Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
[أدلة إباحة اللقطة]
وأما وجه إباحة أخذها: فلقول النبي ﷺ : "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل".
فأباح أخذها، وأمر بالإشهاد عليها.
ومنها: "حديث أبي بن كعب أنه وجد صرة فيها مائة دينار، فأمره النبي ﷺ بتعريفها، فلما لم يجد من يعرفها قال: احفظ عددها ووكاءها".
وروى زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ مثل ذلك.
ولم يذكر النبي ﵊ أن على الملتقط أخذها، فدلت على أن لواجدها التعريف والرد على صاحبها.
ويدل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" أن النبي ﷺ قال في ضالة الغنم: لك، أو لأخيك، أو للذئب، خذها".
стр. 1612
* فأما وجه ما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤوي الضالة إلا ضال":
فهو على أنه إذا أراد أخذها لنفسه، أو ليأكلها وهو غني عنها، بدلالة الأخبار الموجبة لإباحة أخذها.
[معرفة أوصاف اللقطة ودفع اللقطة بذكرها]
وأما قوله: فليعرف عفاصها ووكاءها: فإنما روى أبي بن كعب وزيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: "فليعرف عفاصها ووكاءها".
وقد تنازع أهل العلم في معنى أمره ﵊ بمعرفة العفاص والوكاء.
فقال قائلون: المعنى فيه: أن يعرف على هذا الوجه، ليتميز من ماله، ولا يختلط به.
وقال آخرون: لكي إن جاء من عرف صفتها ووزنها، [فلا] يمنع الملتقط دفعها إليه، وإن لم يستحقها من جهة الحكم.
وقال آخرون: هذا يدل على أن من جاء ووصف صفتها: استحقها
стр. 1613
بالصفة وغن لم تقم له بينة، وهو قول ابن أنس.
والوجهان الأولان صحيحان عندنا، والوجه الثالث فيه خلل، وذلك لقوله النبي ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
واسم المدعي لازم [لطالب] اللقطة، فلا يصدق عليها إلا ببينة؛ والصفة ليست ببينة، لأن رجلًا لو ادعى شيئًا في يد غيره: لم تكن صفته إياه موجبة له استحقاقه، ولا كانت الصفة ببينة.
وكذلك لو تنازع رجلان شيئًا في أيديهما، ووصفه أحدهما بصفة لم يصفه بها الآخر، لم يجز أن يستحقه الواصف دون الآخر.
وقال النبي ﷺ للمدعي الذي خاصم صاحبه في أرض ادعاها: "شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك".
وقال النبي ﷺ : "لو أعطي الناس بدعاويهم: لادعى ناس دماء ناس، وأموالهم، ولكن البينة على المدعي".
فمنع أن يستحق أحد بقوله شيئًا.
стр. 1614
* فإن احتجوا بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد وربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن اللقطة فقال: عرفها سنة، ثم أعرف وكاءها وعفاصها، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها، فادفعها إليه.
قال: وقال حماد أيضًا: عن عبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده النبي ﷺ مثله.
وبما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد قال: حدثنا سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال في اللقطة، وذكر الحديث، وقال: "فإن جاء صاحبها، فعرف عددها ووكاءها، فادفعها إليه".
* قيل له: لفظ الحديث في الأصل: "فإن جاء صاحبها".
وفي بعضها: "فإن جاء ربها، فادفعها إليه".
وقد روى جماعة عن ربيعة عن شيوخ حماد بن سلمة الذين روى
стр. 1615
عنهم، فلم يذكروا فيه: "فعرف عفاصها، فأدفعها إليه"، وإنما غلط فيه حماد ين سلمة على ما قيل.
حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: هذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة في حديث سلمة بن كهيل ويحيى بن سعيد وربيعة وعبيد الله: "إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها"، وأهل النقل لا يشكون في كثرة غلط حماد بن سلمة.
ورواه أيضًا عقبة بن سويد عن أبيه عن النبي ﷺ فقال فيه: "فإن جاء صاحبها فادفعها إليه"، ولم يقل: "فعرف عفاصها".
وعلى أنه لو ثبت لفظ حديث حماد بن سلمة: كانت فائدته إباحة دفعها إليه بعد الصفة، لا على جهة استحقاقها من جهة الحكم، لدلائل الشبه والأصول.
فإن قيل: قد اعتبرتم العلامة في مواضع المستأجر والمؤجر وإذا اختلفا في أبواب، أو جذوع موضوعة في الدار، أنها إن كانت مشبهة للجذوع
стр. 1616
التي في بناء الدار لو كان أحد مصراعي باب مركب في بيت من الدار، كان القول قول المؤجر، وإن كان مخالفًا لما في الدار، فالقول قول المستأجر.
وقلتم في اللقط إذا ادعاه رجلان، ووصف أحدهما علامة في جسده، فصاحب العلامة أولى به، فهلا حكمتم بالعلامة في اللقطة.
قيل له: أما مسألة المستأجر والمؤجر واختلافهما، فليست من مسألتنا في شيء؛ لأنه لم يصف هناك أحدهما علامة استحق بها شيئًا، وإنما لهما جميعًا يد في الدار.
وكان اشتباه جذوع الدار، ومصراعي الباب، دلالة على تأكيد أحدهما، كما في الزوجين إذا اختلفا في متاع البيت، فإنما يعتبر من هذا المعنى أيضًا في المواضع التي تكون يد كل واحد منهما ثابتة في جميع الشيء المدعى من جهة الحكم، فأما إن كان في يد كل واحد منهما نصفه، فهذا الاعتبار ساقط.
وأما مسألة اللقطة، فإنما يريد المدعي استحقاق يد من هي في يده بالعلامة والصفة، وذلك غير جائز بدلالة السنة، واتفاق الجميع على أن المدعي لا يستحق بالعلامة شيئًا في سائر المواضع.
وأما مسألة اللقيط، فغير مشبهة لما ذكرنا أيضًا؛ لأن المدعي لنسب اللقيط مصدق في دعوته لو انفرد بها من غير بينة ولا علامة، فإذا تنازعه رجلان، واختص أحدهما بذكر العلامة: كان ذلك مؤكدًا لدعوته، وجاعلًا له مزية ليست للآخر، فلذلك اختلفا.
стр. 1617
وإنما أثبتنا حكم العلامة والصفة في تأكيد الدعوة، لا في إثبات النسب؛ لأن النسب يثبت بنفس الدعوة من غير ذكر علامة.
فصل: [تعريف اللقطة حولاً]
وأما التعريف، فلما ذكر في سائر الأخبار التي قدمنا أن النبي ﷺ أمر بتعريفها حولاً.
*وإنما قلنا إن الملتقط إذا كان غنياً: لم يأكل منها، لقول الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، وهذه أمانة قد حصلت في يده مأمور بردها، قلا يجوز له أكلها؛ لأن أكله إياها ينافي الرد.
فإن قبل: والصدقة بها تنافي الرد، فينبغي أن لا يتصدق بها.
قيل له: كذلك يقتضيه الظاهر، إلا أن خصصناه بالاتفاق.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾.
[الانتفاع باللقطة]
واللقطة مال الغير، فلا يجوز لملتقطٍ أكلها إلا بالتراضي، وأجزنا للمتصدق عليه أكلها بالاتفاق، وخصصناه من الآية.
ويدل عليه قول رسول الله ﷺ : "لا يحل مال امرئٍ
стр. 1618
مسلمٍ إلا بطيبة من نفسه".
وقال النبي ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترد".
وقال النبي ﷺ : "لا يحلبن أحدكم ماشية غيره بغير إذنه".
وقال مطرف بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ : "ضالة المؤمن حرق النار".
وروى جرير بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "لا يؤوي الضالة إلا ضال".
ومعلوم أن المراد: إذا أخذها لنفسه وهو غني عنها، بدلالة اتفاق الجميع على جواز أخذها للتعريف والرد.
فإن قيل: اللقطة لا تسمى ضالة.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن في حديث عبد الله بن الشخير قال: (قدمنا على النبي ﷺ في نفرٍ فقال: ألا أحملكم؟
стр. 1619
قلنا: نجد في الطريق هوامي الإبل، فقال رسول الله ﷺ : ضالة المؤمن حرق النار".
فأجاب عن الإبل، فذكر الضالة، فدل أن الاسم يتناولها.
ويدل عليه ما روي أن قلادة لعائشة ضلت.
ويدل عليه حديث عياض بن حمار المجاشعي أن النبي ﷺ قال: "من وجد لقطة، فليشهد ذوي عدل، ولا يكتم ولا يغيب، فإن جاء صاحبها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء".
وفيه وجهان من الدلالة على قولنا:
أحدهما: أنه نهى عن الكتمان والتغييب، وذلك يمنع استهلاك العين.
والثاني: قوله: وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء: وهذا الاسم إنما يتناول المال الذي سبيله الصدقة، والقربة إلى الله به.
ويدل عليه ما روي في الحديث: "إذا بلغ بنو مروان ثلاثين رجلًا اتخذوا مال الله دولًا، وعباد الله خولًا".
стр. 1620
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار قال: حدثنا خالد بن يوسف قال: حدثنا أبي قال: حدثنا زياد بن سعد قال: حدثني سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ وسئل عن اللقطة:
"لا تحل اللقطة، من التقط شيئًا: فليعرفه سنة، فإن جاء صاحبه: فليرده إليه، فإن لم يأت: فليتصدق به، فإن جاء: فليخبره بين الأجر، وبين الذي له".
وقوله: لا تحل اللقطة: يمنع الملتقط الانتفاع بها في حال الغنى والفقر، إلا أن جوزنا له ذلك في حال الفقر، للاتفاق؛ لأنه أمر بالصدقة.
وقوله: فليتصدق به: ينافي أكل الملتقط إياه إن كان غنيًا.
ويدل عليه حديث: أنس "أن النبي ﷺ وجد تمرة فقال: لولا أن تكوني من الصدقة لأكلتك".
وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون شأنها الصدقة؛ لأنها لقطة،
стр. 1621
ويجوز كونها من بين الصدقة.
وأي الوجهين كان: منع الغني الانتفاع به؛ لأن الغني لا يحل له أكلها إن كانت من الصدقة، ولا إذا كان شأنها الصدقة.
وأظهر الوجهين فيه: أن يكون أجاز: شأنها أنها صدقة، من حيث كانت لقطة، كقوله تعالى: ﴿لولا أن من الله علينا لخسف بنا﴾، وقوله تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾، فيه تحقيق الصفة، كذلك ما وصفنا.
* فإن قال قائل: في حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال له بعد تعريفها ثلاثة أحوال:
"احفط عددها ووكاءها ووعاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها".
وفي حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال:
"عرفها سنة، ثم اعرف عفاصها ووكاءها، ثم استنفق بها، فإن جاء
стр. 1622
ربها، فأدها.
فقال: يا رسول الله! فضالة الغنم؟
فقال: خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب.
قال: يا رسول الله! فضالة الإبل؟
قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، وقال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها حتى يأتيها ربها".
وفي حديث عبد الله بن يزيد عن أبيه عن يزيد بن المنبعث عن زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ مثل حديث ربيعة قال:
وسئل عن اللقطة، فقال: تعرفها حولًا، فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلا عرفت وكاءها وعفاصها، ثم أفضها في مالك، فإن جاء صاحبها دفعتها إليه".
ورواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ وذكر الحديث، وقال: "فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإلا فهي لك".
وفي حديث عقبة بن سويد عن أبي عن النبي ﵊ في
стр. 1623
اللقطة قال: "فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها".
وروى بكير الطائي عن أبي البختري قال: "وجد علي ﵁ دينارًا. قال علي: فاشتريت به حنطة، ثم أخبرت النبي ﵊، فقال: رزق سيق إليك، فأكل وأكلنا.
ثم جاء صاحب الدينار، فقضاه النبي ﷺ ".
والنبي وعلي ﵉ لم يكونا ممكن تحل لهما الصدقة، وقد أكلا منها.
وجميع هذه الأخبار تدل على أن لواجد اللقطة الانتفاع بها، وأكلها بعد التعريف وإن كان غنيًا.
* قيل له: أما قوله في حديث أبي: فاستمتع بها: فلا دلالة فيه على موضع الخلاف بيننا؛ لأن أبيا كان فقيرًا.
والدليل عليه: "أن أبا طلحة لما جعل أرضًا له لله، فأتى النبي ﷺ ، فقال: اجعلها في فقراء قرابتك، فجعلها في حسان وأبي بن كعب".
- وأما قوله في حديث زيد بن خالد الجهني: ثم استنفق بها: فإن معناها في الصدقة؛ لأن الصدقة تسمى نفقة، قال الله تعالى: ﴿وأنفقوا من ما
стр. 1624
رزقكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾.
وقال: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وإنما المراد الصدقة.
وقوله: أستنفق بها: معناها: تصدق بها، والله أعلم.
وأيضًا: يحتمل أن يكون الرجل كان فقيرًا، يجوز له أكل الصدقة.
- وأما لفظ عبد الله بن يزيد عن أبيه وقوله: أفضها في مالك: فلا دلالة فيه على جواز الأكل، وإنما فيه الأمر بحفظها، وإجرائها فيما بين ماله في الموضع الذي يحوز فيه ماله.
- وأما قوله في حديث حماد بن سلمة: فهو لك: فإن حمل على حقيقة لفظه، لوجب أن يكون مالكاً لها، ولا خلاف أن الملتقط لا يملكها، فإذا معناه: لك إمساكها، كما "قال عبد الله بن رواحة لليهود حين بعثه النبي ﷺ خارصًا: إن شئتم فلكم، وإن شئتم لي".
وإنما أضافه إلى نفسه، لا على جهة أنه يملك استهلاك الثمر، والانتفاع بها، لكنه لما كان هو المتولي لخرصها، والقيام فيها: جاز أن يقال: وإن شئتم فلي.
стр. 1625
- وأما قوله في حديث عقبة بن سويد عن أبي عن النبي ﷺ : فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها: فإنه لا يوجب جواز الأكل والانتفاع بها، لاحتمال أن يكون شأنك بها في الإمساك أو الصدقة، ويحتمل أن يكون فقيرًا.
- وأما حديث علي: فإن أصله ما حدثنا محمد بن بكر قال: ثنا أبو داود قال: ثنا جعفر بن مسافر قال: ثنا ابن أبي فديك قال: ثنا موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم عن سهل بن سعد أخبره "أن عليًا دخل على فاطمة، والحسين والحسن يبكيان، فقال: ما يبكيهما؟
قالت: الجوع.
فخرج علي فوجد دينارًا بالسوق، فجاء إلى فاطمة فأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلانٍ اليهودي، فخذ لنا دقيقاً، فقال اليهودي: أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول الله؟
قال: نعم.
قال: فخذ دينارك، ولك الدقيق.
فخر علي ﵁، فجاء فاطمة فأخبرها.
فقالت: اذهب إلى فلانٍ الجزار، فخذ لنا بدرهمٍ لحمًا، فذهب فرهن الدينار بدرهم لحمًا، فذهب فرهن الدينار بدرهم لحمًا، فجاء به، فعجنت وخبزت، وأرسلت إلى أبيها، فجاءهم فقالت: يا رسول الله! أذكر لك، فإن رأيته لنا حلالًا أكلنا، وأكلت معنا، من شأنه كذا وكذا.
стр. 1626
فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا منه، فبينا هم مكانهم، إذا غلام ينشد الله والإسلام الدينار، فأمر رسول الله ﷺ ، فدعي له، فسأله، فقال: سقط مني في السوق.
فقال النبي ﷺ : يا علي! اذهب إلى الجزار، فقل له: إن رسول الله يقول لك: أرسل بالدينار، وإن درهمك علي، فأرسل به، فدفعه رسول الله إليه".
فإذا كان هذا أصل الحديث، فلا دلالة فيه لمخالفنا؛ لأنه اشترى الدقيق بدينار في ذمته، وأما اللحم فإنما أخذه الجزار على وجه الرهن، ولا دلالة فيه على جواز الاستهلاك للعين.
ألا ترى أن للوصي وللأب أن يرهنا مال الصغير بدين عليهما، ولا يدل ذلك على أن لهما استهلاك العين لأنفسهما.
وكما كان له أن يودعه غيره بغير ضمان يلحقه، كذلك الرهن، لأنه يصير مضمونًا عليه.
* ويدل على صحة قولنا من جهة النظر: اتفاق الجميع على أنه ليس للملتقط أن يعطيه عينًا غيره، فدل على أنه لا يجوز له إذا كان عينًا
стр. 1627
الانتفاع به؛ لأنه لو جاز له ذلك، لجاز لغيره من الأغنياء مثله.
فصل: [ضمان اللقطة]
وإنما قلنا إذا تصدق بها، أن صاحبه مخير بين الأجر والضمان، لحديث أبي هريرة الذي قدمناه، ولا خلاف مع ذلك بين أهل العلم فيه فيما أعلمه.
وكذلك يضمن المساكين أيضًا إن عرفهم بأعيانهم؛ لأنهم أخذوا ماله بغير إذنه، كما له تضمين الملتقط إذا سلم ماله إليهم بغير إذنه.
مسألة: [ضمان اللقطة حال ضياعها]
قال أبو جعفر: (فإن ضاعت اللقطة في يد الملتقط، فإن كان أشهد حين التقاطها أنه أخذها للتعريف: فلا ضمان عليه، فإن لم يشهد: فهو ضامن في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه فيها بحال بعد أن يحلف بالله: ما أخذها إلا لتعريفها).
وجه قول أبي حنيفة: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود
قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا خالد الطحان عن خالد الحذاء عن أبي العلاء- يعني ابن الشخير- عن مطرف بن عبد الله عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم:
"من وجد لقطة، فليشهد ذوي عدل، ولا يكتم، ولا يغيب، فإن
стр. 1628
وجد صاحبها، فليردها عليه، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء".
فأمره بالإشهاد عليها عند أخذها، فصار ذلك شرطًا في إباحة الأخذ، فلا يجوز له أخذها إلا على هذا الشرط، فإذا أخذها من غير الوجه الذي أبيح له فيه الأخذ: ضمن؛ لأنه غاصب، لأخذه ما لم يكن له أخذه.
ويدل عليه أيضًا: قوله: ولا يكتم، ولا يغيب: وفي تركه إشهادها، والإشهاد عليها: كتمانها وتغييبها، وذلك يوجب ضمانها من حيث أمسكها على وجه لم يؤمر فيه بإمساكها.
ويدل عليه قول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلمٍ إلا بطيبة من نفسه".
وظاهره يمنع أخذها في جميع الأحوال، إلا حال تقوم الدلالة عليها، وهي حال الإشهاد، بدلالة خبر عياض بن حمار.
ويدل عليه حديث عبد الله بن الشخير عن النبي ﷺ : "ضالة المؤمن حرق النار"، وقوله "لا يؤوي الضالة إلا ضال"، وذلك يمنع أخذها، إلا أن يقوم الدلالة عليه، وقد قامت الدلالة على حال والإشهاد في إباحة الأخذ.
стр. 1629
وأيضًا: فمن أخذ شيء غيره، فالظاهر أنه أخذه لنفسه، ومن أخذ شيئا لنفسه: فعليه ضمانه، إلا أن يأخذه بإذن مالكه، ومن حيث أبيح له أخذه.
* ووجه قول أبي يوسف ومحمد: أنه لما كان جائزًا له الأخذ، لم يختلف فيه حكم الإشهاد وغيره في باب سقوط الضمان عنه، إلا أن يكون عزمه أخذها لنفسه، فيضمنها، ويستحلف عليها، والقول فيه قوله أنه أخذها للرد.
مسألة: [الإنفاق على ضوال الحيوانات]
قال: (وإن وجد شاًة أو بعيرًا أو نحوهما، فأنفق عليه: فهو متطوع، كمن جاء إلى دابة رجلٍ فعلفها بغير أمر مالكها: فلا ضمان له على صاحبها.
فإن أنفق عليها بأمر قاضٍ: كان ما أنفق دينًا فيها، فإن قضاه صاحبها، وإلا يبعث له فيها).
لأن تصرف القاضي جائز على الغائب في مثل ذلك، لما فيه حفظ ماله، فصار أنه أنفقها بأمره.
وإنما كانت النفقة دينًا فيها؛ لأنه أمر بها على وجه الاحتياط لصاحبها في حفظ ماله، ليسلم له ماله، ولا يتلف، فيجعله دينًا فيها، كي إن تلفت لم يلحقه ضمان من غير حصول نفع له.
* (فإن رأى القاضي بيعها أو إجارتها: جاز على حسب ما يرى من المصلحة).
[أخذ ضالة الإبل]
(ومن وجد بعيرًا ضالًا، فالأفضل له أخذه، ويعرفه، لما فيه من
стр. 1630
إيصال ذي الحق إلى حقه).
قال الله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ضالة المؤمن حرق النار"، وقال: "لا يؤوي الضالة إلا ضال".
قيل له: إذا أراد أخذها لنفسه، لا للرد.
فإن قيل: سئل النبي ﷺ عن الإبل فقال: ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر".
قيل له: هذا في الموضع الذي لا يخشى ضياعه على صاحبه.
مسألة: [الجعل لراد العبد الآبق]
قال: (ومن وجد عبدًا آبقًا خارج المصر على مسيرة ثلاثة، فرده: فله جعله أربعون درهمًا).
قال أحمد: القياس أن لا شيء له، كمان لو رد بعيرًا أو بقرة، إلا أن الصحابة اتفقت على لزوم الجعل على الآبق، واختلفوا في مقداره.
وإنما جاء اختلافهم في المقدار عندنا، من أجل اختلاف المسافة في
стр. 1631
القرب والبعد، فمن قال بأربعين، فهو على مسيرة ثلاثة، ومن قال بأقل، فعلى قدر المسافة.
* قال: (فإن كان العبد لا يساوي أربعين درهمًا، فللذي جاء به قيمته إلا درهمًا، في قول أبي حنيفة).
وذلك إنما جعل له الجعل ترغيبًا للناس في رد الأباق، فيؤدي ذلك إلى حفظ عبيدهم، فإذا استغرقت القيمة الجعل: لم يجز أن يوجب عليه مثل القيمة، إذ لا نفع للمولى حينئذ فيه.
* وأبو يوسف ومحمد قالا: له أربعون درهمًا، قلت قيمته أم كثرت؛ لأن الصحابة حين أوجبت ذلك، لم تفرق بين قليل القيمة وكثيرها.
[مسألة:]
(وحكم الآبق في النفقة وفي الهلاك وغيره، حكم اللقطة، على ما بينًا).
стр. 1632
كتاب اللقيط
مسألة: [ادعاء ذمي بنوة لقيط في قرية ليس فيها مسلم]
قال: (وإذا وجد اللقيط في قرية ليس فيها مسلم، فادعاه رجل ذمي أنه ابنه: فإنه يصدق، وهو على دينه).
وذلك أن الظاهر من حال أهل القرية أنهم ذميون، والقرية في أيديهم، فيصدق المدعي منهم على دعوة اللقيط الموجود فيها، كما يصدق المسلم في دعوة اللقيط الموجود في أمصار المسلمين.
وإنما كان اللقيط على دينه؛ لأن الحكم للغالب، ألا ترى أن الغالب من أهل الحرب لما كان الكفر، جاز الحكم على كل من وجدناه هناك بالكفر، وإن لم يخلو من أن يكون فيهم مسلم تاجر، أو أسير، أو غيره.
وأيضًا: ظاهر قول النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه": يقتضي إلحاق اللقيط بحكمه.
مسألة: [ادعاء ذمي بنوة لقيط وجد في مصرٍ إسلامي]
قال: (وإن كان وجد في مصرٍ من أمصار المسلمين، وادعاه ذمي: لم يصدق في القياس).
لأن الظاهر أن اللقيط مسلم، إذ كان من وجدناه في مصرٍ من أمصار
стр. 1633
المسلمين فالواجب له أن يحكم له بحكم الإسلام حتى يتبين غيره، فلما كان مسلماً لم يصدق الذمي على الدعوة؛ لأن حكم ولد الذمي أن يكون ذميًا.
* (إلا أنه استحسن فصدقه على الدعوة، وجعله مسلمًا).
وذلك لأن تحت دعوته شيئين:
أحدهما: النسب، وفيه نفع للصبي، للزوم نفقته، وإمساكه، وغيرها.
والثاني: فيه ضرر عليه، وهو أن يكون كافرًا إذا كان أبوه كافرًا، فصدقناه على حق الصبي، ولم نصدقه فيما فيه عليه ضرر، إذ كان لا يتوصل إلى صحة النسب منه إلا من جهته.
وقد يكون ابن الذمي مسلمًا بإسلام أمه.
وإن كان الأب كافرًا، فلم يكن في إثبات النسب منه ما يوجب كون ولده كافرًا لا محالة، إذ قد يكون ولد الكافر مسلمًا.
مسألة: [ادعاء العبد بنوة لقيط]
(وإن ادعى عبد أنه ابنه: لم يصدق)، وذلك (لأن اللقيط حر).
وإنما كان اللقيط حرًا، من قبل أن الأصل في الناس الحرية، والرق طارئ عليها، فصارت الحرية هي الظاهرة، والحكم أبدًا للظاهر حتى تقوم الدلالة على خلافه.
مسألة: [ادعاء المرأة بنوة لقيط]
قال: (وإن ادعته امرأة أنه ابنها: لما تصدق حتى تشهد امرأة على الولادة).
стр. 1634
وذلك أن الوصول إلى صحة دعواها يمكن بشهادة القابلة، ولا تصدق إلا ببينة، وبنتها هي المرأة التي يجوز لما المشاهدة للولاة.
وللكلام في جواز قبول شهادة المرأة الواحدة على الولادة موضع غير هذا.
وليست المرأة في هذا كالرجل في قبول دعوته لنسب اللقيط، وذلك لأن الأصل في ذلك أن كل إنسان فإنما يكلف البينة على دعواه على حسب الإمكان، ألا ترى أن المرأة تصدق على الحيض بغير بينة؛ لأنه لا سبيل إلى معرفته إلا من جهتها.
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز شهادة النساء وحدهن في الولادة؛ لأن الرجل لا يجوز لهم حضور الولادة، فقلنا على هذا الأصل: لما كان سبيل إثبات النسب من جهته قوله، وجب أن يصير قوله فيه كالبينة، كما كان قول المرأة في تصديقها على الحيض كالبينة، إذ لا يتوصل إليه إلا من جهتها، كذلك دعوة الرجل.
ومن أجل ذلك قلنا في الرجل: إذا أقر بابنٍ، وصدقه فيه: ثبت النسب، ولو أقرت المرأة بابنٍ، وصدقها: لم يثبت النسب بينهما إلا بامرأة تشهد على الولادة.
وقال أصاحبنا: القياس في اللقيط أن لا يصدق مدعيه على النسب إلا سنة، وإنما استحسنوا في جواز دعوته.
стр. 1635
وقالوا فيمن ادعى صبيًا في يديه أنه ابنه: أنه مصدق فيه، وهو القياس عندهم وليس فيه استحسان.
وإنما جهة القياس في مسألة اللقيط: أن للملتقط يدًا عل اللقيط، لو أراد غيره أن ينتزعه منه: لم يكن له ذلك، وكان الملتقط أولى بإمساكه، فكان القياس أن لا يصدق على الدعوة، لما فيه من إزالة يد الملتقط، إلا أنه ترك القياس فيه، واستحسن في جواز دعوته؛ لأن يد الملتقط غير مستحقة، لو رأى القاضي إزالتها: كان له ذلك، وللصبي نفع في إثبات النسب، لما يثبت له من حق الإمساك والحضانة والنفقة.
فصل: [ادعاء المرأة بنوة لقيطٍ أنه ابنها من زوجها]
قال: (وإن ادعت أنه ابنها من زوجٍ، وصدقها الزوج: كان ابنهما).
وذلك لأن النسب قد ثبت من الزوج بدعوته، وصار الصبي في يده، وهي فراش له، فصار الفراش شاهدًا لها بثبوت النسب، لاعتراف الزوج بأنه ابنها، كرجل وامرأة في أيديهما صبي، فادعيا أنه ابنهما: فيصدقان عليه.
مسألة: [ادعاء رجلين بنوة لقيط]
قال: (وإن ادعاه رجلان، كل واحدٍ أنه ابنه، ووصف أحدهما علاماتٍ في جسده: فصاحب العلامة أولى به).
من قبل أن كل واحد منهما لو انفرد كان قوله مقبولًا في النسب بغير بينة، فصارت العلامة مؤكدة لدعوة أحدهما، ودلالة على صدقة، وأنه كان في يده بدءًا.
وقال الله تعالى: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من
стр. 1636
الكاذبين﴾ إلى آخر القصة، فحكم بصدق الصادق منهما بالعلامة الدالة على صدقه.
وليس ذلك كدعوى رجلين عبدًا في يدي غيرهما، ووصف أحدهما علامة في جسده: فلا يحكم له به، ولا يستحق بالعلامة شيئًا؛ لأن العلامة إنما تدل على يد كانت متقدمة، وكون يدٍ كانت: لا يستحق به شيئًا.
ألا ترى أنه لو أقام البينة أنه كان في يده: لا يلتفت إليها.
ولو أقام أحد مدعيي نسب اللقيط البينة على أنه كان في يده قبل ذلك: استحقه دون الآخر، كذلك العلامة لما كانت دلالة على تقدم يده، كان مصدقًا فيه، وصار أولى به من الآخر.
[مسألة:]
قال: (ولو لم يصف واحد منهما شيئًا: كان ابنهما جميعًا).
لتساويهما في الدعوة.
وقد روي عن علي وعمر في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد، فادعيا الولد: أنه ابنهما، وقد بينا هذه المسألة في كتاب الدعوى
стр. 1637
من هذا الكتاب.
مسألة: [إنفاق الملتقط على اللقيط]
قال: (وما أنفق الملتقط على اللقيط: فهو متطوع فيه).
على ما بينا في اللقطة.
стр. 1638
كتاب الفرائض
مسألة: [القاتل لا يرث]
قال أبو جعفر: (ولا يرث القاتل من المقتول مالًا، ولا دبة).
وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: "لا ميراث لقاتل".
والدية ميراث عن المقتول، فهي داخلة في العموم.
والدليل على أن الدية موروثة عن المقتول: أنه تقضى منها ديونه، وتنفذ وصاياه، وأنها بعد ذلك مقسومة بين الورثة على سهام المواريث، ومن أجل ذلك ورثت المرأة منها، كما ترث سائر ماله.
وقد روى سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب سأل الناس عن ميراث المرأة من دية زوجها، فقام الضحاك بن سفيان فقال: كتب رسول الله ﷺ في امرأة أشيم الضبابي أن أورثها من دية زوجها، فورث عمر المرأة من دية زوجها".
стр. 1639
مسألة:
قال: (ولا يرث العبد، ولا يورث).
لأنه لا يملك، ولا خلاف في ذلك.
مسألة:
قال: (ولا ميراث لمرتد)، ولا خلاف فيه نعلمه.
مسألة: [حكم مال المرتد الذي اكتسبه قبل ردته]
قال: (وإذا مات المرتد على ردته، أو قتل: فماله لورثته من المسلمين على فرائض الله).
قال أحمد: "روي عن علي أنه قتل المستورد حين ارتد، وجعل ميراثه لورثته من المسلمين".
ويحتج فيه بعموم قول الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل
стр. 1640
حظ الأنثيين﴾.
وقوله تعالى: ﴿إن امرؤا هلك ليس له، ولد وله، أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾.
ونحوها من الآي الموجبة للمواريث
فإن قال قائل: يخصه حديث أسامة بن زيد عن النبي ﷺ أن قال: "لا يرث المسلم الكافر".
قيل له: أصل الحديث: "لا يتوارث أهل ملتين، لا يرث المسلم الكافر". كذا رواه جماعة عن النبي ﷺ .
وإذا كان كذلك، ولم يكن للمرتد ملة يقر عليها، إذ ليست الردة بملة واحدة، لم يتناوله الخبر.
ألا ترى أن المرتد لا يرث من أهل الدين الذي انتقل إليه.
فإن قيل: قد روي في أخبارٍ أخر مطلقة: "لا يرث المسلم الكافر".
من غير ذكر الملة.
قيل له: هو خبر واحد، ساقه بعضهم على وجهه، وحذف بعضهم
стр. 1641
بعض اللفظ.
وأيضًا: فإن أبا حنيفة لا يورث منه وهو كافر؛ لأن من قوله: أن ملكه يزول بالردة في آخر جزء من أجزاء الإسلام، فإذا مات: كانت الردة هي الموجبة لنقل الملك، فإنما ورثه عقيب الإسلام بلا فصل، كما يورث الميت عقيب الحياة بلا فصل.
فإن قيل: فإذا لحق بدار الحرب، فقد ورثته وهو حي.
قيل له: لأنه صار في حكم الميت، لانقطاع حقوقه عنا بلحاقه بدار الحرب، وانقطاع العصمة بيننا وبينه، كما قال مخالفنا إنه يزول ملكه، ويجعل في بيت المال.
وكما جاز إزالة الملك باللحاق ونقله إلى جماعة المسلمين في حال حياته، كذلك في نقله إلى الوارث.
فإن قيل: فلم يخل في ذلك من أن تكون قد ورثته حيًا.
قيل له: وما الذي يمنع منه؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم﴾، وكان منهم قوم أحياء.
* ومن جهة النظر: إن من لم يورث المرتد، فإنه يجعل ماله لبيت مال المسلمين، ويستحقه المسلمون عنده لأجل إسلامهم، والوارث معه إسلام، وقرب نسب، فقد اجتمع له سببان، فينبغي أن يكون أولى من ذي السبب الواحد.
كما أن الإخوة من الأب والأم أولى بالميراث من الإخوة للأب؛
стр. 1642
لأنهم ذوو سببين، وهؤلاء ذوو سبب واحد.
مسألة: [حكم مال المرتد الذي اكتسبه حال ردته]
وأما ما اكتسبه المرتد في حال ردته: فهو عند أبي حنيفة لبيت المال؛ لأنه اكتسبه في حال إباحة دمه، فلم يثبت له فيه ملك صحيح، فصار بمنزلة الحربي لما كان مباح الدم، لم يكن له ملك صحيح، وكان ماله لبيت المال، كذلك كسب المرتد.
وأما ما اكتسبه في حال الإسلام: فقد كان ملكه صحيحًا فيه، ثم زال بالردة، فكانت الورثة أولى به؛ لما ذكرناه.
وأيضًا: فإن المال الذي قد كان له في حال الإسلام، لما زال ملكه عنه بالردة، فلا يخلو من أن يستحقه بيت المال على وجه الغنيمة أو الميراث، ولا يجوز أن يستحقه على وجه الغنيمة؛ لأن مال المسلم لا يغنم في دار الإسلام، وبعد الردة ليس هو مالًا للمرتد في قول أبي حنيفة.
ألا ترى أنه لا يجيز تصرفه فيه إذا مات أو قتل، فإذا لما يصح أن يغنم، وكان بيت المال إنما كان يأخذه على جهة الميراث، فلا جائز أن يستحقه مع وجود ذوي السهام والعصبات من الوارث.
مسألة: [ميراث أهل الذمة من بعضهم]
(وأهل الذمة يرث بعضهم بعضاً وإن اختلفت مللهم؛ لأن الكفر ملة واحدة). فيما يتعلق بهم فيما بينهم من أحكامهم.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولى دين﴾، وقوله:
стр. 1643
﴿قل يأيها الكافرون﴾: خطاب لسائر الكفار، فجعل مللهم كلها دين واحدًا على اختلافهم، كما جعل الإسلام دينًا واحدًا.
ويدل عليه قوله: "لا يتوارث أهل ملتين، لا يرث المسلم كافر"، فجعل الكفر كله ملة، والإسلام ملة.
ويدل عليه قول النبي ﷺ يوم فتح مكنة: " الناس حيز، ونحن حيز"، يعني في الدين.
وأيضًا: فإن أهل الكفر وإن اختلفوا، فليس يتعلقون بشيء، وجميع مللها متفقة في البطلان والفساد، فاستويا في حكمها.
فإن قيل: فقد خالفتم بينهم في الأحكام، لأجل اختلاف أديانهم؛ لأنكم تجيزون للمسلمين مناكحة أهل الكتاب، وأكل ذبائحهم، ولا تجيزون ذلك من المجوس، وعبدة الأوثان.
قيل له: إنما اختلفت الأحكام فيما بيننا وبينهم، فأما في أنفسهم وفيما بينهم، فلا يختلفون عندنا، وإنما مسألتنا في مواريثهم، فأما فيما بيننا وبينهم، فإنا متعبدون بالامتناع من مناكحتهم، فذلك حكم لزمنا في أنفسنا، لا فيما بينهم.
стр. 1644
مسألة: [ميراث الغرقى ونحوهم]
قال: (والغرقى، والذين يموتون تحت الردم إذا لم يعلم تقدم موت أحدهم على الآخر: لا يرث بعضهم من بعض، ويرثهم الأحياء).
وذلك لأنا نحكم بموتهم معًا، إذ لم يكن واحد منهم بأولى بالحكم بتقدم موته من صاحبه.
فإن قيل: هلا ورثت أحدهم من صاحبه، ثم ورثت الآخر منه.
قيل له: هذا محال؛ لأنك إذا حكمت له بحكم الميت في وقت، استحال الحكم له بحكم الحي في ذلك الوقت، وقولك هذا يؤدي إلى ما وصفنا.
مسألة: [من لا يحجب]
قال: (ومن لا يرث ممن ذكرنا لم يحجب).
قال أحمد: يعني أن لا يكون من أهل الميراث، نحو العبد، والكافر، والقاتل، وإنما كان كذلك من قبل أنهم لا يختلفون أن الجد يرث ابن ابنه إذا مات وهما مسلمان، والأب كافر، فجعلوا الكافر بمنزلة الميت في هذا الوجه، كذلك في سائر وجوه الحجب.
مسألة: [حجب الأب لمن فوقه من أصوله]
قال: (والأب لا يرث معه من فوقه من الآباء، ولا أحد من أمهاته).
قال أحمد: أما حجبه للجد: فلا خلاف فيه.
ويحجب أمه أيضًا عندنا؛ لأنه لما حجب أباه، فحجبه الأم أولى؛ لأن الأب آكد أمرًا في المواريث من الجد.
стр. 1645
وكما اتفقوا على أن الأم تحجب أمها، كذلك وجب أن يحجبها الأب.
مسألة: [حجب الأب الإخوة والأخوات]
(ولا يرث مع الأب أحد من الإخوة والأخوات).
لقول الله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾.
فجعل جميع الميراث لهما عند عدم الولد، ثم قال: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، فجعل لها السدس مع الإخوة، والباقي للأب بقوله بدءًا: ﴿وورثه أبواه﴾، فنظمت الآية حرمان الإخوة الميراث مع الأب.
وقوله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه﴾: دلالة ظاهرة في استحقاقهما الميراث عند عدم الولد، سواء كان هناك إخوة، أو لم يكن، ففي الآية وجهان من الدلالة على صحة ما ذكرنا.
مسألة: [حجب الأم للجدة]
قال: (ولا يرث مع الأم جدة)، وهذا لا خلاف فيه.
مسألة: [من يحجبه الجد]
قال: (ولا يرث مع الجد ابن أخٍ للمتوفى، ولا أحدًا من إخوة
стр. 1646
المتوفى لأمه)، وهذا أيضًا لا خلاف فيه.
مسألة: [حجب البنت وبنت الابن للإخوة من الأم]
قال: (ولا يرث الإخوة من الأم مع البنت، ولا مع بنت الابن وإن سفل).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله، أخ أو أخت﴾ - يعني لأم- ﴿فلكل واحدٍ منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾.
والكلالة ما عدا الوالد والولد، فيصير تقدير الآية:
وإن مات رجل، ولم يترك ولدًا، أو والدًا، وترك أخًا أو أختًا لأم: فلكل واحد منهما السدس.
وبنت الابن كابنة الصلب، إذ لم تكن بنت الصلب في حرمان الكلالة، كما كانت بمنزلتها في استحقاق تسميتها.
مسألة: [ميراث المرأة بالولاء]
قال: (ولا ترث المرأة بالولاء إلا من أعتقت، أو أعتق من أعتقت).
стр. 1647
وذلك لأن الولاء تعصيب، وليس ذلك للمرأة، ألا ترى أن العم عصبة، والعمة مساوية له في النسب، ولا تعصيب لها.
وأما إذا أعتقت هي، فلقول النبي ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق"، ولم يفرق بين المرأة والرجل.
وروي "أن ابنة حمزة أعتقت عبدًا، فمات وترك ابنةً، وبنت حمزة، فأعطى النبي ﷺ بنته النصف، وبنت حمزة النصف".
ولحديث واثلة بنت الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسم قال: "المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت به".
стр. 1648
باب قسمة المواريث
مسألة: [ميراث الزوج]
قال: (وللزوج النصف من ميراث زوجته إذا لم يكن لها ولد، أو ولد ابن، قرب منها، أو بعد).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد﴾، واسم الولد يتناول ولد الابن.
* قال: (فإن كان لها ولد، أو ود ابنٍ: فله الربع).
لقوله تعالى: ﴿فإن كان لهن ولد فلكم الربع﴾.
مسألة: [ميراث الزوجة]
(وللمرأة من ميراث زوجها الربع إذا لم يكن له ولد، ولا ولد ابنٍ، فإن كان له ولد، أو ولد ابنٍ، وإن سفل: فلها الثمن).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم
стр. 1649
ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾.
* قال: (والمرأتان، والثلاث، والأربع شركاء في الربع أو الثمن).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾، فلم يجعل لجماعتهن أكثر من الربع.
مسألة: [ميراث الأم]
قال: (وللأم الثلث إن لم يكن للميت ولد، ولا ولد ابنٍ وإن سفل، ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدًا).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾.
فجعل لها السدس مع الولد، واسم الولد يتناول ولد الابن، وكذلك مع الإخوة، واسم الإخوة يتناول الاثنين منهم فصاعدًا.
* قال: (إلا في فريضتين: إحداهما: زوج وأبوان، والأخرى: امرأة وأبوان، فإن للأم ثلث ما بقى في هاتين الفريضتين بعد نصيب الزوج والزوجة، وما بقى فللأب).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، فأوجب لها
стр. 1650
الثلث عند عدم الولد، وأوجب الثلثين للأب، فإذا استحق الزوج النصف، صار كأن الميراث لم يكن إلا الباقي، فوجب أن يستحقا على الثلثين والثلث، كما كان يستحقانه قبل دخول الزوج في الميراث بعموم اللفظ.
وأيضًا: من جهة النظر: لما كان لها مثل نصف نصيب الأب عند عدم الزوج والزوجة، وجب أن يكون كذلك حكمها في التسمية عند دخول الزوج والزوجة، والعلة الجامعة بينهما عدم الولد.
مسألة: [ميراث الأم مع الجد]
قال: (ولو كان مكنا الأب الجد: كان للأم ثلث المال كاملًا).
ولا يكون الجد في هذه الوجوه بمنزلة الأب، كمان أن ابن الابن الابن بمنزلة الابن، ولا يكون مع البنت بمنزلة ابن الصلب، ألا ترى أن البنت تأخذ النصف كاملًا، وما بقى فلا بن الابن، كذلك الجد مع الأم، فوجب أن تأخذ الأم ثلث المال كاملًا بعد نصيب الزوج، وما بقى فللجد.
مسألة: [ميراث البنت]
(وللبنت النصف).
بنص التنزيل، وهو قول الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾.
следующие страницы →