارت العشرة من جنس الأثواب، لاتفاقها في ذكر العدد، كقوله: ثلاثة عشر ثوبا. وليس كذلك الثوبان؛ لأنه تضعيف للثوب، والثوب ليس بعبارة عن

стр. 1417

العدد، بل عن الجنس، فلذلك اختلفا. مسألة: [الاستدراك في لفظ الإقرار] قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي درهم، لا بل دينار: كان عليه درهم ودينار إذا ادعاهما المقر له). وذلك لأن قوله: له علي درهم: إقرار بالدرهم، وقوله: لا: رجوع عما أقر به، و: بل: استدراك وإثبات للثاني، فلا يصدق على الرجوع؛ لأنه على غيره، ويصدق على إثبات الثاني؛ لأنه على نفسه. مسألة: قال: (ولو قال: له علي درهم لا بل درهمان: لزمه درهمان). وذلك لان الدرهم يصح دخوله تحت الدرهمين، فيصح بذكر الدرهمين خبرا عنهما، فلم نجعله غيرهما. مسألة: قال: (ولو قال: هذا العبد لزيد، لا بل لعمرو: يسلمه إلى زيد، ولم يكن لعمرو شيء). وذلك لأن إقراره قد صح لزيد بدءا، فلا يصدق بعد ذلك على إزالة ملك زيد عنه بقوله؛ لأن إقرار الإنسان حكمه أن يصح منه ما كان على نفسه، ولا يصح على غيره, مسألة: (ولو أقر به لزيد، وسلمه إليه بغير قضاء، ثم أقر به لعمرو: ضمن قيمته لعمرو). وذلك لأنه قد اعترف على نفسه بفعل يلزمه به الضمان، وهو تسليمه

стр. 1418

إلى زيد مع إقراره بأنه لعمرو، وقد صدق على نفسه فيما تضمنه إقراره من الضمان، ولا يصدق على زيد في إبطال ملكه. *قال: (ولو كان سلمه إلى زيد بقضاء قاض: فلا ضمان عليه). من قبل أن القاضي أخرجه عند يده، لم يكن منه فعل فيه يلزمه الضمان، وإقراره به بدءا لزيد لا يلزمه الضمان لعمرو؛ لأن مال الغير لا يضمن بالإقرار، ويضمن بالتسليم. ألا ترى أن من أقر بعبد في يد رجل أنه آجره: لم يضمنه، ولو أخذه وسلمه إليه: ضمنه. مسألة: قال: (ولو قال: غصبت هذا العبد من زيد، فسلمه إليه بقضاء، أو بغير قضاء، ثم قال: غصبته من عمرو: ضمن لعمرو قيمته). لأنه اعترف بضمانه بالغصب. مسألة: [دخول الغاية في ألفاظ الإقرار، وعدم دخولها] قال: (ولو قال: لفلان علي من درهم إلى عشرة دراهم: كانت له عليه تسعة دراهم في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: عشرة). الأصل في ذلك عند أبي حنيفة: أن الغاية قد تدخل في حال، ولا تدخل في أخرى، فهي مشكوك فيها، وقد قدمنا فيما سلف، أنا لا نلزم المقر إلا ما تيقنا دخوله في إقراره، فلما كان الدرهم العاشر الذي هو الغاية مشكوكا فيه: لم يدخل في إقراره. والدليل على أن الغاية قد لا تدخل: قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى

стр. 1419

الليل﴾، فلم يدخل الليل فيه. وقال: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، فدخل الغسل في إباحة الصلاة. وعلى هذا المعنى قلنا في قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾: أنها داخلة في الغسل؛ لأنها لما كانت مشكوكا فيها بدخول الغاية عليها، وكان الحدث يقينا، لم نرفعه بالشك. ولهذه العلة قال أبو حنيفة: إذا باع عبدا على أنه بالخيار إلى وقت الظهر، أن وقت الظهر داخل في الخيار؛ لأن الثمن لما لم يستحق عليه بعقد البيع، إذ لم يملك عليه المبيع مع شرط الخيار، بقيناه على الأصل، ولم نخرجه عن ملكه بالشك. فالمعنى المانع من دخول الدرهم العاشر في الإقرار، هو الموجب لدخول المرافق في الطهارة، ودخول وقت الظهر في الخيار. وكذا قال أبو حنيفة في قوله: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث: أنها تطلق ثنتين، للعلة التي ذكرنا، وهو أنا لا نوقع الطلاق بالشك، والغاية مشكوك فيها. *وقال أبو يوسف ومحمد: تدخل الغاية في الطلاق، والإقرار، والمرافق في الطهارة، ولا يدخل وقت الظهر في الخيار، وذلك لأنه قد

стр. 1420

لفظ بالثلاث، وذكر العشرة في الإقرار، والمرافق مذكورة في آية الطهارة، فلا نخرج شيئا منها من حكم اللفظ إلا بيقين. وأما الخيار إلى وقت الظهر، فإنهم جعلوه بمنزلة قولك: بعتك هذا العبد بألف درهم إلى شهر رمضان: أن شهر رمضان غير داخل في الأجل باتفاق، وكذلك وقت الظهر لما جعله غاية لأجل الخيار، لم يدخل. *وفرق أبو حنيفة بين قوله في الأجل إلى شهر رمضان، وبين الخيار إلى وقت الظهر، لجريان الفرق بنفي دخول شهر رمضان في الأجل، كما لو قال: بعتكه بألف درهم إلى سنة ثلاث وخمسين: لم تدخل سنة ثلاث في الأجل. وأصل آخر تجري عليه مسائل أبي حنيفة في هذا الباب، وهو: أن الجملة متى كانت منتظمة للغاية، وما عداها، فإن دخول الغاية لنفي ما عداها، كقوله تعالى: ﴿وأيديكم﴾: يتناول العضو إلى المنكب. يدل عليه أن عمارا تيمم إلا الآباط، لقوله تعالى: ﴿بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فكان قوله: ﴿إلى المرافق﴾: لإسقاط ما عداها، وبقى حكم اللفظ موجودا في الغاية، لم يسقط عنها بالشك، إذ جائز أن يريدها.

стр. 1421

وكذلك قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، لأن الاسم يتناول العضو إلى الفخذ. وقوله: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض)، فأباح الأكل بالليل، وحظره بالنهار، واسم النهار لا ينتظم الليل، فلم تدخل الغاية لإسقاط ما انتظمته الجملة، فلذلك لم تدخل في الحكم. ولهذا قلنا في قوله: على أنك بالخيار إلى وقت الظهر، أن ذلك ساقط ما عدا الغاية؛ لأن قوله: على أنك بالخيار: يقتضي خيارا مؤبدا، ولذلك يفسد البيع، فإذا قال: إلى وقت الظهر: فإنما ذكر الغاية لإسقاط ما عداه، فلذلك دخل فيه، كما دخلت المرافق والكعبان في الغسل. *وأما قوله: لفلان علي من درهم إلى عشرة، و: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث: فلم تنتظم هذه الجملة دخول الغاية فيها، فلم يلزمه العاشر، إذ لم تنتظمه الجملة، ولا اشتمل عليه معناها، وإنما ذلك العاشر في الغاية، وجائز أن يراد، وأن لا يراد، فلم يلزمه للشك. وأما الابتداء، فهو ثابت لا محالة، إ\ لا تصح بها العشرة إلا عليه، ولأن الدرهم مذكور في اللفظ بلا محالة، فهو ثابت، وليس كذلك الغاية؛ لأن الدرهم العاشر غير مذكور في اللفظ على حاله، وإنما هو مذكور في جملة العشرة.

стр. 1422

*وقال زفر: يسقط الابتداء والغاية، فتلزمه ثمانية، وجعله بمنزلة قوله: لفلان من هذا الحائط إلى هذا الحائط: وهذا لا خلاف فيه أنه على ما بينهما، ولا يدخل فيه الحائطان. وفرق أبو حنيفة بينهما، من قبل أن ذكر الحائطين في هذا الإقرار على وجه التحديد للموضع، والحد لا يدخل في المحدود، ألا ترى أنه إذا قال في الشرى: حده الأول إلى الطريق: أن الطريق غير داخل في العقد. *وقوله: علي ما بين درهم إلى عشرة دراهم: على الاختلاف الذي ذكرنا في قوله: على من درهم إلى عشرة. مسألة: [الاستثناء من غير جنسه في الإقرار] قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي دينار إلا درهما، أو إلا قفيز حنطة: فعليه دينار إلا مقدار قيمة ذلك منه. ولو قال: علي دينار إلا ثوبا: كان عليه دينار، ولم يصح استثناء الثوب. وقال محمد: لا يصح الاستثناء من غير جنسه). قال أحمد: أصل أبي حنيفة في ذلك، أن الاستثناء لما ثبت في الذمة بنفسه، يصح من الجملة ولو كان من غير جنسه، وما لا يصح ثبوته في الذمة بنفسه، لم يصح استثناؤه من غير جنسه. فما يثبت في الذمة بنفسه هو الذي يلزم بالاستهلاك مثله، وما لا يثبت في الذمة بنفسه، هو ما يلزم بالاستهلاك قيمته. وإنما جاز هذا عنده؛ لأن قوله: علي: ينفي ثبوت ما أقر به في ذمته، فجاز أن يستثني منه ما يثبت في الذمة بنفسه، وكان هذا منزلة الاستثناء

стр. 1423

من جنسه، لجواز كون الجميع في الذمة بالإطلاق. ويدل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى﴾، فاستثنى إبليس من الملائكة، وليس من جنسهم، لجواز كونه من الساجدين، وإن لم يكن من جنس الملائكة المأمورين بالسجود، وكذلك ما وصفنا. وأما الثوب فلا يصح ثبوته بالذمة بنفسه، فلم يكن هناك جهة لجواز استثنائه من الدراهم لو لم تكن من جنسه، ولا مما يثبت في الذمة بنفسه، فتصح العبارة عنه بقوله: علي، فلذلك بطل. وأما محمد، فإنه لم يجز الاستثناء من غير جنسه، كما لم يجز استثناء الثوب من الدراهم. مسألة: [لو ادعى أنه أخذها وديعة، فقال له: بل غصبا] قال أبو جعفر: (ومن قال لرجل: أخذت منك ألف درهم وديعة، فهلكت، وقال صاحب المال: أخذتها غصبا: فالمقر ضامن لها). وذلك أنه أقر بعل، فلزمه الضمان، وهو قوله: أخذتها، وادعى البراءة بالإذن، فلا يصدق. كمن أقر لرجل بألف درهم في ذمته، ثم ادعى أنه أبرأه. وكمن قلع ضرسا لرجل، ثم قال: استأجرتني بنصف درهم على قلعه، فيضمن، ولا يصدق على ما ادعى.

стр. 1424

وكمن هدم حائط رجل، وقال: استأجرتني على هدمه، فيضمن ما هدم، ولا يصدق على الإجازة. ويستحلف المقر له؛ لأنه مدعى عليه، ادعى المقر البراءة من جهته بعد اعترافه بما يوجب عليه الضمان، كمن أقر لرجل بألف درهم، وادعى البراءة. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو قال: أعطيتني ألف درهم وديعة، فهلكت، وقال الآخر: أخذتها غصبا: فالقول قول المقر مع يمينه). وذلك لأنه لم يعترف بفعل لنفسه يلزمه الضمان، وإنما اعترف بفعل الدافع، إذ جائز أن يودعه هو، بأن يضعه في بيته، من عير أن يقبضه المودع، فلم يصدق المقر له على دعوى الضمان إلا ببينة. مسألة: [ادعاء المقر زيوف الدراهم المقر بها] قال أبو جعفر: (وإذا قال له: علي ألف درهم من ثمن متاع، أو قرض، ثم قال: هي زيوف أو بهرجة: لم يصدق، وصل أو قطع. وقال أبو يوسف ومحمد: يصدق إذا وصل). لأبي حنيفة: أن عقد البيع يوجب صحة الثمن للبيع، كما يوجب صحة المبيع للمشتري، فدعوى المشتري لرضا البيع بالزيوف، كدعوى

стр. 1425

البيع لرضا المشتري بعيب في المبيع، فلا يصدق؛ لأنه بمنزلة من ادعى البراءة من عيب بمبيع يوجب العقد صحته. *وفي قولهما: يصدق إذا وصل، كما لو استثنى، وإذا قطع: فقد لزمه الثمن صحيحا، فلا يصدق على النقص، كما لا يصدق على الاستثناء. والقرض كالبيع؛ لأنه يقتضي صحة البدل في العرف، من حيث ملكه بالتراضي على وجه البدل. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو قال له: علي ألف درهم من ثمن متاع ستوقة أو رصاص، فإن وصل: فعليه في قول أبي يوسف ألف جياد. قال أبو يوسف: لأني لو صدقته على ذلك أفسدت البيع. قال: وقال محمد: القول فيه قوله، وأصدقه، لأنه لو لم يقر إلا ببيع فاسد، والآخر يدعي بيعا صحيحا، فهو مدع، وعليه البينة). قال أحمد: روى أبو الحسن ﵀ في هذه المسألة أن قول أبي حنيفة أنه لا يصدق، وعليه ألف جياد، وهو صحيح على ما قدمنا من الاعتلال. قال: وقال أبو يوسف: يصدق المقر، والبيع فاسد، لأن الستوقة لا يتبايع بها، وهذا خلاف ما رواه أبو جعفر عنه، وفي غير كتاب الإقرار

стр. 1426

من الأصول، كما روى أبو بكر جعفر من الاختلاف. ولقول أبي جعفر وجه آخر في هذه المسألة، وهو: أن كل متعاقدين دخلا في عقد، فدخولهما فيه شرط اعتراف منهما بجوازه، ألا ترى أنهما لو تبايعا، ثم ادعى أحدهما شرطا في العقد يفسد العقد، أو خيارا مجهولا، لم يصدق عليه، وكان القول قول مدعي الصحة. فكذلك إذا ادعى المشتري أنها ستوقة، فقد ادعى فساد البيع؛ لأن الستوقة عرض تختلف أنواعه وقيمته، بمنزلة أواني صفر غير معينة، فلا يجوز. *ووجه قول أبي يوسف الذي رواه أبو الحسن، وقول محمد الذي رواه أبو جعفر: هو أنهما في هذه الحال مختلفان في الثمن، كالذي يقول: اشتريته بألف درهم، وقال البيع: بعتكه بمائة دينار: فلا يصدق البيع على دعواه. وبمنزلة من قال: اشتريته بخمر، وقال البيع: بعتكه بدراهم. وأما الزيوف فهي من جنس الجياد، وإنما ذاك عيب فيها، ألا ترى أنه يجوز أخذها عن الجياد في ثمن الصرف، ورأس مال السلم، ولا يجوز مثله في الستوقة. مسألة: [دعوى الزيوف في الإقرار بغصب أو وديعة] قال أبو جعفر: (ولو قال: غصبتك ألف درهم، أو أودعتنيها، ثم قال

стр. 1427

بعد ذلك: هي زيوف أو بهرجة: صدق". وذلك لأن الغصب والوديعة لا يوجبان صحة المغصوب والمودع. وأيضا فلم تجر العادة في الغصب والوديعة بجياد دون غيرها، والعادة في البيع الجياد، دون الزيوف. مسألة: [دعوى الإقرار بعبد لم يقبضه] قال أبو جعفر: (ولو قال: له علي ألف درهم من ثمن عبد باعنيه، ولم أقبضه: لم يصدق في قول أبي حنيفة، ولزمه ما أقر به إلا أن يقول موصولا بإقراره: من ثمن هذا العبد، لعبد قائم في يد المقر، فيكون القول فيه قوله). وذلك أن قوله: له علي ألف درهم: يقتضي ثبوت المال عليه في ذمته، فإذا قال: من ثمن عبد باعنيه، وهو بغير عينه، ومعلوم أنه لا يجوز أن يلزمه ثمن عبد بغير عينه، لأنه لو اشترى عبدا بعينه، ثم اختلط بعبيد، فلم يعرف بعينه: بطل البيع وسقط عنه المال، فصارت إضافته له إلى ثمن عبد بغير عينه، رجوعا عن الإقرار، كمن قال: له علي ألف درهم ليست له علي. وأما إذا أضافه إلى عبد بعينه: فالقول قوله؛ لأنه لم ينف وجوبه، وإنما أضافه إلى هذه الجهة دون غيرها. ومن أقر لإنسان بحق: فالقول قوله فيه من أي جهة لزمه، ما لم يكن في ذكر الجهة إقراره وإبطاله. *قال: (وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما قولان: لو صدقه المقر له أنه من ثمن عبد: كان القول قول المقر أنه ما قبضه). من قبل أن العبد لا يصير في ضمانه إلا بالقبض، فلا يصدق

стр. 1428

البيع على القبض. و (أما إذا قال المقر له: هي لي عليه، لا من ثمن عبد بعته: فالقول قوله، ولزم المقر الدراهم). لأنه غير مصدق على إسقاطه عن نفسه بقوله: من ثمن عبد بغير عينه. مسألة: [الإقرار بدين في المرض] قال أبو جعفر: (ومن أقرض بدين في مرضه: لزمه كما يلزمه في صحته، إلا أن يكون عليه دين في الصحة، فيبدأ به على دين المرض). وذلك لأن المرض لا يوجب حجرا عليه في إقراره للأجنبي، كما لا يوجب حجرا في التصرف في الشرى والبيع، ولا نعلم أيضا في جوازه خلافا بين الفقهاء. وأما إذا كان عليه دين في الصحة، فإن إقراره جائز أيضا، إلا أنه يبدأ بدين الصحة، وذلك لأن غرماء الصحة قد تعلق لهم حق الاستيفاء في مرضه في ماله. ألا ترى أنه لو وهب أو تصدق، ثم مات: فسخ ذلك كله لحق الغرماء، فلما تعلق لهم حق بعين المال في المرض، لم يصدق المريض عليهم في إيجاب المحاصة بينهم وبين من أقر له في المرض فيما في يده. مسألة: [إقرار المريض بدين لأحد ورثته] قال: (ولا يجوز إقرار المريض بدين لأحد من ورثته إذا مات من مرضه).

стр. 1429

وذلك لأن المرض يوجب حجرا عليه في الحكم الوارث، والدليل عليه: أن ما يملكه من ماله في حال الموت، وهو الثلث، لا يجوز صرفه إلى الوارث، فهذه صفة الحجر أن لا يجوز تصرف المالك فيما يملكه، كالصبي والمجنون. والدين كذلك حكمه مع الأجنبي، ألا ترى أنه يملك صرف ما يملكه من الثلث في حال الموت إليه، فدل أنه غير محجور عليه في حق الأجنبي. فإن قيل: فهو محجور عليه في حق الأجنبي في الثلثين؛ لأنه لا يجوز صرفهما عليه في حال المرض من الثلثين، لأنه لا يجوز صرفهما إليه في حال الموت. قيل له: لأنه في حال المرض غير مالك للثلثين؛ لأن تصرفه في المرض معتبر به حال الموت، ألا ترى أن هبته في المرض لا تجوز إلا من الثلث، كأنه وهب بعد الموت، وهو فإنما يملك في المرض ما يملكه بعد الموت، لقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: "إن الله تعالى جعل ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم". "وقال لسعد حين قال: أتصدق بجميع مالي في مرضي؟ فقال:

стр. 1430

الثلث والثلث كثير". فلما كان تصرفه في الثلثين في حال المرض بالهبة ونحوها كتصرف من تصرف في ملك غيره، لم يدل ذلك على الحجر؛ لأن امتناع جواز تصرف الإنسان في ملك الغير، لا يدل على الحجر. ولهذه العلة قال أبو حنيفة في بيعه من وارثه في المرض بمثل القيمة: أنه لا يجوز؛ لأنه حين كان محجورا عليه في حق الوارث لما بينا، صار كالمجنون والصغير إذا باعا بمثل القيمة. *ووجه آخر: وهو أنه لا يملك في المرض إيجاب حق للوارث فيما يملكه بقوله، وهو الهبة والوصية، كذلك الدين، إذا كان ثبوت جميعه متعلقا بقوله، وهو يملك إثبات الحق في ماله لأجنبي بقوله، لأنه لو وهب له مقدار الثلث من المال في مرضه جاز، فإذا أقر فيه بدين جاز إقراره فيه على الوجه الذي أقر به، واستحق الثلث بالدين، ثم ما بقى ينبغي أن يجوز إقراره في الثلث لهذه العلة أيضا، ثم كذلك أبدا حتى لا يبقى شيء من ماله إلا مستحقا بالدين، وبذلك فارق الوارث. ****

стр. 1431

كتاب العارية مسألة: [ضمان العارية بالتعدي] قال أبو جعفر: (والعارية غير مضمونة إلا أن يتعدى فيها المستعير، فيضمن بالتعدي). وإنما لم تكن مضمونة؛ لأنه قبضها بإذن مالكها، لا على وجه البدل، فصارت كالوديعة. فإن قيل: ينبغي أن يضمنها؛ لأنه قابض لنفسه، وله منفعته. قيل له: والمستأجر قابض لنفسه، ولا يضمن بالاتفاق، فهذه علة منتقضة. وأيضا قد اتفق الجميع على أن ما يحدث من التلف والخرق باللبس غير مضمون، فدل أن الأصل غير مضمون، وأنه بمنزلة الثوب المستأجر، أنه لما لم يضمن النقصان، لم يضمن الأصل بالهلاك. ألا ترى أن الغصب لما كان مضمونا، لم يختلف فيه ضمان الجزء، والكل، في أن الأصل لما كان مضمونا، كان الجزء منه مضمونا. فإن قيل: روي عن النبي ﷺ "أنه قال لصفوان بن

стр. 1432

أمية حين استعار منه أدراعا: "إنها عارية مضمونة". قيل له: أول ما يقال: إن هذه اللفظة لا يصححها أهل النقل. ورواها يزيد بن هارون ببغداد، وروى غيرها بواسط، وإنما الصحيح منه: "بل عارية مؤداة". وعلى أنها لو صحت، لم تدل على ضمانها عند الهلاك؛ لأن المراد: مضمونة الأداء. كما روي في خبر آخر: "بل عارية مضمونة حتى يؤديها إليك". فأخبر أن المراد ضمان الأداء والرد، لا ضمان القيمة عند الهلاك، وهذا كما يقول الرجل: قد ضمنت لك حاجتك، يعني هممت بالقيام بها، وأضمرتها. وكذلك قوله: مضمونة، يعني به: انه يضمن بردها؛ لأن صفوان قال له: تأخذها يا محمد غصبا؟ فقال: لا، بل عارية مضمونة، يعني مردودة.

стр. 1433

ويدل أن معنى الضمان ما وصفنا، قول لبيد يصف ناقته: بتلك أسلي حاجتي إن ضمنتها ... وأبرئ هما كان في الصدر داخلا قال أهل اللغة: ضمنتها: أي صارت في قلبي، وهممت بها. ويدل عليه "أن النبي ﷺ قال لصفوان بعد فراغه من الحرب: "إنا فقدنا من أدرعكم أدراعا، فهل نغرم لك؟ قال: لا يا رسول الله، لأن في قلبي ما لم يكن فيه يومئذ". فهذا يدل على أنها لم تكن مضمونة؛ لأنها لو كانت كذلك لما قال: هل نغرم لك؟ وهو قد غرمها وضمنها.

стр. 1434

ألا ترى "أنه لما استقرض من عبد الله بن أبي ربيعة ثلاثين ألفا في بعض مغازيه، فلما قدم مال أعطاه، وقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، فما جزاؤك إلا الوفاء والحمد". ألا ترى أنه لما كان القرض مضمونا، لم يقل: هل أغرم لك، فلو كانت العارية مضمونة، لغرمها، وما سأله عن إرادته للغرامة. وأيضا: لو صح أنها مضمونة لصفوان، لم يدل على ضمانها لغيره، لأن صفوان كان حربيا حينئذ، ولم يكن أسلم، وقد يجوز بين أهل الحرب والمسلمين من العقد، ما لا يجوز بين المسلمين فيما بينهم. ألا ترى أنه يجوز لنا أن نأخذ منهم رهائن أحرارا، ولا يجوز رهن الحر فيما بيننا. وأيضا: يجوز أن يكون شرط ضمانها تألفا له على الإسلام، كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم بلا سبب غير التألف. ويدل عليه "أن صفوان قال للنبي ﷺ حين قال: أغرمها لك؟ قال: لا، فإن في قلبي من الإسلام، ما لم يكن قبل".

стр. 1435

فإن قيل: قوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترد": عمومه يوجب ضمانها. قيل له: لم تضمن حال الهلاك، لأنه قال: "عليه ما أخذت"، ولا قيمة، فليست ما أخذت، فإنما تناول ذلك رد العين مادامت قائمة، فأما حال الهلاك، فلم يدخل في الخبر. ويعارضون عليه بقوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل)، والمستعير محسن في استعارته ثوبا ليصلي فيه، وعموم الآية ينفي ضمانه. وقد روي عن علي ﵁ مثل قولنا. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة ضمانها. مسألة: [إعارة العارية]. قال أبو جعفر: (ومن استعار دابة، ولم يسم شيئا: كان له أن يعيرها غيره).

стр. 1436

وذلك لأن العارية تقتضي تمليك المنافع بغير بدل، فكان له أن يملكها غيره، كما أن للمستأجر تمليك المنافع غيره؛ لأن الإجازة أيضا تقتضي تمليك المنافع. وليست العارية كالوديعة في أن المودع يضمنها إذا أودعها غيره؛ لأن الوديعة إنما هي أمر بإمساك، ولا يدخل تحتها إمساك غيره، والعارية تمليك المنافع، فهي بالإجازة التي هي تمليك المنافع أشبه. *قال أبو جعفر: (فإن سمى له شيئا: لم يكن له أن يجاوزه إلى غيره، فإن تجاوزه إلى غيره: ضمن). قال أحمد: هذا فيما يختلف استعماله من اللبس والركوب ونحوهما، فإذا استعار ليلبسه هو، فألبسه غيره: ضمن؛ لأن اللبس يختلف. وكذلك الركوب، وهو فلم يرض بركوب غيره، ولبس غيره، فإذا خالف: ضمن. وأما ما لا يختلف استعماله وغيره فيه: فإنه لا يضمن إذا أعاره غيره، وإن شرط له أن يستعمله هو، على حسب ما نقول في الإجارة. مسألة: [أقسام العارية] والعواري عندهم على ضربين: ضرب غير مضمون، وهو الذي يجوز أن تملك منافعه بعقد الإجارة، كلبس الثوب، وركوب الدابة. والضرب الآخر منها مضمون، وهو ما لا يصح تمليك منافعه بعقد الإجارة، وتكون عاريتها قرضها، نحو الدراهم، والدنانير والفلوس، والموزونات، والمكيلات، التي لا يتوصل إلى الانتفاع بها إلا بأستهلاك

стр. 1437

أعيانها، فتكون عاريتها فرضها، لأن العارية لما كانت تمليك المنافع، وهو لا يصل إلى منافعها إلا باستهلاك العين، صار ذلك إذنا منه له في استهلاك العين، وهذا هو القرض. ومن أجل كونه عارية، لم يصح الأجل فيه؛ لأن التأجيل لا يصح في العواري، ألا ترى أنه لو أعاره ثوبا شهرا: كان له الرجوع فيه قبل الشهر. مسألة: [استعارة الأرض] قال أبو جعفر: (ومن استعار أرضا مدة معلومة: فللمعير أخذها منه في المدة، ونقض العارية فيها). وذلك لقول النبي ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترد": اقتضى ذلك ردها متى طولب بها. وأيضا: فإن المنافع التي لم يستوفها بعد في مستقبل المدة بمنزلة الصدقة والهبة التي لم تقبض، فله الرجوع فيها. مسألة: [استعارة الأرض بشرط البناء فيها بغير مدة] قال: (ولو استعارها منه على أن يبني فيها ما شاء، أو يغرس بغير

стр. 1438

مدة: فللمعير الرجوع بعد البناء والغرس). لما ذكرنا من العموم قوله ﷺ ، والنظر. * (ويأخذ المستعير بهدم بنائه، وقلع شجره، وإن شاء أعطاه قيمة البناء والغرس). وذلك لأنه لما صح له الرجوع فيها لما بيناه، خرجت من أن تكون عارية، فكان بمنزلة وضع شيئا في أرض غيره، فيِمر برفعه؛ لأنه ليس له الانتفاع بها إلا بإذن مالكها. وللمعير أن يعطيه قيمة ذلك، لما في قلعه من تخريب أرضه. مسألة: [استعارة الأرض بشرط البناء إلى مدة معلومة] قال أبو جعفر: (ولو كانت العارية إلى وقت بعينه: لم ينقض، والمسألة بحالها، وكان على المعير قيمة البناء والغرس قائمين في الأرض). وقال أحمد: وله الرجوع في الأرض لما بينا، ويغرم قيمة البناء والغرس؛ لأنه قد غره في الغرس والبناء، وتبقيته فيه إلى انقضاء المدة، فضمنها إذ أخرجه منها قبل الوقت، كما يضمن البيع عند الاستحقاق بالغرور. ويضمن قيمته قائما في الأرض لأجل الغرور، كما يضمنه البيع عند الاستحقاق. *****

стр. 1439

كتاب الغصب مسألة: [ضمان المغصوب] قال أبو جعفر: (وكل ما غصبه رجل مما ينقل ويحول، فتلف في يده بغير فعله: فعليه قيمته يوم غصبه، إلا أن يكون مما له مثل، فيكون عليه مثله). قال أحمد: الأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾. وقال الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. وقال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾. والمثل تارة يكون بمثله في مقداره من جنسه، وذلك في المكيل، والموزون، والمعدود، وتارة يكون القيمة، وهو فيما عدا ما ذكرنا. والأصل في ضمان قيمة ما استهلك مما وصفنا: قول النبي ﷺ "في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما، وهو موسر: أنه يضمن

стр. 1440

نصف قيمته". فلم يوجب عليه نصف عبد مثله، فصار ذلك أصلا فيما وصفنا. ولأن القيمة في نظائر ذلك أعدل من مثله في جنسه، لتفاوت ما بين الشخصين. فإن قيل: روى أنس أن بعض أزواج النبي ﷺ كسرت قصعة، فأعطى النبي ﷺ بدلها قصعة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني فليت العامري عن جسرة بنت دجاجة قالت: قالت عائشة: "ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية، صنعت لرسول الله ﷺ طعاما، فبعثت به، فأخذني أفكل، فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله! إما كفارة ما صنعت؟ فقال: إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام". قيل له: أما الحديث الأول، فلا دلالة على وجوب قصعة بدلها؛ لأنه أعطاها قصعة، فرضيت.
следующие страницы →