← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ضرب نجس بالاتفاق، تنتقض الطهارة بخروجه، وهو البول والغائط. والآخر ضرب طاهر بالاتفاق، لا تنتقض الطهارة به، وهو اللبن والعرق والدمع، وسائر الأشياء الطاهرة، فكان الحكم متعلقا بخروج النجاسة دون غيرها، فوجب أن تكون العلة الموجبة لنقض الطهارة خروج النجاسة بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فوجب انتقاض الطهارة بخروج سائر النجاسات على ما بينا. فإن قيل: العلة في البول أنه خارج من السبيل. قيل له: لو صح هذا الاعتلال لم يناف صحة اعتلالنا، فنحن نسلم لك صحته، ولا نطالبك بإقامة الدلالة عليه، فنقول: هما صحيحان، فاعتلالكم يوجب الحكم في الخارج من السبيل، واعتلالنا يوجبه في الخارج من السبيل ومن غيره، ولا يتنافيان. وأيضًا: فإن العلل إنما نعتبر صحتها بتعلق الأحكام بها، وتأثيرها في الأصول، وقد وجدنا الحكم يتعلق بالخارج، ويختلف لاختلاف الخارج، ألا ترى أن الخارج إذا كان منيا أوجب الغسل، وإذا كان بولا أوجب الوضوء، والمخرج واحد، فوجب أن يكون اعتبار الخارج أولى من اعتبار السبيل.

стр. 177

وكذلك خروج دم الحيض يوجب الغسل، وخروج دم الاستحاضة يوجب الوضوء، والمخرج واحد. فإن قيل: فقد وجدنا الحكم يتعلق بالسبيل، بدلالة وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير خروج شيء، فينبغي أن يجعل السبيل شرطا مع الخارج في إيجاب نقض الطهارة. قيل له: هذا الحكم إنما تعلق بالسبيل من غير خروج شيء، فكيف يجوز اعتباره فيما لا تنتقض الطهارة فيه إلا بخروج النجاسة، والذي اعتبرنا نحن في تصحيح العلة اختلاف الحكم باختلاف الخارج نفسه. فإن قيل: لما وجدنا الريح الخارجة من السبيل حدثا، ولم يكن من غيره حدثا، دل على أن له تأثيرا فيه، ويتعلق الحكم به. قيل له: لا نافي أن يكون للسبيل تأثير في إيجاب الطهارة بخروج ما يخرج منه، إلا أن ذلك لا يمنع قيام الدلالة على اعتبار معنى غيره يوجب الحكم فيه وفي غيره، على حسب ما ذكرنا. فهذا الاعتلال الذي قدمنا لا يعترض عليه اختلاف حكم البول إذا ظهر على رأس الإحليل، والدم عند ظهوره على رأس الجرح، وذلك لأن علتنا خروج النجاسة بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وداخل الجرح لا يلحقه حكم التطهير، وإنما يلحق حكم التطهير موضع الفتحة، لا داخل الجرح، ورأس الإحليل يلحقه حكم التطهير، فلم يختلفا على حكم الاعتلال، بل الحكم فيهما جار على العلة. ولا يلزم عليه أيضًا: القيء اليسير، لأن القيء غير خارج بنفسه، وإنما المخرج له معنى عارض في الجوف أوجب إخراجه، كنحو إخراج الدم من المجروح من غير سيلان، فلا تنتقض به الطهارة، لأن من شأن الأشياء

стр. 178

السائلة أنها تسيل إلى أسفل، ولا تسيل إلى فوق، فإذا وجدناه سائلا إلى فوق: علمنا أن معنى عارضًا أخرجه. فإن قيل: فلا تنقض الطهارة بكثير من القيء؛ لأنه غير خارج بنفسه. قيل له: لم نقل إن كل ما لا يخرج بنفسه لا تنتقض به الطهارة، وإنما قلنا إن ما يخرج بنفسه على الحد الذي وصفنا تنتقض به الطهارة. ثم ليس يمتنع اتفاق الأحكام مع اختلاف العلل، والموجب لنقض الطهارة بكثير القيء ما روينا من الآثار. فصل:] القيء ينقض الوضوء إذا ملأ الفم [ إنما اعتبرنا في القيء ملء الفم، من قبل أنه قد ثبت أن يسير ما يخرج من هناك لا تنتقض به الطهارة هو الجشاء، ولا يخلو من أن تتحلل معه أجزاء من النجاسة التي في المعدة، وهي التي إذا كثرت صارت قيئًا، وقد صح إيجاب الوضوء بكثيره، فجعلنا الحد الفاصل بين القليل والكثير ملء الفم؛ لأن أحدا ممن أوجب الفصل بين القليل والكثير لم يحده بغير ذلك. وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن القيء إذا كان ملء الفم نقض الوضوء، وإن كان أقل من ملء الفم لم ينقض.

стр. 179

وكان أبو الحسن رحمه الله تعالى يقول: الحد في ملء الفم عندي: أن لا يمكنه إمساكه في الفم. وقال زفر: تنتقض الطهارة بيسير القيء. وأما البلغم فإن أبا حنيفة ومحمدًا لم يوجبا به نقض الطهارة، وإن ملء الفم. وقال أبو يوسف: تنتقض. *والحجة لأبي حنيفة: أن المعنى الموجب لتجنيس الأشياء المستحيلة وجودها على ضرب من الاستحالة، بدلالة قول النبي ﷺ في الروث: "إنه ركس"، فنبه على المعنى الموجب للتنجيس، وهو وجوده على هذا الضرب من الاستحالة. وبهذا المعنى وجب الحكم بنجاسة البول والغائط والدم والمرة ونحوها. ثم لم نجد استحالة البلغم موجبة لتنجيسه، بدلالة اتفاقهم جميعا على أن البلغم الذي ينزل من الرأس، وما يخرج من الحلق ليس بنجس.

стр. 180

واستحالة البلغم الذي يخرج من الجوف كاستحالة ما ينزل منه من الرأس، ويخرج من الحلق، فلما كانا سواء في باب الاستحالة، واتفقنا على طهارة أحدهما: كان الآخر مثله. فإن قيل: ما أنكرت أنه وإن كان كذلك في نفسه، فإن حصوله في المعدة –وهو موضع النجاسة- يوجب تنجيسه، كما أن الماء طاهر في نفسه، وحصوله في الجوف يوجب تنجيسه، حتى لو تقيأ من ساعته انتقضت به طهارته. قيل له: الفصل بينهما: أن الماء إذا حصل في الجوف يخالطه أجزاء من النجاسة حتى لا تتميز منه، فيصير حكمه حكم النجاسة، والبلغم متميز من النجاسة التي لاقته، وتلك النجاسة الخارجة معه لا تملأ الفم بنفسها، فكذلك لم تنتقض الطهارة بخروجها. مسألة:] الإغماء ينقض الوضوء [ قال أبو جعفر: (ومن غلب على عقله بغير النوم، ثم أفاق: فعليه الوضوء). وذلك لأن قليل الإغماء أكثر من كثير النوم، ألا ترى أنه لا يفيق بالتنبيه، والنائم يتنبه إذا نبه.

стр. 181

] مسألة: نوم القائم والجالس [ قال: (ومن نام قائما أو جالسا: فلا وضوء عليه). قال أبو بكر أحمد: المذهب فيه: أنه متى نام على حال من أحوال الصلاة: لم تنتقض طهارته، وهو حال القيام والركوع والسجود والقعود؛ لأن هذه كلها من أحوال الصلاة في غير عذر. والدليل على صحة هذا الأصل: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن الفضل بن سلمة قال: حدثنا الحسن بن الربيع قال: حدثنا حماد بن واقد عن بحر السقاء عن ميمون الخياط عن ضبة عن أبي عياض عن حذيفة ﵁ قال: "نمت في المسجد، وأنا جالس، فمر النبي ﷺ فوضع يده على منكبي، فقال: "ماهذا؟ "، فرفعت رأسي، فقلت: يا رسول الله أفي هذا وضوء؟ قال: "لا، حتى تضع جنبك". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا يحيى بن معين عن عبد السلام بن حرب –وهذا لفظ حديث يحيى عن أبي خالد الدالاني– عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلى، ولا يتوضأ، فقلت له: صليت ولم تتوضأ، وقد نمت؟ فقال: "إنما الوضوء على من نام مضطجعا".

стр. 182

وقال غيره: "فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله". فإن قيل: قال شعبة: "لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة أحاديث"، ولم يذكر هذا فيها. قيل له: عسى أن يكون أراد أنه لم يسمع قتادة بقول: "سمعت" إلا في هذه الأربعة، ومن روى عن ثقة، فأمره محمول على السماع. وعلى أنه لو كان مرسلا: لم يضر إرساله عندنا. فإن قيل: في حديث صفوان بن عسال ﵁: "كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم". وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:

стр. 183

"من استحق نوما: وجب عليه الوضوء". قيل له: هو مبني على مابين فيما ذكرنا من حديث حذيفة وابن عباس ﵃؛ لأنه أخص منه، ولا يسقط أحدهما بالآخر، وهما لخصمنا ألزم؛ لأنه يبني العام على الخاص. وكما اتفقنا جميعا على أن نوم الجالس مستثنى منه، لما روى "أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يخفقون برؤوسهم ينتظرون العشاء الآخرة، ثم يصلون ولا يتوضؤون". كذلك نوم القائم والراكع بالأخبار التي ذكرنا. فإن قيل: خصصناه بالإجماع. قيل له: وخصصناه ما وصفنا بالسنة. وعلى أنه ليس فيه إجماع؛ لأنه روي عن الحسن وسعيد بن المسيب أنه متى خالط النوم قبله -قليله وكثيره- وهو نائم أو جالس أو قائم توضأ.

стр. 184

وروي نحوه عن الشعبي. *ويدل على ما ذكرنا اتفاق فقهاء الأمصار على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، والجلوس حال من أحوال الصلاة، فقسنا عليه سائر أحوال الصلاة من غير عذر. وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا نامت العين استطلق الوكاء": فهو محمول على ما ذكرنا من حال الاضطجاع، لما في حديث ابن عباس: "فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله". وقد تكلمنا في هذه المسألة في "مسائل الخلاف"، واستقصيناه، وكرهنا الإعادة.

стр. 185

فصل:] نوم المستند [ قال أبو جعفر: (ومن نام مستندا إلى شيء لو أزيل سقط: كان عليه الوضوء). وذلك لأنه إذا كانت هذه حاله: استثقل في النوم، بمنزلة المضطجع، وليس بمنزلة غير المستند، لأنه إذا أمكنه أن يحفظ نفسه حتى لا يقع، فلم يستثقل. ] مسألة: [ قال أبو جعفر: (ومن نام على ما سوى الحالين الأوليين اللتين ذكرنا أن لا وضوء عليه فيهما: فعليهما: فعليه الوضوء). قال أبو بكر: يعني القائم والجالس. وليس كذلك مذهب أصحابنا، لأنهم يقولون إن الراكع والساجد إذا ناما في ركوعهما وسجودهما: فلا وضوء عليهما، وهذا مروي عنهم، إلا أن يكون أبو جعفر أدخل الراكع والساجد في قسم القائم والقاعد. مسألة:] مس المرأة والذكر لا ينقض الوضوء [ قال أبو جعفر: (ولا وضوء على من مس شيئا من بدنه، ولا من بدن غيره من فرجٍ، ولا ما سواه). قال أبو بكر: هذا الفصل يشتمل على مسألتين:

стр. 186

إحداهما: أن مس المرأة لا ينقض الطهارة. والأخرى: مس الذكر. *فأما وجه القول في مس المرأة، فما رواه حبيب بن أبي ثابت عن عروة عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يقبل، ثم يخرج فيصلي ولا يتوضأ". وروى منصور بن زاذان عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ مثله. وعمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة ﵂ عن

стр. 187

النبي ﷺ مثله. وعبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عطاء عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ مثله. وهدبة بن خالد عن همام بن يحيى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ مثله. تركت ذكر أسانيدها خوف الإطالة، ولأنها أخبار مشهورة. وروى يزيد بن سنان عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم ولا يفطر، ولا يحدث وضوءا.

стр. 188

وروى أبو عاصم عن سفيان الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل ثم يخرج فيصلي، ولا يتوضأ". فإن قيل: حديث حبيب بن أبي ثابت إنما هو في أنه كان يقبل في الصوم. قيل له: الأمران جميعاً قد ذكرا في حديث واحد رواه عبد الحميد الحماني عن الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت بإسناده، وذكر فيه: "أنه كان يصبح صائما ثم يتوضأ للصلاة، فتلقاه المرأة من نسائه فيقبلها ثم يصلي" *وعن عائشة ﵂ أنها قالت: "طلبت النبي ﷺ ليلا، قالت: فوقعت يدي على قدميه، وهو ساجد".

стр. 189

فلو كان اللمس ينقض الطهارة لبطل سجوده. وفي الخبر: أنه كان يدعو في السجود دعاء طويلا، ثم رفع رأسه فسجد ثانيا. فإن تعسف متعسف فقال: يحتمل أن يكون قبلها فوق الخمار. قيل له: فإذا لا فائدة له في تقبيله. وعلى أنه: لا يكون قبلها، إنما قبل خمارها. وهو مذهب علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃. فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ﴿، وحقيقته تقتضي اللمس باليد. قيل له: لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قبل، ولم يتوضأ، علمنا أن المراد الجماع؛ لأن اللفظ يتناولهما، وبيان النبي صلى الله عليه

стр. 190

وسلم قاضٍ على المعني المراد. فإن قيل: هو كناية عن الجماع، وصريح في اللمس باليد، وحَمْلُه على الحقيقة أولى. قيل له: إنما يجب ذلك ما لم تقم الدلالة على صرفه عنها إلى المجاز والكناية، فأما مع قيام الدلالة فلا. وكذلك إن قالوا: هو عموم فيهما، أجبناهم بمثل ذلك. ثم نقول لهم: هذا كلام ساقط من وجوه: أحدها: أن السلف اختلفوا في المراد بالآية، فقال علي وابن عباس وأبو موسى ﵃: هو الجماع، وكانوا يجيزون للجنب أن يتيمم بالآية، ولا يوجبون الوضوء من اللمس للمرأة باليد. وقال عمر، وعبد الله بن مسعود ﵄: هو على اللمس باليد، ويوجبون منه الوضوء، ولا يرون للجنب التيمم؛ لأن الجماع

стр. 191

عندهما غير مراد بالآية. فمن قال: إنه عليهما، فقوله خارج من اتفاق السلف. وجهة أخرى: هي أن اللمس إذا كان حقيقة في اللمس باليد، مجازا في الجماع: لم يجز أن يرادا جميعا بلفظ واحد؛ لأن ذلك يقتضي كون اللفظ الواحد مجازا حقيقة في حال واحدة؛ لأن الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضعه، والمجاز هو العدول به عن جهته، ولا جائز أن تجتمع الصفتان جميعاً للفظ واحد، لأنه يتناقض. وأيضًا: فإنه يوجب أن يكون لفظ واحد كتابة وصريحاً في حال واحدة، وهذا خلف من القول. *ودليل آخر: وهو أنه لما ثبت أن المراد أحدهما، ثم ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر الجنب بالتيمم، وجب أن يكون حكمه بذلك مأخوذاً عن الآية. وكذلك نقول في كل حكم حَكم به النبي ﷺ ، وفى كتاب الله ما يشتمل عليه وينتظمه: فالواجب أن يقضى بأن حكمه هذا صدر عن القرآن، وأنه غير مبتدأ. وإذا كان كذلك، فقد دل أمر النبي ﷺ الجنب بالتيمم، على أن مراد الله في اللمس المذكور في الآية هو الجماع، وإذا ثبت أن الجماع مراد بها، انتفى اللمس باليد على ما بينا.

стр. 192

فإن قيل: روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "قبلة الرجل امرأته، ومسها بيده من الملامسة". قيل له: صدقت هو قوله، وقول عمر وابن مسعود ﵄ إلا أنه لا دلالة فيه على أنه كان يرى الجماع مع ذلك مراداً بالآية. *ويدل على ما قلنا أيضًا: أن الله تعالى لما علمنا حكم الحدث والجنابة جميعاً عند وجود الماء، ثم أعاد ذكر الحدث لبيان حكمه عند عدم الماء: وجب أن يكون اللمس المذكور هو الجماع، ليقع به بيانٌ لحكمه عند عدم الماء، فتكون الآية شاملة لبيان حكم الحدث والجنابة جميعاً عند وجود الماء، وعند عدمه. وأيضًا: فلو حمل على اللمس باليد، لكان ذلك حدثاً بمنزلة سائر الأحداث، وقد أفادنا بدءًا حكم الحدث في حال عدم الماء وحال وجوده، ففي حمله على ما ذكرنا إثبات فائدة مجددة، وهى بيان حكم الجنابة في حال عدم الماء، وفيما ذكرتم إسقاط فائدته. فإن قيل: فأنت قد أوجبت نقض الطهارة باللمس دون الجماع؛ لأن أبا حنيفة يقول: إذا باشرها وانتشر لها، وليس بينهما ثوب: إن عليه الوضوء. قيل له: لم يوجبه بالمباشرة واللمس، وإنما المسألة على أنه جامعها فيما دون الفرج، ولم ينزل، فأوجب به نقض الطهارة، من جهة أن

стр. 193

الإنسان ليس يكاد يبلغ ذلك من المرأة: فيخلو من بلة تخرج منه وإن لم يشعر بها، فعلق الحكم فيه بالغالب من الحال، كما أن النوم لما كان غالب حاله الحدث، حكم له إذا استثقل فيه بحكم الحدث، وليس ذلك من إيجاب الوضوء باللمس في شيء. وأيضًا: فلو كان وجوب الوضوء بمس المرأة ثابتاً من شريعة الرسول ﷺ ، لعمهم النبي ﷺ بالتوقيف عليه، لعموم الحاجة إليه، ولو كان كذلك لورد النقل به عن النبي صلي الله عليه وسلم مستفيضاً متواترًا، ولما اختلف السلف فيه، فلما وجدنا الأمر فيه ضد ذلك، علمنا أن ذلك ليس بثابت. *وأيضًا: فإن خصمنا لا يمكنه أن يدعي على أحد من السلف بأن المس من غير شهوة يوجب الوضوء، مع مس الناس لبناتهم الصغار، وذوات محارمهم من الصبايا، وإنما الخلاف في المس لشهوة، وأما لغير شهوة: فلا نعلم أحدًا من السلف قال بإيجاب الوضوء منه. فإن قيل: ولو كان ترك الوضوء منه ثابتاً، لورد النقل به متواترا.

стр. 194

قيل له: ليس كذلك، لأن ترك الوضوء منه ليس بشريعة يلزم النبي ﷺ توقيفهم عليها، وإنما هو شيء مباح يجوز فعله وتركه، وإيجاب الوضوء شريعة لا يسع تركها، ولا يجوز أن يقرهم النبي ﷺ عليها، مع علمه بتركهم إياها. وأيضا: لما اتفقنا جميعا على أن مس شعرها لا يوجب الوضوء، كان كذلك مس جميع أعضائها، لأنه مما يلحقه حكم التطهير. وأيضا: لو كان مسها حدثا، لما اختلف الرجل والمرأة فيه، فلما اتفقنا على أن مس المرأة لا يوجب نقض طهارتها، كان كذلك حكم الرجل في مسها، لأن ما كان حدثا: لا يختلف في حكمه الرجال والنساء، كالبول والغائط وسائر الأحداث. فصل: [عدم نقض الوضوء بمس الذكر] وأما الوضوء من مس الذكر، فإن الأصل فيه عندنا أن ما كان بالناس إليه حاجة عامة، فسبيله أن يرد النقل بحكمه مستفيضا متواترا؛ لأن النبي ﷺ لا محالة يوقفهم عليه، وهم مأمورون بالنقل والإبلاغ، فلا جائز فيما كان هذا سبيله أن يرد نقله من طريق الآحاد. وهذه حال إيجاب الوضوء من مس الذكر، لعموم البلوى به، فلو كان من النبي ﷺ حكم في إيجابه لنقله الكافة، كما نقلوا

стр. 195

الوضوء من البول والغائط، وغسل الجنابة ونحوها. فلما روي عن علي، وابن مسعود، وعمر، وسعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وعمار، وعمران بن حصين، وابن

стр. 196

عباس ﵃، وعن إبراهيم، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وعامة السلف نفي إيجاب الوضوء منه

стр. 197

علمنا أنه لم يكن من النبي ﷺ فيه توقيف، إذ لو كان منه ذلك، لما خفي أمره على هؤلاء، وهم علية السلف، وعلماء الصدر الأول. وهذا مع ما عاضده من رواية طلق بن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه سأله عن مس الذكر هل فيه وضوء؟ فقال: "لا، إنما هو بضعة منك". *وأما ما روي من الأخبار في الوضوء من مس الذكر، فإنها كلها واهية ضعيفة لا يثبت بمثلها حكم لو وردت في الشيء الخاص الذي لا تعم البلوى به، فكيف فيما سبيله أن يكون إثبات حكمه من جهة التواتر؟

стр. 198

قال يحيى بن معين في التاريخ: لا يصح في الوضوء من مس الذكر حديث، وكان لا يرى إيجاب الوضوء منه. قال أبو بكر أحمد: فأحد ما يروى في الوضوء من مس الذكر حديث يذكرونه عن عمر بن شريح عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من مس فرجه فليتوضأ".

стр. 199

وعمر بن شريح هذا ضعيف جدا عندهم، ليس ممن يقبل بروايته. وحديث يروى عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن عروة عن زيد بن خالد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مس فرجه فليتوضأ". وأهل النقل لا يشكون في أن هذا الحديث مما أخطأ فيه عبد الأعلى بالبصرة في أحاديث غيره مما يذكرونها. وحديث يروى عن هشام بن زياد عن هشام بن عروة عن أبيه عن أروى بنت أنيس عن النبي ﷺ ، وهشام بن زياد هذا: ساقط. وحديث الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن بسرة رضي الله

стр. 200

عنها عن النبي ﷺ . وهذا أثله عن شرطي عن بسرة؛ لأن مروان رواه لعروة، فلم يرفع عروة بحديثه رأسا، فبعثوا شرطيا إلى بسرة، فأخبر عنها لشرطي بذلك، كذلك روي في الحديث. وحديث يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبي موسى الخياط عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .

стр. 201

ويزيد بن عبد الملك ضعيف عندهم، وأبو موسى الخياط مجهول. وحديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنسبة بن أبي سفيان عن أم حبيبة ﵂ عن النبي ﷺ . قال يحيى بن معين: مكحول لم ير عنسبة. وحديث العلاء بن سليمان عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي

стр. 202

الله عنهما عن النبي ﷺ . والعلاء بن سليمان هذا شيخ من أهل الرقة ضعيف. ويرونه عن صدقة بن عبد الله عن هشام بن زيد عن نافع عن ابن عمر ﵃ عن النبي ﷺ . وصدقة عندهم غير مقبول الرواية. ويروونه عن حفص بن عمر الصنعاني المعروف بالفرج عن املك بن أنس عن نافع عن ابن عمر عن بسرة ﵃ عن النبي ﷺ .

стр. 203

وحفص هذا عندهم ضعيف. ومما زاد في سقوطه: روايته لهذا الحديث عن النبي ﷺ ، لأن أصحاب مالك الثقات كلهم يروونه موقوفا على ابن عمر ﵄ من قوله، غير مرفوع إلى النبي ﷺ . ويروونه عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن الزهري عن عبد الله بن عبد القاري عن أبي أيوب ﵃ عن النبي ﷺ . وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ضعيف، لا يشك في ضعفه. ويروى عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن زيد بن خالد ﵁ عن النبي ﷺ . وهذا إنما رواه ابن جريج عن الزهري عن عروة عن بسرة أو عن زيد

стр. 204

بن خالد ﵄، فشك فيه. ويدل على سقوطه أن عروة لما أخبره مروان قال: لم أعلم بذلك، ولم يرفع بحديثه رأسا، ولو كان عنده زيد بن خالد ﵁ لما أنكره، وما رد عليه قوله. وحكى محمد بن شجاع عن على بن المديني قال: "حديث عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه أحب إلي في الإسناد من أحاديث الوضوء من مس الذكر". وقال إبراهيم الحربي: حديث بسرة إنما هو عن شرطي. فإن قيل: إن في هذه الأخبار ما] لا [يصح سنده عندك، وإنما رده

стр. 205

أصحاب الحديث من جهة الإرسال، والمرسل والموصول عندك سواء، فكيف تحتج في إبطاله بأصل غيرك، وهو مما يلزمك على أصلك. قيل له: قد بينا أن شرطنا في قبول الأخبار من طريق الآحاد، أن لا يكون بالناس إليه حاجة عامة، وأن ما عمت البلوى به لا يكل النبي ﷺ علمه إلى الخاصة، وإلى الأخبار الشاذة. وإنما نقبل روايات الآحاد في الشيء الخاص الذي يبتلى به خواص من الناس، فيجيب النبي ﷺ فيه على حسب ورود الحادثة. وإنما ذكرنا وجه فساد هذه الأخبار على مذهب القائلين بإيجاب الوضوء منه، لأنهم لا يقبلون المراسيل، وما ليس منه بمرسل: فمن رواية قوم مجهولين أو مغموز عليهم في الرواية. فإن قيل: إذا جاز أن يخفى على عبد الله بن مسعود ﵁ نسخ التطبيق، مع عموم الحاجة إليه، ومع قرب محله من النبي ﷺ ، لم ينكر خفاء إيجاب الوضوء من مس الذكر على من ذكرت من الصحابة. قيل له: إن عبد الله ﵁ لم يخف ذلك عليه من قول النبي

стр. 206

صلى الله عليه وسلم، ولكن لفظ النبي ﷺ في ذلك ورد محتملا لهذا المعنى، ومحتملا الترخيص دون النسخ؛ لأنهم لما شكوا إليه التطبيق، قال: "استعينوا بالركب"، فحمله عبد الله ﵁ على الرخصة؛ لأن ظاهره يدل على ذلك، واختار هو لنفسه البقاء على التطبيق، إذ كان أشق عليه، فكان عنده أنه أعظم الأجر. ولم يثبت عن أحد من علماء السلف، وعلية الصدر الأول إيجاب الوضوء من مس الذكر. فإن قيل: قد كان ابن عمر ﵁ يرى ذلك. قيل له: قد كان ابن عمر مصعبا على نفسه في أمر الطهارة، وكان يتوضأ لكل صلاة، ومما غيرت النار، ويدخل الماء في عينيه في

стр. 207

الوضوء، فجائز أن يكون فعل ذلك على عادته المعروفة في التشديد في أمر الطهارة، وعلى جهة الاحتياط. وابن عمر ﵁ إنما أخذ ذلك عن بسرة ﵄، وقد علم ابن عباس برواية بسرة، فلم يلتفت إليها، وكذلك عامة من حكى عنه من الصحابة نفي الوضوء من مس الذكر، قد سمعوا حديث بسرة، فلم يلتفتوا إليه، ولم يعلموا به غير ابن عمر ﵃. فإن قيل: قد روي الوضوء من مس الذكر عن ابن عمر، وسعد، وعائشة، وأنس ﵃.

стр. 208

قيل له: قد روي عن هؤلاء كلهم نفي الوضوء منه، فأقل أحوالهم

стр. 209

أن تتعارض الروايات فيه عنهم، فيصيرون كأنهم لم يحفظ عنهم فيه شيء وحصل لنا في نفيه قول من رويناه منهم من غير معارض. * وأيضًا: لوثبت الوضوء من مس الذكر كان معناه: غسل اليد على معنى قوله ﵊: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده"، فأمر ﵊ بغسل اليد من مس الذكر احتياطيًا من أن يكون أصابته بلة من موضع الاستنجاء، كما روي في الوضوء مما غيرت النار، والمعنى فيه عند عامة الفقهاء غسل اليد. وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في "مسائل الخلاف". مسألة: [يقين الطهارة لا يزول يشك في الحدث، ولا العكس] قال أبو جعفر: (ومن أيقن بالطهارة: فلا يزول عنها بشك في حدث، ومن أيقن بحدث: فلا يزول عنه بشك في طهارة). وذلك لما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذ كان أحدكم في الصلاة، فوجد حركة في دبر: أحدث أو لم يحدث؟ فأشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا.

стр. 210

وروى عباد بن تميم عن عم عن النبي ﷺ مثل ذلك. فصار ذلك أصلًا في أن الطهارة إذا كانت يقينًا في الأصل: لم يرتفع حكما بالشك، وكذلك الحدث إذا كان يقينًا: لم يزل بالشك. مسألة: [وجوب الغسل بالإنزال من شهوة] قال أبو جعفر: (ومن أنزل من شهوة بغير جماع، من رجل أو امرأة، فعليه الغسل). وذلك لما روي أن أم سليم ﵂ سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل من الحلم، فقال ﷺ : "إذا كان منها مثل ما يكون من الرجل: فلتغتسل". ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الماء من الماء"، ومعناه: الاغتسال من الإنزال.

стр. 211

مسألة: [وجوب الغسل بالتقاء الختانين] قال أبو جعفر: (ومن غابت حشفته في فرج: فعليه الغسل، أنزل أو لم ينزل، والفاعل المفعول به في سواء). وذلك لما روت عائشة وأبو هريرة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". وفي حديث أبي هريرة عن سهل بن سعد ﵁ قال: "إنما كان قول الأنصار: "الماء من الماء" رخصة في أول الإسلام، ثم أمرنا بالغسل". وقال ابن عباس ﵄: إنما قال: "الماء من الماء": في الاحتلام، فإذا رأى الماء اغتسل. وأجمع السلف عليه بعد اختلاف كان بينهم فيه، فسقط باتفاقهم بعده.

стр. 212

وكانت الأنصار ترى أن لا غسل إلا من الإنزال، ويروى فيه عن النبي ﷺ أنه قال: "الماء من الماء" يعني الاغتسال من الإنزال، فلما صح عندهم الخبر عن النبي ﷺ بوجوب الغسل من الإيلاج: رجعوا إليه. والأصول تشهد له أيضًا؛ لأن سائر الأحكام المتعلقة بالجماع إنما تتعلق بالإيلاج دون الإنزال. منها: وجوب البلد، وثبوت الإحصان، وإباحتها لزوجها الأول، وإيجاب الكفارة في الصوم، فوجب أن يتعلق به وجوب الغسل.

стр. 213

[مسألة: خروج المني من غير شهوة] قال أبو بكر: وأما المني إذا خرج من غير شهوة: فقياس قولهم أنه يوجب الوضوء، ولا يوجب الغسل؛ لأنهم يقولون: من ضرب على إليتيه، فخرج المني من ذكره: أنه يتوضأ، ولا غسل عليه. قال أبو بكر أحمد: الأصل في ذلك أن خروج المذي لا يوجب الغسل، ويوجب الوضوء، والمذي هو من أجزاء المني، إلا أنه لما لم يكن خروجه على وجه الدفق والشهوة: لم يوجب الغسل، فكذلك المني إذا لم يكن خروجه على وجه الدفق والشهوة. مسألة: [وجوب الغسل على الحائض والنفساء عند انقطاع الدم] قال أبو جعفر: (وإذا انقطع دم الحائض عنها فعليها الغسل، وكذلك النفساء). قال: (ولا غسل من جهة الفرض غير ما ذكرنا).

стр. 214

قال أبو يكر أحمد: يعني من الإنزال والإيلاج في الفرج أو الحيض أو النفاس. والأصل في وجوب الغسل من الحيض: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. وقال النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂: "إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي". وأما النفاس فهو مثل الحيض في وجوب الغسل منه، ولا خلاف بين المة فيه. مسألة: [صفة الغسل] قال أبو جعفر: (والغسل من الجنابة والحيض والنفاس أن يبدأ فيغسل ما به من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده إفاضة يصل بها الماء إلى شعره وبشره، ولابد في ذلك من المضمضة والاستنشاق). قال أبو بكر أحمد: روي عن النبي ﷺ أنه توضأ

стр. 215

وضوءه للصلاة في غسل الجنابة، ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثًا غير رجليه، ثم تنحى فغسل رجليه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "أما أنا فأفيض على رأسي الماء ثلاثًا، فإذا أنا قد طهرت". وقال لأم سلمة ﵂: "إنما يكفيك أن تصبي الماء على رأسك ثلاثًا، ثم تغسلي سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت". وقال لأم سلمة ﵂: "إنما يكفيك أن تصبي الماء على رأسك ثلاثًا، ثم تغسلي سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت". وقال ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة. وقال لأبي ذر ﵁: "التراب كافيك، ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك". وقال علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ : "من ترك شعرة من جسده في الجنابة لم يغسلها: فعل بها كذا وكذا من النار".
следующие страницы →