← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أو لم يحضره). وذلك لأن الحق يتعلق بالطلب، لا بإحضار الثمن، كما يتعلق بخيار القبول إبرام المبيع، لا بإحضار المال. *قال أبو جعفر: (وروي عن محمد بن الحسن خاصة أنه قال: وينبغي أن يكون الإشهاد بمحضر المطلوب بالشفعة، أو بحضرة الدار المبيعة). وذلك لأن الحق معلق بالبائع إذا كانت في يده، والمشتري أيضا، لأنه في ملكه، وبالمبيع؛ لأنه يستحقه بالشفعة، فإذا أشهد بمحضرها ولاء: صح الإشهاد. مسألة: [حبس المشتري الدار المشفوع بها حتى يقبض الثمن] قال: (وللمشتري أن يحبس الدار في يده حتى يقبض الثمن، كما يجب للبيع حق الحبس إلى أن يستوفي الثمن. قال: وقد روي عن محمد أن القاضي لا يقضي بالشفعة للشفيع حتى يحضره مثل الثمن الذي استحق به الشفعة). وذلك لأن المشتري مجبر على ذلك، ولا يأمن من أن يقضي له بالشفعة، ويبقى الثمن دينا عليه، فيتوى حق المشتري في الثمن الذي نفده البيع. مسألة: [وجوب الشفعة واستحقاقها وملكها] قال أبو جعفر: (والشفعة تجب بالبيع، وتستحق بالإشهاد والطلب، وتملك بالأخذ).

стр. 1472

قال أحمد: يعني بقوله: تجب بالبيع: أن حق الطلب يجب بالعقد، فإذا طلب، ثبتت الشفعة وصحت، ولا تملك حتى يقضى به، وذلك لقول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. فلا يملكه عليه إلا بالتراضي، أو بحكم الحاكم إذا كان نافذا عليه، قائما مقام قوله، كالعنين، والمجبوب، يوجب الحاكم لامرأتيهما الخيار، ويقوم ذلك مقام قولهما في تخييرهما. وكذلك في الرد بالعيب بعد القبض، أن الفسخ به لا يصح إلا بالتراضي، أو بقضاء القاضي. مسألة: [اعتبار المثل أو القيمة في ثمن المشفوع به] قال أبو جعفر: (وإذا كان ثمن المشفوع فيه له مثل: أخذه بالمثل، وإن لم يكن له مثل: أخذه بالقيمة). لأن الشفيع يثبت له حق الأخذ بالبدل الذي حصل على المشتري، فإذا كان له مثل: ثبت مثله، فالقيمة، لأن مثله يتعذر، والقيمة تقوم مقام العين.

стр. 1473

مسألة: [ما لا شفعة فيه] قال: (ولا شفعة فيما لم يكن بدله مالا، مثل النكاح، والخلع، والصلح من دم العمد). من قبل أنه قد ثبت عندنا أن الشفيع إنما يأخذ الشيء بالبدل الذي حصل على المشتري، وأنه متى حصل له الدار بغير بدل: لم يستحق عليه الشفعة، مثل الهبة، والوصية، والميراث. وإذا صح ذلك، قلنا في النكاح على دار: إن بدلها هو البضع، والبضع لا يتقوم أحد إلا من جهة العقد، أو وطء على شبهة عقد، فصارت الدار في حق الشفيع، كالهبة التي لا بدل فيها؛ لأن الشفيع لا يتقوم عليه بضع، إذ ليس له عند نكاح، فلم يجز له أخذها. وكذلك الطلاق ليس بمال، ألا ترى أن من طلق امرأته في مرضه، فحصل لها بضعها: لم يتقوم عليها. مسألة: [سكوت الشفيع بعد المطالبة والإشهاد] قال: (وإذا طلب الشفيع، وأشهد على الطلب، ثم لم يطالب بها، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: هو على شفعته أبدا؛ لان الشفعة قد ثبتت بالطلب؛ وصارت له، فلا يبطلها السكوت، وترك المطالبة، كما لا تبطل سائر الحقوق بترك المطالبة. وقال محمد: إذا ترك مطالبته شهرا: بطلت شفعته). وذلك لأنه لا يجوز أن يعطل على المشتري نصرفه فيها، وثمن الدار جميعا. ألا ترى أن ما يتصرف فيه البناء، والغرس، معرض للتلف والنقض؛

стр. 1474

لأن للشفيع متى جاء أن يأخذه برفع البناء، وقلع الغرس. وإنما للشفيع حق الأخذ، وليس له إبطال حق الغير، فيقال له: إما أن تأخذ، فتحصل للمشتري الثمن، أو تترك، فتحصل له الدار. وإنما وقت لذلك شهرا اجتهادا، وجعله حدا فاصلا بين القليل والكثير، وقد قالوا جميعا فيمن حلف ليقضين فلانا ماله عاجلا أو قريبا، ولا نية له، أنه على أقل من شهر، فلم يجعلوا الشهر قريبا ولا عاجلا. مسألة: [لزوم حضور البائع والمشتري للقضاء بالشفعة] قال أبو جعفر: (وإذا كان المبيع في يد المبيع: لم يقض للشفيع حتى يحضر البيع والمشتري). لأن فيه قضاء عليه؛ لأنه ملكه، ويحتاج إلى حضور البيع، لما فيه من استحقاق يده. وأيضا أخذها من يد البيع يوجب فسخ عقد المشتري، فلا يصح الفسخ أو يحضرا جميعا؛ لأن الفسخ يقع عليهما. مسالة: [العهدة على البائع إن أخذها الشفيع منه دون المشتري] قال: (فإذا أخذها من يد البيع: كانت عهدته عليه دون المشتري). من قبل أن البيع ينفسخ بأخذها من البيع، وذلك لأن صحة العقد موقوفة على سلامة القبض، وقد بطل القبض، فيبطل البيع، ألا ترى أن هلاك المبيع قبل القبض يبطل العقد، لعدم القبض، وإذا صح ذلك كانت العهدة على البيع، كأنه بيع بين الشفيع والبيع.

стр. 1475

مسألة: [العهدة على من قبض الثمن] قال: (وإذا كان المشتري قد قبض فهو الخصم وإن غاب البيع). لأن البيع في هذه الحال لا يقع عليه القضاء بحال؛ لأن ملكه ويده جميعا زائلان، ولا ينفسخ البيع أيضا بأخذها من يد المشتري، فلذلك لم يعتبر حضور البيع، فإذا أخذها من المشتري: كانت عهدته عليه، لأنه هو المستحق للثمن. وجملة الأمر: أن العهدة على من قبض الثمن. مسألة: [الشفعة على الرؤوس لا الأنصباء] قال: (والشفعة على الرؤوس، لا على الأنصباء). لأن صاحب القليل يستحق شفعة جميع الجميع، كما يستحق صاحب الكثير لو انفرد، فلما تساويا في الاستحقاق. ومن حضر منهم أخذ الجميع؛ لأن حقه ثابت في الجميع، وإنما ينقص بالمخاصمة والشركة. ومن لم يحضر من شاركه استحق الكل. فإن حضر الآخر: شركة فيه، كأنهما حضرا معا، لا أنا إنما قضينا للحاضر على أن يبطل حق الغائب. *قال: (وإن كان الأول جارا، والثاني شريكا: كان الثاني أولى). كما لو حضرا معا كان الشريك أولاهما.

стр. 1476

مسألة: [القول قول المشتري في الثمن] قال: (وإذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن: فالقول قول المشتري). وذلك لان الدار في ملك المشتري، والشفيع يردي نقلها إليه بالثمن، فالقول قول المشتري فيما يستحق به النقل، كالبيع مع المشتري. والأصل فيه قول النبي صلى الله على وسلم: " إذا اختلف البيعان، فالقول ما قال البيع أو يترادان". فجعل القول قول البيع والشفيع؛ لأنه لم يكن بينهما عقد، ولم ينتقل الملك إليه بعد، وإنما هو ملك المشتري. وهذا يفارق الوكيل والموكل إذا اختلفا في الثمن، فيتحالفان؛ لأن الشيء في ملك الآمر انتقل إليه بالعقد، فصار كالمشتري مع البيع. مسألة: [تعارض بينة الشفيع والمشتري] قال: (وإن أقام كل واحد منهما على ما ادعى من ذلك بينة: كانت البينة بينة الشفيع، في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: البينة بينة المشتري). وذلك لان الشفيع أقام البينة على أقرار المشتري بما أدعى، وأقام المشتري البينة على إقرار نفسه أيضا، فحصل منه إقراران: أحدهما على نفسه، والآخر لنفسه، فإقراره على نفسه أجوز من إقراره لنفسه، ألا ترى

стр. 1477

أنه لو حصل الإقراران منه عند القاضي، أخذه بإقراره على نفسه، دون إقراره لنفسه. مسألة: قال: (وإذا كان الثمن عرضا وقد هلك، فاختلفا في قيمته، فالقول قول المشتري أيضا). على ما بينا. *قال: (وإن أقاما بينة: فالبينة أيضا بينة الشفيع في قياس قول أبي حنيفة، على ما رواه أبو يوسف. وقال أبو يوسف ومحمد: البينة بينة المشتري). وذكر محمد أن هذا القياس قول أبي حنيفة، وأن ذلك مخالف لإقامتهما البينة على الثمن نفسه؛ لأنه إذا أقاما البينة على الثمن، فقد ثبت من المشتري إقراران، فكان إقراره على نفسه أولى من إقراره على غيره؛ لأن البينة قد قامت على إقراره بالثمنين جميعا، كأنه أقر بهما عند القاضي. وأما قيمة العرض، فلم يكن من المشتري إقرار بمقدارها، فالبينة بينة المشتري؛ لأنه أثبت بها فضل القيمة. مسألة: قال: (وللشفيع خيار الرؤية فيما يأخذه). لأنه بمنزلة الشرى. * (ويرد أيضا بالعيب)؛ لهذه العلة. مسألة: [ليس للشفيع تفريق صفقة المشتري] قال: (ومن اشترى دارا من رجلين: لم يكن للشفيع أن يأخذ نصيب

стр. 1478

أحدهما دون الآخر). لان المشتري ملك النصيبين صفقة واحدة، فليس للشفيع أن يفرقها عليه. مسألة: قال: (وإن اشترى رجلان من رجل دارا: كان له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر). لأنه ليس فيه تفريق الصفقة على أحد؛ لأنه اخذ جميع ما ملكه كل واحد منهما بالعقد. مسألة: قال أبو جعفر: (والشفعة لا تورث). وذلك أن الوارث لا يخلو من أن يأخذه للميت أو لنفسه، ولا يجوز له أخذه لنفسه؛ لان جواره حادث بعد العقد، ومن حدث له جوار أو شركة بعد العقد: لم يستحق به الشفعة في عقد متقدم. أو يأخذه للميت، ولا يجوز ذلك؛ لأنه يلزم الميت دينا، ولا يجوز له ذلك، لأنه لا يجوز تصرفه على الميت. وأيضا: فلما كان حق الشفعة متعلقا بعقد البيع، أن يملك به، صار بمنزلة خيار القبول، فلما اتفق الجميع على أن خيار القبول لا ينتقل

стр. 1479

إلى الوارث بالموت، وجب أن يكون كذلك حكم الشفعة. مسألة: [ليس للشفيع تفريق الصفقة] قال أبو جعفر: (ومن اشترى دارين صفقة واحدة، ولهما شفيع واحد، فليس للشفيع أخذ إحداهما دون الأخرى). وذلك لان المشتري ملكهما صفقة واحدة، فليس للشفيع تفريق الصفقة، كما أن رجلا لو قال لرجل: قد بعتك هاتين الدارين، لم يكن للمشتري أن يقبل البيع في إحداهما دون الأخرى. مسألة: [بقاء ملك المشتري لما اشترى ما لم يأخذه الشفيع] قال أبو جعفر: (والمشتري مالك لما اشترى مما فيه الشفعة، ما لم يأخذه الشفيع). وذلك لأن البيع كان مالكا، وقد ملكه إياه وسلطه عليه، فملكه كما كان البيع مالكا. وأيضا: فإن ثبوت حق الغير في العقد لا يمنع وقوع الملك، كما أن خيار العيب وخيار الرؤية لا يمنع صحة الملك، وكما أن خيار امرأة المجبوب، وخيار الولي في فسخ نكاح غير الكفء لا يمنع وقوع العقد. مسألة: [خيار الشفيع إن باع المشتري ما اشترى] قال: (فإن باعه المشتري: جاز بيعه، وكان الشفيع بالخيار، إن شاء أخذه بحق شفعته بالبيع الأول، وإن شاء أخذه بحق شفعته بالبيع الثاني). وذلك لان تصرف المشتري لما كان جائزا على ما بينا، وجب أن يثبت للشفيع حق الشفعة في بيع المشتري، حينئذ قد ثبت له حق الأخذ بأحد عقدين، إما الأول، وإما الثاني، فإن سلم الأول: أخذه بالثاني، وإن

стр. 1480

فسخ العقد الثاني: أخذه بالأول. * والمشتري وإن جاز بيعه، فليس له إبطال حق الشفيع، إذ لم يكن منه تسليط في إبطال حقه من العين، ولا ينتقل حقه مع ذلك إلى بدل. وليس هذا كالمشتري شراء فاسدا، فيجوز تصرفه، ويبطل حق البيع بتصرفه؛ لان البيع قد كان منه تسليط للمشتري في التصرف. مسألة: [للشفيع إبطال هبة المشتري] قال أبو جعفر: (ولو لم يبعه المشتري، ولكنه وهبه: فللشفيع أخذه، وإبطال هبة المشتري إذا كان أخذه بقضاء القاضي). وذلك لأن الدار لو كانت في ملك المشتري، لم ينتقل الملك إليه إلا بقضاء القاضي، أو بالتراضي، وهبته صحيحة فلا تنفسخ، أو يفسخها القاضي على ما بينا فيما تقدم. مسألة: [أثر استحقاق البناء في الشفعة] قال: (والشفيع غير مغرور في باب الرجوع بقيمة البناء على المشتري عند الاستحقاق). لأن المشتري لم يوجبه له، وإنما اختار أخذه من غير رضا المشتري، وقد بينا ذلك فيما تقدم. مسألة: [للشفيع أمر المشتري بنقض ما بناه] قال: (وللشفيع أن يأخذ المشتري بنقض ما بناه) لأنه بنى في حق غيره، كم بنى في ملك غيره. * قال: (وروي عن أبي يوسف أنه قال للشفيع: إن شئت فخذها بالثمن وقيمة البناء، وإن شئت فاترك).

стр. 1481

وهو شاذ من قوله، والمشهور هو الأول. ووجهه: أن المشتري بنى في ملكه، وكان له أن يبني، فلا يؤمر بنقضه؛ للضرر الذي يلحقه. مسألة: [لا تثبت الشفعة في المبيع بخيار البائع] (وخيار البيع المشروط في العقد يمنع وجوب الشفعة). لأن الشفعة تجب برغبة البيع عن ملكه، فيكون حينئذ الشفيع أولى به من المشتري. فأما إذا كان الشيء باقيا في ملك البيع، وهو لم يرغب بعد عن ملكه: فل تجب الشفعة. ألا ترى أنه إنما لنفسه الخيار، لئلا يخرج عن ملكه إلا برضاه، ولو كان للشفيع أخذ، فكان قد أخذه بغير رضاه، وذلك خلاف موجب العقد. * وإذا شرط الخيار للمشتري دون البيع: فللشفيع الشفعة؛ لأنها قد خرجت عن ملك البيع، وانقطع حقه عنها، فالشفيع حينئذ أولى به، لانقطاع حق البيع. ألا ترى أنه لو يكن للمشتري خيار، لكان الشفيع أولى به لانقطاع حق البيع، فخيار المشتري لا يمنع حقه، ألا ترى أن للشفيع إبطال ملك المشتري، وفسخ عقده لو كان العقد بغير خيار إذا أخذه من يد البيع.

стр. 1482

مسألة: [شفعة الذمي] قال: (والشفعة للذمي كهي للمسلم). لان عموم الأخبار الواردة فيها لم تفرق في شيء منها بين المسلم والذمي، ولأنهما لا يختلفان في سائر حقوق العقد، كخيار الرؤية والعيب وسائر الحقوق. مسألة: [جواز تسليم شفعة الصغير لوليه] قال: (ويجوز تسليم الوصي والأب شفعة الصغير في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يجوز في قول محمد). وجه قولهما: أنه كما جاز له أن ينقلها إليه بعد الأخذ بذلك الثمن، جاز له ترك الثمن على ملك الصغير من غير أخذ. مسألة: [للشفيع أخذ المشترى من وكيل الشراء] قال: (وللشفيع أن يأخذ من يد الوكيل بالشراء إذا كان في يده). لأن حقوق العقد تعلقت به، فصار كالمشتري لنفسه، فإن سلمها إلى الآمر: أخذها من يد الآمر، كما لو جاء والدار في يد البيع أخذها منه، فإن كان قد سلمها إلى المشتري: أخذها من يده، ولا ينفسخ القبض. *قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف: يقال للمشتري وهو الوكيل: سلمها إلى الآمر حتى يأخذها الشفيع منه). وذلك لأنها أمانة في يده، بمنزلة الوديعة، فيأخذها من الآمر حتى تكون عهدته عليه.

стр. 1483

قال أحمد: وهذا القول ليس بمشهور، والصحيح هو الأول؛ لأنها في يد المشتري على حكم العقد. والدليل عليه: أن الوكيل لو وجد بها عيبا، كان له أن يردها، ولا يستأذن الآمر فيه. *****

стр. 1484

كتاب المضاربة مسألة: [جواز المضاربة] قال: (والمضاربة بجزء معلوم من الربح جائزة). وذلك لأنها من العقود التي أقر النبي ﷺ الناس عليها، مع علمه بأنهم يتعاملون بها؛ لأن عصر النبي ﷺ ، وسائر الأعصار بعده على يومنا لم تخل من هذه العقود، وكانت ظاهرة بينهم، فلم ينكرها عليهم، ولم ينكر سائر الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم على فاعليها، فصار ذلك توقيفا واتفاقا من السلف على جوازها. مسألة: (ولا تجوز المضاربة إلا بمثل ما تجوز به الشركة من الأثمان). وقد بينا ذلك في كتاب الشركة. مسألة: قال: (ولا تجوز المضاربة على أن لأحدهما دراهم معلومة). وذلك لأن هذا يخرجها عن باب الشركة، لجواز أن لا يربح إلا هذا القدر، ولا يشاركه الآخر فيه، ومتى خرجت عن باب الشركة، صارت

стр. 1485

إجارة، والإجارة لا تجوز إلا بأجر معلوم، لقوله ﷺ : "من استأجر أجيرا فليعلمه أجره". والأجرة أيضا في هذه المسألة مشروطة على غرر، لأنها شرطت بما يكسبه، ويجوز أن لا يسكب. *ويقتضي أن يكون العمل معلوما، والمدة معلومة؛ لأن العقد واقع على المدة، والمضاربة ليس لها مدة معلومة، ولا عمل معلوم، فبطل، وصارت إجارة فاسدة. * وإنما الفرق بين المضاربة والإجارة، أن المضاربة ضرب من الشركة، والإجارة عقد على المنافع، لا على وجه الشركة، بل لا تجوز مع الشركة. مسألة: [ما يجب بفساد المضاربة] قال: (وإذا فسدت المضاربة: كان الربح لرب المال، وللمضارب أجرة مثله). وذلك لأنها حصلت إجارة بأجر مجهول، والإجارة إذا فسدت أوجبت أجر المثل للعمل.

стр. 1486

مسألة: [المضارب أمين] قال: (والمضارب أمين في المضاربة الصحيحة). كالمودع، وهذا معنى ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "ليس على من قاسم الربح ضمان"، يعني المضارب والشريك. * (وكذلك في المضاربة الفاسدة على قول أبي حنيفة). لأنه أجير مشترك، وهو لا يرى ضمان الأجير المشترك. (وفي قول أبي يوسف ومحمد: هو ضمان، كما يضمن الأجير المشترك). مسألة: [للمضارب العمل بنفسه وبأجرائه] قال: (وللمضارب في المضاربة الصحيحة أن يعمل فيها بنفسه وبأجرائه). لأن المضاربة تشتمل على ذلك كله. مسالة: [دفع المضارب رأس المال لغيره مضاربة] قال: (وليس له أن يدفعه إلى غيره مضاربة). لأن فيه إثبات شركة الغير في مال رب المال، وذلك لا يجوز إلا بإذنه. مسألة: قال: (فإن قال له رب المال: اعمل فيه برأيك: كان له ذلك).

стр. 1487

لأنه قد رأى ذلك. مسألة: [ما يمنع منه المضارب المطلق] وعقد المضاربة المطلقة لا يجيز له أن يخلطه بماله، ولا أن يدفعه مضاربة، ولا يشارك به غيره. مسألة: [استدانة المضارب] (فإن قيل له: اعمل فيه برأيك، كان له أن يفعل جميع ذلك. لأن في الاستدانة زيادة في رأس المال، ورب المال فإنما رضي بأن يكون رأس ماله المقدار المدفوع، ولم يأذن له في أن يجعل رأس ماله في المضاربة أكثر منه، فلذلك لم يكن له أن يستدين عليها. فصل: [سفر المضارب بالمال] قال: (وله أن يسافر بالمال وإن لم يقل: اعمل فيه برأيك). لأن اللفظ يقتضي ذلك؛ لأن المضاربة إنما هي الضرب في الأرض، قال الله تعال: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾. * (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه ليس له أن يفعل ذلك). ويشبه أن يكون جعله كالوكيل بالشراء. * (وقال أبو يوسف: له أن يسافر به إلى الموضع الذي يقدر الرجوع

стр. 1488

إلى أهله فيبيت فيهم، كنحو قطربل من بغداد). وجعله كجانبي بغداد، وكسائر محال البلد. مسألة: [بنفقة المضارب في السفر] (ونفقة المضارب في مال المضاربة في السفر). لأن سفره كان لأجل المضاربة، مع جريان العادة من التجار بمثله، وما جرت به العادة من ذلك فهو كالنطق به. ألا ترى أنهم قالوا: إن للمشتري أن يلحق برأس ماله ما أنفقه على السلعة، مما جرت عادة التجار بإلحاقه برأس المال، فيبيع المرابحة عليه. مسألة: [نفقة المضارب في المصر] قال: (ونفقته في المصر على نفسه) لأن كونه في مصره وإقامته فيه ليس من أجل المضاربة. مسألة: [كلفة علاج المضارب على نفسه] قال: (والدواء والحجامة من ماله خاصة). لأنه نادر خاص، وليست الحاجة إليه ضرورة، فلم يكن كالطعام

стр. 1489

والشراب والركوب. وأيضا: لم تجر العادة بمثله في أخذه من مال المضاربة. مسألة: [ليس للمضارب السفر بمال المضاربة إن شرط عليه ذلك] قال: (وإذا شرط على المضارب أن يعمل به في المصر: لم يكن له أن يخرج به). لأن تخصيصه إياها بالمصر جائز، كما لو خص نوعا من التجارات. * (فإن خرج به، وباع واشترى: كان ضامنا، وكان ربحه له، ويتصدق به في قول أبي حنيفة). لأنه حصل له من وجه محظور، ومن حصل له ربح من وجه محظور. أمر أن يتصدق به. والأصل فيه: حديث عاصم بن كليب عن أبيه في "الشاة المغصوبة التي دعي النبي ﷺ ، فلم يمكنه أكلها، وسأل عن شأنها، فأخبر أنها لغيره، ثم ذبحت بغير أمره، فأمرهم أن يتصدقوا بها على الأسارى". قال: (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يتصدق به). وذكر أبو جعفر محمدا مع أبي يوسف، وهو مع أبي حنيفة. مسألة: [فسخ المضاربة والمال دين] قال: (وإذا فسخا المضاربة، والمال دين، فإن كان فيه ربح: أجبر المضارب على التقاضي).

стр. 1490

لأنه قد استحق على عمله عوضا كالأجير. * (وإن لم يكن فيه ربح: لم يجبر على التقاضي). لأنه [لم] يستحق على عمله عوضا، وهو متبرع كالوكيل، فيحيل رب المال على الغريم. مسألة: [موت المضارب] قال: (وإذا مات المضارب، فلم تعرف المضاربة بعينها في ماله: صارت دينا عليه). لأنا قد حكمنا بما كان في يده ميراثا عنه، وإذا صار ميراثا عنه فقد ملكناه إياه، ولا يجوز أن نملكه مال الغير بغير بدل، ولذلك صار مضمونا. فإن قيل: إنما يجب هذا الاعتبار إذا علم انه كان في يده إلى أن مات. قيل له: هو كذلك، فالأصل أنه باق في يده حتى يعلم زوالها عنه. وأيضا: لما أمكنه البيان، فتوصل به رب المال إلى حقه بعينه، فلم يفعل، صار مضيعا له، بمنزلة لو تركه في غير حرز فضمنه. مسألة: [عتق المضارب عبد المضاربة] قال: (فإن أعتق المضارب عبد المضاربة، فإن كان فيه فضل: جاز عتقه في حصته من الربح، وكان بمنزلة عبد بين رجلين أعتقه أحدهما على اختلافهم فيه). وذلك لان هذا العبد بعينه قد حصل فيه رأس المال والربح، ولا بد

стр. 1491

من أن يملك المضارب حثته من الربح، فينفذ عتقه فيه. قال: (وإن لم يكن فيه فضل، لم يجز عتقه). مسألة: [عتق المضارب عبدي المضاربة] قال: (وإن اشترى المضارب عبدين بمال المضاربة، قيمة كل واحد منهما رأس المال، فأعتقهما، أو أحدهما: لم يجز عتقه في شيء منهما). ألا ترى أنه لو هلك الآخر، كان رأس ماله في الباقي، ولا ربح للمضارب إلا بعد حصول رأس المال، فإذا لم يكن له في واحد منهما ربح، لم يجز عتقه فيه. *فإن أعتقهما جميعا: لم يجز أيضا؛ لأنه إذا ثبت أن عتقه غير جائز في كل واحد منهما على الانفراد، لم يجز عتقه إذا جمعهما في العتق، إذ ليس في الأصول عتق عبد يكون جوازه موقوفا على عتق عبد آخر. مسألة: [عتق رب المال عبدي المضاربة معا] قال: (فإن أعتقهما رب المال معا: نفذ عتقه فيهما، وضمن للمضارب قيمة حصته من الربح منهما، موسرا كان أو معسرا). وذلك لأن ملكه قائم في كل واحد منهما على حياله، فنفذ عتقه فيهما، إلا أنه يصير به مستوفيا لألفين إن كانت قيمة كل واحد منهما ألفا، ورأس المال ألف، فما فضل عن رأس المال ضمن نصفه للمضارب

стр. 1492

* وإنما لم يختلف فيه حكم اليسار والإعسار؛ لأن المضارب لم يكن له ملك في واحد من العبدين، وإنما كان له حق يملك به في الثاني عند حصول رأس المال. وإنما حصل ربحه بعد نفاذ عتق رب المال فيهما، فضمنه من طريق الاستهلاك ومنع الملك. ألا ترى أن ولد المغرور: يضمن المغرور قيمته للمستحق، موسرا كان معسرا؛ لأنه أنما منعه الدخول في ملكه، إذ كان جزء الأصل، فإنه لا يختلفان بكون الجارية أم ولد للمستحق، أو أمة غير ام ولد، في باب ضامن الولد، لأنه منعه من الدخول في ملكه مع استحقاقه إياه لولا حريته بدعوته، كذلك ما وصفنا. مسألة: [تفريق رب المال عتق عبدي المضاربة] قال: أبو جعفر: (وسواء كان عتقه إياهما معا، أو كان أعتق أحدهما، ثم أعتق الآخر).

стр. 1493

قال أحمد: هذا الذي قاله في هذا الفصل خطأ؛ لأنه إذا أعتق أحدهما قبل الآخر: نفذ عتقه في جميعه، وصار به مستوفيا لرأس المال، وبقي العبد الآخر ربحا بينهما، فلما أعتقه صار بمنزلة عبد بين رجلين أعتقه أحدهما، فيكون له خيار على ثلاثة أوجه في قول أبي حنيفة: [ضمن] إن كان موسرا. وإن كان معسرا: فله خياران: إن شاء اعتق، وإن شاء استسعى. وفى قول أبي يوسف ومحمد: إن كان موسرا ضمن، وإن كان معسرا سعى العبد في نصف قيمته. وقد بينه محمد على هذا الوجه في كتاب المضاربة الكبير. مسألة: [ما ليس للمضارب أن يشتريه] قال: (وليس للمضارب أن يشتري بمال المضاربة ذا رحم محرم من رب المال، ولا أم ولده، ولا من يجوز له بيعه). لأن المضاربة تقتضي جواز التصرف فيما يشتريه حتى يحصل رأس المال، فما كان لا يمكنه بيعه وتحصيل رأس المال به، لم يدخل تحت عقد المضاربة. * قال: (ولا يجوز أن يشتري على المضاربة ذا رحم محرم من المضارب إذا كان فيه فضل عن رأس المال). وذلك للعلة التي ذكرنا، وهو أنه لا يمكنه التصرف فيما اشتراه على

стр. 1494

المضاربة، لأنه يعتق عليه حصته من الربح، فصار شراؤه لنفسه خاصة. قال أحمد: وقال محمد في الزيادات: لو اشترى المضارب نصفها بمال المضاربة، ونصفها لنفسه خاصة، ونصف قيمة الجارية مثل رأس المال: كان النصف الذي اشتراه على المضاربة واقعا للمضاربة، وتعتق الجارية على المضارب، ولا ضمان عليه في قياس قول أبي حنيفة، وتسعى الجارية في نصف قيمتها لرب المال، فتكون على المضاربة. وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضمن المضارب إن كان موسرا نصف قيمة الجارية، وإن كان معسرا: سعت الجارية في نصف قيمتها. ففرق بين أن يشتري على المضاربة نصفها، ونصفها لنفسه، وقيمة نصف الجارية مثل رأس المال، وبين أن يشتري جميعها على المضاربة، وقيمتها أكثر من رأس المال، من قبل أن يشتري جميعها على المضاربة، وقيمتها أكثر من رأس المال، من قبل أن النصف الذي اشتراه على المضاربة، لو انفرد به من غير شراء النصف الآخر لنفسه، لم يكن مخالفا، فشراه للنصف الآخر لنفسه، لا يجعله مخالفا، كما لو اشتراها هو على المضاربة ورجل آخر، هي ذات رحم محرم منه، لم يكن مخالفا، وكذلك شراؤه نصفها لنفسه لا يجعله مخالفا. وإذا اشترى جميع الجارية على المضاربة، وفيها فضل وهي ذات رحم محرم منه: فهو مخالف في نفس ما اشتراه على المضاربة، فلذلك لزمه. وإنما لم يجب عليه ضمان ما اشتراه على المضاربة بعتق النصف الذي اشتراه لنفسه في قول أبي حنيفة: من قبل أنه لما كان مأذونا له في شراء ذلك النصف على المضاربة، صار بمنزلة رجلين اشتريا ابن احدهما، فلا يضمن الأب ببشريك شيئا، ولكن الغلام يسعى في قول أبي حنيفة،

стр. 1495

ويضمن في قولهما وإن كان موسرا. مسألة: قال: (فإن اشتراه، ولا فضل فيه عن رأس المال، ثم زادت قيمته على رأس المال: خرج من المضاربة، وسعى لرب المال في حصته، ولا يضمن المضارب شيئا). لأنه عتق بغير فعله، إنما أعتق بزيادة القيمة ولا يضمن، ألا ترى أن رجلين لو ورثا ابن أحدهما: لم يضمن الأب شيئا، لأنه دخل في ملكه بغير فعله، ولكنه يسعى، كذلك ما وصفنا. مسألة: [شراء أم ولد نفسه] قال: (فإن اشترى أم ولد نفسه، ثم زادت قيمتها، حتى صار له فيها ربح، ضمن حصة رب المال، ولا سعي عليها). لأنها قد انتقلت إليه، وهو على ملكه، فضمن قيمتها. ألا ترى أن رجلين ورثا أم ولد لأحدهما: ضمن حصة شريكه، موسرا كان أو معسرا؛ لأن نصيب الشريك قد انتقل إليه، وهو في ملكه. *****

стр. 1496

كتاب المساقاة مسألة: [عدم جواز المساقاة عند الإمام] قال: (كان أبو حنيفة لا يجيز المساقاة بحال). وذلك لأنها إجارة بأجر مجهول، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من استأجر أجيرا، فليعلمه أجره". وقال النبي ﷺ لرافع بن خديج في الأرض: "لا تستأجرها بشيء منها". والدليل على أن المساقاة إجارة: أنها عقد على منافع، من شرط صحتها توقيت المدة عند من يجيزها. وليست كالمضاربة؛ لأنها تصح بغير مدة مشروطة، والمساقاة لا تصح الإ بمدة معلومة، فدل ذلك على أنها إجارة، والإجارة لا تصح الإ بأجر معلوم، بما قدمنا من السنة، واتفاق الأمة من سائر الإجارات.

стр. 1497

* وأما قصة خيبر، ودفع النبي ﷺ النخل مساقاة، لا يجوز أن يكون أصلا فيه؛ لأن أولئك كانوا مبقين على حكم الفيء والغنيمة؛ لان النبي ﷺ فتح بلدهم عنوة، فأعطاهم النبي ﷺ الأرض والنخل على أن يعملوا فيها، وقال لهم: "أقركم ما أقركم الله". ومثل هذا قد يجوز فيما بيننا وبين عبيدنا. ويدل عليه: أنه لم يضرب لهم مدة معلومة للعمل، فدل على أنها كانت على سبيل ما يعامل به المولى عبده. واتفق مجيزو المساقات فيما بيننا على أنها لا تجوز إلا بمدة معلومة، فعلمنا أن قصة خيبر، ليست بأصل للمساقاة فيما بيننا. وأيضا: يحتمل أن يكون ما أخذ منهم، كان على سبيل الجزية، وقد يجوز في الجزية من الجهالة ما لا يجوز مثله في عقود الإجارات. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: تجوز المساقاة على وقت معلوم وعمل معلوم). واستدلوا عليها بقصة خيبر. مسألة: [شروط المساقاة عند الصاحبين المجيزين لها] (فإن لم يشترط الحفظ، والتلقيح على العامل، والنخل يحتاج إلى ذلك: فسدت المساقاة عندهما).

стр. 1498

وذلك أن العامل إذا لم يكن عليه الحفظ والسقي ونحو ذلك، والنخل محتاج إليه، كان ذلك على النخل، وشرط بعض عمل المساقاة على رب النخل يفسدها، كما أنه لو شرط عمل رب المال مع المضارب، فسدت المضاربة. ****

стр. 1499

كتاب الإجارات مسالة: [أدلة جواز الإجارة] قال أحمد: الأصل في جواز عقود الإجارات كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، واتفاق الصدر الأول. فأما موضعه في كتاب الله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فئاتوهن أجورهن﴾. وقال موسى ﵇ لصاحبه: ﴿لو شئت لتخذت عليه أجرا﴾. وقال الله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب ﷺ : ﴿إني أريد أن انكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج﴾. فدل ظاهر لفظه على أن ذلك كان عقد إجارة فيما بين شعيب وبين موسى ﵉، وأنه جعل نكاح البنت شرطا في الإجارة؛ لأنه شرط المنافع لنفسه، لا للمرأة، ولو كان ذلك عقد نكاح، لوجب أن تكون المنافع مشروطة للمرأة؛ لانه لا يجوز ان يستحق بدل بضعها غيرها. وقال تعالى حاكيا عن صاحب يوسف ﵇: ﴿ولمن جاء به

стр. 1500

حمل بعير وأنه به زعيم﴾. وذلك إجارة؛ لانه شرط لمن جاء به حمل بعير، بدلا عن مجيئه به. وقال الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾. روي عن ابن عمر أنها نزلت فيمن أكري إلى مكة، وحج. ومن جهة السنة: حديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ كان يربط الحجر على بطنه من الغرث، فانطلق رجل من الصحابة فاستقي عشرين سجلا على عشرين تمرة، فجاء بها إلى رسول الله ﷺ ، فأكلها".

стр. 1501

وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "مثلكم ومثل اليهود والنصارى، كمثل رجل اتسأجر أجيرا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط ... "، إلى آخر الحديث. وحديث عائشة في قصة هجرة النبي ﷺ مع أبي بكر قال: "واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا، فأخذ بهما على طريق الساحل". وحديث الثوري عن سماك بن حرب عن سويد بن قيس قال: "جلبت أن ومخرفة العبدي بزا من هجر، فلما كنا بمنى، أتانا رسول الله ﷺ ، فاشترى منا سراويل قال: وثم وزان يزن بالأجر، فدفع إليه رسول الله ﷺ الثمن، ثم قال: زن وأرجح".

стр. 1502

فهذه الأخبار كلها تقتضي جواز الإجارة على منافع الإنسان. وقد روي في جواز عقد الإجارة على منافع الأرضين حديث سعد بن أبي وقاص "أن النبي ﷺ أرخص أن تكرى الأرضون بالذهب والفضة". وقد اتفق فقهاء السلف على مثل ما ورد به ظاهر الكتاب والسنة. من جواز عقود الإجارات على منافع الأبدان والعقار والعروض. فصل: [انواع الإجارة] وعقد الإجارة على وجهين: أحدهما على منافع معلومة، والثاني علي مدة معلومة يستحق فيها تسليم الشيء المستأجر، لا تصح إلا على أحد هذين الوجهين، مع نفي الجهالة عن الأجرة حسب نفيها عن عقود البياعات. والدليل على صحة ذلك: ما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من استأجر أجيرا فليعلمه أجره". استفدنا به معنيين: أحدهما من طريق النص، والآخر من طريق الدليل. فأما شرط معرفة الأجرة، ونفس الجهالة عنها، فهو مذكور فيها نصا.

стр. 1503

ودلنا ذلك على وجوب نفي الجهالة عن المعقود عليه من المنافع، وعلى ان المعدوم من المنافع في عقد الإجارة في حكم المملوك من الأعيان بعقد البيع؛ لأنه من حيث نفى الجهالة، كان واجبا أن تكون منفية عن بدلها وهي المنافع. كما أن النبي ﷺ لما نفى الجهالة عن السلم بقوله: "فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم": عقلنا به وجوب نفي الجهالة عند بدله، وهو رأس المال. فصل: [شروط استحقاق الأجرة] والأجرة لا تستحق عندنا إلا باحد ثلاثة معان: إما بشرط التعجيل، [أو بالتعجيل من غير شرط]، أو باستيفاء المنافع. والدليل على انها غير مستحقة بالعقد: قول الله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فئاتوهن أجورهن﴾، فاوجب لهن الأجر بعد الرضاع. ويدل عليه قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة:

стр. 1504

"أعط الأجير أجره قبل ان يجف عرقه". وهذه حال فراغه من العمل. وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي قال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال: سمعت إسماعيل بن أمية يذكر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ابيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول ربكم: ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطاني عهدا ثم غدر، ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاتسوفى عمله، ولم يوفه أجره". فأخبر أن اللوم يلحقه بمنع الأجر بعد استيفاء العمل، ألا ترى أن الأجرة لما كان شرطها أن تكون معلومة في العقد قال: "من استأجر أجيرا فليعلمه أجره"، فشرط نفي الجهالة عنها في العقد، إذا كان ذلك واجبا في نفس العقد، فلو كانت الأجرة مستحقة بالعقد، لكان الأولى ان يقول: أعط الأجير أجره بعد العقد.

стр. 1505

ولقال في حديث: "ثلاثة أنا خصمهم": ورجل استأجر أجيرا فلم يعطه أجره. * وأيضا من جهة النظر: إن عقد الإجارة واقع على المنافع وعلى الأجرة، كعقد البيع، يفيد ملك الثمن والمبيع معا، فلما لم تكن المنافع مملوكة في حال العقد، لانها معدومة فيه، وجب أن لا يملك المؤجر الأجرة، فإذا استوفى المنافع ملك المؤاجر بإزاء ملك المستأجر المنافع. * فإن شرط التعجيل، أو عجل: ملك، وذلك لوجود السبب الذي به تملك الىخر عند استيفاء المنافع، وهو العقد، ويصح تعجيل ما لم يستحق من أجل وجود السبب، كجواز تعجيل الزكاة لأجل وجود النصاب، وتعجيل كفارة القتل لأجب وجود الجراحة. فإن قال قائل: قبض الشيء المستأجر، بإزاء قبض المبيع، فيجب على هذا ان يستحق عليه الأجر بقبض المستأجر، كما يستحق الثمن على المشتري بقبض المبيع. قيل له: أما الثمن فإنما ييستحق على المشتري بالعقد، كما ملك المبيع بالعقد، وأما قبض المستأجر، فلم يوجب له ملك المنافع؛ لانها لو كانت مملوكة بالقبض، لوجب أن تصير في ضمانه، حتى لو هلك المستأجر في يده بعد القبض: أن لا تنتفض الإجارة، ولا يسقط عنه شيء من الأجر، وهذا خلاف الاتفاق، فثبت بذلك أن قبض المستأجر، لم يوجب له ملك المنافع ولا حصولهما في ضمانه. فصل: [زمن استحقاق الأجر] قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة في الإجارة الواقعة على المدة، مثل استثجار الدار شهرا، أو سنة، أنه يستحق الأجر يوما بيوم، على حسب

стр. 1506

استيفاء المنافع وهو قولهم جميعا. وكان ابو حنيفة يقول قبل ذلك: لا يستحق شيئا من الأجر حتى تمضي المدة كلها). وقد بينا وجه قوله فيما تقدم آنفا. ووجه قوله الأول: أنه جعله بمنزلة المبيع، أن البيع لا يستحق شيئا من الثمن إلا مع تسليم جميع المبيع، وأنه لو منعه بعض المبيع، لم يستحق ثمن الباقي حتى يحضر الجميع. ثم رجع وفرق بينه وبين البيع، من قبل أن عقد البيع يوجب تسليم المبيع دفعة، يستحق البدل على حسب استحقاق المبدل منه؛ لأن تسليم أحد البدلين مستحق بحذا تسليم البدل الآخر، ولهذه العلة قالوا: إن المؤجر لو منعه تسليم المستأجر بعض المدة، ثم أراد ان يسلم في بقية المدة، لم يكن للمستأجر أن يمتنع من ذلك. ولو ان البيع أتلف بعض المبيع قبل القبض، كان للمشتري أن يمتنع من قبل الباقي، وأن يفسخ البيع فيه، من قبل أن المستأجر لم يستحق تسليم المنافع على المؤجر إلا حالا فحالا، على حسب مضي الأوقات، فلم يتفرق عليه التسليم المستحق بالعقد لأجل منع المؤجر إياه بعض المدة. وأما المشتري فقد استحق على البيع تسليم المبيع دفعة، فإذا هلك

стр. 1507

بعضه، أو نصفه، أو منعه، كان له الامتناع من قبض الباقي، إذا ليس هو واقعا على الوجه المستحق بالعقد. فصل: قال ابو جعفر: (وتجوز الإجارة على أجرة آجلة أو عاجلة). وذلك لقول النبي ﷺ : "من استأجر أجيرا فليعلمه أجره"، فأجازها إذا كانت الأجرة معلومة، ولم يفرق بين أن تكون الأجرة معجلة او مؤجلة. مسالة: [حكم الأجرة لو انتقضت الإجارة] (ولو انتقضت الإجارة المؤجر: كان له منها بحساب ما مضى، مما قد استوفى منافعه، ورد على المستأجر ما بقي منها). وذلك أن قبض العبد لا تصير به المنافع في ضمانه؛ كان له منها بحساب ما مضى، مما قد استوفى منافعه، ورد على المستأجر ما بقي منها). وذلك أن قبض العبد لا تصير به المنافع في ضمانه؛ لأنه لا سبيل له إلى استيفاء جميع المنافع بحصول العقد في يده في الحال، وإنما يمكن استيفاؤها على حسب مضي الأوقات، فيحتاج إلى وجود الاوقات التي يصح فيها تسليم المنافع واستيفاؤها، حتى يستحق الأجر بها، فلذلك لم تلزمه أجره الأوقات التي لم يقع منه تسليم فيها. وليست الإجازة في هذا كالنكاح، في باب أن وجود الخلوة مرة واحدة، تمنع سقوط شيء من المهر بورود الطلاق، وذلك لأن عقد

стр. 1508

النكاح لا يتناول المدة، لأنه لو وقع على المدة، لما صح إلا مع ذكر مدة معلومة، كالإجارة لما تناولت المدة، إذا كانت معقودة عليها، لم تصح إلا مع ذكر المدة، وإذا كان كذلك علمنا أن عقد النكاح إنما يتناول تسليما صحيحا من جهتها، كما تناول عقد البيع تسليما، واحدا من جهة البيع، فإذا وجد: صار الشيء في ضمان المشتري، كذلك في النكاح. ويدلك على ما وصفنا الفرق: أن أحد الزوجين لو مات قبل الدخول: استحقت كمال المهر، ولو مات العبد المستاجر قبل القبض: لم يستحق المؤجر شيئا من الأجر. مسألة: [انتقاض الإجارة بموت المستأجر أو المؤجر] قال: (ومن مات من المستأجر او المؤجر انتقضت الإجارة). أما إذا مات المؤجر، فقد انتقل ملك الدار إلى الورثة، والمنافع حادثة على ملكهم، لأنها تملك في حال حدوثها، فمن كان الأصل في ملكه، فالمنافع حادثة على ملكه، والميت فإنما كان عقد الإجارة على أن تستوفى المنافع من ملكه، فلما زال ملكه عن الأصل بطلت الإجارة، إذ غير جائز للمستأجر استيفاء المنافع من ملك من لم يعقد في ملكه. فإن قيل: فالجارية الموصى بخدمتها لرجل، تستوفى منافعها ممكن هي ملك الوارث. قيل له: لأن هذه المنافع لم تعقد إلا في ملك الوارث، ونحن فإنما منعما أن تستوفى من ملك الوارث منافع عقد عليها في غير ملكه. ألا ترى أن المؤجر لو باع العبد المستأجر، فأجاز المستأجر البيع: فإن الإجارة تبطل، لانتقال الملك إلى غير من عقد في ملكه، ولم يجز ان تستوفى المنافع من ملك المشتري إذا لم يعقد عليها في ملكه، كذلك إذا

стр. 1509

مات المؤجر. * وأما إذا مات المستاجر، فقد انتقل ملكه إلى الورثة, فلا يجوز أن تستحق عليهم الأجرة بعد الموت، وذمة الميت قد بطلت، ولا يلحقه الدين بعد موته. ولانه معسر أيضا، لا سبيل له إلى الأداء؛ لأن الملك قد صار للوارث. فإن قال قائل: لما كان المعدوم من المنافع في حكم الموجود من الأعيان في باب العقد عليها، فهلا جعلتها في حكم الأعيان في باب بقاء العقد عليها مع موت أحدهما. قيل له: جواز العقد على المنافع المعدومة لم نجعلها في حكم الأعيان في باب حصولها في ضمانه بقبض العيد، لاتفاق الجميع على أن العبد لو مات بعد قبض المستأجر إياه قبل مضي شيء من المدة: بطل العقد، ولم تلزمه شيء من الأجرة. ولم تكن بمنزلة العبد المشترى إذا مات في يد المشتري بعد القبض بلا فصل، فكذلك لا تصير في حكم الموجود من الاعيان في باب امتناع انتقاض العقد بموت أحدهما. ويدل على أن المنافع المعقود عليها في ملك لا يجوز استيفاؤها من ملك آخر: أن العارية تبطل بموت المعير أو المستعير، لبطلان الملك الذي عقد فيه الإجارة.

стр. 1510

مسألة: [ضمان المستأجر إن تعدى الشروط] قال أبو جعفر: (ومن استاجر دابة إلى مكان، فجاوز بها إلى مكان آخر: كان ضامنا لها ساعة جاوز بها). وذلك انه لم يؤمر بالمجاوزة، فلما جاوز بها بغير أمر مالكها: صار غاصبا، وقد لزمه الأجر قبل ذلك، فلا يسقط الضمان. مسألة: [حبس المستأجر الدابة في منزله] قال: (ولو اتسأجرها إلى مكان بعينه، فحبسها في بيته: فلا أجر عليه). لان المعقود عليه منها تسليمها في الموضع المشروط فيها السير، ولم يحصل ذلك، فلم يجب الأجر، لعدم التسليم. وهو ضامن بحبسها في منزله؛ لأنه لم يؤمر بإمساكها على الوجه. مسألة: [استحقاق الأجر بالتسليم] قال: (وإن قادرها إلى ذلك المكان، ولم يركبها: فعليه الأجر). لأن التسليم قد وجد في الأماكن المستأجر إليها، وبه يستحق الأجر، لا بالركوب، كما يستحق أجر الدار بالتسليم، لا بالسكنى. مسألة: [وجوب أجر الدار بقبضها] قال: (ولو استأجر دارا فقبضها: فعليه الأجر وإن لم يسكنها إذا بقيت في يده إلى انقضاء المدة). لأن الأجر إنما يستحق بتسليمها في المدة المؤقتة للإجارة، ألا ترى أنه لو سكنها إلا أنه كان يخرج بالنهار، ويرجع بالليل فيبيت فيها، أنه تستحق جميع الأجرة، ولم تسقط عنه حصة خروجه بالنهار.
следующие страницы →