← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

استيفاء المنافع وهو قولهم جميعا. وكان ابو حنيفة يقول قبل ذلك: لا يستحق شيئا من الأجر حتى تمضي المدة كلها). وقد بينا وجه قوله فيما تقدم آنفا. ووجه قوله الأول: أنه جعله بمنزلة المبيع، أن البيع لا يستحق شيئا من الثمن إلا مع تسليم جميع المبيع، وأنه لو منعه بعض المبيع، لم يستحق ثمن الباقي حتى يحضر الجميع. ثم رجع وفرق بينه وبين البيع، من قبل أن عقد البيع يوجب تسليم المبيع دفعة، يستحق البدل على حسب استحقاق المبدل منه؛ لأن تسليم أحد البدلين مستحق بحذا تسليم البدل الآخر، ولهذه العلة قالوا: إن المؤجر لو منعه تسليم المستأجر بعض المدة، ثم أراد ان يسلم في بقية المدة، لم يكن للمستأجر أن يمتنع من ذلك. ولو ان البيع أتلف بعض المبيع قبل القبض، كان للمشتري أن يمتنع من قبل الباقي، وأن يفسخ البيع فيه، من قبل أن المستأجر لم يستحق تسليم المنافع على المؤجر إلا حالا فحالا، على حسب مضي الأوقات، فلم يتفرق عليه التسليم المستحق بالعقد لأجل منع المؤجر إياه بعض المدة. وأما المشتري فقد استحق على البيع تسليم المبيع دفعة، فإذا هلك

стр. 1507

بعضه، أو نصفه، أو منعه، كان له الامتناع من قبض الباقي، إذا ليس هو واقعا على الوجه المستحق بالعقد. فصل: قال ابو جعفر: (وتجوز الإجارة على أجرة آجلة أو عاجلة). وذلك لقول النبي ﷺ : "من استأجر أجيرا فليعلمه أجره"، فأجازها إذا كانت الأجرة معلومة، ولم يفرق بين أن تكون الأجرة معجلة او مؤجلة. مسالة: [حكم الأجرة لو انتقضت الإجارة] (ولو انتقضت الإجارة المؤجر: كان له منها بحساب ما مضى، مما قد استوفى منافعه، ورد على المستأجر ما بقي منها). وذلك أن قبض العبد لا تصير به المنافع في ضمانه؛ كان له منها بحساب ما مضى، مما قد استوفى منافعه، ورد على المستأجر ما بقي منها). وذلك أن قبض العبد لا تصير به المنافع في ضمانه؛ لأنه لا سبيل له إلى استيفاء جميع المنافع بحصول العقد في يده في الحال، وإنما يمكن استيفاؤها على حسب مضي الأوقات، فيحتاج إلى وجود الاوقات التي يصح فيها تسليم المنافع واستيفاؤها، حتى يستحق الأجر بها، فلذلك لم تلزمه أجره الأوقات التي لم يقع منه تسليم فيها. وليست الإجازة في هذا كالنكاح، في باب أن وجود الخلوة مرة واحدة، تمنع سقوط شيء من المهر بورود الطلاق، وذلك لأن عقد

стр. 1508

النكاح لا يتناول المدة، لأنه لو وقع على المدة، لما صح إلا مع ذكر مدة معلومة، كالإجارة لما تناولت المدة، إذا كانت معقودة عليها، لم تصح إلا مع ذكر المدة، وإذا كان كذلك علمنا أن عقد النكاح إنما يتناول تسليما صحيحا من جهتها، كما تناول عقد البيع تسليما، واحدا من جهة البيع، فإذا وجد: صار الشيء في ضمان المشتري، كذلك في النكاح. ويدلك على ما وصفنا الفرق: أن أحد الزوجين لو مات قبل الدخول: استحقت كمال المهر، ولو مات العبد المستاجر قبل القبض: لم يستحق المؤجر شيئا من الأجر. مسألة: [انتقاض الإجارة بموت المستأجر أو المؤجر] قال: (ومن مات من المستأجر او المؤجر انتقضت الإجارة). أما إذا مات المؤجر، فقد انتقل ملك الدار إلى الورثة، والمنافع حادثة على ملكهم، لأنها تملك في حال حدوثها، فمن كان الأصل في ملكه، فالمنافع حادثة على ملكه، والميت فإنما كان عقد الإجارة على أن تستوفى المنافع من ملكه، فلما زال ملكه عن الأصل بطلت الإجارة، إذ غير جائز للمستأجر استيفاء المنافع من ملك من لم يعقد في ملكه. فإن قيل: فالجارية الموصى بخدمتها لرجل، تستوفى منافعها ممكن هي ملك الوارث. قيل له: لأن هذه المنافع لم تعقد إلا في ملك الوارث، ونحن فإنما منعما أن تستوفى من ملك الوارث منافع عقد عليها في غير ملكه. ألا ترى أن المؤجر لو باع العبد المستأجر، فأجاز المستأجر البيع: فإن الإجارة تبطل، لانتقال الملك إلى غير من عقد في ملكه، ولم يجز ان تستوفى المنافع من ملك المشتري إذا لم يعقد عليها في ملكه، كذلك إذا

стр. 1509

مات المؤجر. * وأما إذا مات المستاجر، فقد انتقل ملكه إلى الورثة, فلا يجوز أن تستحق عليهم الأجرة بعد الموت، وذمة الميت قد بطلت، ولا يلحقه الدين بعد موته. ولانه معسر أيضا، لا سبيل له إلى الأداء؛ لأن الملك قد صار للوارث. فإن قال قائل: لما كان المعدوم من المنافع في حكم الموجود من الأعيان في باب العقد عليها، فهلا جعلتها في حكم الأعيان في باب بقاء العقد عليها مع موت أحدهما. قيل له: جواز العقد على المنافع المعدومة لم نجعلها في حكم الأعيان في باب حصولها في ضمانه بقبض العيد، لاتفاق الجميع على أن العبد لو مات بعد قبض المستأجر إياه قبل مضي شيء من المدة: بطل العقد، ولم تلزمه شيء من الأجرة. ولم تكن بمنزلة العبد المشترى إذا مات في يد المشتري بعد القبض بلا فصل، فكذلك لا تصير في حكم الموجود من الاعيان في باب امتناع انتقاض العقد بموت أحدهما. ويدل على أن المنافع المعقود عليها في ملك لا يجوز استيفاؤها من ملك آخر: أن العارية تبطل بموت المعير أو المستعير، لبطلان الملك الذي عقد فيه الإجارة.

стр. 1510

مسألة: [ضمان المستأجر إن تعدى الشروط] قال أبو جعفر: (ومن استاجر دابة إلى مكان، فجاوز بها إلى مكان آخر: كان ضامنا لها ساعة جاوز بها). وذلك انه لم يؤمر بالمجاوزة، فلما جاوز بها بغير أمر مالكها: صار غاصبا، وقد لزمه الأجر قبل ذلك، فلا يسقط الضمان. مسألة: [حبس المستأجر الدابة في منزله] قال: (ولو اتسأجرها إلى مكان بعينه، فحبسها في بيته: فلا أجر عليه). لان المعقود عليه منها تسليمها في الموضع المشروط فيها السير، ولم يحصل ذلك، فلم يجب الأجر، لعدم التسليم. وهو ضامن بحبسها في منزله؛ لأنه لم يؤمر بإمساكها على الوجه. مسألة: [استحقاق الأجر بالتسليم] قال: (وإن قادرها إلى ذلك المكان، ولم يركبها: فعليه الأجر). لأن التسليم قد وجد في الأماكن المستأجر إليها، وبه يستحق الأجر، لا بالركوب، كما يستحق أجر الدار بالتسليم، لا بالسكنى. مسألة: [وجوب أجر الدار بقبضها] قال: (ولو استأجر دارا فقبضها: فعليه الأجر وإن لم يسكنها إذا بقيت في يده إلى انقضاء المدة). لأن الأجر إنما يستحق بتسليمها في المدة المؤقتة للإجارة، ألا ترى أنه لو سكنها إلا أنه كان يخرج بالنهار، ويرجع بالليل فيبيت فيها، أنه تستحق جميع الأجرة، ولم تسقط عنه حصة خروجه بالنهار.

стр. 1511

مسألة: [عدم وجوب أجر الدار إن حال دون سكناها حائل] قال: (ولو قبضها، ثم حال بينه وبينها حائل: لم يكن عليه أجر ما كانت كذلك). وذلك لأن التسليم الذي يستحق به الأجر قد ارتفع، وقد بينا ذلك فيما تقدم. مسألة: [خيار الرؤية للمستأجر] قال: (ومن استأجر دارا لم يرها، ثم رآها: فله فيها خيار الرؤية). كالشراء، والمعنى فيها جميعا جهالة المعقود عليه عنده. مسألة: [يد المستأجر يد أمانة إن لم يتعد] قال: (ولا ضمان على المستأجر إن هلكت الدابة عنده من غير تعد). من قبل أنه قبضها بإذن المالك، لا على ضمان البدل عن عينها. مسألة: [جواز تأجير المستأجر للدابة إن قبضها] قال: (ومن استأجر دابة: لم يجز له أن يؤاجرها قبل القبض). كما لا يجوز بيع ما لم يقبض، والمعنى فيهما جميعا: أن من شرائط صحة كل واحد منهما صحة التسليم. وليس هذا كالتصرف في المهر قبل القبض، إذ ليس من شرائط بقاء العقد وجود التسليم؛ لأن العبد المهر لو هلك قبل القبض، لم يبطل النكاح، وتبطل الإجارة والبيع بالهلاك قبل القبض. *وإن آجرها بعد القبض: جاز، إلا أنه إن كان فيه فضل تصدق به؛ لأنه ربح ما لم يضمن، لأن المنافع لم تحصل في جهاته بالقبض، ألا ترى أنه لو هلك: بطل الأجر في المستقبل.

стр. 1512

وأيضا: هو ربح ما لم يملك بنفس العقد؛ لأنها معدومة، والمعدوم لا يملكه أحد. ولو كان لما قبضها زاد فيها زيادة من عنده: طاب له الفضل، لأن الربح يصير بإزاء الزيادة. مسألة: [خيار العيب للمستأجر] قال: (وإن استأجر دارا، فحدث فيها عيب بعد القبض يضر بسكناها: فهو بالخيار: إن شاء أمسكها، وإن شاء نقض الإجارة). لأنه بمنزلة عيب حدث بالمبيع قبل القبض؛ لأن قبض الدار لا يجعل المنافع في ضمانه إلا بمقدار ما يمكن استيفاؤه منها. ألا ترى أننها لو انهدمت: سقط عنه الأجر بمقدار ما لم يستوف. مسألة: [الضرر المجاور للفعل المأذون في غير مضمون] قال: (ولا ضمان على الحجام إن هلك المحجوم، وكذلك إذا استؤجر لتبزيغ دابة). لأن السراية الحادثة ليست من فعله، وهو مأذون له في الحجامة، ولا يضمن السراية. وليس هذا بمنزلة تخريق الثوب بالدق، فيضمنه، من قبل أن ذلك من جناية يده بالمباشرة في نفس ما يستحق عليه البدل، فكان مضمونا عليه. وحدوث السراية والموت عن الحجامة والتبزيغ ليس من فعله، فلا

стр. 1513

يضمنه، إذ لم تكن الحجامة نفسها مضمونة عليه، إذ هو مأذون فيها. مسألة: [ضمان الأجير المشترك] قال: (ولا ضمان على الأجير المشترك، إلا فيما جنت يداه في قول أبي حنيفة). وذلك لأن قبضه بإذن مالكه على غير وجه البدل، فصار كالوديعة، والمضاربة، وكالعبد المستأجر في يدي مستأجره. والأجر غير مستحق على الرقبة، ولا عن الحفظ، وإنما هو مستحق بدلا من المنافع. والدليل على أنه لم يستحق الأجر على الحفظ: أنه لو لم يعمله، ونفى عبده زمانا، ثم رده: لم يستحق شيئا من الأجر للحفظ، عدل على أن الأجر غير مستحق على الحفظ، ولا بدلا عن الرقبة؛ لأن الرقبة على ملك مالكها. وأيضا: قد اتفقوا في الأجير الخاص أنه لا يضمن ما يهلك في يده، فكان الأجير المشترك بمثابته، والمعنى الجامع بينهما أن الأجر غير مستحق على الحفظ في الناس، ولا عن الرقبة، وهو مقبوض بإذن المالك. وأيضا: لو كان الشيء مضمونا في يده، لضمنه بالموت كسائر المضمونات من المغصوب ونحوها. وقد وافقه أبو يوسف ومحمد انه لا يضمن بالموت، ولا بالحريق الغالب الذي لا يقدر على الامتناع منه، ولو كان مضمونا لضمنه في هذه الوجوه.

стр. 1514

فإن قيل: قول النبي ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترد": يوجب ضمانه حتى يخصه دليل. قيل له: لم يتناول لفظه هذا حال الهلاك، وإنما يتناول حال قيامه بعينه؛ لأنه قال: "عليها رد ما أخذت". * (وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن الأجير المشترك مما يمكن التحفظ منه، وما لا يمكن التحفظ منه: لا يضمنه). وروي عن علي ﵁ روايتان في الأجير المشترك: إحداهما: أنه يضمن، والأخرى: لا يضمن. وقيل: إنه يضمن احتياطا لأموال الناس، ويحتمل ان يكون الوجه الذي ضمن فيه إذا كان الهلاك من خيانه يده. فصل: [ضمان الأجير المشترك عند الجناية] وأما ما جنت يد الأجير المشترك، فإنه يضمنه وإن لم يكن متعديا فيه في قولهم. وقال زفر: لا يضمن ما جنت يداه إلا أن يخالف، وهو عنده في يده

стр. 1515

كالوديعة، لا يضمن إلا بما تضمن به الوديعة من الخلاف. والحجة لقولهم في ضمان ما جنت يداه وإن لم يخالف: أن الأجير لما كان مستحقا للأجر على العمل، كان العمل مضمونا، لأن عقود المعاوضات تقتضي الضمان، وإذا كان العمل مضمونا، كان ما حدث عنه مضمونا، لأن ما حدث من المضمون فهو مضمون. مسألة: [ما للمستأجر أن يأخذه إن ضمن الأجير] (وإذا وجب الضمان، فالمستأجر بالخيار: إن شاء ضمنه غير معمول، ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمته معمولا، وعليه الأجرة). وذلك لأن العمل لم يسلم له بعد، لأن الثوب لم يحصل في يده، فله أن لا يجعل العمل مضمونا على نفسه، فيضمنه قيمته غير معمول، وإن شاء جعل العمل مضمونا على نفسه، لانه قد حصل في ثوبه بأمره، فيضمنه قيمته معمولا، ويعطيه الأجر. فصل: [عدم ضمان الأجير الخاص إلا إن حالف] قال: (والأجير الخاص لا ضمان عليه في قولهم جميعا، والاجير الخاص هو الذي يستحق الأجر بمضي المدة مع التسليم). فيصير الشيء في يده كالوديعة. * (ولا يضمن ما جنت يداه، ما لم يخالف). لأن عمله غير مضمون، إذ كان الأجر مستحقا بالتسليم لا بالعمل. مسألة: [اختلاف الأجير المشترك وصاحب الثوب في رد الثوب] قال: (وإذا ادعى الأجير المشترك أنه رد الثوب على صاحبه: كان القول قوله في قول أبي حنيفة).

стр. 1516

لأنه أمين كالمودع، وكل من كان مؤتمنا في شيء، فالقول قوله. والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليود الذي اؤتمن أمنته وليتق الله ربه﴾، فوعظه في البخس، فدل على أن القول فيه قوله. (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يصدق). لأنه مضمون عليه عندهما كالغاصب، لا يصدق فيه على البراءة من الضمان، وكم له على رجل دين، فلا يصدق على القضاء. مسألة: [للأجير القائم عمله في الشيء حبس الشيء بالأجر] قال: (وللحائك والقصار ونحوهما أن يحبسا الثوب بالأجر، وليس للحمال والجمال والملاح الحبس). والأصل فيه: أن الأجر مستحق على العمل متى كان العمل قائما في الشيء المستأجر عليه، فله حبسه بالأجر، كما يحبس المبيع بالثمن. وعمل الحائك قائم في الثوب، وكذلك القصار تأثيره قائم في الثوب، فمن أجل ذلك كان له حبسه. وعمل الحمال غير قائم في المحمول، ولا تأثير له باق فيه، فلذلك لم يكن له حبسه. مسألة: [لزوم عقد الإجارة، ولا تنقض إلا بعذر] قال أبو جعفر: (وليس للمستأجر ولا للمؤجر نقض الإجارة إلا من عذر).

стр. 1517

قال أحمد: ومن السلف من يرى نقضها من غير عذر، وأحسبه قول شريح. وإنما لم يكن له نقضها من غير عذر، لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾. وقال النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم". وقال الله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾. فظاهره يقتضي وجوب استحقاق الأجر بالرضاع، سواء اختار الزوج فسخ الإجارة، أو لم يختر. مسألة: [أعذار تفسخ بها الإجارة] قال: (ومن عذر المستأجر: أن يفلس، فيقوم من السوق، ومن عذر المؤجر: أن يلحقه دين فيحتاج إلى الدار). والدليل على أن الإجارة تنقض بالعذر: أنه لو استأجر رجلا يقلع ضرسا له لوجع أصابه، أو علة، ثم برأ ضرسه، أن لا يجبر على قلعه ليستحق الأجر، وكان له فسخ الإجارة. وكذلك لو استأجر لهدم داره، ثم بدا له في هدمها، كان له فسخ

стр. 1518

الإجارة، فصار ذلك أصلا في فسخ الإجارة بالأعذار. ثم تختلف وجوه الأعذار، فتكون تارة بإفلاس المستأجر وقيامه من السوق، فيكون ذلك عذرا له في فسخها؛ لأنه لا يمكنه القعود في الحانوت، ولا الانتفاع به، فيلحقه ضرر ببقاء الإجارة من غير نفع، كالذي يستأجر لقلع الضرس: للمستأجر فسخ الإجارة، لما يلحقه من الضرر بقلعه. وكذلك قالوا في الرجل يكتري جمالا ليخرج عليها إلى بلد، أو يحمل عليها متاعه، فله أن يقعد ولا يوجه بالأحمال؛ لأن في خروجه تغريرا بنفسه وماله، وذلك غير مستحق عليه بعقد الإجارة. *قال: (فإذا لحق المؤجر دين: فذلك عذر في فسخ الإجارة). لأن الدين يستحق به بيع الرقبة، فهو أولى من المنافع المستحقة بعقد الإجارة، إذ ليس يستحق بها الرقبة. مسألة: [بيع المؤجر الدار قبل انتهاء مدة الإجارة] قال أبو جعفر: (ومن أجر داره، ثم باعها قبل انقضاء مدة الإجارة، فإن أبا حنيفة قال: للمستأجر منع المشتري منها، ونقض البيع عليه فيها، فإن نقضه كان منتقضا، ولم يعد بعد ذلك. قال: وروى محمد عن أبي حنيفة: أنه ليس للمستأجر نقض البيع، ولكنه إن أجاز البيع كان له في ذلك إبطال ما بقي من الإجارة. قال: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال: لا سبيل للمستأجر إلى نقض البيع، والإجارة فيها كالعيب، فإن علم بها المشتري فقد برئ البيع منه، وللمشتري قبض الدار بعد انقضاء الإجارة فيها.

стр. 1519

وإن لم يعلم بذلك، فهو الخيار: إن شاء نقض البيع للعيب، وإن شاء أمضاه). قال أحمد: وأما الرواية الأولى فلا وجه لها؛ لأن المستأجر لا حق له في نقض البيع، وإنما حقه استيفاء المنافع، وقد يمكنه أن يستوفيها من غير نقض البيع. ورواية محمد هي الصحيحة، فإن أجاز المستأجر البيع، فقد رضي بفسخ الإجارة، وإن لم يرض: كان للمشتري أن يفسخ البيع، لتعذر التسليم في الحال. وإن شاء صبر حتى تنقضي مدة الإجارة، فيأخذها، وهذا كرجل اشترى عبدا، فلم يقبضه حتى أبق، فله أن يفسخ لتعذر التسليم. مسألة: [ضمان الراعي] قال أبو جعفر: (والراعي فيما تلف منه كالصناع فيما تلف منهم، على ما ذكرنا من الاختلاف). قال أحمد: الراعي قد يكون أجيرا خاصا، وقد يكون أجيرا مشتركا، فإن وقعت الإجارة فيه على نفس الرجل في المدة، بأن قال: استأجرتك شهرا لرعي الغنم، فهذا أجير خاص، وليس له أن يرعى لغيره. فإن قال: ارع هذا الغنم شهرا بدرهم، فهو أجير مشترك، وله أن يرعى لغيره، كالرجل يقول لآخر: استأجرتك شهرا لصبغ الثياب وخياطتها، فهذا أجير خاص.

стр. 1520

ولو قال: اصبغ لي هذه الثياب، وخطها لي بدرهم: كان مشتركا. ويعتبر ذلك أن ينظر إلى المعنى الذي يستحق به الأجر ما هو؟ فإن كان إنما يستحقه لتسليم نفسه في المدة إليه: استعمله أو لم يستعمله: فهذا أجير خاص، وإن كان لا يستحق الأجر إلا بالعمل وإن سلم نفسه إليه: فهذا أجير مشترك. مسألة: [إجارة الحانوت] قال أبو جعفر: (ومن استأجر حانوتا ولم يسم شيئا: فالإجارة جائزة، ولا يقعد فيها حدادا ولا قصارا ولا طحانا). وإنما جازت الإجارة؛ لأن منافع الحانوت لا تختلف ولا تتفاوت، وهذه الأشياء المضرة بالبناء مستثناة من عقد الإجارة بالعرف، والمتعارف كالمنطوق به، وفي عادة الناي أنهم متى أرادوا استئجارا للقصارة والطحن وعمل الحديد بينوه، فصار ذلك مستثنى، وما عدا ذلك من منافع الحانوت فغير مختلف فيه، فلذلك جازت الإجارة. مسألة: [إجارة المشاع] قال أبو جعفر: (ولا تجوز إجارة المشاع إلا من الشريك في قول أبي حنيفة). قال أحمد: وسواء ذلك فيما يقسم، أو ما لا يقسم، وذلك لأن الانتفاع بالمشاع غير ممكن، لاستحالة سكنى نصف دار مشاع، واستخدام نصف عبد دون النصف الآخر، فلما امتنع استيفاء المنافع على المشاع لم يصح عقد الإجارة، إذ كان من شرائط عقد الإجارة إمكان التسليم.

стр. 1521

فإن قيل: يمكنه استيفاؤها بالمهايأة. قيل له: ليست المهايأة من موجب عقد الإجارة؛ لأنها لو كانت من موجب العقد، لما خلا عقد الإجارة من إيجاب مهايأة، وإذا لم تكن المهايأة من موجب العقد: لم تجب، وإذا لم تجب: لم يصخ العقد، لتعذر استيفاء المنافع. قال أحمد: ولم يختلف أصحابنا في بطلان الرهن المشاع فيما يقسم، وفيما لا يقسم، وقد بينا مسألة الرهن فيما سلف. وأما هبة المشاع فيما لا يقسم، فإنما جازت من قبل أنه لا ينافي القبض إلا على هذا الوجه، فسقط اعتبار الحيازة فيه، وليس شرط صحة الملك وجود الحيازة فيه والقسمة. ألا ترى أنه قد يصح له ملك المشاع بالشراء، والميراث، والوصية، ونحوها، فلذلك جازت فيما لا يقسم من المشاع. وفارقت الإجارة من قبل أن الإجارة عقد على المنافع، ولا سبيل له إلى استيفائها على المشاع، فلم يختلف حكم ما يقسم، وما لا يقسم فيها. *وأما إذا آجره من شريكه: فهو جائز؛ لأنه يصل إلى الانتفاع بها من غير مهايأة. * (وقال أبو يوسف ومحمد: تجوز الإجارة ويتهايآن فيها). كمن استأجر أرضا أو دارا، ولم يشرط له الشرب والطريق: كان له الشرب والطريق، إذ لا يصل إلى الانتفاع بهما، فصارا موجبين بعقد

стр. 1522

الإجارة، لتعلق صحتها بهما، كذلك المهايأة. فصل: [موت أحد المالكين للدار المستأجرة] (ومن استأجر دارا من رجلين، ـ فمات أحدهما، فانتقضت الإجارة في حصته: لم تنتقض في حصة الحي). قال أحمد: لا خلاف بينهم في جواز استئجار دار من رجلين، وإن كان كل واحد منهما أجر نصيبه مشاعا، من قبل أن العقد وقع صفقة واحدة توجب خروج المنافع من ملكهما إلى المستأجر في حال واحدة، وهو يصل إلى الانتفاع بها من غير مهايأة. وكذلك لو أجر رجل من رجلين دارا: جاز؛ لأن المنافع خرجت من ملكه إليهما في صفقة واحدة، وإنما يحتاجان هما إلى المهايأة فيما بينهما بعد صحة عقد الإجارة، إذ كان عقد الإجارة يتناول منافع غير مشاعة. ألا ترى أنه يجوز بيع عبدين، أو إجارة دارين صفقة واحدة وإن لم يسم لكل واحد شيء، وإن كان لو أفرد كل واحد منهما، فعقد عليه بالحصة: لم يصح العقد، ثم جاز إذا وقع العقد صفقة واحدة. وإذا صح ما قلنا، ثم مات أحد المؤجرين: لم تنتقض الإجارة في نصيب الآخر، وإن لم يصح ابتداء عقد إجارة على المشاع لغير الشريك في قول أبي حنيفة. وذلك لأن الإجارة قد صحت بدءا، وصح تسليم الدار إليهما، فلم ينتقض العقد في نصيبه، لأجل انتقاضه في نصيب الميت. ألا ترى أنه لو اشترى عبدين بألف درهم، ثم مات أحدهما قبل القبض: لم ينتقض البيع في الباقي وإن نفى حصته من الثمن، وهو مجهول، ومع ذلك لا يصح ابتداء العقد على الصحة.

стр. 1523

مسألة: [زمن استحقاق أجر حمال المتاع] قال أبو جعفر: (ومن استأجر رجلا على أن يحمل له شيئا مسافة معلومة، فحمله، ثم طالبه بأجر ما حمله من المسافة التي استأجره على حمله إليها: فليس عليه أن يعطيه شيئا من الأجرة حتى يستوفي منه الحمولة كلها). قال أحمد: هذا خلاف قولهم؛ لأن المشهور من قولهم أنه يستحق الأجرة بمقدار ما سار. وإن هلكت الحمولة بعد الحمل من غير عمل الأجير: كان له الأجر كاملا في قول أبي حنيفة، ولا ضمان عليه. وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضمنه قيمته في الموضع الذي ضاعت فيه، ويعطيه الأجر، لأنهما يريان ضمان الأجير المشترك. وهو قولهم في سائر ما ليس للأجير حبسه، وهو الملاح، والجمال، والحمال، وكل من لم يكن لعمله أثر قائم في المعمول. وإنما يكون للمستأجر أن يسقط الأجر عن نفسه: إذا هلك من عمل الأجير في بعض الطريق، نحو أن ينكسر المحمول من حمله، أو تغرق السفينة من مده، أو ما جرى مجرى ذلك مما يوجب الضمان، فيكون للمستأجر الخيار: أن يضمنه إن شاء قيمته في الموضع الذي حمله منه، ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمته في الموضع الذي تلف فيه من عمله،

стр. 1524

ويعطيه الأجر بحسابه. والجواب الذي ذكره أبو جعفر إنما هو في القصار، والصباغ، والخياط، ونحوهم ممن يكون لعملهم تأثير قائم في المعمول، فيكون للأجير حبسه بالأجر، ولا يستحق شيئا من الأجر حتى يسلم العمل. فإن هلك قبل أن يسلمه من غير عمله: لم يضمن في قول أبي حنيفة، ولا أجر له؛ لأن العمل كان محبوسا بالأجر، كالمبيع محبوس في يد بيعه بالثمن، إذا هلك: هلك بالثمن. *وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضمن فإن ضمنه معمولا: استحق الأجر، وإن ضمنه غير معمول: لم يستحق. مسألة: [زمن استحقاق أجر من حمل على ظهره] قال أبو جعفر: (ولو كانت الإجارة على حمل الرجل بنسفه: استحق الأجر بمقدار ما سار). قال أحمد: لا فرق بين هذا الوجه، وبين الإجارة على حمل الرجل، وحمل المتاع، في أنه يستحق الأجر بحساب ما سار، وإنما يختلفان من جهة أخرى، وهي أن الدابة لو وقعت، فعطب الرجل من سوق الأجير من غير تعد: لم يضمن الأجير شيئا، ولو كان بدل الرجل متاع محمول، فعطب من سوقه: ضمنه. وإنما يفترق حكم الإجارة على حمل الرجل، وعلى حمل المتاع من هذا لوجه الذي ذكرنا، لا من الوجه الذي ذكره أبو جعفر. وكذلك سبيل بني آدم كلهم، أحرارهم وعبيدهم، لا يضمن الأجير منهم من عطب من سوقه الدابة إذا لم يكن منه تعد، وإنما يختلف حكم بني آدم، والأمتعة من هذا الوجه، من قبل أنه لو ضمن ابن آدم بما تولد

стр. 1525

من فعله من هذا الوجه، كان ضمانه ضمان الجنايات، وكان يجب أن يكون على العاقلة، وضمان الجنايات لا يستحق بالعقود. وهذا الضرب من الضمان متعلق بالعقد، ألا ترى أنه لو أمر رجلا بسوق دابته، وعليها متاع من غير أجر شرط، فساقها فعطبت الدابة، وهلك المتاع: أنه لا ضمان على السائق؛ لأن فعله غير مضمون عليه، إذ كان بإذن مالك الدابة، ولم يستحق عليه أجر. وكذلك لو أمر راكب الدابة رجلا بسوق دابته، وليس بأجير، فساقها فعطبت، وعطب الرجل: لم يضمن السائق شيئا؛ لأنه ساقها بإذنه، فلو ضمناه في مسألة الإجارة، لتعلق ضمانه بالعقد، وضمان الجنايات لا يستحق بالعقود. وأما المتاع فإنه مما يصح ضمانه بالعقود، ألا ترى أن المبيع بيعا فاسدا: يكون في ضمان المشتري بالقبض عن العقد. وكذلك الرهن في يدي المرتهن، والمقبوض على وجه السوم، فيصير المبيع مضمونا على البيع بالعقد إلى أن يسلمه إلى المشتري، فلذلك اختلفا فيما ذكرنا. *وهذا الذي ذكرنا من جواب هذه المسائل قول أصحابنا على ما وصفنا، قد ذكره محمد في مواضع من الكتب، والذي ذكره أبو جعفر قد روي نحوه عن أبي يوسف في الإملاء، وفي الجوامع، والمشهور

стр. 1526

عنهم ما ذكرناه. *وفد قال في الأصل: إذا استأجر حمالا يحمل له شيئا من السوق إلى أهله: لم يعطه الأجر حتى تبلغ الحمولة إلى أهله. وليس هذا بمخالف لما قلنا، من قبل أن هذا القدر من المسافة لا يمكن أن يقال فيها: أعطه الأجر بحساب ما سار، إذ ليس يكاد يضبط ذلك. وهذا كما قالوا في الدار أنه يستحق أجر يوم بيوم، لا على معنى أنه لا يستحق الأجر في بعض اليوم، فلا يطالب به، ولكنهم ذكروا ذلك للقدر، استيفاء أجر كل جزء من الوقت، فكما قدروا فرض نفقة المرأة شهرا بشهر. وأيضا: يجوز أن يكون قال ذلك في الحمال يحمل الشيء من السوق إلى أهله، أنه لا يعطيه الأجر حتى يبلغ إلى أهله، لجريان العادة بمثله في الحمال، فصار ذلك كالنطق به. وكما أنه لو أمره بالحمل، ولم يشرط له أجرا: استحق الأجر، لجريان العادة به، فصار كالمنطوق به. مسألة: [زمن استحقاق أجر حفار البئر] قال أبو جعفر: (ومن استأجر رجلا على حفر بئر في مكان أراه إياه، ووصف له سعتها، وعمقها، بأجرة معلومة، فحفر له بعضها، ثم طالبه بأجر ما حفر: لم يكن عليه أن يدفع شيئا من أجرتها حتى يفرغ له منها). قال أحمد: هذا على وجهين: إذا كانت في ملكه استحق الأجرة بمقدار ما حفر؛ لأنها لو انهارت بعد ما حفر: لم يسقط عنه أجر ما حفر،

стр. 1527

لأنه مسلم لكل جزء من العمل بعمله، إذ كانت في ملك المستأجر، وفي يده. فإن كانت البئر ليست في ملك المستأجر، ولا في يده: فإنه ينبغي أن لا يستحق الأجر حتى يفرغ منه، سواء أراه الموضع الذي يحفرها فيه بعينه، أو لم يره. ألا ترى أنها لو انهارت بعد ما حفر بعضها، أو جميعها: لم يستحق شيئا من الأجر. وهذا الذي ذكرنا في التسوية من أن يريه الموضع، أو لا يريه: أنه لا يستحق الأجر إذا انهارت قبل التسليم رواية هشام عن محمد. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إن أراه الموضع، فهو بمنزلة ما في يده، ويحصل الحفر في ضمانه، وإن لم يره: لم يكن في ضمانه حتى يسلمه. فينبغي في الموضع الذي يصير الحفر من ضمانه: أن يستحق الأجر بقدر الحفر، وفي الموضع الذي لا يصير الحفر في ضمانه: ينبغي أن لا يستحق الأجر حتى يحفر الجميع.

стр. 1528

كتاب المزارعة مسألة: [جواز استئجار الأرض للزرع بما تستأجر به الجور] قال أبو جعفر: (وما جاز أن تستأجر به الدور وغيرها من دراهم أو دنانير أو مكيل أو غيره: جاز استئجار الأرض به للزرع). وذلك لقول النبي ﷺ : "من استأجر أجيرا فليعلمه أجره". يقتضي عمومه جواز الإجارة بأجر معلوم في الأرضين وغيرها. ويدل عليه أيضا: قوله ﵊: "أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". وقال سعد بن أبي وقاص: "كنا نكري الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما على السواقي من الزرع، وبما صعد بالماء عنها، فنهى رسول الله عن ذلك، ورخص لنا أن نكريها بالذهب والورق". وإذا جازت إجارتها بالذهب والورق: جازت سائر الأشياء المعلومة؛

стр. 1529

لأن أحدا لم يفرق بينهما، وخص الذهب والورق بالذكر من بين سائر ما تستأجر به الأرضون؛ لأنهما أثمان المبيعات، وما يجرب عليه التعامل من الأموال. قال أحمد: وكل ما جاز أن يكون ثمنا في البيع: جاز أن يكون أجرة في الإجارات، وما لا يجوز أن يكون ثمنا في البيع لأجل جهالته: لم يجز أن يكون أجرة؛ لأن النبي ﷺ حين قال: "من استأجر أجيرا، فليعلمه أجره". نفى به الجهالة عنها، كما نفى الجهالة عن المبيعات وأثمانها بقوله: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم". مسألة: [مدة استئجار الأرض للزرع] قال أبو جعفر: (ولا بأس باستئجار الأرض للزرع إلى طويل المدة وقصيرها بعد أن يكون معلوما). وذلك لحديث سعد الذي قدمناه: "ورخص لنا أن نكريها بالذهب والورق": ولم يفرق فيه بين الطويل المدة وقصيرها. وكما جازت إجارة سائر العقار بطويل المدة وقصيرها. مسألة: [جواز استئجار الأرض للزرع إن أمكن تسليم منافعها] قال أبو جعفر: (ولا بأس باستئجارها للزرع قبل ريها بعد أن تكون

стр. 1530

معتادة الري في مثل المدة التي تعقد الإجارة عليها فيها). قال أحمد: إذا كانت مما يمكن تسليمها للمنافع: جاز عقد الإجارة عليها، كالمبيعات إذا أمكن تسليمها: جاز عقد البيع عليها. مسألة: [الأجر مستحق للمنافع] قال أبو جعفر: (فإن لم يأتها الماء التي تزرع به: لم تجب عليه فيها أجرة). وذلك لأن الأجر مستحق للمنافع، والمنافع متعذرة مع انقطاع الماء: فلم يصح التسليم، كما لو غصبها غاصب ومنعه الزراعة: لم تلزمه أجرة. مسألة: [لو لم يكف الماء في الأرض لكل الزرع] قال أبو جعفر: (فإن كان إنما جاء من الماء ما يزرع به بعض الأرض: فالمستأجر بالخيار: إن شاء نقض الإجارة، وإن شاء زرع ما أمكنه منها، وأعطاه الأجر بحساب ما زرع). قال أحمد: وإنما كان له الخيار لتفرق الصفقة عليه؛ لأنه قد استحق تسليم الجميع إليه جملة، فإذا تفرقت عليه الصفقة: كان له الخيار في فسخ الإجارة، كرجل اشترى عبدين، فمات أحدهما قبل القبض. وإن زرع: كان له الأجر بحسابه، كالعبدين إذا مات أحدهما قبل القبض: يأخذ الباقي بحصته من الثمن. مسألة: [المزارعة على جزء مما تخرج الأرض] قال أبو جعفر: (ولا بأس بالمزارعة على جزء من أجزاء ما يخرج من الأرض في قول أبي يوسف ومحمد، ولا يجوز ذلك في

стр. 1531

قول أبي حنيفة). قال أحمد: مخالفو أبي حنيفة في ذلك فريقان: أحدهما: أبو يوسف ومحمد، وهما يجيزان المزارعة والمساقاة جميعا. والآخر: مالك والشافعي، وهما يجيزان المساقاة والمزارعة في الزرع الذي يكون بين النخل، ولا يجيزان المزارعة في أرض بيضاء ليس فيها نخل. وأما حجة أبي حنيفة في إبطال المساقاة، فقد تقدمت جملة من القول فيها، ونحن نذكر هاهنا ما يدل على صحة قول أبي حنيفة في إبطال المزارعة، وينتظم بعض ما نذكره إبطال المساقاة أيضا. فأما ما ينتظم الأمرين جميعا بالإفساد: فهو قول النبي ﷺ : "من استأجر أجيرا، فليعلمه أجره"، والعامل في النخل والزراعة أجير، بدلالة اتفاق الجميع من مجيزيها أنها لا تصح إلا بوقت معلوم.

стр. 1532

ولا خلاف أن الإجارة لا تصح بما تخرجه هذه النخلة، لنخلة لم يشرط عليه عملها. وكذلك إذا شرط له نصف ثمرة النخل الذي شرط عليه عمله. وهذا الخبر ينتظم إفساد المزارعة والمعاملة جميعا بجهالة الأجر فيهما. *ومن الألفاظ التي تنتظم إفسادهما جميعا: قول النبي ﷺ لرافع بن خديج في الأرض: "لا تستأجرها بشيء منها". والثمرة في الأرض، كما أن الحب من الأرض، فمن حيث دل على فساد المزارعة، دل أيضا على فساد المساقاة. *ومما يدل على فسادهما جميعا: حديث ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن جابر "أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة". وقال ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لم يذر المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله". وروى جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن زيد بن ثابت قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة".

стр. 1533

والمخابرة اسم يتناول المساقاة والمزارعة جميعا. ذكر أبو عبيد أن المخابرة عند العرب هي المزارعة بالنصف والثلث. قال: والمخابرة هي المؤاكرة أيضا، ولذلك سمي الأكار أكارا؛ لأنه يؤاكر الأرض. قال أحمد: والمؤاكرة تتناول النخل والزرع جميعا، فيشتمل عليهما لفظ النهي. وذكر القتيبي عن ابن الأعرابي: أن المخابرة اسمها مشتق من أمر

стр. 1534

خيبر، قال ابن الأعرابي: ثم صارت بعد ذلك لغة، فقيل للأكار العامل: خيبر. قال أحمد: ومعلوم أن عظم ما عقد النبي ﷺ على أهل خيبر العمل فيه: كان النخل، فدل أن المخابرة اسم يتناول المساقاة، فوجب أن تبطل بعموم نهيه عن المخابرة. فإن قيل: لم نرهم يشتقون من المواضع اسما للأفعال، ولا يجوز أن يكون اسم المخابرة مشتق من خيبر. قيل له: قد أجاز ذلك على الأعرابي، وهو مقبول القول في اللغة. وأيضا: قد وجدناهم يقولون: بدا الرجل: إذا صار إلى البدو. وقال الله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾. ويقولون: أعرق الرجل: إذا أتى العراق، وأنجد: إذا أتى نجدا، وأتهم: إذا أتى تهامة، وذلك مشهورا في لغتهم، فليس يمتنع أن يسموا المساقاة مخابرة، اشتقاقا من قصة خيبر.

стр. 1535

*وقد روي عن النبي ﷺ أخبارا أخر تختص بإفساد المزارعة، وهي ما رواه رافع بن خديج، وثابت بن الضحاك، وجابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ نهى عن المزارعة بالثلث والربع". تركت ذكر أسانيدها كراهة الإطالة، ولأنها أخبار مشهورة. وقال محمد بن المنكدر عن جابر "نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض إلا بذب أو فضة". وقال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر سمعت جابر بن عبد الله يقول: " حرم رسول الله ﷺ كراء المزارع". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا عمرو بن يحيى الأسواري قال: حدثنا مخلد بن يزيد عن بكير بن عامر عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن رافع بن خديج قال: "مر بي رسول الله ﷺ وأنا أزرع من البقول، فقال: ما هذا؟ فقلت: بذري، وما لي إلا الشطر، ولآل فلان الشطر، قال: أربيت، رد الأرض إلى أهلها".

стр. 1536

فدل هذا الخبر على فساد المزارعة من وجهين: أحدهما: نهيه ﵊ عنها. والثاني: أنه سماها: ربا، فوجب تحريمها بقوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾. *وهذه الأخبار الموجبة للنهي عن المزارعة، تقضي بفساد قول من أجازها في الأرض البيضاء، وبفساد قول من أجازها في الزرع بين النخل، إذ لم تفرق هذه الآثار بين شيء منها. فإن قال قائل: الذي تناوله النهي من المزارعة في هذه الأخبار، ما بين في أخبار أخر، وهو ما روي عن رافع بن خديج أنه قال: "كنا نزارع بالثلث والربع، وما نبت على السواقي، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك". وقال في خبر آخر: "ونشترط على الأكرة ما سقى الماذيان، والربيع،

стр. 1537

وما سقت الجداول، وكذا وكذا، يعني سواقيهم قبلكم، فربما هلك هذا، وسلم هذا، فسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فنهانا عنه". "وإن ابن عباس ذكر له حديث رافع بن خديج عن النبي ﵊ في النهي عن المزارعة فقال: إن رسول الله ﷺ لم ينهه عنها، ولكنه قال: "يمنح أحدكم أرضه، خيرا له من أن يأخذ عليه خراجا معلوما". وقال زيد بن ثابت: أنا والله أعلم بالحديث من رافع بن خديج: "إنما أتى النبي ﷺ رجلان قد اقتتلا، فقال النبي ﷺ : إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع، فسمع رافع: لا تكروا المزارع". فثبتت هذه الأخبار جهة النفي، وإنما تناولتها في حال إذا شرط لأحدهما زرع موضع بعينه، وفي حال تناولتها على جهة الندب دون الإيجاب. قيل له: ليس في شيء من هذه الأخبار ما يعترض على عموم الأخبار

стр. 1538

الواردة في النهي مطلقة، وذلك لأن نهيه عن المزارعة إذا شرط لأحدهما زرع موضع بعينه، لا ينفي عموم نهيه عن المزارعة في هذا الضرب منها، وفي غيره. وهذا كما روي عن ابن عباس "أن الذي نهى رسول الله ﷺ عن بيعه قبل قبضه، إنما هو طعام. وقال ابن عباس: ما أرى كل شيء إلا مثله". ثم لم يمنع استعمال عموم الألفاظ الواردة في النهي عن بيع ما لم يقبض؛ لأن الخبرين جميعا إنما وردا في النهي عن البيع قبل القبض، إلا أن أحدهما أخص من الآخر فيما تناوله، فلا يوجب ذلك تخصيصا، فكذلك قلنا في نهيه عن المزارعة أنه على العموم. *وتبطل أيضا المزارعة إذا شرط الربيع والماذيان بالخبر الآخر، وبعموم نهيه عن المزارعة. *وأما قول ابن عباس أن النبي ﷺ لم ينه عنها: فلا يقضي على رواية من روى عن النبي ﷺ النهي عنها. ولا يجوز لنا إبطال ما ثبت عن النبي بقول عن غيره. *وأما قول زيد بن ثابت: أن ذلك كان في رجلين اقتتلا، فقال النبي ﵊: إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع: فإن هذا لا يدل على الجواز، ولا يوجب تخصيص أخبار النهي المطلق؛ لأن أكثر ما

стр. 1539

فيه: أنه نهى عنها إذا كانت الحال ما ذكر من الخصومة والقتال، ولا ينفي ذلك نهيه عنهما على الإطلاق بالأخبار الأخر. فإن قال قائل: قد دفع النبي ﷺ خيبر إلى اليهود بشطر ما يخرج من ثمرة أو زرع، وقد نقل الناس نقلا متواترا عنه يوجب العلم والعمل، فهو أولى من الأخبار التي رويتها في النهي عن المزارعة والمخابرة، إذا كانت من أخبار الآحاد. ولأن شرط النبي ﷺ ، وعهده معهم على ذلك، كان قائما إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب، وما كان هذا شرطه: فلا يجوز الاعتراض عليه بأخبار الآحاد، مع ثبوته عن النبي ﷺ بالتواتر، واتفاق السلف على ثبوت حكمه أيام أبي بكر ﵁، وبعض أيام عمر ﵁. [الجواب عن الاستدلال بقصة خيبر على جواز المزارعة:] قيل له: لا يجوز أن يكون أمر خيبر أصلا لما اختلفا فيه من المزارعة بين المسلمين، وذلك لأن أهل خيبر كانوا فيئا؛ لأن النبي ﷺ طهر عليهم عنوة، وقسم أموالهم، ثم عاقدهم النبي ﷺ على العمل في النخل والزرع بنصف الخارج، فلم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن بقاهم على حكم الفيء، فكانوا عبيدا للمسلمين، أو يكون جعلهم ذمة، وأقرهم على الأرضين. فإن كانوا مبقين على حكم الفيء: فهم بمنزلة العبيد، ويجوز لمولاهم

стр. 1540

أن يعطيهم أرضا، ويشرط لهم نصف الخارج، كما يجوز أن يجبرهم على العمل، ويعطيهم مقدار النفقة من الخارج. وإن كان جعلهم ذمة: فالمأخوذ منهم من نصف الخارج كان على وجه الجزية. وهذا أيضا يجوز عندنا في كلا الوجهين اللذين يحتملان قصة خيبر، نحن نقول بهما، وذلك معدوم فيما بين المسلمين في العقود التي سبيلها نفي الجهالات عندنا. ألا ترى "أن النبي ﷺ وضع على أهل نجران مؤنة رسله عشرين يوما، وجعل عليهم عارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، إذ كانت تجوز الثمن، مع ما شرط عليهم من الحلل". وجميع ذلك جزية، ومثله لا يجوز في عقود المسلمين فيما بينهم. *ومما يدل على أن ما شرط من نصف الثمر، ومن الزرع، كان على وجه الجزية: أنه لم يرو في شيء من الأخبار أن النبي ﵊ أخذ منهم الجزية إلى أن مات، ولا أبو بكر، ولا عمر ﵄، إلى أن أجلاهم، فلو لم يكن ذلك جزية، لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية.

стр. 1541

ويدل على أن أمر خيبر ليس بأصل فيما اختلفنا فيه: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن موسى بن هلال قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: "لما فتحت خيبر، سأل يهود رسول الله ﷺ أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر، فقال رسول الله ﷺ : أقروهم فيها على ذلك ما شئنا، فكانوا فيها كذلك حتى أخرجهم عمر". وفي أخبار أخر: "أن النبي ﷺ قال لليهود: أقركم ما أقركم الله". ولا خلاف بين أهل العلم أن المساقاة والمزارعة إذا لم يكن لهما وقت معلوم: لم تجز واحدة منهما، وأنهما لا تجوزان على الشرط الذي ذكر في أمر خيبر من قوله: "أقركم فيها ما شئنا"، "وأقركم فيها ما أقركم الله". فدل أنه ليس بأصل لما اختلفنا فيه، إذ كانت المزارعة والمساقاة عند مجيزهما ضربا من الإجازة لا تجوزان إلا مؤقتتين بوقت معلوم. فإن قال قائل: لو كان النبي ﷺ أقرهم على أملاكهم، وأخذ منهم نصف الثمار على جهة الجزية، لما جاز إخراجهم

стр. 1542

عنها، فقد أجلاهم عمر. قيل له: لأن النبي ﷺ أقرهم عليها على شرط، وهو قوله: "أقركم فيها ما شئنا"، وقد يجوز عندنا مثل ذلك فيمن نقر له، ونمن عليه من أهل الذمة إذا شرطنا عليهم مثل هذا الشرط. *ويقال لمن أجاز المزارعة في الأرض التي بين النخل، ولم يجزها في الأرض البيضاء التي ليس فيها نخل، لم قلت ذلك المعنى الموجب للفرق بينهما؟ فإن قال: لأني أنا أجيز المساقاة والمزارعة على حسب ما ورد به الأثر من أمر خيبر، فلم يرد إلا على هذا الوجه. قيل له: ومن أين قلت إن حال خيبر كان على ما قضيت من أن زرعها كان بين النخل؟ فإن ادعى في ذلك رواية- تعذر عليه إثباتها- فيقال له: هلا استدللت بأمر خيبر على جواز المزارعة في الأرض البيضاء، إذ كانت خيبر في سعة أرضها، وكبرها، لا يخلو من أن تكون فيها أرض بيضاء للزراعة، على حسب ما قد شاهدنا في البلدان الكبار ورساتيقها. فإن منع أن يكون في خيبر أرض بيضاء، وزعم أن النخل قد كان طبق أرضها، حتى لم يبق فيها أرض بيضاء تزرع على حيالها: كابر؟، وقيل له: ما أنكرت ممن قال: إن أرض خيبر على قسمين: قسم منها كانت

стр. 1543

نخلا بلا زرع بينها، وقسم منها كانت أرضا بيضاء، ولا نخل فيها، فلا أجيز المزارعة إلا في الأرض البيضاء، ولا أجيزها في الزرع بين النخل، لأن خيبر كذا كانت. ثم لا تكون أنت أسعد بدعواك منه بدعواه هذه، بل دعواه هذه أقرب إلى الصواب، إذ ليس يمتنع أن تكون النخل على حدة، والزرع على حدة في كثير من المواضع، ويمتنع أن يوجد كثير من الضياع، والقرى لا يوجد فيها أرض بيضاء للزراعة. وإذا ثبت أن في أرض خيبر: ما كانت تزرع على حيالها، ثم أعطاهم النبي ﷺ الجميع بنصف ما يخرج من ثمر أو زرع، فقد ثبت أن النبي ﷺ قد أجاز المزارعة بينه وبين أهل خيبر في الأرض، فينبغي أن يجيزها، إذ لم يختلف الرواة أن النبي ﷺ شرط عليهم نصف الثمرة، ونصف الزرع. فإن قيل قائل: ما ذكرت من تقسيمك أمر خيبر على وجهين، وأنهم إما أن يكونوا كانوا عبيدا مبقين على حكم الفيء، وأن مثل ذلك جائز فيما بيننا وبين عبيدنا. أو أن يكون جعلهم ذمة، وأقرهم على أملاكهم إلى مدة ما، وأخذ منهم شطر الثمار والزرع على وجه الجزية، فإنه قد ذكر فيه قسم ثالث يجوز أن يكون الأمر كان عليه.

стр. 1544

وهو ما روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض، والزرع، والنخل، فقالوا: يا محمد: دعنا نكون في هذه الأرض، نصلحها، ونقوم عليها". فجائز أن يكون أقرهم عليها على وجه الصبح. قيل له: وأحسب الأمر كذلك، فإن مثله لا يكون أصلا للزراعة والمساقاة فيما بين أهل الإسلام؛ لأنا نجيز مثل هذا الصلح فيما بيننا، وبين أهل الحرب. وهذا الخبر يدل على صحة ما قلنا، من أن أمر خيبر ليس بأصل فيما ذكرنا؛ لأنه صالحهم وهم متحصنون، فحقن دماءهم بما شرط عليهم من نصف الثمار، وهذا أيضا في معنى الجزية. وإذا كانت حال خيبر على ما وصفنا: لم يصح الاحتجاج به لمخالفنا في المساقاة والمزارعة بين المسلمين. *وما ذكره السائل من أن ورود أمر خيبر من جهة التواتر، وأنه لا يجوز الاعتراض عليه بأخبار الآحاد: فكلام فارغ لا معنى له؛ لأنا لم نعلم أن أمر خيبر منسوخ، بل هو ثابت جائز إذا كان الحال مثل حال أهل خيبر، من أخذ على وجه الجزية، أو على جهة حقن دم من حصل في أيدينا على وجه الفيء، أو على جهة الصلح بيننا وبين أهل الحرب.

стр. 1545

واستعملنا مع ذلك الأخبار الواردة في النهي عن المخابرة والمزارعة، ولم نبطلها لأجل ما ذكرنا من أمر خيبر، إذ لو لم ترد هذه الأخبار التي فيها النهي، لما لزمنا قياس عقود المسلمين في الإجارات على قصة خيبر، لما بينا أن كل واحد منها أصل برأسه، لا يقاس على غيره. *ومما يجل على أن أمر خيبر مخصوص في أهل الحرب، لا يقاس عليه سائر العقود التي فيما بين أهل الإسلام: أن القائلين بالمساقاة والمزارعة لم يقيسوا عليها جواز دفع الغنم إلى الراعي بنصف ألبانها وأولادها. ولو كان أمر خيبر أصلا في هذه العقود، لما اختلف حكم الغنم في دفعا إلى الراعي بنصف النماء، ودفع النخل إلى العامل بنصف الثمار. وامتنع الشافعي من إجارة المساقاة إلا في النخل والكرم، ولم يجزها في سائر الشجر، وعلى أن في الخبر أن النبي ﷺ دفع إليهم الأموال بالنصف، وذلك يقتضي دخول سائر الشجر؛ لأنه يمتنع في العادة أن يخلو مثل خيبر ألا يكون فيها شجر غير النخل، وظاهر ذلك يقتضي دخول الشجر في المساقاة لأهل خيبر. وعلى أن خيبر لم يكن فيها كرم، وقد أجازها المخالف على الكرم، فيلزمه مثله في سائر الشجر. وأيضا: لما وافقنا مالك والشافعي على بطلان المزارعة في الأرض البيضاء، وكان المعنى فيها: شرط بعض الخارج بدلا من عمله، وذلك موجود في المساقاة، وجب أن يكون مثلها، وتعديها
следующие страницы →