Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
ويدل على أن أمر خيبر ليس بأصل فيما اختلفنا فيه: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن موسى بن هلال قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر قال:
"لما فتحت خيبر، سأل يهود رسول الله ﷺ أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر، فقال رسول الله ﷺ : أقروهم فيها على ذلك ما شئنا، فكانوا فيها كذلك حتى أخرجهم عمر".
وفي أخبار أخر: "أن النبي ﷺ قال لليهود: أقركم ما أقركم الله".
ولا خلاف بين أهل العلم أن المساقاة والمزارعة إذا لم يكن لهما وقت معلوم: لم تجز واحدة منهما، وأنهما لا تجوزان على الشرط الذي ذكر في أمر خيبر من قوله: "أقركم فيها ما شئنا"، "وأقركم فيها ما أقركم الله".
فدل أنه ليس بأصل لما اختلفنا فيه، إذ كانت المزارعة والمساقاة عند مجيزهما ضربا من الإجازة لا تجوزان إلا مؤقتتين بوقت معلوم.
فإن قال قائل: لو كان النبي ﷺ أقرهم على أملاكهم، وأخذ منهم نصف الثمار على جهة الجزية، لما جاز إخراجهم
стр. 1542
عنها، فقد أجلاهم عمر.
قيل له: لأن النبي ﷺ أقرهم عليها على شرط، وهو قوله: "أقركم فيها ما شئنا"، وقد يجوز عندنا مثل ذلك فيمن نقر له، ونمن عليه من أهل الذمة إذا شرطنا عليهم مثل هذا الشرط.
*ويقال لمن أجاز المزارعة في الأرض التي بين النخل، ولم يجزها في الأرض البيضاء التي ليس فيها نخل، لم قلت ذلك المعنى الموجب للفرق بينهما؟
فإن قال: لأني أنا أجيز المساقاة والمزارعة على حسب ما ورد به الأثر من أمر خيبر، فلم يرد إلا على هذا الوجه.
قيل له: ومن أين قلت إن حال خيبر كان على ما قضيت من أن زرعها كان بين النخل؟
فإن ادعى في ذلك رواية- تعذر عليه إثباتها- فيقال له: هلا استدللت بأمر خيبر على جواز المزارعة في الأرض البيضاء، إذ كانت خيبر في سعة أرضها، وكبرها، لا يخلو من أن تكون فيها أرض بيضاء للزراعة، على حسب ما قد شاهدنا في البلدان الكبار ورساتيقها.
فإن منع أن يكون في خيبر أرض بيضاء، وزعم أن النخل قد كان طبق أرضها، حتى لم يبق فيها أرض بيضاء تزرع على حيالها: كابر؟، وقيل له:
ما أنكرت ممن قال: إن أرض خيبر على قسمين: قسم منها كانت
стр. 1543
نخلا بلا زرع بينها، وقسم منها كانت أرضا بيضاء، ولا نخل فيها، فلا أجيز المزارعة إلا في الأرض البيضاء، ولا أجيزها في الزرع بين النخل، لأن خيبر كذا كانت.
ثم لا تكون أنت أسعد بدعواك منه بدعواه هذه، بل دعواه هذه أقرب إلى الصواب، إذ ليس يمتنع أن تكون النخل على حدة، والزرع على حدة في كثير من المواضع، ويمتنع أن يوجد كثير من الضياع، والقرى لا يوجد فيها أرض بيضاء للزراعة.
وإذا ثبت أن في أرض خيبر: ما كانت تزرع على حيالها، ثم أعطاهم النبي ﷺ الجميع بنصف ما يخرج من ثمر أو زرع، فقد ثبت أن النبي ﷺ قد أجاز المزارعة بينه وبين أهل خيبر في الأرض، فينبغي أن يجيزها، إذ لم يختلف الرواة أن النبي ﷺ شرط عليهم نصف الثمرة، ونصف الزرع.
فإن قيل قائل: ما ذكرت من تقسيمك أمر خيبر على وجهين، وأنهم إما أن يكونوا كانوا عبيدا مبقين على حكم الفيء، وأن مثل ذلك جائز فيما بيننا وبين عبيدنا.
أو أن يكون جعلهم ذمة، وأقرهم على أملاكهم إلى مدة ما، وأخذ منهم شطر الثمار والزرع على وجه الجزية، فإنه قد ذكر فيه قسم ثالث يجوز أن يكون الأمر كان عليه.
стр. 1544
وهو ما روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض، والزرع، والنخل، فقالوا: يا محمد: دعنا نكون في هذه الأرض، نصلحها، ونقوم عليها".
فجائز أن يكون أقرهم عليها على وجه الصبح.
قيل له: وأحسب الأمر كذلك، فإن مثله لا يكون أصلا للزراعة والمساقاة فيما بين أهل الإسلام؛ لأنا نجيز مثل هذا الصلح فيما بيننا، وبين أهل الحرب.
وهذا الخبر يدل على صحة ما قلنا، من أن أمر خيبر ليس بأصل فيما ذكرنا؛ لأنه صالحهم وهم متحصنون، فحقن دماءهم بما شرط عليهم من نصف الثمار، وهذا أيضا في معنى الجزية.
وإذا كانت حال خيبر على ما وصفنا: لم يصح الاحتجاج به لمخالفنا في المساقاة والمزارعة بين المسلمين.
*وما ذكره السائل من أن ورود أمر خيبر من جهة التواتر، وأنه لا يجوز الاعتراض عليه بأخبار الآحاد: فكلام فارغ لا معنى له؛ لأنا لم نعلم أن أمر خيبر منسوخ، بل هو ثابت جائز إذا كان الحال مثل حال أهل خيبر، من أخذ على وجه الجزية، أو على جهة حقن دم من حصل في أيدينا على وجه الفيء، أو على جهة الصلح بيننا وبين أهل الحرب.
стр. 1545
واستعملنا مع ذلك الأخبار الواردة في النهي عن المخابرة والمزارعة، ولم نبطلها لأجل ما ذكرنا من أمر خيبر، إذ لو لم ترد هذه الأخبار التي فيها النهي، لما لزمنا قياس عقود المسلمين في الإجارات على قصة خيبر، لما بينا أن كل واحد منها أصل برأسه، لا يقاس على غيره.
*ومما يجل على أن أمر خيبر مخصوص في أهل الحرب، لا يقاس عليه سائر العقود التي فيما بين أهل الإسلام: أن القائلين بالمساقاة والمزارعة لم يقيسوا عليها جواز دفع الغنم إلى الراعي بنصف ألبانها وأولادها.
ولو كان أمر خيبر أصلا في هذه العقود، لما اختلف حكم الغنم في دفعا إلى الراعي بنصف النماء، ودفع النخل إلى العامل بنصف الثمار.
وامتنع الشافعي من إجارة المساقاة إلا في النخل والكرم، ولم يجزها في سائر الشجر، وعلى أن في الخبر أن النبي ﷺ دفع إليهم الأموال بالنصف، وذلك يقتضي دخول سائر الشجر؛ لأنه يمتنع في العادة أن يخلو مثل خيبر ألا يكون فيها شجر غير النخل، وظاهر ذلك يقتضي دخول الشجر في المساقاة لأهل خيبر.
وعلى أن خيبر لم يكن فيها كرم، وقد أجازها المخالف على الكرم، فيلزمه مثله في سائر الشجر.
وأيضا: لما وافقنا مالك والشافعي على بطلان المزارعة في الأرض البيضاء، وكان المعنى فيها: شرط بعض الخارج بدلا من عمله، وذلك موجود في المساقاة، وجب أن يكون مثلها، وتعديها
стр. 1546
أيضا على سائر الشجر بهذه العلة على قول من لم يجزها إلا في النخل والكرم.
*وكذلك اتفاق الجميع على بطلان دفع الغنم إلى الراعي ببعض نمائها من الأولاد والألبان: يدل على بطلان المساقاة والمزارعة، إذ كانت الجهالة التي من أجلها أبطلنا هذا العقد، موجودة في المساقاة والمزارعة، وهي أنه شرط ما لا يعرف مقداره، ويجوز أن يكون، وأن لا يكون.
فإن قال قائل من المجيزين للمزارعة فيما بين النخل، وأباها في الأرض البيضاء: لا يلزمنا ما ذكر من قياسها على الأرض البيضاء، لأنها تدخل حينئذ في المساقاة على وجه البيع، وقد يجوز أن يدخل في العقد على وجه البيع، ما لا يصخ إفراده بالعقد، كما يقولون في حقوق الدار، وشرب الأرض أنها تدخل إذا اشتريت بحقوقها على وجه البيع في العقد، ولا يصح مع ذلك إفرادها.
قيل: لا يسقط عنك سؤالنا في لزوم قياس ما تحت النخل من الزرع على الزرع في الأرض البيضاء، لوجود العلة التي ألزمناك القياس عليها.
وليس لأن الشرب والحقوق تدخل في العقد على وجه البيع إذا بيع، ولم يجز بيعها على الانفراد، ما يجب أن يكون كذلك حكم الزرع بين النخل، إذ ليس هناك علة توجب الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرت.
стр. 1547
ثم يقال له: فالعلة التي ذكرتها في الشرب والحقوق، غير موجودة فيها؛ لأن هذه أتباع وحقوق الأرضين، وليست الأرض التي بين الأرض تبعا للنخل.
ألا ترى أنه لا يصح العقد على الحقوق والشرب على حيالها، ويصح عقد الإجارة على الأرض التي بين النخل على حيالها، وكذلك سائر العقود، ولو عقد على النخل: لم تدخل الأرض التي بينها فيه.
فلما كان كذلك، لم يختلف حكمها وحكم الأرض البيضاء بلا نخل، وفارقت ما ذكرت من أمر الشرب وحقوق الدار.
فصل:
فإن قال قائل: هلا أجزت المساقاة والمزارعة قياسا على المضاربة.
قيل له: لأنا لا نقيس على المخصوص إلا أن تكون علة القياس منصوصا عليها، إذ كانت الأصول تمنع منها، ولولا ورود السنة، والاتفاق لجواز المضاربة، فلا يجوز أن يكون أصلا لما وصفنا، لاتفاق الجميع على أن جوازها غير مؤقتة، وكل من أجاز المزارعة والمساقاة، لم يجزها إلا مؤقتة، فعلمنا أن المضاربة شركة على وجه الإجارة، كشركة العنان ونحوها، وأن المساقاة والمزارعة إجارة، فلا تجوز إلا بأجر معلوم كسائر الإجارات.
ووجه آخر: وهو أنه لو شرط في المضاربة أن يكون رأس المال والربح جميعا بينهما نصفين: فسدت المضاربة، ولو شرط في المزارعة أن يكون لرب البذر مقدار البذر، ثم الباقي نصفين: لم تصح المزارعة،
стр. 1548
فعلمنا أن المضاربة ليست بأصل للمزارعة والمساقاة، إذ ما صح به أحدهما: بطل به الآخر، وما بطل به أحدهما: صح به الآخر.
فإن قال قائل: المساقاة مثل المضاربة؛ لأن الأصل يحصل فيهما جميعا للدافع، ثم النماء والربح بينهما.
قيل له: فلو شرط في المساقاة قلع النخل واستبدالها بنخل آخر، وغرسها كما شرط في المضاربة التصرف في رأس المال واستهلاك عينه: لبطلت المساقاة عندك، فكيف يجوز أن تكون المضاربة أصلا لها؟ ونفس ما انعقدت عليه المضاربة لا يجوز انعقاد المساقاة على مثله.
ويقال له: فلا تجز المزارعة في الزرع الذي بين أضعاف النخل، إذ كان بمنزلة المضارب إذا شرط له قسمة رأس المال مع الربح.
ثم يقال له: إن كانت المعاملة بمنزلة المضاربة لحصول الأصل لرب المال قبل قسمة الربح والنماء، فأجزها في سائر الشجر، وفي دفع الغنم إلى الراعي ببعض أولادها لوجود العلة.
وعلى أن الشافعي زعم في كتاب المزارعة أنه إنما أجاز المقارضة قياسا على المعاملة، وهذا قياس طريف ما أعلم أحدا من القائسين اهتدى له!.
وذلك أن المقارضة أصل قد أقر النبي ﷺ الأمة
стр. 1549
عليها، مع علمه بأنهم يتعاملون بها، كما أقرهم على الشركة، والوكالة، وسائر العقود التي لا يخلو منها أهل عصر، ثم نقلت الأمة خلفا عن سلف جوزها، وترك النكير على فاعليها، حتى لو أن شاكا شك في جوازها، أو في إباحتها من شريعة الرسول ﷺ : لكان مرتكبا لأمر عظيم، يكاد يبلغ به انسلاخ من الدين.
والمعاملة على النخل قد اختلف الناس فيها، والأصول تبطلها، وهي فرع لا يمكن مثبتوه أن يفرغوا فيه إلى أصل يرمون به إثباته، إلا ولمخالفهم رده إلى غيره، والاستشهاد على إبطاله بسواه.
ولا خلاف بين الفقهاء مع ذلك أن القول في المقاساة طريقه الاجتهاد في إثباتها وإبطالها، فقاس الشافعي المضاربة التي هي الأصل على المساقاة التي هي الفرع، ومن حكم الفرع قياسها على الأصول.
وسبيل المختلف فيه أن يرد إلى المتفق عليه، فأما رد الأصول إلى الفروع، وقياس المتفق عليه على المختلف فيه، فهو قياس غاص عليه الشافعي بلطف نظره، ما أظن أحدا سبقه إليها!.
مسألة: [أقسام المزارعة]
قال أبو جعفر: (وقال محمد بن الحسن: المزارعة على أربعة أوجه،
стр. 1550
تصح في ثلاثة منها، وتبطل في الرابع.
فأما الثلاثة، فأحدها: أن يكون البذر من قبل المزارع، والعمل والآلة كلها من قبل المزارع، فتجوز.
[أو يكون البذر من قبل رب الأرض، والآلة كلها من قبل المزارع، فهذا وجه].
أو يكون البذر والآلة كلها من قبل رب الأرض، والعمل من قبل المزارع، فهذا وجه.
والوجه الرابع الذي لا تجوز فيه المزارعة: أن يكون البذر من قبل المزارع، والآلة من قبل رب الأرض، فلا تجوز).
قال أحمد: الأصل في ذلك أن ينظر إلى صاحب البذر، فنجعله هو المستحق للخارج، والآخر إما أن يكون مؤجرا لأرضه أو نفسه:
*فإذا كان البذر من قبل صاحب الأرض، فهو المستأجر للعامل، فيجوز أن يشرط الآلة من قبل رب الأرض؛ لأنه استأجر العامل وحده بغير الآلة، وهذا جائز.
ويجوز أن يشترط الآلة على العامل أيضا؛ لأن العامل يحتاج في عمله إلى آلة، ولا تكون الآلة مستأجرة، إنما يدخل استعمال الآلة تبعا للعمل، كما يستأجر النجار لقطع الخشب، فالآلة على النجار تبعا للعمل.
*وإن كان البذر من قبل العامل، فهو مستأجر الأرض، فيجوز شرط
стр. 1551
الآلة على العامل؛ لأنه استأجر الأرض وحدا، ولا يجوز في هذه الحال شرط الآلة على رب الأرض، لأنه يصير مستأجرا للآلة ببعض الخارج، ولا يجوز استئجار الآلة ببعض الخارج.
ولا تدخل الآلة في العقد تبعا للأرض، كما تدخل في العمل على ما بينا، فلذلك كان الأمر فيه على ما صفنا.
قال أحمد: ومن كان البذر من قبله، فما يستحقه من الخارج، فإنما يستحقه ببذره، لا بالشر، ومن لم يكن من قبله البذر، فإنما يستحق الخارج بالشر دون غيره.
*ومتى فسدت المزارعة، فالزرع كله لصاحب البذر، أيهما كان، وللآخر أجر مثله في أرضه إن كان البذر من قبل العامل، وإن كان من قبل رب الأرض، فللعامل أجر مثله في عمله.
ومتى كان البذر من قبل رب الأرض، وفسدت المزارعة: لم يتصدق رب الأرض بشيء مما فضل من الزرع عن نفقته، لأنه بمنزلة من استأجر رجلا إجارة فاسدة على أن يعمل في أرضه، فلا يتصدق بشيء مما تخرجه الأرض.
وكمن استأجر رجلا ليعمل في ماله إجارة فاسدة، فلا يتصدق بالربح.
وإن كان المستحق للبذر هو العامل، أخذ من الزرع قدر بذره، وقدر أجر الأرض، وتصدق بالفضل؛ لأنه بمنزلة من استأجر أرضا إجارة فاسدة، وزرعها، فعليه أن يتصدق بالفضل؛ لأن نفس المزارعة وقعت محظورة في أرض غيره، كمن غصب أرضا وزرعها، وكمن اشترى جارية بيعا فاسدا، وباعها وربح فيها.
стр. 1552
مسألة: [عشر الأرض العشرية المستأجرة]
قال أبو جعفر: (وإذا استأجر أرضا من أرض العشر: فالعشر على رب الأرض، وقال أبو يوسف ومحمد: هو في الخارج).
وجه قول أبي حنيفة: أن وجوب العشر متعلق بمنفعة الأرض، وقد حصلت للمؤجر، حيث استحق بدلها، فصار كأن الخارج قد حصل له، فملكه غيره، فالعشر عليه.
ويدل عليه اتفاق الجميع على أن الخراج على رب الأرض، فكذلك العشر، إذ كل واحد منهما وجوبه متعلق بمنفعة الأرض، ألا ترى أن الغلة لو أصابتها آفة اصطلمتها: لم يجب فها خراج.
وليست للإجارة عنده كالعارية، هو في العارية على صاحب الزرع في قولهم؛ لأنه هو الذي حصلت له منفعة الأرض دون رب الأرض، إذ لم يستحق عنها بدلا.
ووجه قولهما: قول لنبي ﷺ : "فيما سقت السماء العشر"، فأوجبه في نفس الخارج.
ولأن المؤجر لم يحصل له قط ذلك الخراج، فلا يجب عليه عشر.
стр. 1553
مسألة: [أجرة استعمال الأرض المستأجرة إجارة فاسدة]
قال أبو جعفر: (ومن استأجر أرضا إجارة فاسدة، فاستعملها: فعليه الأقل مما استأجرها به، ومن أجر مثلها).
وذلك لأن التسليم غير مستحق في العقد الفاسد، ألا ترى لو سلم، ولم يسكن الدار: أنه لم يجب الأجر، فلا يجوز أن يستحق به المسمى بالعقد؛ لأنه فاسد.
وإنما لزمه الأجر باستيفاء المنافع على وجه العقد، فإن كان المسمى أقل من أجر المثل، فقد رضي المؤجر بإسقاط الفضل، فلذلك لم يجب.
والفضل عن أجر المثل لا يستحق إلا بالتسمية في عقد صحيح، فلذلك لم يزد على أجر المثل، ونقص عنه إذا المسمى أقل.
والأصل في اعتبار قيمة المنافع عند فساد العقد على الوجه الذي ذكرنا: قول النبي ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها بال، فإن دخل بها، فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها، لا وكس ولا شطط".
стр. 1554
وهذا عندنا في الأمة تتزوج بغير إذن مولاها، فصار ذلك أصلا في سائر العقود على المنافع إذا فسدت في وجوب اعتبار قيمتها، ولا نوجب الزيادة عليها وإن كانت التسمية أكثر منها؛ لأن النبي ﷺ لم يوجبها، وتنقص منها إذا كانت التسمية أقل؛ لرضاهما بإسقاطه.
مسألة: [حكم التبن في المزارعة]
قال أبو جعفر: (قال محمد بن الحسن: التبن في المزارعة لصاحب البذر دون الآخر.
قال: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن المزارعة لا تجوز حتى يكون التبن مشروطا لهما كالحب، فإن قصرا عن ذلك: فالمزارعة فاسدة.
قال أبو جعفر: ثم وجدنا لمحمد بعد ذلك ما يدل على رجوعه عن قوله الذي ذكرناه عنه إلى ما قال أبو يوسف في الإملاء، وهو الصحيح على أصله).
قال أحمد: وجه قول من جعله لرب البذر، أن يجعله بمنزلة السعف والورق، فيجوز إفرادها عن الشركة؛ لأنه غير مقصود بالزراعة، إنما هو تبع لا حكم له، ولذلك جاز أن لا تشرط الشركة فيه.
فأما وجه قول أبي يوسف: فهو أنه جعله بمنزلة صنفين من البذر تعقد
стр. 1555
المزارعة عليها، ولا يجوز إسقاط الشركة فيه.
ولأن التبن لما كان خارجا بزراعته: صار كالشجر والنخل إذا دفعها إليه، وشرط عليه غراسها: فلا يجوز إلا أن يشترط الشركة في نفس الشجر والثمر جميعا، كذلك حكم الحب والتبن.
مسألة: [فساد إجارة الأرض للزراعة إن جهل ما يزرع]
قال أبو جعفر: (وإذا استأجر الرجل أرضا للزراعة ولم يسم ما يزرع: فالإجارة فاسدة).
قال أحمد: وذلك لأن الزراعة تختلف فيما يوجب من نقصان الأرض، فتحصل المنفعة المعقود عليها مجهولة، كم استأجر دابة للحمل، ولم يسم ما يحمل عليها؛ لأن الحمل يختلف، فيقل ويكثر، وتختلف أيضا على قدر الرزانة والخفة.
وليس ذلك بمنزلة من استأجر بيتا، ولم يسم ما يجعل فيه، فتجوز، ولا يجعل فيه حدادا، ولا قصارا، ولا طحانا؛ لأن هذه الأشياء مستثناة من إطلاق العقد على منافع البيت والعرف والعادة، وما عدا ذلك من المنافع: فليس بمختلف، فلذلك جازت الإجارة.
وأما الزراعة، والحمل، فليس يختص في العرف بشيء دون شيء، فتناول العقد جميع ما يقع عليه الاسم منه، وهو مجهول مختلف، فبطل.
*قال: (فإن زرعها: فعليه الأجر المسمى).
وذلك لأن العقد انتظم كل صنف من أصناف الزرع، لعموم اللفظ،
стр. 1556
وأبطلناه للجهالة، فإذا زرع زالت الجهالة، وحصل معلوما، فجاز.
ألا ترى أن الشراء برأس المال، وبالرقم لا يجوز؛ لأجل الجهالة، فإذا علم رأس المال: جاز لزوال الجهالة، وحصوله معلوما.
стр. 1557
كتاب أحكام الأرض الموات
مسألة: [خراب الأرض لا يزيل ملكها عن صاحبها]
قال أبو جعفر: (وكل أرض يملكها مسلم أو ذمي لا يزول ملكه عنها بخرابها).
وذلك لأنه ملك صحيح، فلا يزول عمن هو له إلا بالسبب الموجب لزواله؛ لقول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم أو ذمي إلا بطيبة من نفسه".
مسألة:
قال: (وما قرب من العامر: فليس بموات).
وذلك لأنه فناء للعامر، ومن مرافقه، ففيه حق مالك العامر، وما كان فيه حق الغير: فليس بموات.
مسألة: [تعريف الموات]
قال: (وما بعد منه، ولم يملك قبل ذلك: فهو موات.
قال: وذكر أصحاب الإملاء عن ا [ي يوسف: أن الموات هو الذي إذا وقف رجل على أدناه من العامر، فنادى بأعلى صوته: لم يسمعه أقرب من في العامر إليه).
стр. 1558
قال أحمد: الموات هو: الذي لا حق فيه لآدمي بعينه، ومتى كان فيه حق لقوم بأعيانهم: لم يكن مواتا.
فما كان من فناء قرية، أو مرعاها، أو محتطبها، فأهل القرية أولى بها من سائر الناس، وحقهم في الانتفاع به دون من سواهم ثابت، فلا يكون مواتا، كما أنها لو كانت ملكا لهم: لم تكن مواتا.
والذي ذكره عن أبي يوسف، إنما هو اجتهاد في إيجاب الفرق بين فناء القرية، وما ليس بفناء لها.
مسألة: [إذن الإمام في إحياء الأرض]
قال: (وقال أبو حنيفة: ليس لأحد أن يحيي أرضا مواتا إلا بأمر الإمام، ولا يملكه إلا بتمليك الإمام إياه ذلك.
وقال أبو يوسف ومحمد: من أحيا مواتا من الأرض فقد ملكه بذلك، أذن له الإمام في ذلك، أو لم يأذن له فيه).
لأبي حنيفة: ما روى معاذ عن النبي ﷺ : "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه"، وقد ذكرنا إسناده في باب السير من هذا الكتاب.
стр. 1559
وذلك عام في كل شيء إلا ما قام دليله.
وأيضا: فإن حق جماعة المسلمين قائم في الموات، فلا يجوز لأحد أن يختص به دون غيره إلا بإذن الإمام.
كما أن بيت المال لما لم يكن له مالك بعينه، وتساوى المسلمون في ثبوت حقوقهم فيه: لم يكن لأحد أن يختص بشيء منه إلا بإذن الإمام، فإذا ملكه الإمام شيئا مما في بيت المال: ملكه، كذلك إذا ملكه الأرض الموات.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له".
قيل له: لا يكون الإحياء مع ثبوت حق الغير فيها.
والدليل عليه: أنها لو كانت مواتا ملكا لقوم، أو فناء لقرية، أو طريقا للناس، فأحياها: لم يكن ذلك إحياء موجبا لاستحقاق الملك، فعلمنا أن ثبوت حق الغير فيها يمنع صحة الإحياء.
كذلك أرض الموات، لما تساوى الناس كلهم في ثبوت الحق فيها: لم يصح الإحياء إلا بإذن من ينوب عنهم في ذلك، ويقوم مقامهم، وهو الإمام.
وأيضا: يحتمل أن يكون الخطاب خرج على أرضين مخصوصة، جعلها النبي ﷺ لقوم بأعيانهم، وأمرهم بإحيائها، كقوله ﵊: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه
стр. 1560
فهو آمن"، ونحوه من الكلام الخارج عن سبب مقصور الحكم عليه.
وذهب أبو يوسف ومحمد إلى ظاهر الحديث.
مسألة: [ما لا يقطعه الإمام]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للإمام أن يقطع ما لا غنى بالمسلمين عنه، كالبحار التي يشربون منها، والملح الذي يمتارون منه).
قال أحمد: يعني بالبحار: الآبار، كذلك يسميها أهل مصر، وإنما كان كذلك، من قبل أن في إقطاعه إياها ضررا على الناس، ولا يجوز له إدخال الضرر عليهم بإقطاعها، وقطع حقوقهم عنها، كما لا يجوز أن يقطع أملاكهم، وسائر حقوقهم.
وليس ذلك كالأرض الموات؛ لأنه لا ضرر على الناس في إقطاع الموات.
مسألة: [مدة إحياء الإقطاع]
قال أبو جعفر: (ومن أقطعه الإمام، فإن تركها ثلاث سنين لم يعمرها: بطل إقطاع الإمام إياه).
وذلك أن الإمام إنما يقطع الموات، ويقطع عنها حق سائر المسلمين، ليحييها المقطع له، وليعمرها، وليكون الحق الواجب فيها من العشر أو الخراج عائدا على المسلمين، ولا يقطع لتملكه من غير إحياء.
стр. 1561
"وقال عمر بن الخطاب لبلال بن الحارث وقد كان النبي ﷺ أقطع لبلال العقيق أجمع: إن رسول الله ﷺ لم يقطعك إلا لتعمل، ولم يقطعك لتحتجزه عن الناس، فأقطع عمر الناس العقيق".
*وإنما جعل المدة في ذلك ثلاث سنين؛ لما روي عن عمر أنه قال: "ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق".
مسألة: [الأرض المحياة بماء المطر عشرية]
(ومن أحيا أرضا فكانت تسقى بماء المطر: فهي أرض عشر).
стр. 1562
لقول النبي ﷺ : "فيما سقت السماء العشر".
مسألة: [الأرض المحياة بماء النهر]
قال: (ومن أحياها بماء نهر ساقه إليها، فإن أبا يوسف قال: حكمه حكم الأرض التي فيها ذلك النهر، فإذا كانت من أرض الخراج: فهو من أرض الخراج، وإن كانت من أرض العشر: فهو من أرض العشر.
وقال محمد: إن أحياها بماء الأنهار العظام التي لله، كالنيل والفرات ونحوها: فهي من أرض العشر، وإن ساق إليه من نهر حفره الإمام من مال الخراج: فهو من أرض الخراج).
قال أحمد: إذا أحيا بماء نهر حفره الأعاجم، فهو أرض خراج أيضا عند محمد.
*وإنما الخلاف فيما أحيي بماء دجلة والفرات والأودية العظام، التي ليست بمحفورة:
فجعلها أبو يوسف من أرض الخراج إذا كان النهر بين أرض الخراج.
وجعلها محمد أرش العشر.
*وكذلك قال أبو يوسف فيما استخرج من أرض الجبال من بئر، أو قناة: فهي خراج؛ لأنه هكذا تستخرج أرض الجبال. رواه ابن سماعة عن أبي يوسف.
وقال محمد: هي أرض عشر في أي أرض كانت، إذا أحييت ببئر
стр. 1563
أو قناة استخرجت.
فأما وجه قول أبي يوسف في مسألة أبي جعفر التي ذكرها فيما أحيي بنهر من أرض الخراج: فلأن النهر إذا كان من أرض الخراج، فقد ثبت الحق فيه لكافة المسلمين، كما ثبت في الأرضين أنفسها، فلا ينتقل عنه.
ألا ترى أن المسلم إذا اشترى أرض الخراج، لم تنتقل عن الخراج إلى العشر، كذلك ما أحيي بماء الخراج.
ووجه قول محمد: أن هذه الأودية العظام غير مملوكة لأحد، فهي غير مظهور عليها، ولا مظهور عليها، ولا اعتبار بكونها في أرض الأعاجم أو غيرها، وإنما الواجب اعتبار حال المحيي لها، فإن كان مسلما: فعليه العشر، وإن كان ذميا: فعليه الخراج.
ويدل عليه: أن أرض البصرة عشرية، وإنما أحييت في زمن الصحابة بماء دجلة، وجعلوا فيها العشر، فصار ذلك أصلا في نظائره.
*وأما ما أحيي من الأرضين ببئر أو قناة، استخرجها المحيي، فإن محمد جعلها أرض عشر في أي موضع كانت، من قبل أنه لم يتقدم في الموضع، ولا في الماء الذي أحيي به وجوب حق لأحد، وإنما يحتاج إلى أن يبتدئها الآن بالحق، وهو مسلم، والحق الذي يبتدأ به المسلم هو العشر؛ لأنه صدقة، ولا يبتدأ المسلم بالخراج؛ لأنه فيء.
стр. 1564
مسألة: [بيع أرض الخراج]
قال أبو جعفر: (ويجوز بيع أرض الخراج، وتورث، وتملك).
وذلك لأن عمر مع جماعة من الصحابة اتفقوا على إقرار أهل السواد على أملاكهم بعد فتحها عنوة، وقد اشترت الصحابة أرض الخراج، وتبايعوها من غير نكير أحد منهم، فصار ذلك إجماعا منهم في صحة الأملاك فيها.
وإنما كره بعضهم شراءها للسلم؛ لأنه كان عنده أن الخراج لم اوضع موضع الجزية، كان مشتبها لما هو مأخوذ على وجه الصغار والذلة، فكرهوا أن يدخل نفسه في التزام الصغار.
قال أحمد: وليس ذلك عندنا بصغار، لأن الصغار إنما هو جزية الرؤوس، وليس الخراج بمنزلتها.
والدليل عليه: أن عليا وعمر ﵄ قالا فيمن أسلم على أرض الخراج: أن عليه الخراج، ولم يختلف المسلمون أن من أسلم من أهل الجزية: سقطت عنه الجزية.
стр. 1565
مسألة: [حريم النهر]
قال: (وكان أبو حنيفة لا يرى للنهر حريما).
ويجعل المسناة لصاحب الأرض التي فيها النهر، إلا أنه ليس له أن يهدمها، لما فيه من الضرر على صاحب النهر.
(وقال أبو يوسف ومحمد: النهر لابد له من ملقى طين وغيره، فاحتاج إلى حريم كالبئر).
مسألة: [حريم البئر]
قال: (وحريم بئر العطن: أربعون ذراعا، إلا أن يتجاوز الحبل ذلك، فيكون له إلى ما تناهى الحبل).
وذلك لأنه لا يصل إلى الانتفاع بها إلا من هذا الوجه، إذا كان سبيلها أن يستقى منها بالإبل، فينبغي أن يكون حريمها مقدار الحبل إذا احتيج إلى ذلك.
وإن اكتفى بدونها: كان له أربعون ذراعا؛ لأنه لو لم نجعل له ذلك، أدى إلى بطلان الانتفاع بها؛ لأنه كان يكون لآخر أن يحفر بئرا إلى جنبها، أو يحيي الأرض التي تلاصق البئر، فيمنع الانتفاع بها، والاستقاء منها،
стр. 1566
فمن أجل ذلك احتاجت إلى الحريم.
*وقدروه أربعين ذراعا، لما روي عن النبي ﵊ في تقديره.
ولجريان العادة بمثله في كثير من المواضع التي يحفر فيها آبار للماشية.
*قال: (وحريم بئر الناضح: ستون ذراعا).
وقد روي فيه أيضا أثر عن النبي ﷺ ، والحريم فيه مثل ذلك مقداره الحاجة إليه للسقي.
مسألة: [حريم العين]
وأما حريم العين، فإنما جعله خمس مائة ذراع على ما ذكره أبو جعفر؛ لأن العين تحفر حواليها آبار ليجتمع ماء جميعها في العين، وليس يؤمن مع ذلك أن يحفر إنسان بقربها بئرا أو عينا، فيذهب بماء العين، فلذلك جعل حريمها خمس مائة ذراع.
وهذه المقادير اجتهاد، وقد روي في جميعها عن النبي صلى الله عليه
стр. 1567
وسلم آثار.
مسألة: [حق الانتفاع بماء البئر في أرض الغير]
قال أبو جعفر: [ومن كان في أرضه بئرا أو عين، فله منع الناس من دخول أرضه، إلا أن يكون بالناس إلى ذلك حاجة، ولا يجدون ماء من غيرها، فيكون عليه إباحتهم ماءها لشفاههم، ومواشيهم، وليس عليه إباحته لزروعهم).
قال أحمد: وذلك لقول رسول الله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاثة: في الكلأ والماء والنار".
فإذا وجدوا غيره: كان له منعهم من دخول أرضه، وإذا لم يجدوا غيره: كانوا متساوين في الانتفاع بالماء الذي فيها، ولم يكن منعهم منها.
وقد روي "أن قوما مروا بالماء، فأرادوا أن يستقوا، فمنعهم أهل
стр. 1568
الماء، فأخبروا عمر بن الخطاب بذلك، فقال: هلا وضعتهم فيهم السلاح".
وروي "أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء".
*وقال: وإنما لم يكن لهم أن يسقوا منه زرعهم إلا بإذن مالك الأرض؛ لأنه فيه خوف التلف على النفس.
ويدل عليه قول النبي ﷺ للزبير: "احبس حتى يبلغ الجدر، ثم أرسله".
مسألة: [بيع ماء النهر أو البئر]
قال أبو جعفر: (وليس لأحد بيع ما في نهر أو بئر).
وذلك لما روي عن النبي ﵊ أنه" نهى عن بيع
стр. 1569
الماء"، رواه جابر، وعبد الله بن عمر، وإياس بن عبد المزني عن النبي ﷺ .
ويدل عليه قوله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاثة: الكلأ والماء والنار".
مسألة: [تملك ما أخذ من ماء النهر أو البئر]
قال: (فإن أخذ من ماء بئر غيره، أو من نهره: فقد ملكه، وليس لصاحب النهر والبئر أخذه منه، وكذلك الكلأ والنار).
وذلك لأن الماء في موضعه من البئر والنهر ليس بملك لأحد، بل هو مباح، بدلالة أنه يأخذه عند الحاجة بغير بدل.
ولقوله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاثة"، ونهبه عن بيع الماء.
فمن أخذه فهو له كسائر المباحات التي ليست بأملاك، وهو في هذا الوجه كالكلأ إذا نبت في أرض رجل، فمن أخذه فهو له.
وكذلك الصيد إذا انكسر في أرض رجل، أو السمك إذا اصطاده من جهة لرجل، فهذا كله لآخذه؛ لأنه مباح الأصل، لم يتقدم فيه ملك لأحد.
وجهة وقوع الملك فيه أخذه وحيازته، فإذا ملكه: انقطع حق سائر
стр. 1570
الناس عنه، فجائز بيعه كسائر المملوكات.
ولا خلاف في جواز بيع الماء الذي أحرزه صاحبه في إناء، وبيع الكلأ المحرز.
مسألة: [تملك ما أخذ من الكلأ والنار]
قال: (وكذلك الكلأ والنار]
فهما في ذلك كالماء سواء، لما روي عن النبي ﷺ من قوله: "الناس شركاء في ثلاثة".
стр. 1571
كتاب العطايا
[أحكام الوقف]
مسألة: [عدم زوال الملك بالوقف عند أبي حنيفة]
قال أبو جعفر: (لا يجوز الوقف في الصحة في قول أبي حنيفة).
قال أحمد: الوقف جائز في قول أبي حنيفة، إلا أنه لا تخرج الأرض الموقوفة عن ملك صاحبها، ولا يمنع وقفه إياها جواز تصرفه فيها، من بيع وهبة وغير ذلك، ولا انتقال الملك فيها إلى الوارث بالموت.
وموضع الخلاف بينه وبين مخالفيه، إنما هو في زوال ملكه بالوقف، وجواز تصرفه.
فأما جواز تصرفه، فلا تمنع منه، وقد روي عن علي، وابن عباس ﵄ قالا: "لا حبس إلا في كراع، أو سلاح".
стр. 1572
والدليل على صحة قول أبو حنيفة: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبيد بن شريك قال: حدثنا عبد الغفار بن داود قال: حدثنا ابن لهيعة.
قال عبد الباقي: وحدثنا عبد الله بن محمد الوراق قال: ثنا كامل بن طلحة قال: ثنا ابن لهيعة عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لما نزلت سورة النساء، وفرض فيها الفرائض:
"لا حبس بعد سورة النساء"، ولم يذكر عبيد: "بعد سورة النساء".
فإن هذا خبر دل على صحة قوله من حيث منع أن يكون وقفه إياها حابسًا لها عن انتقال الملك منها بالميراث.
وروى سفيان عن مسعر عن أبى عون الثقفي عن شريح قال: "جاء محمد ﷺ ببيع الحبس".
فإن قيل: المراد بالحبس المذكور في هذه الأخبار: حبس الجاهلية من
стр. 1573
السائبة، والوصيلة، والحام، ونحو ذلك.
قيل له: هو على العموم في كل حبس، إلا ما قام دليله.
وعلى أن قوله في حديث ابن عباس: "لا حبس بعد سورة النساء": لا يجوز أن يكون المراد به حبس أهل الجاهلية، لأن ذلك الحبس لم يكن قط مباحًا في الإسلام.
ويدل على صحة قولنا في الوقف: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا هارون بن يوسف قال: حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عبد الله بن زيد_ الذي أري النداء_ جعل حائطا له صدقة، وجعله إلى رسول الله ﷺ .
فأتى أبواه النبي ﷺ ، فقالا: يا رسول الله؟ لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فرده رسول الله ﷺ عليهما،
стр. 1574
ثم ماتا، فورثهما"
ورواه الأنصاري في كتابه في الوقف عن حماد بن سلمه عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم نحو ذلك.
وذكر أبو الفضل محمد بن يحيى بن الفياض البصري صاحب الأنصاري أن عبد الوهاب حدثه قال: ثنا عبيد الله بن عمر عن بشير بن محمد "عن عبد الله بن زيد أنه تصدق بحائط له، فأتى أبواه النبي ﷺ ، فقالا: يا رسول الله! إنه كانت تقيم وجوهنا، ولم يكن يقيمنا شيء غيرها.
فدعا رسول الله ﷺ عبد الله بن زيد فقال: إن الله قد
стр. 1575
قبل صدقتك، وردها على أبويك، قال: وورثه إياها منهما بعد ذلك"
قال أبو الفضل: وحدثنا الأنصاري قال: ثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي قال: ثنا أبو الزناد قال: "جاء عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كل شيء سوى سلاحي، وسكني صدقة يجعله رسول الله حيث شاء، فجعله رسول الله في الأوقاص، يعني المساكين.
فجاء أبواه إلى النبي ﷺ فقالا: إن بنينا تصدق بأرض له، وإنه ليس لنا شيء إلا أن نسأل مع الأوقاص.
فقال لهم النبي ﷺ : قد رددت عليكما صدقة ابنكما، فكلا، واتقيا الله، فأكلاها حتى ماتا.
فقال عبد الله: قد مات أبواي، فهي حل لي؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، فكلها هنيئًا"
وهذه الأخبار تدل على أن وقفه إياها لم يخرجها عن ملكه، ولا منع انتقال الملك منها، لأن النبي ﷺ ردها إليه بعدما وقفها على المساكين.
* ومن جهة النظر: إن وقف الأرض إنما يصح عند مجيزيه لأجل الصدفة والقرية التي في إخراج غلتها، وهو لو تصدق بالغلة وهي
стр. 1576
موجودة، لم تخرج عن ملكه بالقول حتى يقبض الله تعالى المتصدق بها عليه، فالأرض التي لا يستحقها الفقراء أحرى أن لا تخرج عن ملكه بوقفه إياها.
ومن الدليل على أن إيجابه الصدقة فيها لا يوجب إخراجها عن ملكه: "أن النبي ﷺ ساق البدن عام الحديبية، وقلدها.
وذلك يقتضى إيجابًا منه لها، ثم صرفها عما أوجبه له، وجعلها للإحصار، ولو يمنع الإيجاب بها من غير جهة الإحصار من نقلها إلى الإحصار، ولو كان ملكه زائلًا عنها، لما صح نقله إلى غير الوجه الذي استحق عليه بالإيجاب.
ويدل على أنه قد كان أوجبها: انه أبدلها في العام القابل، ولو لم تكن الأولى واجبة لما كان الثاني بدلًا.
فإن قيل: معلوم أن الذي جعله للإحصار بدنه واحده، وعسى أن لا يكون قد كان أوجب تلك الواحدة قبل الإحصار.
قيل له: يبطله قوله: إنه أبدلها في العام القابل.
وعلى أنه فرق البدن على أصحابه حتى نحروها عن الإحصار.
стр. 1577
ودليل آخر: وهو أنه لو خرج عن ملكه بالوقف، لكان فيه إزالة المال لا إلى مالك بقوله، فوجب أن لا يصح، كرجل قال: أخرجت هذه الدار عن ملكي، فلا يصح.
فإن فيل: فالمسجد فيه إزالة الملك لا إلى مالك، وقد صح عند الجميع.
قيل له: للمسجد قابض، وهو الذي يصلي فيه، لأنه لا يخرج عن ملكه إلا أن يصلى فيه، والمصلي فيه قابض له عن نفسه، وعن الجماعة المسلمين، فخرج عن ملكه، كمن تصدق على رجل بصدقة، وأقبضها إياه.
وأما الوقف فليس له قابض، وإنما يخرج عن ملكه لو جاز بقوله، وهذا الذي أثبتاه قياسًا على قوله: قد أخرجت هذه الدار عن ملكي: فلا يزول عن ملكه بقوله.
فإن قال قائل: الوقف أيضًا له قابض، بمنزلة الصدقة والمسجد، بأن يجعله الواقف على يد غيره، فيخرج عن ملكه بقبضه.
قيل له: إذا كان القابض إنما يصح قبضه بقول الواقف وتوكيله إياه بالقبض، فليس ذلك بقبض، لأن يد وكيله كيده، فهو مع ذلك باق في يده مع تسليمه إلى من أمره بقبضه، ومع هذا فلم يخرجه ذلك من أن تكون صحة القبض أيضًا متعلقة بقوله، فيكون خارجًا عن ملكه بقوله لا إلى مالك، وهذا فاسد بما دللنا عليه.
وأيضا: فغير جائز قياس الوقف على المسجد، لأن ما يصح المسجد من أجله لا يصح تمليكه، ولا اخذ البدل عنه، وهو الصلاة فيه، فلذلك جاز خروجه عن ملكه، إذ كان ذلك حقًا خالصًا لله تعالى.
стр. 1578
وأما الأرض، فإن غلتها التي صح الوقف من أجلها، يصح أخذ البدل عنها وتمليكها، فالأصل أحرى أن يجوز نقل الملك فيها مع وقفه إياها.
فإن قال قائل: اعتلالك بأن في تصحيح وقفه إزالة ملكه لا إلى مالك بقوله: منتقض بإجازتك الوقف في الوصية.
قيل له: إنما أجيزه إذا أضافه إلى ما بعد الموت؛ لأن الموت يوجب زوال ملكه، فلم يزل بقوله، وإنما حظ قوله فيه: منع انتقاله إلى الوارث إذا كان في الثلث الذي يملكه الميت، فليس ذلك إزالة ملكه لا إلى مالك بقوله.
[أدلة المخالفين:]
واحتج مخالفنا بما روى ابن عون وغيره عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: أصيب أرضًا من خيبر، ما أصبت مالًا أنفس عندي منها، فأتيت رسول الله ﷺ أستأمره، فقال: "إن شئت حسبت أصلها، وتصدقت بها".
وفى بعض ألفاظ هذا الحديث: "وتصدقت بثمرتها".
وفى بعضها: "إن شئت أمسكت أصلها، وتصدقت بثمرتها".
قال: "فتصدق بها عمر على أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، حتى تصدق بها في الفقراء والأقربين"، وذكر الحديث.
стр. 1579
وما روي في أوقاف النبي ﷺ ، وأوقاف علي وسائر الصحابة ﵃، وبأن عثمان اشتري بئر رومة في أيام النبي ﷺ ، وجعلها للمسلمين، فالجواب:
أنه ليس فيما ذكره ما يعترض به على قولنا ولا يخالفه، وذلك لأنا نجيز جميع ذلك على ما روي في هذه الأخبار، وليس في شيء منها بيان الخلاف بيننا، لأنا نقول يجوز أن يحبس أصلها، ويتصدق بثمرتها، ويشترط فيها أنها لا تباع ولا تورث، ويكون ذلك عدة منه في أن لا يبيعها، وأمرا للورثة أن لا يعترضوا في فسخها، وإبطالها.
وليس في شيء منه دليل على منع البيع، وانتقال الملك فيها، وإنما بقيت أوقاف الصحابة بعدهم على مر السنين والأوقات؛ لأن ورثتهم أمضوا على ما كان الواقف شرطه فيها.
وأما وقف النبي ﷺ ، فلأنه قال: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة"، هكذا رواه مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر ﵁.
واستشهد عمر على ذلك عليًا، والعباس، وطلحة، والزبير في آخرين من الصحابة ﵃، فصدقوه، واعترفوا به.
стр. 1580
وإذا كان ذلك سبيل أملاك النبي ﷺ بعد موته، فلا دلالة فيه على صحة الوقف في أملاكنا على الوجه الذي ذهب إليه مخالفنا؛ لأنه لو لم يكن وقفها، لكانت وفقًا بعد موته.
فإن قيل: هذا الخبر يرد ظاهر الكتاب؛ لن الله تعالى قال حاكيُا عن زكريا: ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من إل يعقوب﴾، فأخبر أن ابنه يرثه.
قيل له: لا يجوز أن يكون المراد وراثة المال، وإنما المعنى فيه وراثة النبوة، والحكمة، والقيام بالشرعية.
وذلك لأنه قال: ﴿وإني خفت المولى من وراءى﴾، ومعلوم أن النبي ﵇ لا يأسف على أن يصير المال لمستحقه، بل كانت الدنيا أهون في عينه في حال حياته من أن يأسف بعد موته أن تصير لبني أعمامه.
فدل أن المراد وراثة العلم والقيام بالدين، كما قال الله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾
وكما روي عن النبي ﷺ : "أن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما أورثوا العلم، فمن أخذ به فقد
следующие страницы →