← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وذلك لأن العارية تقتضي تمليك المنافع بغير بدل، فكان له أن يملكها غيره، كما أن للمستأجر تمليك المنافع غيره؛ لأن الإجازة أيضا تقتضي تمليك المنافع. وليست العارية كالوديعة في أن المودع يضمنها إذا أودعها غيره؛ لأن الوديعة إنما هي أمر بإمساك، ولا يدخل تحتها إمساك غيره، والعارية تمليك المنافع، فهي بالإجازة التي هي تمليك المنافع أشبه. *قال أبو جعفر: (فإن سمى له شيئا: لم يكن له أن يجاوزه إلى غيره، فإن تجاوزه إلى غيره: ضمن). قال أحمد: هذا فيما يختلف استعماله من اللبس والركوب ونحوهما، فإذا استعار ليلبسه هو، فألبسه غيره: ضمن؛ لأن اللبس يختلف. وكذلك الركوب، وهو فلم يرض بركوب غيره، ولبس غيره، فإذا خالف: ضمن. وأما ما لا يختلف استعماله وغيره فيه: فإنه لا يضمن إذا أعاره غيره، وإن شرط له أن يستعمله هو، على حسب ما نقول في الإجارة. مسألة: [أقسام العارية] والعواري عندهم على ضربين: ضرب غير مضمون، وهو الذي يجوز أن تملك منافعه بعقد الإجارة، كلبس الثوب، وركوب الدابة. والضرب الآخر منها مضمون، وهو ما لا يصح تمليك منافعه بعقد الإجارة، وتكون عاريتها قرضها، نحو الدراهم، والدنانير والفلوس، والموزونات، والمكيلات، التي لا يتوصل إلى الانتفاع بها إلا بأستهلاك

стр. 1437

أعيانها، فتكون عاريتها فرضها، لأن العارية لما كانت تمليك المنافع، وهو لا يصل إلى منافعها إلا باستهلاك العين، صار ذلك إذنا منه له في استهلاك العين، وهذا هو القرض. ومن أجل كونه عارية، لم يصح الأجل فيه؛ لأن التأجيل لا يصح في العواري، ألا ترى أنه لو أعاره ثوبا شهرا: كان له الرجوع فيه قبل الشهر. مسألة: [استعارة الأرض] قال أبو جعفر: (ومن استعار أرضا مدة معلومة: فللمعير أخذها منه في المدة، ونقض العارية فيها). وذلك لقول النبي ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترد": اقتضى ذلك ردها متى طولب بها. وأيضا: فإن المنافع التي لم يستوفها بعد في مستقبل المدة بمنزلة الصدقة والهبة التي لم تقبض، فله الرجوع فيها. مسألة: [استعارة الأرض بشرط البناء فيها بغير مدة] قال: (ولو استعارها منه على أن يبني فيها ما شاء، أو يغرس بغير

стр. 1438

مدة: فللمعير الرجوع بعد البناء والغرس). لما ذكرنا من العموم قوله ﷺ ، والنظر. * (ويأخذ المستعير بهدم بنائه، وقلع شجره، وإن شاء أعطاه قيمة البناء والغرس). وذلك لأنه لما صح له الرجوع فيها لما بيناه، خرجت من أن تكون عارية، فكان بمنزلة وضع شيئا في أرض غيره، فيِمر برفعه؛ لأنه ليس له الانتفاع بها إلا بإذن مالكها. وللمعير أن يعطيه قيمة ذلك، لما في قلعه من تخريب أرضه. مسألة: [استعارة الأرض بشرط البناء إلى مدة معلومة] قال أبو جعفر: (ولو كانت العارية إلى وقت بعينه: لم ينقض، والمسألة بحالها، وكان على المعير قيمة البناء والغرس قائمين في الأرض). وقال أحمد: وله الرجوع في الأرض لما بينا، ويغرم قيمة البناء والغرس؛ لأنه قد غره في الغرس والبناء، وتبقيته فيه إلى انقضاء المدة، فضمنها إذ أخرجه منها قبل الوقت، كما يضمن البيع عند الاستحقاق بالغرور. ويضمن قيمته قائما في الأرض لأجل الغرور، كما يضمنه البيع عند الاستحقاق. *****

стр. 1439

كتاب الغصب مسألة: [ضمان المغصوب] قال أبو جعفر: (وكل ما غصبه رجل مما ينقل ويحول، فتلف في يده بغير فعله: فعليه قيمته يوم غصبه، إلا أن يكون مما له مثل، فيكون عليه مثله). قال أحمد: الأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾. وقال الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. وقال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾. والمثل تارة يكون بمثله في مقداره من جنسه، وذلك في المكيل، والموزون، والمعدود، وتارة يكون القيمة، وهو فيما عدا ما ذكرنا. والأصل في ضمان قيمة ما استهلك مما وصفنا: قول النبي ﷺ "في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما، وهو موسر: أنه يضمن

стр. 1440

نصف قيمته". فلم يوجب عليه نصف عبد مثله، فصار ذلك أصلا فيما وصفنا. ولأن القيمة في نظائر ذلك أعدل من مثله في جنسه، لتفاوت ما بين الشخصين. فإن قيل: روى أنس أن بعض أزواج النبي ﷺ كسرت قصعة، فأعطى النبي ﷺ بدلها قصعة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني فليت العامري عن جسرة بنت دجاجة قالت: قالت عائشة: "ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية، صنعت لرسول الله ﷺ طعاما، فبعثت به، فأخذني أفكل، فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله! إما كفارة ما صنعت؟ فقال: إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام". قيل له: أما الحديث الأول، فلا دلالة على وجوب قصعة بدلها؛ لأنه أعطاها قصعة، فرضيت.

стр. 1441

وكذلك حديث عائشة، لأنه يحتمل أن يكون برضا صاحب القصعة، ونحن نجيز ذلك بتراضهما. وكذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود حين أشار على عثمان بأن يضمن للأعرابي الذي قال له: إن بني عمك عدوا على إبلي، فحملوا ألبانها، وأكلوا فصلانها، فقال: إذا نعطيك إبلا مثل إبلك، وفصلانا مثل فصلانك. فأشار عبد الله عليه بأن يعطيه ذلك في الوادي الذي ينزله الأعرابي". إنما كان على وجه التراضي بها: يدل عليه: أن عثمان لم يكن عليه ضمان ما استهلكه بنو عمه. مسألة: [ضمان نقصان المغصوب في يد الغاصب] قال أبو جعفر: (وإذا نقص المغصوب في يد الغاصب، ضمن النقصان، ويرد الأصل). وذلك لأن ضمانه تعلق بالقبض، والأتباع تضمن بالقبوض؛ لأنه لا يصح إفرادها بالقبض، وكذلك المقبوض على بيع فاسد، والرهن، والمقبوض على وجه السوم، كل ذلك يضمن أتباعه من حيث تعلق ضمانه بالقبض. وليس كالمبيع في يد البيع، وكون المهر في يد الزوج، وسائر

стр. 1442

المضمونات في يد العاقد بالعقد، فلا يضمن أبتاعه، وذلك لأن الأتباع لا تضمن بالعقد، لأنه لا يصح إفرادها بالعقد. مسألة: [ضمان زيادة المغصوب في يد الغاصب] قال أبو جعفر: (وإذا زاد المغصوب في يد الغاصب في بدنه، ثم هلك: لم يضمن الزيادة، وضمن قيمة الأصل يوم الغصب، فإن استهلكها الغاصب ضمنها زائدة. قال أبو جعفر: هكذا روى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يجب على الغاصب ضمان الزيادة إلا أن يكون المغصوب عبدا، أو جارية، فيقتله بعد الزيادة خطأ، فتضمن العاقلة قيمته زائدة. وأما أبو يوسف ومحمد فيضمنانه الزيادة أيضا، لا اختلاف عنهما في ذلك). قال أحمد: الصحيح من قول أبي حنيفة أنه لا يضمن الزيادة باستهلاك الأصل إلا في القتل خاصة. وجه قول أبي حنيفة: أنه لا يخلو من أن يضمن الزيادة دون الأصل، أو مع الأصل، ولا يجوز أن يضمنها بالاستهلاك مع الأصل؛ لأن الأصل قد ضمنه بالغصب، فلا يجوز أن يتجدد عليه ضمانه بالاستهلاك، لأنه يستحيل أن يتجدد عليه ضمان ما قد ضمنه، فقد بطل هذا الوجه. ألا ترى أنه لا يجوز أن تكون الزيادة مضمونة، والأصل غير مضمون، هذا معدوم في الأصول، فبطل.

стр. 1443

وأما إذا قتلها خطأ، فقد تجدد هاهنا ضمان في الأصل على العاقلةـ، لم يكن موجودا قبل القبض، فضمن الزيادة معه. مسألة: [ضمان ولادة المغصوبة إذا مات ولدها] قال أبو جعفر: (وإذا ولدت المغصوبة، ثم مات ولدها من غير فعل الغاصب: فلا ضمان عليه فيه، وعليه نقصان ولادة الجارية). وإنما لم يضمن الولد، من قبل أنه حصل في يده بغير فعله، فكان بمنزلة ثوب ألقته الريح في دار رجل، فلا يصير مضمونا عليه بوقوعه في داره، وكما أن طائر الرجل لو وقع على رجل، أو في داره، لم يصر مضمونا عليه؛ لأنه صار في يده بغير فعله. ولا يشبه هذا ولد الظبية أذا صادها المحرم، أو أخرجها من المحرم، ثم ولدت، فيضمنها وأولادها إذا هلكن، من قبل أن الله تعالى مطالب له بإرسالها، وإرسال ولدها، أو ردها إلى الحرم، فلما امتنع من ذلك مع صحة لزوم المطالبة له به: ضمنه. ونظير هذا أن يطالبه المغصوب برد الولد، فيمتنع من رده: فيضمنه. فإذا قيل: فهلا كان سبب غصبه للأم، سببا لغصب الولد وحدوثه في يده، كما جعلت حفر البئر سببا للجناية. قيل له: لأن حفرة البئر يوجب الوقوع في البئر لمن مر بها، وغصبه الأم لا يوجب حدوث الولد. فإن قيل: لما كان الأصل مضمونا، سرى ضمانه في الولد، كالكتابة، والرهن، والبيع، وسائر الحقوق الثابتة في الأمهات، فتسري في الأولاد. قيل له: إنما يدخل الولد في ضمان الأم في هذه العقود من غير أن

стр. 1444

ينفرد بضمان دون الأصل، ومن أوجب ضمان الولد في الغصب فإنما يفرده بضمان دون ضمان قيمة الأم، وهذا خلاف ما يتعلق من حكم الضمان بالسراية، ألا ترى أن ولد المكاتبة حين دخل في كتابتها لم ينفرد بضمان دون ضمانها، وكذلك ولد الراهن، وولد المبيعة. وإن جعلنا هذا المعتى دليلا للمسألة: لم يمتتنع؛ لأنه لما لم يكن منه فعل في الولد، وجب أن يدخل في حكم الأم على وجه البيع، فلا ينفرد بضمان دونها، أو يحدث فيه من البيع بعد المطالبة ما يفرده بضمان نفسه. فصل: فإذا مات الولد، ورد الأم: ضمن نقصان الولادة؛ لأنه جزء ثابت من الأصل. مسألة: [ضمان ولادة المغصوبة إن لم يمت الولد] قال أبو جعفر: (وإن لم يمت الولد، ورده مع الأم: جبر بالولد نقصان الولادة). وذلك لأن نقصان الولادة حادث من الولد، لأن الأجزاء الفائتة منها استحالت ولدا، فوجب أن يقوم الولد مقامها، كما لو قطعت يدها، وأخذ الغاصب أرشها، وردها مع الأصل إلى المغصوب، قام الأرش مقام اليد. مسألة: [ضمان غصب الدور] قال أبو جعفر: (ومن حال بين رجل وبين دار، فحدث في تلك الحال هدم من غير فعله: لم يضمنه.

стр. 1445

قال: ومذهبه: أن الدور لا تغصب، وتضمن في قول أبي يوسف ومحمد). قال أحمد: الدور تغصب في قول أبي حنيفة، إلا أنها لا تضمن بالغصب، وأبو يوسف مع أبي حنيفة، وذكره أبو جعفر مع محمد، والذي ذكره هو قوله الأول. قال أحمد: الأصل في ذلك أن الضمان على وجهين: أحدهما: ضمان الغصب وما في معناه، فهو يتعلق بالنقل والتحويل، لا بالتخلية. والآخر: ضمان العقود، وهو يتعلق بالتخلية والتسليم وإن لم يكن معه نقل ولا تحويل. والدليل على أن ضمان الغصب متعلق بالتحويل: أن رجلا لو خلى بين نفسه وبين متاع لرجل: لم يصر المتاع بذلك في ضمانه. ويدل على ذلك: أن من دخل دار إنسان وهو ساكن فيها، لم تصر الدار مضمونة عليه بدخوله إليها بغير إذن مالكها، إذ لم يكن منه نقل ولا تحويل. ولو ارتدف خلف راكب بغير إذنه، فعطبت الدابة: ضمن نصفها، فدل أن ضمان الغصب إنما يتعلق بالنقل دون التخلية. وأما ضمان العقد فيتعلق بالتخلية، ألا ترى أنه لو خلى بينه وبين العبد

стр. 1446

في البيع: صار في ضمانه، وبمثله لا يضمن الغصب. فإن قيل: قد تضمن عندكم الوديعة بالجحود، مع عدم النقل فيها. قيل له: قد كان تقدمه نقل وتحويل، فيضمن عند الجحود بما تقدم من النقل. وأيضا: فإنه لما جحدها، حكمنا بها في الظاهر ملكا له؛ لأن كل من في يده شيء، فالقول قوله أنه في ملكه، وفي إقراره، أنا متى حكمنا له بملك شيء، كان لغيره أنه لا يملكه إلا ببدل، فجعل عليه ضمان البدل من هذا الوجه، فلا يسقط بعد ذلك رجوعه عن الجحود إلى الإقرار. فإن قيل: فلو سهد شاهدان على رجل بدار في يديه لآخر، ثم رجعا عن شهادتهما: ضمناها من غير نقل لها. قيل له: لأن شهادتهما أوجبت نقل الملك في الظاهر، فصارت بمنزلة العقد، وقد قلنا إن ضمان العقد قد يصح من وجه لا يصح به ضمان الغصب. فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من غصب شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين". قيل له: أكثر الأخبار: "من أخذ شبرا من الأرض"، و: "من ظلم شبرا من الأرض"، ويشبه أن يكون من ذكر الغصب عبر عن المعنى عنده،

стр. 1447

ولم ينقل اللفظ نفسه. وأيضا: فإنا نقول: إنها تغصب، إلا أنها لا تضمن بالغصب. مسألة: [ضمان استخدام العبد المغصوب ونحوه] قال أبو جعفر: (ولا أجرة في استخدامه عبدا غصبه، ولا في سكنى دار الغصب). وذلك لأن المنافع لا قيمة لها، إلا من جهة العقد. والدليل عليه: أنه لو وطئ أمة رجل مطاوعة له: لم يكن عليه مهر، قال النبي ﷺ : "مهر البغي حرام". والبغي هي الزانية، فصار ذلك أصلا قي سائر منافعها، أنها لا تضمن إلا بعقد، أو شبهة عقد. وأيضا: لا خلاف أن المغرور لا يضمن للمستحق منافع الأولاد، ولو كان للمنافع قيمة من غير جهة العقد، لضمنها الغرور للمستحق،

стр. 1448

كما ضمن قيمة الولد. فإن قيل: لأن الولد حر، فلا تضمن منافعه للمستحق. قيل له: كونه حرا لم يمنع قيمة نفسه، إذ كانت مما له قيمة لولا الغرور، فلو كان للمنافع قيمة في نفسها من غير وجه العقد، لضمنها له. فإن تجاسر بعض المخالفين على مخالفة الإجماع في الفصل الأول، فقال يضمن مهر الأمة وإن طاوعته؛ لأن المنافع للمولى، ولا تملك هي إتلافها، وإنما نقول: إن الحرة إذا طاوعته لا يجب لها مهر؛ لأنها رضيت بإتلاف منافعها بغير بدل. قيل له: هذا قول مخالف للسنة والإجماع معا، على أن دلالتنا على صحة المسألة قائمة فيما أقررت به من سقوط مهر الحرة الزانية، وذلك أنا نقول: لو كان لمنافعها قيمة في هذه الحال لما أسقطها رضاها بإباحتها بغير بدل؛ لأن بدل البضع لا يسقطه الرضا بإسقاطه في الموضع الذي له قيمة. ألا ترى أن من تزوج امرأة نكاحا فاسدا أو جائزا على أن لا مهر لها، ثم وطئها: استحقت المهر، ولم يكن لرضاها تأثير في إسقاطه. فإن قيل: لو نقض حائطا أو بابا منحوتا، يضمن ما أتلفه من المنافع، فدل أن لها قيمة من غير وجه العقد. قيل له: لأنها إذا حصلت في العين، صارت من صفاته، ومالا قائما،

стр. 1449

فيضمنها، وقبل أن تحصل من صفات العين، فليست بمال لما قدمنا، فلا يضمنها. ألا ترى أن رجلا لو حلق شعر رأس جارية رجل: ضمن النقصان الحادث بزواله، من حيث كان من صفاتها حين كان متصلا بها، ولو أتلفه متلف بعد زواله عن رأسها: لم يكن له قيمة، إذ لم يكن صفة في مال، كذلك المنافع. فإن قيل: لو لم تكن المنافع مالا، لما جاز أن يؤخذ عنها عوض مال بعقد الإجارة. قيل له: الطلاق ليس بملك، ويجوز أخذ العوض عنه بالخلع، ودم العمد والقصاص فيما دون النفس ليسا بمال، ويجوز أخذ البدل عنهما. مسألة: [لو أخذ المالك قيمة العبد المغصوب الآبق قبل ظهوره] قال: (وإذا أبق العبد المغصوب في يد الغاصب، فجاء المولى وأخذ القيمة بقوله، أو قامت له بينة، ثم ظهر العبد: فهو للغاصب، ولا سبيل للمغصوب عليه). وذلك لأنه قد رضي بأخذ البدل الذي ادعاه وملكه، فلا يجوز أن يبقى العبد في ملكه، مع ملكه للبدل؛ لأنه لا يجوز اجتماع الشيء وبدله في ملك واحد فيما يصح تمليكه، لعدم نظيره في الأصول. *قال: (وإن ضمنه القاضي القيمة بقول الغاصب، وادعى المغصوب أكثر منها، ثم ظهر العبد: كان المغصوب منه بالخيار، إن شاء رد القيمة على الغاصب، وأخذ العبد، وإن شاء احتبس القيمة، وسلم له العبد المغصوب). قال أحمد: هذا إذا ظهر وقيمته أكثر مما حلف عليه الغاصب، وذلك

стр. 1450

لأن المغصوب لم يرض بهذه القيمة بدلا عن العقد؛ لأنه ادعى أكثر منها، فصار كأنه ملكه على شرط الخيار إن كانت القيمة على ما ادعى، فإذا كانت القيمة على أكثر مما أخذ: فله الخيار في فسخ الملك. ويدل على أنه إذا ملك البدل ملك عليه العبد: أن من أعتق عبدا بينه وبين آخر، وهو موسر فضمن القيمة، أن نصيب الشريك ينتقل إليه لأجل ما حصل عليه من ضمان القيمة، وأن العبد كان في حال العتق ممن يصح تمليكه، ألا ترى أن الولاء كله للمعتق. مسألة: [ضمان إتلاف خمر الذمي] قال أبو جعفر: (ومن أتلف لذمي خمرا، أو خنزيرا: فعليه ضمانه، فإن كان المتلف مسلما: فعليه القيمة، وإن كان ذميا: ففي الخمر مثلها، وفي الخنزير القيمة). وذلك لأنا أعطيناهم العهد على أن نتركهما مالا لهم، فلو لم يضمن مستهلكهما، لصارا لا قيمة لهما، وفي ذلك إخراج لهما من أن يكونا مالا، وفي ذلك نقض العهد، فلا يجوز. وأيضا: روي "أن عمر بلغه أنهم يأخذون الخمر من أهل الذمة في العشور، فكتب إلى عماله: أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها"، وذلك بمحضر الصحابة، من غير نكير من أحد منهم عليه. وليس ذلك كمنعنا إياهم من الربا؛ لأنه ليس في منعنا إياهم من الربا في أموالهم إخراج لها من أن تكون مالا لهم، لأنهم يتصرفون فيها بسائر

стр. 1451

وجوه التصرف، كالمسلم. وله أيضا أصل في السنة: وهو "ما روي أن النبي ﷺ بعث إلى نصارى نجران: إما أن تذروا الربا، وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله". مسألة: [ضمان إتلاف المثليات] قال أبو جعفر: (ومن أتلف شيئا لرجل مما له مثل، ثم انقطع مثله، فلم يقدر عليه: فعليه ضمان قيمته يوم الخصومة. وقال محمد: عليه ضمان قيمته آخر ما انقطع من أيدي الناس). قال أحمد: وقال أبو يوسف: يضمن قيمته يوم الغصب. وجه قول أبي حنيفة: أن انقطاعه من أيدي الناس لم يسقط المثل الذي كان واجبا بالغصب عن ذمته. والدليل على ذلك: أنه لو لم يطالبه حتى وجد مثله بعد انقطاعه، كان الواجب هو المثل دون القيمة بالاتفاق، ولو كان خاصمه فقضى عليه بالقيمة، ثم وجد المثل: لم يجب المثل، وكان الواجب هو القيمة المقضي بها، فدل ذلك على أن المثل لم يسقط بانقطاعه من أيدي الناس، وإذا كان المثل هو الثابت في الذمة في حال الخصومة، واحتجنا في نقله إلى القيمة، وجب اعتبار قيمته يوم يريد النقل.

стр. 1452

وأيضا: فإن الواجب في الابتداء إذا كان المثل هو، لم يملك القيمة عليه إلا بالتراضي، أو بقضاء القاضي؛ لأنهما أسباب التمليكات، وليس انقطاعه من أيدي الناس سببا يوجب التمليك، فوجب أن يكون المثل في الذمة حتى ينقله بالقضاء، أو يملكه إياه، فيعتبر حينئذ قيمته عند التمليك. *وجعله محمد عند الانقطاع، بمنزلة ما لا مثل له، فاعتبر قيمته يومئذ. وأما أبو يوسف فإنه عند الانقطاع اعتبر قيمته يوم الغصب؛ لأنه سبب الضمان دون الانقطاع، ودون الخصومة. مسألة: [ضمان إتلاف المصوغات بالقيمة] قال: (ومن كسر قلب فضة لرجل: فصاحبه بالخيار، إن شاء أخذه مهشوما لا شيء له غيره، وإن شاء ضمنه قيمته مصوغا من الذهب). والأصل في ذلك: أن ما لا يجوز التفاضل فيه متى أحدث فيه نقص، لم يجز أن يسلم له الوزن، أو الكيل وزيادة، وذلك لأن ذلك النقصان لا قيمة له إذا لاقى جنسه، وله قيمة إذا لاقى غير جنسه، فلا يجوز للمالك

стр. 1453

أن يأخذ القُلْب والنقصان؛ لأنه يحصل له زيادة. ألا ترى أنه لو أراد أن يغرم قيمته دراهم: لم يجز له أخذ قيمة النقصان، فيحصل له الوزن وزيادة. ولا يجوز أن يغرمه مثل وزنه من جنسه، فتبطل عليه قيمة الصنعة، من قبل أن تلك الصنعة لها قيمة، ألا ترى أن من استهلك لرجل ثوبا، أو بابا: ألزمناه ضمان قيمته منسوجا، وقيمة الباب منحوتا، فلما لم يمكنا أن نستوفي قيمة الصنعة إلا بتضمين قيمته من غير جنسه، وجب أن يعدل عن الجنس إليه. *قال: (فإن اختار تضمين قيمته مصوغا: لم تضر مفارقته قبل قبضها). وذلك لأن هذا ضمان تعلق عليه بالاستهلاك والقبض، لا من جهة العقد، فلا معنى لاعتبار المجلس. ألا ترى أنا لو أبطلناه لأجل الفرقة، كنا نحتاج إلى إعادته في حال إبطاله، لقيام السبب الموجب له، ولو جاز اعتبار المجلس فيه، لجاز مثله فيمن استهلك لرجل دراهم أن يعتبر في صحة ضمان مثلها المجلس، لأنه يصير بمنزلة من باع دراهم بدراهم، فلما سقط ذلك في الدراهم المستهلكة، كذلك وجب مثله في القلب. مسألة: [ضمان إتلاف الدينار] (وكذلك من كسر لرجل دينارا: فعليه مثله، وإن شاء أخذه ولا شيء عليه). على ما بينا في القلب، وقد تمكننا الصنعة بإيجاب المثل في الدينار، ولا يمكن في القلب؛ لأنه لا مثل له.

стр. 1454

مسألة: [ضمان تقطيع الثوب المغصوب] قال: (ومن غصب ثوبا، فقطعه، فإن كان ذلك مما حكمه حكم الاستهلاك له: فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه كذلك، وأخذ نقصانه من الغاصب، وإن شاء سلمه إلى الغاصب، وضمنه نقصانه). وذلك لأنه إذا زال عظم منافعه، فله أن يعدل عن أخذ العين إلى القيمة، لأن المبتغى من العين هو المنافع. والدليل على ذلك: أن من غصب عبدا، فمات في يده: ضمن قيمته وإن كانت العين قائمة، لزوال منافعه، فدل ذلك على أن معنى الملك كتعلق بالمنافع، والثوب فقد بقي بعض منافعه بالتخريق من غير زيادة حصلت فيه من جهة الغاصب، فكان له أخذ العين وتضمين النقصان. وإن شاء ضمنه القيمة، فتقوم مقام الثوب في استيفاء كمال منافعه، وذلك لأن في أخذ النقصان استيفاء بعض المنافع، إذ ليس يمكن الانتفاع بأرش النقصان مع الثوب المخرق على حسب الانتفاع بالثوب الكامل، فلذلك كان له العدول عن تضمين الأرش إلى القيمة. وتخريق الثوب يفارق موت العبد في يده، من جهة أنه لم تبق هناك منفعة في العبد بحال بعد الموت، والثوب المخرق بعض منافعه باق، وإنما تتفرق عليه المنافع بالتخريق، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا. مسألة: [ضمان إتلاف الثوب بحيث لم تذهب كل منافعه] قال: (وإن كان ما أحدثه فيه لا يستهلكه: أخذه منه، وأخذ مع ذلك نقصانه). وذلك لأن عظم منافعه باق، فهو بمنزلة رجل شجه، فلا يكون للمولى الخيار في أخذ جميع قيمته.

стр. 1455

*ولو كان قطعه قميصا، وخاطه: لم يكن للمغصوب عليه سبيل، وذلك لزوال أكثر منافعه بالقطع، وحدوث زيادة الخياطة فيه من جهته، فمنع ذلك من أخذه. *وكذلك الحنطة إذا طحنها، والدقيق إذا خبز منه خبزا، واللحم إذا طبخه أو شواه. والأصل فيه: حديث عاصم بن كليب الجرمي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري "أن رسول الله ﷺ زار قوما من الأنصار في دارهم، فذبحوا له شاة، وصنعوا منها طعاما، فأخذ من اللحم شيئا ليأكله، فمضغه ساعة لا يسيغه، فقال: ما شأن هذا اللحم؟ فقالوا: شاة لفلان، حتى نرضيه من ثمنها، فقال النبي ﷺ : أطعموها الأسارى". وقد روي هذا الحديث عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وقد يجوز أن يكون سمعه من أبيه، ومن أبي بردة، فكان له عنده إسنادان. فلما أمر النبي ﷺ أن يطعم الأسارى حين ذبحت بغير أمر مالكها، دل على أن حق المالك قد انقطع عنها حين شواها، لولا ذلك لأمر بردها إلى المغصوب، أو أخبر بأن له الخيار في أخذها، وأخذ قيمتها، فصار ذلك أصلا في نظائرها مما يحدثه الغاصب في الشيء

стр. 1456

المغصوب، فيزول به أكثر منافعه. مسألة: [ضمان صبغ الثوب المغصوب] قال أبو جعفر: (ولو غصبه ثوبا، فصبغه بعصفر أو بزعفران: فالمغصوب منه بالخيار، إن شاء أخذه كذلك، وضمن للغاصب ما زاد الصبغ فيه، وإن شاء سلمه إلى الغاصب، وضمنه قيمته يوم الغصب). وذلك لأن صبغه بالعصفر لا يزيل عظم منافعه، وإنما تحصل فيه زيادة من مال الغاصب، لا يمكن المغصوب منه أخذه إلا بضمان قيمة الزيادة، لأنه مال قائم فيه، فإنما وجب له الخيار من أجل ذلك. فإن قيل: فهلا جعلت الخيار للغاصب؛ لأن ماله أيضا قائم في الثوب، فلا يجوز للمغصوب منه أخذه إلا برضاه. قيل له: من جهة أن الصبغ تبع للثوب، وليس تبعا للصبغ، ألا ترى أن من باع ثوبا مصبوغا تبعه الصبغ الذي فيه، ولو باع الصبغ دون الثوب لم يصح، فصار الصبغ أحد صفات الثوب، بمنزلة عين العبد ويده ورجله. فلذلك كان المغصوب أولى بأخذ الثوب، إذ لم يكن الثوب مستهلكا به، وهو مستهلك في الثوب. [مسألة:] قال: (وإن كان صبغه سوادا، فإن أبا حنيفة قال: إن شاء صاحبه سلمه إلى الغاصب كذلك، وضمنه قيمته أبيض يوم غصبه، وإن شاء احتبسه، ولم يغرم للغاصب شيئا. وقال أبو يوسف ومحمد: صاحب الثوب بالخيار: إن شاء سلمه إلى

стр. 1457

الغاصب، وضمَّنه قيمته أبيض يوم غصبه، وإن شاء احتبسه وضمن للغاصب ما زاد البيع فيه). قال أحمد: بنى أبو حنيفة الأمر على ما كان عليه حال السواد في الوقت الذي أجاب فيه في المسألة، وذلك لأن السواد كان نقصانا في أيام بني أمية؛ لأن الناس لم يكونوا يلبسونه إلا في الإحداد. وأجابا هما على ما كان عليه في أيام بني العباس؛ أنه صار زيادة، لأنهم لبسوه، وأخذوا الناس بلبسه. وأيضا فإن السواد يخرق الثوب ويفسده، وليس كذلك الحمرة.

стр. 1458

كتاب الشفعة مسألة: قال أبو جعفر: (ولا شفعة فيما سوى الدور والأرضين). وذلك لأنه لا خلاف بين الفقهاء في انتفاء وجوبها في الثياب ونحوها من العروض، والمعنى فيها: أن التأذي بالشركة فيها ليس على جهة الدوام والبقاء، فكذلك ما اختلفنا فيه من نحو الزورق، وما يوجب مخالفنا فيه الشفعة. وقد روي في آثار: "لا شفعة إلا في أرض أو ربع". ذكره محمد بن الحسن، ولم يعزه إلى رجل بعينه. وروى جابر عن النبي ﷺ : "الشفعة في كل شرك في أرض، أو ربع، أو حائط".

стр. 1459

وهذا اللفظ ينفي وجوب الشفعة في غير العقار؛ لأن قوله: الشفعة للجنس، لدخول الألف واللام عليه، واستغراقه لجميع ما تناوله، فلا تبقى هناك شفعة في غير ما ذكر من الأرض، والربعة، والحائط. فإن قيل: روى أبو حمزة السكري عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: "الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء". قيل له: أصله مرسل فيما يقال، لو يسنده إلا أبو حمزة السكري. وقد رواه شعبة، وحريز، وأبو بكر بن عياش وغيرهم، عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفعة في العبد، وفي كل شيء". لفظ شعبة. ولو ثبت وصح كان معنى قوله: "في كل شيء: من العقار، أو الأرضين، على ما روي في الأخبار الأخر. وأما قوله: "الشفعة في العبد": فقد ذكر في هذا الحديث، وروي بإسناد آخر، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن علي الخزار وعبد الله بن أحمد بن حنبل قالا: حدثنا عفان بن مخلد البلخي قال: حدثنا عمر بن هارون البلخي قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر عن

стр. 1460

سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "في العبد شفعة، وفي كل شيء". ولو ثبت هذا اللفظ: احتمل أن يكون معنى قوله: "في العبد شفعة": فيما بيع من العقار بعبد. وفائدته أن كون العبد مما لا مثل له، لا يمنع وجوب الشفعة، وإن كان الشفيع إنما كان يأخذ بالبدل، فإذا لم يكن للعبد مثل، أخذه بقيمته. مسألة: [الشفعة للجار] قال أبو جعفر: (والشفعة في ذلك: مقسوما كان، أو مشاعا). قال أحمد: الدليل على وجوب الشفعة للجار الملاصق: حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا.

стр. 1461

رواه عن عبد الملك جماعة، منهم أبو يوسف، وشعبة، وهشيم، وغيرهم. وقد حدثنا عن الثوري أنه قال: الحفاظ أربعة: أحدهم عبد الملك بن أبي سليمان، وهذا الحديث وإن كان عبد الملك قد تفرد به، فإن تفرده به لا يوجب رده؛ لأن أخبار الآحاد مقبولة عندنا في مثل ذلك، وليس أحد من الرواة إلا وقد تفرد بأشياء فيما رواه، لم يوافقه عليها غيره، ولم يوجب ذلك رد روايته. فنص في الخبر على وجوب الشفعة في الدار التي لا شرك فيها، لأجل الشركة في الطريق. وروى حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أرض ليس لأحد فيها شرك ولا قسم، إلا الجوار؟ قال رسول الله ﷺ : "الجار أحق بصقبه ما كان". وهذا أيضا دليل واضح في إيجاب الشفعة بالجوار دون الشركة؛ لأنه أجابه عن الجوار الذي ليس معه شركة، فأوجبها فيه.

стр. 1462

وهذا يبطل تأويل من تأول الجار على الشريك. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثنا محمد بن جابر عن إبراهيم بن مهاجر عن رجل عن أبي رافع قال: قال سعد بن أبي وقاص: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الشريك أحق بالشفعة، والجار أحق ممن وراءه، ما اشتريته". فانتظم هذا الخبر وجوب الشفعة للشريك دون الجار، ثم للجار دون من وراءه. وروى قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "جار الدار أحق بشفعة الدار والأرض". وهذا اللفظ أيضا ينفي احتمال الشريك؛ لأنه أوجبها لجار الدار والأرض، وجعله أحق بالدار، والشريك ليس هو جار الدار، ولا يأخذ الدار، وإنما يأخذ بالشفعة بعض الدار والأرض، ولا يأخذ الدار والأرض بالشفعة إلا الجار.

стр. 1463

وقد روى قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "جار الدار أحق بالدار". وهو مثل حديث سمرة في دلالته على ما دل عليه. ويدل على صحة قولنا: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن يونس بن موسى قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا ابن جريج قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفعة في كل شرك وحائط، لا يصلح لشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن أبى، فشريكه أحق به حتى يؤذنه". اقتضى ظاهره وجوب الشفعة للشريك في الطريق، وفي البئر والحائط، وإذا أوجبت للشريك في الطريق، وجبت للجار بعده. ويدل عليه حديث أبي رافع حين عرض بيتا له على سعد بأربع مائة دينار، وقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بصقبه ما بعته، إنه أعطيت به خمس مائة دينار". رواه إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع، وهو حديث مشهور. وكان ذلك بيتا مقسوما؛ لأنه كان فيه شركة، كان بعض بيت.

стр. 1464

وقد عُقِل من لفظ النبي ﷺ : "الجار أحق بصقبه": وجوب الشفعة فيه. وهذه الألفاظ التي ذكرناها كلها تنفي تأويل من تأول الجار على الشريك، مع تعسفه في معنى اللفظ، لأن الشريك لا يسمى جارا. *واستدل من تأوله على الشريك بقول الأعشى: يا جارتي بيني فإنك طالقة" فسمى المرأة جارة. وقال: حمل بن مالك للنبي ﷺ : "كنت بين جارتين لي، يعني امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط". قال: فلما سميت المرأة جارة، لأجل الشركة بينها وبين الزوج، كذلك الشريك يف الدار. وهذا تعسف شديد في التأويل؛ لأن المرأة لا شركة بينها وبين الزوج، وإنما لها قرب من غير شركة، فسميت جارة، لقربها منه ببدنها، لا لشركة بينهما. فإن احتجوا بما روى الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن

стр. 1465

أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة"، رواه أبو عاصم النبيل عن مالك عن الزهري. وبما روى ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة أو سعيد بن المسيب أو عنهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قسمت الأرض، وحدت، فلا شفعة فيها". وبحديث معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة". وفي بعض الألفاظ: "إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة فيما لم يقسم". قيل له: ليس قي شيء من هذه الأخبار ما ينفي وجوب الشفعة للجار عن النبي ﷺ ، أكثر ما فيه إيجاب الشفعة للشريك. وقوله: "فإذا وقعت الحدود، فلا شفعة": من كلام الراوي، ليس عن النبي ﵊، هذا في الأخبار التي قدم فيها ذكر إيجاب الشفعة للشريك.

стр. 1466

وذلك لأن الراوي كثيرا ما يروي الحديث عن النبي ﵊، ويعطف عليه قول نفسه، فيدرجه فيه، فيظن السامع أن الجميع عن النبي ﷺ ، وأقل أحوال ما كان هذا سبيله، أن لا نثبته عن النبي ﵊؛ لأنه غير جائز إثبات الرواية عنه بالاحتمال. وأما حديث أبي هريرة من طريق ابن جريج روايته عن النبي ﷺ : "إذا قسمت الأرض وحدت، فلا شفعة فيها". فإنما فيه نفي الشفعة بالقسمة. وكذلك نقول: إن القوم إذا قسموا أرضا، أو دارا بينهم: لم تجب بالقسمة الشفعة بهذا الخبر. ولا دلالة له على نفي وجوب الشفعة بالبيع. وكذلك سائر الألفاظ التي ذكرت في نحو ذلك، بعد ذكر الشفعة للشريك، لو صحت: كان معناها معنى إيجاب الشفعة بالقسمة. وفي حديث جابر تأويل آخر، وهو أنه ذكر فيه: "فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة". ومعناه: إذا كان بين الدارين طريق نافذة فلا شفعة، وكذلك نقول: إن الجار غير الملاصق لا شفعة له وإن تناوله اسم الجار. *ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون رجلان اختصما إلى النبي ﷺ ، أحدهما جار، والآخر شريك، فنفى شفعة الجار مع الشريك، فقال: فإذا وقعت الحدود، فلا شفعة للجار مع الشريك في الطريق، أو في نفس المبيع.

стр. 1467

وكذلك ما روى صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "الشفعة فيما لم يقسم، وتعرف حدوده". معناه: أن هذه الشفعة التي تجب بالشركة، لا تجب بغيرها من الجوار ونحوه. *ويدل على صحة قولنا من طريق النظر: أن العلة الموجبة للشريك الشفعة، هو خوف التأذي على الدوام، وذلك موجود في الجار، لأن التأذي قائم على جهة الدوام والبقاء. وأيضا: اتفقنا على أن الشركة في العروض لا توجب الشفعة، فلو كانت الشفعة مستحقة لأجل الشركة، لوجبت في العروض أيضا لوجود الشركة، فدل على أن وجوبها للشريك في العقار إنما هو لما تعلق بها من معنى الجوار؛ لأنه يستحق بهذه الشركة أن يصير جارا، فلما كانت العلة الموجبة للشفعة عند الشركة إنما هي الجوار، وهي موجودة في الجار، وجبت الشفعة به. وليس يمتنع أن يكون الجوار والشركة كل واحد منهما سببا تستحق به الشفعة على الانفراد، وإذا اجتمعا كان الشريك أولى، وإن كان الشريك إنما يستحقها أيضا بمعنى الجوار، كما أن الأخ من الأب يستحق الميراث على الانفراد بتعصيبه من جهة الأب، وكذلك الأخ من الأب والأم، ثم إذا اجتمعا: كان الأخ من الأب والأم أحقهما به وإن كان نسبه من الأم على حياله لا يستحق به التعصيب.

стр. 1468

مسألة: [الأولى بالشفعة] قال أبو جعفر: (وأولى الشفعاء بالمبيع: الشريك الذي لم يقاسم، ثم يتلوه الشريك في الطريق، ثم الجار الملاصق). وإنما كان الشريك في المبيع أولى لحديث جابر: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم". وقوله: "إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة". وقد بينا أن تأويله: أن جارا وشريكا اختصما، فقضى للشريك دون الجار، ولم يجعل للجار مع الشريك حقا. ويدل عليه: حديث أبي رافع من طريق إبراهيم بن مهاجر، وقد قدمنا إسناده: "الشريك أحق بالشفعة، والجار أحق ممن وراءه". ولا خلاف بين الفقهاء أن الشريك أحق من الجار، ثم الشريك في الطريق أولى من الجار؛ لأن قوله: "الشريك أحق بالشفعة، والجار أحق من غيره": ينتظم الشريك في الطريق وغيره. ولحديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ : "جار الدار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها إذا كان

стр. 1469

غائبا، إذا كان طريقهما واحدا". ولأن وجوب الشفعة في الأصل موضوع على ما يخشى من التأذي بالمشتري في شركته، أو جواره، والتأذي بالشريك في المبيع أكثر منه بالشريك في الطريق، وبالشريك في الطريق أكثر منه بالجار. ولهذه العلة كانت الشفعة للجار الملاصق دون من ليس بلصيق؛ لأن التأذي إنما يكون للملاصق، لما يخاف من إشرافه عليه، واطلاعه في داره، وضرر ما يلحقه مما يحدثه في ملكه من بئر، أو حمام، أو رحى، أو نحو ذلك، وذلك معدوم في غير الملاصق. مسألة: [استحقاق الشفيع الشفعة بالإشهاد] قال أبو جعفر: (وإذا علم الشفيع بالبيع، فإذا أشهد مكانه أنه على شفعته، وإلا بطلت شفعته). قال أحمد: وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الشفعة كنشطة عقال، فإن قيدها مكانه ثبت حقه، وإلا فاللوم عليه إذا لم يقدر عليه".

стр. 1470

وروي في خبر آخر: "إنما الشفعة لمن واثبها". ولاتفاق الجميع من فقهاء الأمصار على أن ترك الطلب مدة طويلة يبطلها، فعلمنا أن وجوبها متعلق بالطلب في حال العلم بالعقد. [مقدار المدة طلب الشفعة:] وكان أبو الحسن ﵀ يحتج عن أبي سعيد أنه مقدار المجلس، مثل الخيار بقول، قال: وكذلك هو عندي. وقد روى هشام عن محمد مثل ذلك. وإنما تعلقت صحة الطلب بالمجلس، لأنه حق تعلق بعقد البيع، فأشبه خيار القبول. مسألة: [لا يشترط في الإشهاد إحضار الثمن] قال أبو جعفر: (وسواء أحضر مالا عند ذلك بمقدار ثمن المبيع،

стр. 1471

أو لم يحضره). وذلك لأن الحق يتعلق بالطلب، لا بإحضار الثمن، كما يتعلق بخيار القبول إبرام المبيع، لا بإحضار المال. *قال أبو جعفر: (وروي عن محمد بن الحسن خاصة أنه قال: وينبغي أن يكون الإشهاد بمحضر المطلوب بالشفعة، أو بحضرة الدار المبيعة). وذلك لأن الحق معلق بالبائع إذا كانت في يده، والمشتري أيضا، لأنه في ملكه، وبالمبيع؛ لأنه يستحقه بالشفعة، فإذا أشهد بمحضرها ولاء: صح الإشهاد. مسألة: [حبس المشتري الدار المشفوع بها حتى يقبض الثمن] قال: (وللمشتري أن يحبس الدار في يده حتى يقبض الثمن، كما يجب للبيع حق الحبس إلى أن يستوفي الثمن. قال: وقد روي عن محمد أن القاضي لا يقضي بالشفعة للشفيع حتى يحضره مثل الثمن الذي استحق به الشفعة). وذلك لأن المشتري مجبر على ذلك، ولا يأمن من أن يقضي له بالشفعة، ويبقى الثمن دينا عليه، فيتوى حق المشتري في الثمن الذي نفده البيع. مسألة: [وجوب الشفعة واستحقاقها وملكها] قال أبو جعفر: (والشفعة تجب بالبيع، وتستحق بالإشهاد والطلب، وتملك بالأخذ).

стр. 1472

قال أحمد: يعني بقوله: تجب بالبيع: أن حق الطلب يجب بالعقد، فإذا طلب، ثبتت الشفعة وصحت، ولا تملك حتى يقضى به، وذلك لقول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. فلا يملكه عليه إلا بالتراضي، أو بحكم الحاكم إذا كان نافذا عليه، قائما مقام قوله، كالعنين، والمجبوب، يوجب الحاكم لامرأتيهما الخيار، ويقوم ذلك مقام قولهما في تخييرهما. وكذلك في الرد بالعيب بعد القبض، أن الفسخ به لا يصح إلا بالتراضي، أو بقضاء القاضي. مسألة: [اعتبار المثل أو القيمة في ثمن المشفوع به] قال أبو جعفر: (وإذا كان ثمن المشفوع فيه له مثل: أخذه بالمثل، وإن لم يكن له مثل: أخذه بالقيمة). لأن الشفيع يثبت له حق الأخذ بالبدل الذي حصل على المشتري، فإذا كان له مثل: ثبت مثله، فالقيمة، لأن مثله يتعذر، والقيمة تقوم مقام العين.

стр. 1473

مسألة: [ما لا شفعة فيه] قال: (ولا شفعة فيما لم يكن بدله مالا، مثل النكاح، والخلع، والصلح من دم العمد). من قبل أنه قد ثبت عندنا أن الشفيع إنما يأخذ الشيء بالبدل الذي حصل على المشتري، وأنه متى حصل له الدار بغير بدل: لم يستحق عليه الشفعة، مثل الهبة، والوصية، والميراث. وإذا صح ذلك، قلنا في النكاح على دار: إن بدلها هو البضع، والبضع لا يتقوم أحد إلا من جهة العقد، أو وطء على شبهة عقد، فصارت الدار في حق الشفيع، كالهبة التي لا بدل فيها؛ لأن الشفيع لا يتقوم عليه بضع، إذ ليس له عند نكاح، فلم يجز له أخذها. وكذلك الطلاق ليس بمال، ألا ترى أن من طلق امرأته في مرضه، فحصل لها بضعها: لم يتقوم عليها. مسألة: [سكوت الشفيع بعد المطالبة والإشهاد] قال: (وإذا طلب الشفيع، وأشهد على الطلب، ثم لم يطالب بها، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: هو على شفعته أبدا؛ لان الشفعة قد ثبتت بالطلب؛ وصارت له، فلا يبطلها السكوت، وترك المطالبة، كما لا تبطل سائر الحقوق بترك المطالبة. وقال محمد: إذا ترك مطالبته شهرا: بطلت شفعته). وذلك لأنه لا يجوز أن يعطل على المشتري نصرفه فيها، وثمن الدار جميعا. ألا ترى أن ما يتصرف فيه البناء، والغرس، معرض للتلف والنقض؛

стр. 1474

لأن للشفيع متى جاء أن يأخذه برفع البناء، وقلع الغرس. وإنما للشفيع حق الأخذ، وليس له إبطال حق الغير، فيقال له: إما أن تأخذ، فتحصل للمشتري الثمن، أو تترك، فتحصل له الدار. وإنما وقت لذلك شهرا اجتهادا، وجعله حدا فاصلا بين القليل والكثير، وقد قالوا جميعا فيمن حلف ليقضين فلانا ماله عاجلا أو قريبا، ولا نية له، أنه على أقل من شهر، فلم يجعلوا الشهر قريبا ولا عاجلا. مسألة: [لزوم حضور البائع والمشتري للقضاء بالشفعة] قال أبو جعفر: (وإذا كان المبيع في يد المبيع: لم يقض للشفيع حتى يحضر البيع والمشتري). لأن فيه قضاء عليه؛ لأنه ملكه، ويحتاج إلى حضور البيع، لما فيه من استحقاق يده. وأيضا أخذها من يد البيع يوجب فسخ عقد المشتري، فلا يصح الفسخ أو يحضرا جميعا؛ لأن الفسخ يقع عليهما. مسالة: [العهدة على البائع إن أخذها الشفيع منه دون المشتري] قال: (فإذا أخذها من يد البيع: كانت عهدته عليه دون المشتري). من قبل أن البيع ينفسخ بأخذها من البيع، وذلك لأن صحة العقد موقوفة على سلامة القبض، وقد بطل القبض، فيبطل البيع، ألا ترى أن هلاك المبيع قبل القبض يبطل العقد، لعدم القبض، وإذا صح ذلك كانت العهدة على البيع، كأنه بيع بين الشفيع والبيع.

стр. 1475

مسألة: [العهدة على من قبض الثمن] قال: (وإذا كان المشتري قد قبض فهو الخصم وإن غاب البيع). لأن البيع في هذه الحال لا يقع عليه القضاء بحال؛ لأن ملكه ويده جميعا زائلان، ولا ينفسخ البيع أيضا بأخذها من يد المشتري، فلذلك لم يعتبر حضور البيع، فإذا أخذها من المشتري: كانت عهدته عليه، لأنه هو المستحق للثمن. وجملة الأمر: أن العهدة على من قبض الثمن. مسألة: [الشفعة على الرؤوس لا الأنصباء] قال: (والشفعة على الرؤوس، لا على الأنصباء). لأن صاحب القليل يستحق شفعة جميع الجميع، كما يستحق صاحب الكثير لو انفرد، فلما تساويا في الاستحقاق. ومن حضر منهم أخذ الجميع؛ لأن حقه ثابت في الجميع، وإنما ينقص بالمخاصمة والشركة. ومن لم يحضر من شاركه استحق الكل. فإن حضر الآخر: شركة فيه، كأنهما حضرا معا، لا أنا إنما قضينا للحاضر على أن يبطل حق الغائب. *قال: (وإن كان الأول جارا، والثاني شريكا: كان الثاني أولى). كما لو حضرا معا كان الشريك أولاهما.
следующие страницы →