← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

موجودة، لم تخرج عن ملكه بالقول حتى يقبض الله تعالى المتصدق بها عليه، فالأرض التي لا يستحقها الفقراء أحرى أن لا تخرج عن ملكه بوقفه إياها. ومن الدليل على أن إيجابه الصدقة فيها لا يوجب إخراجها عن ملكه: "أن النبي ﷺ ساق البدن عام الحديبية، وقلدها. وذلك يقتضى إيجابًا منه لها، ثم صرفها عما أوجبه له، وجعلها للإحصار، ولو يمنع الإيجاب بها من غير جهة الإحصار من نقلها إلى الإحصار، ولو كان ملكه زائلًا عنها، لما صح نقله إلى غير الوجه الذي استحق عليه بالإيجاب. ويدل على أنه قد كان أوجبها: انه أبدلها في العام القابل، ولو لم تكن الأولى واجبة لما كان الثاني بدلًا. فإن قيل: معلوم أن الذي جعله للإحصار بدنه واحده، وعسى أن لا يكون قد كان أوجب تلك الواحدة قبل الإحصار. قيل له: يبطله قوله: إنه أبدلها في العام القابل. وعلى أنه فرق البدن على أصحابه حتى نحروها عن الإحصار.

стр. 1577

ودليل آخر: وهو أنه لو خرج عن ملكه بالوقف، لكان فيه إزالة المال لا إلى مالك بقوله، فوجب أن لا يصح، كرجل قال: أخرجت هذه الدار عن ملكي، فلا يصح. فإن فيل: فالمسجد فيه إزالة الملك لا إلى مالك، وقد صح عند الجميع. قيل له: للمسجد قابض، وهو الذي يصلي فيه، لأنه لا يخرج عن ملكه إلا أن يصلى فيه، والمصلي فيه قابض له عن نفسه، وعن الجماعة المسلمين، فخرج عن ملكه، كمن تصدق على رجل بصدقة، وأقبضها إياه. وأما الوقف فليس له قابض، وإنما يخرج عن ملكه لو جاز بقوله، وهذا الذي أثبتاه قياسًا على قوله: قد أخرجت هذه الدار عن ملكي: فلا يزول عن ملكه بقوله. فإن قال قائل: الوقف أيضًا له قابض، بمنزلة الصدقة والمسجد، بأن يجعله الواقف على يد غيره، فيخرج عن ملكه بقبضه. قيل له: إذا كان القابض إنما يصح قبضه بقول الواقف وتوكيله إياه بالقبض، فليس ذلك بقبض، لأن يد وكيله كيده، فهو مع ذلك باق في يده مع تسليمه إلى من أمره بقبضه، ومع هذا فلم يخرجه ذلك من أن تكون صحة القبض أيضًا متعلقة بقوله، فيكون خارجًا عن ملكه بقوله لا إلى مالك، وهذا فاسد بما دللنا عليه. وأيضا: فغير جائز قياس الوقف على المسجد، لأن ما يصح المسجد من أجله لا يصح تمليكه، ولا اخذ البدل عنه، وهو الصلاة فيه، فلذلك جاز خروجه عن ملكه، إذ كان ذلك حقًا خالصًا لله تعالى.

стр. 1578

وأما الأرض، فإن غلتها التي صح الوقف من أجلها، يصح أخذ البدل عنها وتمليكها، فالأصل أحرى أن يجوز نقل الملك فيها مع وقفه إياها. فإن قال قائل: اعتلالك بأن في تصحيح وقفه إزالة ملكه لا إلى مالك بقوله: منتقض بإجازتك الوقف في الوصية. قيل له: إنما أجيزه إذا أضافه إلى ما بعد الموت؛ لأن الموت يوجب زوال ملكه، فلم يزل بقوله، وإنما حظ قوله فيه: منع انتقاله إلى الوارث إذا كان في الثلث الذي يملكه الميت، فليس ذلك إزالة ملكه لا إلى مالك بقوله. [أدلة المخالفين:] واحتج مخالفنا بما روى ابن عون وغيره عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: أصيب أرضًا من خيبر، ما أصبت مالًا أنفس عندي منها، فأتيت رسول الله ﷺ أستأمره، فقال: "إن شئت حسبت أصلها، وتصدقت بها". وفى بعض ألفاظ هذا الحديث: "وتصدقت بثمرتها". وفى بعضها: "إن شئت أمسكت أصلها، وتصدقت بثمرتها". قال: "فتصدق بها عمر على أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، حتى تصدق بها في الفقراء والأقربين"، وذكر الحديث.

стр. 1579

وما روي في أوقاف النبي ﷺ ، وأوقاف علي وسائر الصحابة ﵃، وبأن عثمان اشتري بئر رومة في أيام النبي ﷺ ، وجعلها للمسلمين، فالجواب: أنه ليس فيما ذكره ما يعترض به على قولنا ولا يخالفه، وذلك لأنا نجيز جميع ذلك على ما روي في هذه الأخبار، وليس في شيء منها بيان الخلاف بيننا، لأنا نقول يجوز أن يحبس أصلها، ويتصدق بثمرتها، ويشترط فيها أنها لا تباع ولا تورث، ويكون ذلك عدة منه في أن لا يبيعها، وأمرا للورثة أن لا يعترضوا في فسخها، وإبطالها. وليس في شيء منه دليل على منع البيع، وانتقال الملك فيها، وإنما بقيت أوقاف الصحابة بعدهم على مر السنين والأوقات؛ لأن ورثتهم أمضوا على ما كان الواقف شرطه فيها. وأما وقف النبي ﷺ ، فلأنه قال: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة"، هكذا رواه مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر ﵁. واستشهد عمر على ذلك عليًا، والعباس، وطلحة، والزبير في آخرين من الصحابة ﵃، فصدقوه، واعترفوا به.

стр. 1580

وإذا كان ذلك سبيل أملاك النبي ﷺ بعد موته، فلا دلالة فيه على صحة الوقف في أملاكنا على الوجه الذي ذهب إليه مخالفنا؛ لأنه لو لم يكن وقفها، لكانت وفقًا بعد موته. فإن قيل: هذا الخبر يرد ظاهر الكتاب؛ لن الله تعالى قال حاكيُا عن زكريا: ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من إل يعقوب﴾، فأخبر أن ابنه يرثه. قيل له: لا يجوز أن يكون المراد وراثة المال، وإنما المعنى فيه وراثة النبوة، والحكمة، والقيام بالشرعية. وذلك لأنه قال: ﴿وإني خفت المولى من وراءى﴾، ومعلوم أن النبي ﵇ لا يأسف على أن يصير المال لمستحقه، بل كانت الدنيا أهون في عينه في حال حياته من أن يأسف بعد موته أن تصير لبني أعمامه. فدل أن المراد وراثة العلم والقيام بالدين، كما قال الله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ وكما روي عن النبي ﷺ : "أن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما أورثوا العلم، فمن أخذ به فقد

стр. 1581

أخذ بحظ وافر" فصل: [الوقف في مرض الموت] قال أبو جعفر: (إذا وقفها في مرضه الذي مات فيه، فخرج مخرج الوصايا: جاز كما تجوز الوصايا). قال أحمد: هذا الذي ذكره أبو جعفر عن أبى حنيفة من إجازته الوقف في المرض، فإنه شيء لا نعرفه، ولم نقرأ عنهم إلا من جهة أبي جعفر. * (وقد روى محمد عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز في المرض أيضًا، كما لا يجوز منه في صحته، وأنه لا يخرج مخرج الوصايا، وهذا هو الصحيح من قوله). مسألة: [جواز الوقف عند أبي يوسف، وصفته] قال: (وقال أبو يوسف: يجوز الوقف وإن كان مشاعًا، وغير مقبوض).

стр. 1582

وذهب فيه إلى حديث عمر في قصة خبير: "حبس أصلها". وفى بعض الألفاظ: "أمسك أصلها، وتصدق بثمرتها"، ولم يشترط فيه القبض. وكان الذي تصدق به عمر ﵁ من سهمه بخيبر مشاعا؛ لأنه إنما قسم خيبر أيامه بين من شهد فتح خيبر، وكان له فيها سهم. وفرق بين هذه الصدقة، وبين صدقة الأعيان، ولا خلاف بين أصحابنا في أن من شرط صدقة الأعيان الحيازة والقبض جميعًا فيما يقسم. ووجه الفرق بينهما عنده: أن الحق الذي تعلقت به القربة في الوقف، ليس هو العين التي عقد الوقف فيها، ولا اعتبار فيه بالقبض والحيازة؛ لأنه ليس هو المملوك به، وصدقة العين هي المملوكة بنفسها، فلذلك اعتبر فيها القبض والحيازة. * (ويجوز عند أبي يوسف إذا قال: حبسًا موقوفًا، أو حبسًا صدقة، فإذا انقرض أهل الوقف: رجعت إلى الله مصروفة في وجوه القرب منه). وذلك لأن النبي ﵊ قال لعمر: "حبس أصلها"، فأجازه بلفظ الحبس، وإن لم يذكر فيه التأبيد، فجعل أبو يوسف ذلك بمنزلة العتق أنه يصح بالقول، وفي المشاع.

стр. 1583

وروي نحوه عن المسعودي القاسم أنه قال: "من تكلم بصدقة جازت صدقته، كما يجوز عتقه" * (وأجاز أبو يوسف أن يجعله الواقف لها وفقًا على نفسه، أو على من سواه). وذلك كما يجوز أن يشرط لغيره، كذلك لنفسه، لأن الأصل قد خرج عن ملكه بوقفه إياه، فله في عقد الوقف أن يجعله لمن شاء. [الشروط المفسدة للوقف عند محمد] (وأما محمد فإنه يجيز الوقف في الحياة، إلا إنه إذا كان فيه إحدى خلال يبطل: وهو أن يكون مشاعًا، أو غير مقبوض، أو مستثنيًا الواقف لنفسه فيه شرطًا، أو كان غير مؤبد، أو لم يجعل آخره للفقراء والمساكين، أو في وجه من وجوه القرب). وإنما شرط فيه القبض والحيازة، كما شرط في صدقة الأعيان، ومنع أن يشرط لنفسه فيها شيئا، كما منع فيه المشاع، لبقاء حقه في المشاع

стр. 1584

الذي يمكن قسمته؛ لأن الثمرة والغلة مما يتأتى فيه القسمة. وأيضًا: "منع النبي ﵊ عمر بن الخطاب حين حمل على فرس في سبيل الله أن يرجع فيه، أو في شيء من نسلها بشرى أو غيره"، فكذلك الصدقة الموقوفة. ولم يجزها إذا لم يشترط آخرها للفقراء والمساكين؛ لأنه متى لم يكن كذلك: رجع إليه عند انقراض أهل الوقف، فيكون بمنزلة أن يستثني لنفسه فيه شرطًا. مسألة: [عدم جواز الوقف في المنقول إلا تبعًا] قال: (ولا يجوز الوقف في عبد، ولا في شيء سوى العقار والأرضين، إلا أن تكون أرضًا فيها بقر وعبيد لمصالحها، فيشترط وقفها مع الأصل). وذلك لأن هذه الأشياء لا تبقى مؤبدة، فتكون وفقًا بمنزلة وقف إلى مدة، فلا يجوز. وأما إذا كان شيء من العبيد والبقر لمصالح الضيعة، فإنه يجوز شرطه في الوقف، لأنه يدخل فيها على وجه التبع وإن لم يصح وقفه على حدة، كما يدخل الشرب في البيع تبعًا للأرض، وكذلك حقوق الدار، ولو أفرادها بالعقد لم يصح.

стр. 1585

مسألة: [وقف الخيل] قال: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بحبس الخيل في سبيل الله). وذلك لما روي عن علي وابن عباس ﵄، ولا يعرف عن أحد من السلف خلافه. ويدل عليه: قول النبي ﷺ : "الخيل ثلاثة: هي لرجل أجر، ولآخر ستر، وعلى آخر وزر، فأما الذي له الأجر: فالذي يحمل عليها في سبيل الله" عمومه يقتضي جواز حبسها للحمل عليها في سبيل الله، إذ لم يفرق بين ما كان منها محبوسًا، أو موهوبًا، أو معارًا.

стр. 1586

[أحكام الهبة] مسألة: [هبة الأعيان] (ولا تجوز الهبة في الأعيان إلا مقبوضة). وذلك لما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "يقول ابن آدم مالي مالي .. وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت". فشرط في صحة الصدقة إمضاءها، ومنع صحتها بالقول دون إمضائها، وهو الإقباض والتسليم، فدل أنها لا تصح إلا مقبوضة. ويدل عليه: قول أبى بكر الصديق في مرضه لعائشة ﵄: إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقًا من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني حزتيه، ولا قبضتيه، وإنما هو مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك. فقالت عائشة: وإنما هي أسماء. فقال: ألقي في روعي أن ذا بطن-

стр. 1587

بنت خارجة_ جارية، لامرأة له كانت حاملًا". فقال ذلك بحضرة من الصحابة، من غير نكير من أحد منهم عليه، فدل على موافقتهم إياه. * وقد انتظم هذا الخبر أحكامًا: منها: أن شرط صحة الصدقة الحيازة والقبض جميعًا، فدل على بطلانها في المشاع التي يمكن قسمتها وإن قبض، لعدم الحيازة. وعلى بطلانها في الثمرة في رؤوس النخل والزرع القائم في الأرض، لعدم الحيازة. ومنها: أنه إذا أضاف المال الذي له في المرض إلى الوارث، يثبت حقه فيه. ودل على أن الهبة غير جائزة للوارث في المرض، وأنها بمنزلة الوصية. ودل أيضا على أنه جائز للإنسان أن يخبر عما يغلب في ظنه من كون الحمل غلامًا أو جارية.

стр. 1588

* ومما يدل على أن من شرط الهبة والصدقة القبض: أنهما تسرع ومعروف من جهة الواهب والمتصدق، فأشبهتا القرض، من حيث كان تبرعًا ومعروفًا لم يصح بالقول دون معنى ينضم إليه. ويشبهان العارية أيضا، لما كانت تبرعًا ومعروفًا: لم يثبت حكمها بالقول دون معنى ينضم إليه، لو قال لرجل: أعرتك دابتي هذه، لم يثبت له عليه بها حق ولا مطالبته في تسليمها إليه. وكذلك لو قال: أعرتك شهرًا، لم يثبت حكمها بالقول دون معنى ينضم إليه، فوجب أن تكون الهبة والصدقة مثلها في أنهما لا يصحان بالقول. وإذا ثبت أنهما مفتقرتان في صحة وقوع الملك بهما إلى معنى غير القول، ولم يشترط أحد فيهما معنى غير القبض، وجب أن يكون القبض هو الذي يصح به وقوع الملك بعقد الهبة والصدقة. ولا يلزم على ما ذكرنا الوصية، لأنها أيضا لا يصح بالقول، ولا تلك به دون معنى آخر ينضم إليه، وهو الموت. ولو جعلنا الوصية أيضا أصلًا للهبة والصدقة: جاز أيضًا في أنه لا تملك فيها بالقول دون معنى آخر ينضم إليه، إذ كانت تبرعًا ومعروفًا، فوجب أن تكون كذلك الهبة والصدقة، لوجود العلة. ثم اختلافهما من جهة أن المعنى المضموم إلى الهبة والصدقة هو القبض، والمضموم إلى الوصية هو الموت: لم يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرنا، وهو أن كل واحد منهما لا يوجب الملك بالقول دون انضمام معنى آخر إليه. وإنما لم تحتج الوصية إلى القبض في صحة وقوع الملك به بعد

стр. 1589

الموت، من قبل أن الموت سبب لزوال الملك، سواء كانت هناك وصية، أو لم يكن، فإذا زال الملك فيه بالموت، كان له صرفه بالقول إلى من شاء إذا خرج من الثلث. مسألة: [الأولياء في قبض ما وهب للطفل] قال أبو جعفر: (ويقبض للطفل أبوه، أو وصي أبيه، أو جده إن لم يكن هذان، ووصي الجد). وذلك لأن لهم ولاية على الصغير. وكذلك كل من يتصرف عليه بالبيع والشرى، فإنه يقبض له الهبة، كما يقبض سائر حقوقه، ويتصرف عليه في سائر العقود التي يستحق التصرف فيها. قال: (ويقضيها له أيضًا من هو في عاليه وإن لم يتصرف عليه بالبيع، مثل العم، والأم). * والملتقط يقبض للقيط أيضًا. * وهو استحسان، ووجهه: أنه ليس فيه ضرر على الصغير، بل فيه نفع له. والذي هو في عياله له ضرب من الولاية عليه في إمساكه.

стр. 1590

والملتقط له ضرب من الولاية، ألا ترى أنه لو أراد غيره انتزاع الصبي منه: كان الذي التقطه بدءا أولى بإمساكه. مسألة: [العدل بين الأولاد في العطايا] قال أبو جعفر: (ينبغي للرجل أن يعدل بين أولاده في العطايا، والعدل في ذلك قول أبي يوسف: التسوية بينهم، وفي قول محمد: يجريهم على سبيل مواريثهم منه لو توفي). وجه قول أبى يوسف: حديث الشعبي عن النعمان بن بشير قال: "نحلني أبى نحلًا، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: ائت النبي ﷺ فأشهده، فأتى النبي ﵊، فذكر ذلك له، فقال: ألك سواه؟ قال: نعم. قال: وكلهم أعطيت مثل ما أعطيت النعمان؟ فقال: لا. فقال: هذا جوز، فأشهد على هذا غيري". فقوله: ألك سواه؟، وقوله: أعطيت كلهم مثل ما أعطيت النعمان؟: من غير فرق بين الذكر والأنثى، يدل على أنهما متساويان فيه. وروى عبد الله بن مسعود "أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني تصدقت على ابني صدقة، فاشهد. قال: ألك ولد غيره؟ قال: نعم. قال: قد أعطيتهم كما أعطيته؟ قال: لا. قال: لا أشهد على جور".

стр. 1591

وهذا أيضا يدل على التسوية، لأنه قال: هل لك ولد غيره؟ ولم يسأله عن الذكر والأنثى منهم، وأوجب أن يساوي بينهم في العطايا. ويدل عليه أيضا: ما روى في بعض ألفاظ حديث النعمان بن بشير حين قال: أشهد على هذا غيري، ثم قال:"أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذا". ومعلوم أن محبته لمساواتهم في البر، لا تختص بالذكر دون الأنثى، وكذلك فيما يعطيهم. ويدل عليه: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن علي بن محمد بن سليمان القطان قال: حدثنا عباد بن موسى قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا سعيد بن يوسف الرحبي عن يحيى بن أبي كثير اليمامي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :" ساووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا لفضلت البنات". فلم يفرق بين الذكور والإناث حين أمر بالمساواة بينهم. وقوله: ولو كنت مفضلا لفضلت البنات: يدل على التسوية أيضًا. وقال محمد: يجريهم على سبيل المواريث، لأنه لو مات استحقوا ماله كذلك، وكذلك في الحياة. ... *

стр. 1592

* وإن فعل خلاف ذلك: جاز في الحكم، لقول النبي ﷺ في حديث النعمان بن البشير: هذا جور، أشهد عليه غيري، فأخبر له الهبة، ولولا ذلك لما قال: أشهد عليهما غيري. مسألة: [الهبة على عوض] (والهبة على عوض: عقدها عقد هبة، وجوازها جواز البيع، فلا يصح العقد وإن شرط فيه عوض إلا بشرائط العقد الذي ليس فيه عوض مشروط من القبض والحيازة. فإذا قبضت وصحت: كانت بمنزلة البيع في وجوب الشفعة والضمان، والرد بالعيب ونحوها). قال أحمد: وجعله زفر بمنزلة البيع في سائر أحكامه، فأجازه غير مقبوض، وفي المشاع، كما يجوز البيع. والأصل فيه أنهما دخلا في عقد هبة، فلا يلزمهما عقد غيره، وكما أنه إذا كاتب عبده، ولم يجعله عتقًا على مال، وإذا باعه لم يجعله هبة، لأن كل متعاقدين دخلا في عقد، فإنما نلزمهما أحكامه، ولا يلزمهما عقد غيره. ألا ترى أنهما إذا تقابلا في عقد البيع، لم يجز لنا أن نجعلها عقدًا مستبدلًا من حيث كان عقدًا فيه بدل، في باب أنه لا يجوز إلا بتسمية ثمن، ولا يجوز على القيمة، كذلك إذا عقدًا عقد هبة وإن شرطا فيها عوضًا، لم يجز أن نجعلها عقد بيع. وكما لو أوصى لرجل بغير شرط عوضٍ، كانت وصيته صحيحة لا يبطلها عدم القبول عقيب الموت، ولم يخرجها شرط العوض عن الحكم الوصايا.

стр. 1593

ألا ترى أنها لو كانت بمنزلة البيع لما صح، لأن وقوعه متعلقًا بالموت، حتى إذا صح البدل صار بمزلة البيع. وإذا كان ذلك على ما وصفنا، قلنا لم يخرج العوض المشروط في الهبة من أن يكون عقد هبة، ثم إذا تقابضا صار بمنزلة البيع في سائر أحكامه، لأنه ملكه ببدل هو مال، وكل واحد منهما مضمون على صاحبه ببدله. ألا ترى أنه لو استحق أحدهما: كان له أن يرجع في الآخر إن وجده قائمًا بعينه، ويضمنه قيمه إن كان مستهلكًا، فلما صح له حكم البدل، صار كالبيع. مسألة: قال: (وللأب أن يقبض لابنه الصغير ما وهبه له). وذلك لأنه لو وهب له غيره، كان هو القابض له، كذلك إذا وهب له هو، لأنه لا يتعلق به ضمان، ولفائدة عليه قبض له. وروى سعيد بن المسيب عن عثمان انه قال: "من نحل ولدًا صغيرًا له، لم يبلغ أن يجوز نحله، فأعلن بها، وأشهد عليها، فهو جائز، وإن وليها أبوه". * (ولو قبضه الصغير وهو يعقل: جاز). لما روى محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير

стр. 1594

عن عائشة قالت: "أهدى النجاشي لرسول الله ﷺ حلية فيها خاتم، فدعا رسول الله ﷺ ابنة ابنته أمامة بنت أبي العاص فقال: تحلي بهذا يا بنية". مسألة: [الرجوع في الصدقة والهبة] قال: (وكل صدقة صحت، فليس فيها رجوع بحال، وكل هبة صحت لذي رحم محرم أو على عوض: فلا رجوع فيها، وله الرجوع فيها إذا لم يعوض منها، ولم تكن لذي رحم محرم). فأما الصدقة فلا خلاف أنه لا يصح الرجوع فيها بعد صحتها، والهبة لذي الرحم المحرم في معنى الصدقة، لأنه قد استحق عليها الثواب بصلة الرحم، إذ كان موضوعها موضوع القربة، كالصدقة سواء. ومن الناس من يجيز للأب الرجوع فيما وهبه لابنه، ولا يصح عندنا الرجوع فيما وهب له ما دام مستغنيًا عنها، فإن احتاج إليها: جاز له أخذهما، كما يأخذ من سائر ماله للنفقة على نفسه. وذلك لأن المعنى المانع من الرجوع في هبته سائر ذوي الرحم المحرم موجود في الابن، وهو أن موضوعها موضوع القرب، لما فيها من صلة الرحم، فأشبهت الصدقة.

стр. 1595

ومعنى ما روي عن النبي صلى الله علية وسلم أنه قال: " لا يحل لأحد أن يهب هبة، فيرجع فيها، إلا الوالد فيما وهبه لولده": فإنه إباحة لأخذها عند الحاجة. وقد يجوز أن يسمى ذلك رجوعًا فيها وإن يملك مستقبل، كما روي عن عمر ﵁ انه حمل على فرس في سبيل الله، ثم وجدها تباع في السوق، فأرد أن يشتريها، فسال النبي ﵊، فقال له النبي ﵊: لا تعد في صدقتك". فسمى شراه إياها رجوعًا في الصدقة، بأن عادت إليه بملك مستقبل. كذلك قوله ﷺ : "إلا الوالد فيما يهبه لولده"، وهو في هذا المعنى. وفائدة الخبر كان الهبة لذي الرحم المحرم لما كانت في معنى الصدقة، لما استحق بها من الثواب، قد كان يجوز أن تشبه إباحة الرجوع فيها عند الحاجة، فأفاد ﵊ أنه جائز له أخذها عند الحاجة، كما يأخذ سائر ماله وإن كانت مملوكة من جهته على وجه الهبة. فصل: [أدلة جواز الرجوع في الهبة] والحجة في جواز الرجوع في الهبة لغير ذي الرحم المحرم إذا لم يعتض عنها: ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو

стр. 1596

داود السجستاني قال: حدثنا سليمان بن داود المهري قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني أسامة بن زيد أن عمرو بن شعيب حدثه عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: "مثل الذي استرد ما وهب، كمثل الكلب يقئ، فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب، فليوقف، فليعرف بما استرد، ثم ليدفع إليه ما وهب"، فانتظم الخبر معنيين: أحدهما: كراهة الرجوع فيها، لأنه شبهه بالكلب يعود في قيئه، وذلك مستقبح في العادة. والثاني: صحة الرجوع فيها إذا رجع، ووجوب ردها عليه. وأيضًا: روي نحو قولنا عن علي وعمر وفضالة بن عبيد الأنصاري من غير خلاف من أحد من الصحابة عليهم. ويدل على صحة ذلك: ما روى ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة عن النبي ﷺ : "العائد في هبته كالكلب يقئ، ثم يعود في قيئه".

стр. 1597

فلما شبهه بالكلب يعود في قيئه، دل ذلك على صحة الرجوع مع الكراهة. ألا ترى أن ذلك الرجوع في الهبة ينبغي أن يصح حتى يقع التشبيه موقعه، وإلا فلو لم يصح الرجوع فيها رأسًا، وكان الشيء باقيًا على ملك الموهوب له، لا حق للواهب فيهو لما صح تشبيهه بالكلب الذي قد صح له الرجوع في القيء. فإن قيل: قد روي في الحديث ابن عباس عن النبي ﵊: "العائد في هبته كالعائد في قيئه". والقيء حرام على من عاد فيه، وكذلك الرجوع فيه، ولم يذكر في هذا الخبر الكلب، فيكون على وجه الاستقباح دون التحريم. قيل له: هذا خبر واحد ذكر فيه الكلب، وحذفه الآخرون. على أن الخبر الذي حذف فيه ذكر الكلب، يدل ظاهره على أن المراد به الكلب، وذلك أنه عرفه بالألف واللام، وهما يدخلان للجنس أو التعريف، فإن كان مراده التعريف، فهذا يقضي أن يكون هناك إنسان بعينه قد عاد في قيئه، فشبه به العائد في الهبة، ومعلوم أنه لم يكن هناك إنسان عاد في قيئه، فيخرج الكلام عليه، فإذا المراد به الجنس، وليس هناك جنس يعود في قيئه إلا الكلب، فعاد حكم اللفظ إليه. وأيضًا: كيف يصرف القول فيه، فقد دل على صحة الرجوع فيها وإن

стр. 1598

كان محرمًا؛ لأنه شبه بالعود في القيء، فالواجب أن يصح الرجوع فيها، حتى يصح تشبيهها بالعود في القيء، وإلا فما لم يصح وقوعه، كيف يجوز أن يشبه بما قد صح ووقع. وهو إذا رجع فيها، كان قوله لغوًا، لا له حكم له فيه وجه. وليس يمتنع أن يكون منهيًا عن الرجوع، ثم إذا رجع: صح رجوعه، كما أنه منهي عن البيع عند أذان الجمعة، ولو عقد: صح إيقاعه. ومحرم عليه الصلاة في أرض مغصوبة، والذبح بسكين مغصوبة، ولو فعل: ثبت حكمه على الوجه الذي يثبت عليه حكم المباح. فصل: [زيادة الهبة تمنع من الرجوع] (وإن زادت الهبة في بدنها: لم يصح الرجوع فيها). وذلك لأن الزيادة لم يقع عليها عقد الهبة، ولا يمكنه الرجوع في الأصل دون الزيادة، فبطل الرجوع. [موت الواهب أو الموهوب له يمنع من الرجوع] (وإذا مات أحدهما: لم يصح الرجوع). لأن الواهب إن كان هو الميت، فالوارث لم يوجب له ملكًا، ولا يصح ملكه فيما لم يوجبه، ولا ينتقل حق الرجوع في الهبة إلى الوارث، كما لا ينتقل حق الشفعة، وقد بيناها فيما سلف. وإن كان الموهوب له هو الميت، فقد انتقل الملك إلى وارثه، وهو لم يوجب هذا الملك للوارث، ولا يصح له فسخه.

стр. 1599

مسألة: [رجوع أحد الزوجين فيما وهبه للآخر] قال: (ولا يرجع أحد الزوجين فيما وهبه للآخر). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع ثنا ابن غنام بالكوفة قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا مصعب بن المقدام عن خارجة بن مصعب عن أبي الحسين عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعطى امرأته عطية، فهي له صدقة". فقال له عمر: لتأتيني بمن يشهد على هذا. فقال: عائشة سمعت هذا، فأرسلوا إلى عائشة، فقالت: صدق. سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. فلما لم يصح الرجوع في الصدقة، لم يصح في الهبة الرجوع، إذ كانت بمثابة الصدقة. وإذا لم يصح رجوع الزوج فيما وهبه لامرأته بدلالة السنة، لم يصح في الهبة رجوعها أيضًا فيما تهبه له، لأن أحدًا لم يفرق بينهما.

стр. 1600

فصل: [لا يصح الرجوع في الهبة إلا بقضاء أو برضا الموهوب له] (وإذا صحت الهبة: لم يصح الرجوع فيها إلا بقضاء قاض، أو برد الموهوب له ذلك إليه). وذلك لأن الملك قد تم للموهوب له. واحتج إلى فسخه، ولم ينفسخ بقول الواهب دون ما وصفنا، كالشفعة، والرد بالعيب بعد القبض، وكالنكاح إذا احتج إلى فسخه لعنة الزوج ونحوها. مسألة: [العمرى] قال أبو جعفر: (والعمرى كالهبة في جميع ما وصفنا، وهي أن يقول الرجل للرجل: قد أعمرتك داري هذه حياتك، ويسلمها إليه، ويقبضها منه، واشترط المعمر رجوعها إليه باطل). وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا بشر بن عمر قال: حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عنه أبي سلمة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ثنا محمد بن موسى ابن إسماعيل قال: حدثنا أبان عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر أن

стр. 1601

رسول الله ﷺ كان يقول: "العمرى لمن وهبت له". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال: حدثنا إبراهيم بن أبي سويد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر الأنصار؟ عليكم أموالكم لا تعمروها، فمن أعمر شيئًا فهو له حياته ومماته". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حامد بن محمد قال: حدثنا شريح قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ قال: "من أعمر عمرى، فهي له ولعقبه بتاتًا، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا مثنوية". فهذه الآثار كلها تدل على أن العمرى هبة صحيحة، وأن شرط

стр. 1602

المعطى فيها حياته باطل. فإن قيل: إنما عنى بها العمرى التي يقول فيها: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فهو كما قال، وترجع إلى الواهب بعد موت الموهوب له. وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال: "إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما الذي قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها". قيل له: الأخبار التي قدمناها من لفظ النبي ﷺ أولى بالاستعمال من قول الراوي وتفسيره، لأن قول النبي ﷺ . وقد أبطل لفظ النبي ﵊ هذا التأويل في الحديث ابن أبى ذئب الذي ذكرناه حين قال: [:"هي له ولعقبه بتاتًا". وأما قوله:] "هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها": يجوز أن

стр. 1603

يكون من كلامه الزهري؛ لأن قتادة قد ذكر عنه مثل ذلك من قوله في كلام جرى بينه وبينه، عند بعض الأمراء. [الهبة لا تفسدها الشروط الفاسدة] قال أحمد: وحديث العمرى وإجازة النبي ﷺ إياها، وإبطاله الشرط فيها، أصل في ان عقد الهبة لا تفسدها الشروط الفاسدة، لأن النبي ﷺ لم يحكم بفسخ الهبة حين وقعت على شروط فاسدة. وفارقت البيع في إفساده بالشروط، لأن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط. فصل: [الرقبى] قال أبو جعفر: (والرقبى مثل العمرى في قول أبي يوسف، وهي أن يقول: أرقبتك داري هذه، ويقبضها على ذلك. وفي قول أبي حنيفة ومحمد الرقبى عارية، لا يملكها المرقب).

стр. 1604

وذلك لما روي عن النبي ﵊ "أنه أجاز العمرى، وأبطل الرقبى". ومعنى الرقبى: أن تكون الملك مترقبًا، فيقول هو الآخر من بقى مني ومنك. وروي نحو ذلك عن مجاهد في تفسير الرقبى، فهو لم يملكه بعد شيئًا، ولذلك كان باقيًا على ملك مالكه. والعمرى ليست كذلك، لأنه قد ملكه ملكًا واقعيًا في الحال، وإنما شرط رجوعه إليه بعد الموت، فبطل شرطه، ولم ينفسخ ملكه، ولذلك اختلفا. * وأما أبو سيف فإنه جعلهما عقدًا واحدًا، وإن اختلفت العبارة منه، تارة بالعمرة، وتارة بالرقبى. وقد روي عن ابن عباس عن النبي ﵊ أنه قال: "الرقبى والعمرى جائزة". وروي عن حجر عن زيد بن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال:

стр. 1605

"لا ترقبوا شيئًا، فمن أراقب شيئًا، فهو سبيل الميراث". ويجوز أن تكون الرقبى المذكورة في هذه الأخبار: بعد أن يهبها، ويشترط رجوعها إليه بعد الموت كالعمرى؛ لأن هذا يجوز أن تسمى رقبى، إذ كان مترقبًا لموته في رجوع الهبة. مسألة: قال: (ولا تجوز هبة المشاع فيما يقسم). وذلك لقول أبي بكر الصديق لعائشة: "إنك لم تكوني حزتيه، ولا قبضتيه"، فشرط الحيازة مع القبض، وذلك بمحضر من الصحابة، من غير نكير من أحد منهم عليه. وما أمكن قسمته وحيازته: لم تصح فيه مشاعًا الهبة، وإذا كانت صحة العقد متعلقة بالقبض والحيازة، والمشاع لا يتأتى فيه قبض صحيح على وجه الحيازة فيه ساقط. فإن قال قائل: روي "أن النبي ﷺ لما كان بالروحاء في حجة الوداع رأى حمار وحش عقيرًا، فقال رسول الله

стр. 1606

صلى الله عليه وسلم: دعوه، فإنه سيطلبه صاحبه. فجاء رجل من بهز، فقال: يا رسول الله! إني أصبت هذا، فشأنكم به، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسم لحمه بين الرفاق". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت النبي ﷺ "وجاءه رجل ومعه كبة من شعر، فقال: أخذت هذه لأصلح بردعه لي. فقال رسول الله ﷺ : ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك.

стр. 1607

فقال الرجل: أما إذا بلغت، فلا أرب لي فيها، ونبذها". فهذا يدل على جواز هبة المشاع فيما يحتمل القسمة. قيل له: أما الحديث الأول: فعلى وجه الإباحة لا الهبة، وذلك يجوز عندنا. وأما قوله في الحديث الثاني، فإنما جعل له نصيبه من الغنيمة، ولا خلاف أن هبة النصيب من الغنيمة لا تجوز قبل القسمة، وإنما مراده: أنه سأهب لك ما يحصل لي منها بالقسمة، وأسأل بني عبد المطلب أن يهبوا لك أنصباءهم. مسألة: [هبة الدار أو الصدقة بها على رجلين] قال أبو جعفر: (ومن وهب أو تصدق بدار على رجلين: لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة). وذلك لأن كل واحد منهما لا يصح له الملك بالهبة إلا بالقبض، وقبض المشاع فيما يحتمل القسمة لا يصح بالهبة، ألا ترى أنه لو وهب لكل واحد منهما نصف دينار على حدة، لم تصح هبته، ولم يملك بها، كذلك إذا وهب لهما في صفقة واحدة.

стр. 1608

وليست الهبة في هذا كالرهن، لو رهن دارا من رجلين: جاز في قولهم جميعًا؛ لأن جميعها رهن لهذا، وجميعها رهن لهذا، ألا ترى أنه لو قضى أحدهما دينه: كان للآخر حبس جميعها بدينه، ولا يجوز أن يقع الملك في الجميع لكل واحد منهما. ولو وهب رجلان لرجل دارًا: جاز في قولهم جميعًا، وذلك لأن الهبة لما كانت صحتها متعلقة بالقبض، وحصل قبض محوزًا مقسومًا: جازت، ولم يعتبر الواهبان. *وجمع أبو جعفر بين الهبة والصدقة في السؤال، ثم أجاب فيهما بجواب واحد، وهو مختلف إذا كانت الصدقة على فقيرين؛ لأنه لا خلاف بينهم في جوازها إذا كانت على فقيرين وإن كانت فيما يقسم، وإنما الصدقة بمنزلة الهبة إذا كانت على عبدين، فيكون على الخلاف. وإنما اختلف حكم الهبة والصدقة على الفقير فيما وصفنا على قول أبي حنيفة، من قبل أن الصدقة مخرجها القرب، فهي حق لله تعالى، فلما كان الذي له الحق واحدًا: لم تمنع صحتها بقبض الرجلين، كرجل وهب لرجل، ووكل الموهوب له رجلين بالقبض: فيصح. * (وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما أجازا الهبة من رجلين فيما يقسم إذا كانت صفقة واحدة).

стр. 1609

لأنهما عقد واحد في محوز مقسوم، ولا يبطلها كون الموهوب له اثنين. ألا ترى أنه لو باع عبدين من رجلين بثمن واحد: جاز، ولم يعتبر ما لكل واحد منهما من الحصة في العقد، ولو اعتبرت الحصة: بطل العقد، وكذلك ما وصفنا. ولو وهبها لرجلين لكل واحد منهما نصفها: لم يجز أيضًا في قول أبي حنيفة، وجاز في قولهما. وإنما جاز على قولهما وإن سمى لكل واحد مهما نصفها؛ لأن ما ذكره من تسمية النصف هو الذي أوجبه العقد، فتسميته وتركه سواء. ولو قال: قد وهبت لكما هذه الدار ثلثها لهذا، وثلثيها لهذا: لم يجز في قول أبي يوسف؛ لأن ذلك بمنزلة، إذ ليست القسمة على الثلثين والثلث من موجب العقد الأول. وفي قول محمد هي جائزة، لأن ذكره الثلثين والثلث، لا يخرج العقد من أن يكون صفقة واحدة، ألا ترى أنه لو قال لرجلين: قد بعتكما هذا العبد بألف درهم، ثلثه لهذا، وثلثاه للآخر: أن ذلك صفقة واحدة، كذلك ما وصفنا.

стр. 1610

كتاب اللقطة والآبق مسألة: [حكم أخذ اللقطة، وما ينبغي على الملتقط] قال أبو جعفر: (وإذا وجد الرجل لقطة، فينبغي له أن يعرف عفاصها، ووكاءها، وكيلها، وعددها، ووزنها، وأن يشهد أنه إنما يأخذها ليعرفها، ثم يعرفها بعد ذلك سنة في الأسواق، وعلى أبواب المساجد، فإن جاء صاحبها، واستحقها ببينة أقامها عليها: دفعها إليه، وإلا: تصدق بها، ولم يأكلها، إلا أن تكون ذا حاجة إليها). قال أحمد: هذا الفصل يشتمل على مسائل: منها: أن له أخذ اللقطة. ومنها: معرفة العفاص: أي الوعاء، والوكاء، والوزن. ومنها: تعريفها حولًا. ومنها: أن مدعيها لا يستحقها إلا بالبينة. ومننها: أنه لا يأكلها إذا كان غنيًا.

стр. 1611

[أدلة إباحة اللقطة] وأما وجه إباحة أخذها: فلقول النبي ﷺ : "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل". فأباح أخذها، وأمر بالإشهاد عليها. ومنها: "حديث أبي بن كعب أنه وجد صرة فيها مائة دينار، فأمره النبي ﷺ بتعريفها، فلما لم يجد من يعرفها قال: احفظ عددها ووكاءها". وروى زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ مثل ذلك. ولم يذكر النبي ﵊ أن على الملتقط أخذها، فدلت على أن لواجدها التعريف والرد على صاحبها. ويدل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" أن النبي ﷺ قال في ضالة الغنم: لك، أو لأخيك، أو للذئب، خذها".

стр. 1612

* فأما وجه ما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤوي الضالة إلا ضال": فهو على أنه إذا أراد أخذها لنفسه، أو ليأكلها وهو غني عنها، بدلالة الأخبار الموجبة لإباحة أخذها. [معرفة أوصاف اللقطة ودفع اللقطة بذكرها] وأما قوله: فليعرف عفاصها ووكاءها: فإنما روى أبي بن كعب وزيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: "فليعرف عفاصها ووكاءها". وقد تنازع أهل العلم في معنى أمره ﵊ بمعرفة العفاص والوكاء. فقال قائلون: المعنى فيه: أن يعرف على هذا الوجه، ليتميز من ماله، ولا يختلط به. وقال آخرون: لكي إن جاء من عرف صفتها ووزنها، [فلا] يمنع الملتقط دفعها إليه، وإن لم يستحقها من جهة الحكم. وقال آخرون: هذا يدل على أن من جاء ووصف صفتها: استحقها

стр. 1613

بالصفة وغن لم تقم له بينة، وهو قول ابن أنس. والوجهان الأولان صحيحان عندنا، والوجه الثالث فيه خلل، وذلك لقوله النبي ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". واسم المدعي لازم [لطالب] اللقطة، فلا يصدق عليها إلا ببينة؛ والصفة ليست ببينة، لأن رجلًا لو ادعى شيئًا في يد غيره: لم تكن صفته إياه موجبة له استحقاقه، ولا كانت الصفة ببينة. وكذلك لو تنازع رجلان شيئًا في أيديهما، ووصفه أحدهما بصفة لم يصفه بها الآخر، لم يجز أن يستحقه الواصف دون الآخر. وقال النبي ﷺ للمدعي الذي خاصم صاحبه في أرض ادعاها: "شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك". وقال النبي ﷺ : "لو أعطي الناس بدعاويهم: لادعى ناس دماء ناس، وأموالهم، ولكن البينة على المدعي". فمنع أن يستحق أحد بقوله شيئًا.

стр. 1614

* فإن احتجوا بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد وربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن اللقطة فقال: عرفها سنة، ثم أعرف وكاءها وعفاصها، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها، فادفعها إليه. قال: وقال حماد أيضًا: عن عبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده النبي ﷺ مثله. وبما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد قال: حدثنا سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال في اللقطة، وذكر الحديث، وقال: "فإن جاء صاحبها، فعرف عددها ووكاءها، فادفعها إليه". * قيل له: لفظ الحديث في الأصل: "فإن جاء صاحبها". وفي بعضها: "فإن جاء ربها، فادفعها إليه". وقد روى جماعة عن ربيعة عن شيوخ حماد بن سلمة الذين روى

стр. 1615

عنهم، فلم يذكروا فيه: "فعرف عفاصها، فأدفعها إليه"، وإنما غلط فيه حماد ين سلمة على ما قيل. حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: هذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة في حديث سلمة بن كهيل ويحيى بن سعيد وربيعة وعبيد الله: "إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها"، وأهل النقل لا يشكون في كثرة غلط حماد بن سلمة. ورواه أيضًا عقبة بن سويد عن أبيه عن النبي ﷺ فقال فيه: "فإن جاء صاحبها فادفعها إليه"، ولم يقل: "فعرف عفاصها". وعلى أنه لو ثبت لفظ حديث حماد بن سلمة: كانت فائدته إباحة دفعها إليه بعد الصفة، لا على جهة استحقاقها من جهة الحكم، لدلائل الشبه والأصول. فإن قيل: قد اعتبرتم العلامة في مواضع المستأجر والمؤجر وإذا اختلفا في أبواب، أو جذوع موضوعة في الدار، أنها إن كانت مشبهة للجذوع
следующие страницы →