Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
قال: يا رسول اله! كان رجلًا آتيًا، فتزوج عبد المنذر أخته، فولدت له أبا لبابة، فجعل رسول الله ﷺ ميراثه لأبي لبابة.
قال أبو عمر: وهو ابن أخته.
ويدل على صحة القول بالرد، وتوريث ذوي الأرحام ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: حدثنا محمد بن حرب عن عمر بن رؤية الثلبي عن عبد الواحد بن عبد الله النصري عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال:
стр. 1682
"المرأة تجوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت به".
فأخبر أنها تحوز جميع ميراث ابنها، فثبت بذلك وجوب الرد، ودل على توريث ذوي الأرحام؛ لأن كل من أوجب الرد، ورث ذوي الأرحام.
ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا أبو محمد عيسى عن العلاء بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلك "أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعدها".
وهذا الحديث يدل من وجهين على ما قلنا:
أحدهما: أنه جعل لها جميع الميراث، ولا يستحق الجميع عندنا عنه إلا بالرد، وإن أثبت الرد، ثبت توريث ذوي الأرحام.
ومن الوجه الآخر: أنه جعل ميراثه لورثتها من بعدها، وفي ورثتها الخال والخالة، فدل على توريثهما إذا لم يكن غيرهما.
*فإن احتج علينا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري قال: حدثنا الربيع بن تعلب قال: حدثنا مسعدة بن اليسع عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "سئل النبي
стр. 1683
صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة، فقال: سار لي جبريل، وقال: لا شيء لهما".
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن بن المثنى قال: حدثنا أبو عمر الضرير قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر- قال عبد الباقي: وهو المخزومي- عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ كان يأتي قباء على حمار أو على حمارة، فلقيه رجل فقال: يا رسول الله! ما تقول في الخالة والعمة؟
قال: يا رب خالة وعمة، ثم قال: لا شيء لهما". كذا عن ابن عمر.
قيل له: هذا الحديث يروى عن عطاء مرسلًا عن النبي ﷺ ، وحديث مسعدة ضعيف.
ولو ثبت موصولًا كان خبرنا أولى من جهتين:
إحداهما: أن خبرنا مثبت، وخبرهم نافٍ، والنفي والإثبات متى اجتمعا في الأخبار كان الإثبات أولى بهما.
والجهة الأخرى: أن خبر النفي وارد على الأصل، وقد كان الأصل
стр. 1684
نفي المواريث؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والحلف، دون الأنساب، إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾، وإثبات الميراث بالقرابة طارئ على نفيه، فكان أولى؛ لأنا قد علمنا نفيه بدءًا، وان الإثبات حادث بعد النفي، ولا نعلم بعد ذلك حدوث إسقاطه بعد ثبوته، فصار الإثبات يقينًا من هذا الوجه، وسقوطه بعد ذلك مشكوك فيه.
وأيضًا: يحتمل أن يريد بقوله: لا شيء لهما: يعني مع ذوي السهام المذكور سهامهم في الكتاب مع القرابات.
ويحتمل: لا شيء لهما: أي لا فرض لهما مسمى فيه.
فإن قال قائل: الدليل على أن ذوي الأرحام لا يستحقون الميراث: أنه معلوم أن كل إنسان فبينه وبين آدم بنو أعمامه وعصباته من يحجب ذوي الأرحام من الميراث وإن لم يكن معلومًا بعينه عندنا، إلا أنا قد علمنا يقينًا أن ذوي الأرحام غير مستحقين معهم، فلو أعطيناهم: كنا قد أعطينا من تيقنا أنه غير مستحقه.
قيل له: ومن أين قلت إن لكل نسبًا إلى آدم عصبة من جهة الأب، وقد يجوز أن يكون في آبائه ملاعنة، أو ولد زنى، فلا يكون له نسب من جهة الأب، فهذه قضية فاسدة من هذا الوجه.
وعلى أنه لو كان هذا الاعتبار صحيحًا: لوجب أن لا يستحقه بيت
стр. 1685
المال، لن بيت المال لا حظ له في الميراث مع العصبات.
ثم كان ينبغي أيضًا أن لا يستحق مولى النعمة الميراث؛ لأنه لا ميراث له مع العصبة من جهة النسب.
فإن قال قائل: فقد سلمنا لك أنا لا نتيقن أنه له عصبة، لجواز أن يكون في آبائه ولد ملاعنة، أو ولد زنى لا نسب له من قبل الأب، وإذا كان كذلك، وقد تيقنا مع ذلك أنه لا بد من أن يكون له قرابة وإن لم يكن له عصبة، فلو استحق ذوو الأرحام ميراثه كما استحقه بيت المال، لحصل اليقين بأن هناك مستحقًا بعينه.
ولا يلزمنا على ذلك ما لزمكم؛ لأنا لا نتيقن العصبة، فجاز أن نجعله لبيت المال، ولمولى النعمة.
قيل له: فينبغي أن لو كان الرجل عرفنا بنسب آبائه إلى تميم، أن لا يستحق ميراثه بيت المال، وإن لم نعرف له وارثًا بعينه؛ لأنا قد علمنا أن له عصبة من بني تميم، وإن لم نعرفه بعينه، فلما جاز أن يستحق ميراثه بيت المال، مع علمنا بكون العصبة، كذلك يستحقه بيت المال إذا لم نعرف ذوي الأرحام بأعيانهم.
*ويدل عليه من جهة النظر: وهو أن من جعله لبيت المال فإنما جعله لجماعة من المسلمين لأجل إسلامهم، وذوو الأرحام معهم إسلام ونسب، فكانوا أولى؛ لأن ذا السببين أولى من ذي السبب الواحد، مثل الأخ من الأب والأم، مع الأخ من الأب.
وأيضًا: لما كان الجد وارثًا لأجل ما له من الولاد، وكذلك ابنة
стр. 1686
الابن، وجب أن يكون الجد أبو الأم من أهل الميراث، وكذلك ابنة الابنة، لأجل ما لهما من الولادة، فإذا ثبت ميراث الجد أبي الأم وابنة البنت: ثبت ميراث سائر ذوي الأرحام على حسب اقرب من الميت؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما.
قال أحمد: وكان أبو حازم يرى توريث ذوي الأرحام إجماعًا حدثني بعض شيوخنا من أصحاب أبي حازم أن أبا حازم أشار على المعتضد بالله برد أموالٍ صارت في بيت المال، من أموال الأموات
стр. 1687
-ولهم ذوو الأرحام- إلى الأرحام، ففعل المعتضد ذلك، وأنشأ به كُتُبًا إلى الآفاق، وهي مشهورة في أيدي الناس.
قال: فأنكر عليه بعض أصحابنا فتياه هذه، وقال: هذه مسألة فيها خلاف بين السلف، وقد حصلت هذه الأموال في بيت المال بحكم حاكم، فلا يجوز فسخ هذه الأحكام إذا كانت مما قد اختلف فيه السلف، وساغ الاجتهاد فيه.
قال: فقال أبو حازم: لم يكن في بيت مال الخلفاء الراشدين- وهم الخلفاء الأربعة- شيء من أموال الأموات الذين لهم ذوو أرحام، فصار ذلك إجماعًا منهم، ولا أعد قول زيد بن ثابت خلافًا عليهم، فصار فسخي لحكم الحاكم إبطال مذهبه فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد، فنفذ وجاز.
فصل: [إذا ترك أمًا وأخًا لأم]
قال أبو جعفر: (فإن ترك أمه، وأخاه لأمه: كان لأمه الثلث بالفرض، ولأخيه لأمه السدس بالفرض، وما بقي فرد عليهما على مقدار مواريثهما).
стр. 1688
قال أحمد: يصير المال بينهما على ثلاثة، ثلثاه للأم، وثلثه للأخ للأم.
وإنما يرد على الأخ للام مع الأم، كما رد الجميع على الأخت من الأب والأم مع الأم، والمعنى الجامع بينهما: أن كل واحد منهما يستحق الميراث بسبب قائم بينه وبين الميت، ألا ترى أنه لو لم يكن إلا أخ لأم، يستحق الرد عليه بعد السدس، كذلك كون الأم معه لا يمنع الرد عليه.
*وليس هذا بمنزلة: (الزوج والزوجة في أنهما لا يرد عليهما): من قبل أنهما يستحقان الميراث بسبب منقطع بعد الموت، ألا ترى أنهما لا يستحقان الرد لو لم يكن غيرهما.
مسألة: [من لا يرد عليه]
قال أبو جعفر: (ولا يرد على غير ذي سهم مع ذي سهم).
قال أحمد: لا يخلو غير ذي سهم مع ذي سهم من أن يكون عصبة، أو من ذوي الأرحام:
فإن كان عصبة: فإنما يستحق فضل السهام بالتعصيب.
أو من ذوي الأرحام: فهو لا يرث مع من يستحق السهام من ذوي الأسباب، فلا معنى للرد عليه وهو ممن لا يرث في هذه الحال.
مسألة: [لو ترك ابن ابنته، وبنت ابنة أخرى]
قال أبو جعفر: (وإن ترك المتوفى ابن ابنته، وبنت ابنة له أخرى، فإن أبا يوسف قال: الميراث بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، كان يورثهما في
стр. 1689
ذلك على أبدانهما.
وكان محمد بن الحسن يقول: الميراث بينهما نصفين).
قال أحمد: لا فرق بين أن يكونا ولد بنتٍ واحدة أو ابنتين عند أصحابنا، كما لا يختلف حكم العصبات في أن يكونا من أبٍ واحد، أو من آباء بعد أن يتساووا في الدرجة.
قال أحمد: وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أبي يوسف وأبي حنيفة ومحمد، والمال بينهم لذكر مثل حظ الأنثيين في قول الجميع منهم، وقد ذكرها محمد في كتاب الفرائض بلا خلاف، وكذلك رواها محمد بن سماعة عن محمد أنه قولهم جميعًا.
*وكذلك الجواب عندهم في ابن أختٍ لأب وأم، وبنت أختٍ لأب وأم: أن المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، لابن الأخت الثلثان، ولبنت الأخت الثلث في قولهم جميعًا، ذكره محمد في كتاب الفرائض.
والأصل في ذلك أنهم [إذا] اتفقوا في الآباء والأجداد، واختلفوا في أبدانهم فلا خلاف بينهم فيه أنه مقسوم بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين إلا في أولاد الإخوة والأخوات من الأم، فإن المال بينهم بالسوية، على أي وجهٍ كانوا، من ذكورٍ وإناث.
فهذه الجملة لا خلاف بينهم فيها، وإنما مسألة الخلاف بين أبي يوسف ومحمد إذا اختلفوا في الآباء والأجداد، واتفقوا في أبدانهم:
стр. 1690
فيعتبر حينئذٍ محمد أقرب البطون اختلافًا إلى الميت، إلا أنه يجعل كل من تقع عليه القسمة من البطون على عدد من يستحق الميراث من آخرهم بطنًا، فإن اختلفوا في أجدادهم وآبائهم: فالمال على أجدادهم، وإن اتفقوا في الأجداد والأبدان واختلفوا في آبائهم، فالمال على آبائهم.
وكذلك إن كان بطن واقع، فإنه تقسم الأموال على البطون المختلفة.
стр. 1691
وهذا أيضًا قول أبي حنيفة المشهور، وقول أبي يوسف الأول، ثم رجع أبو يوسف فقال: المال على أبدانهم، اتفقوا في آبائهم أو اختلفوا.
*وكذلك قولهم في ولد الإخوة إذا اختلفوا، وكذلك ولد الخالات والعمات، وهو على ما ذكرنا من قولهم فيه.
وجه قول أبي يوسف في اعتبار أبدانهم دون آبائهم: اتفاق الجميع على أن اعتبار ولد البنين بأبدانهم أولى منهم بآبائهم، ألا ترى أنه لو ترك ابن ابن، وبنت ابن: كان المال بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك ولد البنات.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإن ترك ولد أختٍ لأب وأم، وولد أختٍ لأب، وولد أختٍ لأم، فإن أبا حنيفة ومحمد قالا: لولد الأخت للأب والأم النصف، ولولد الأخت من الأب السدس، ولولد الأخت من الأم السدس، وما بقي فهو رد عليهما على قدر مواريثهم، فيكون المال بينهم على خمسة.
وقال أبو يوسف: الميراث لبنت الأخت من الأب والأم، وتسقط من سواها، وهو قوله الآخر، وهذا على ما بينا من قول محمد في اعتبار من يدلي به، فجعل لكل واحد منهم ما كان لأمه لو كانت حية.
ووجه قول أبي يوسف: أن الأمهات كن يأخذن بالتسمية، وهم لا يأخذون بالقرب، فكان الأقرب أولى، وهو ابن الأخت من الأب والأم، كما لو كانوا بني إخوة: كان ابن الأخ للأب والأم أولى بالتعصيب، وقد
стр. 1692
قالوا جميعًا في ثلاث خالات متفرقات: أن المال للخالة من الأب والأم.
مسألة:
قال: (وإن ترك ثلاث بنات إخوة متفرقين: فلبنت الأخ من الأم السدس، وما بقي فلبنت الأخ من الأب والأم، في قول أبي حنيفة ومحمد).
وذلك لأنهم يستحقون ما كان يستحقه آباؤهم، والأخ من الأب لا يرث مع الأخ من الأب والأم.
ويرث الأخ من الأم معه السدس، وكذلك كان ما استحقه الأولاد على ذلك.
* (وفي قول أبي يوسف: الميراث لبنت الأخ من الأب والأم).
على ما بينا في أولاد الأخوات.
مسألة:
قال: (وإن ترك عمة وخالة: كان لعمة الثلثان، ولخالة الثلث).
قال أحمد: كان القياس عندهم أن يكون المال للعمة؛ لأنهما قد تساوتا في الدرجة، فالعمة من ولد العصبة، ألا ترى أنه لو ترك بنت عم، وبنت عمةٍ: أن المال لبنت العم؛ لأنها من ولد العصبة، إلا أنهم تركوا
стр. 1693
القياس، لما روي عن علي ﵁، وعمر، وعبد الله بن مسعود أن الثلثين للعمة، والثلث للخالة.
ولأن قرابتهما من الميت من جهتين، ألا ترى أنه لو ترك أبوين، كان المال بينهما أثلاثًا، كذلك العمة تدلي بالأب، فتستحق نصيبه، والخالة تدلي بالأم، فتستحق نصيبها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الخالة والدة".
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإن ترك خالة، وابن عمته: كان المال للخالة).
وذلك لأنها أقرب من ابن العمة بدرجة، ومواريث ذوي الأرحام مستحقة بالقرب، كما تستحق بالعصيب، فلا يرث الأبعد مع الأقرب.
*وكذلك: (العمة هي أولى من ابن الخال)، لقربها.
مسألة:
قال: (وإن ترك ثلاث عماتٍ متفرقاتٍ: فالمال للعمة التي من قبل الأب والأم).
وذلك لأن لها فضل مزية الأم، كما أن العم من الأب والأم أولى بالتعصيب من العم للأب.
стр. 1694
وقد روي عن علي رضي اله عنه نحو ذلك في ثلاث خالاتٍ متفرقات.
مسألة:
قال: (وإن ترك خالًا وخالة متساويين في القرابة منه: كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين).
قال أحمد: وهذا لا خلاف بينهم فيه، وهو صحيح على الأصل الذي قدمنا من اتفاق أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنهم متى اتفقوا في الآباء والأجداد، واختلفوا في أنفسهم: كان المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وفي مسألتنا قد اتفقوا فيمن يدلون به إلى الميت، وهي الأم، فكان المال بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين.
[مسألة:]
ولو ترك ابن خالةٍ، وبنت خالٍ: كانت المسألة على الخلاف؛ لأنهم قد اختلفوا بآبائهم، فيكون لابن الخالة الثلث، ولبنت الخال الثلثان، في قول محمد.
وفي قول أبي يوسف: المال بينهما على أبدانهما، للذكر مثل حظ الأنثيين.
وجه قول محمد في اعتباره أقرب البطون اختلافًا إلى الميت: أنهم يدلون إلى الميت بمن قرب منه، وليسوا عصبة، ولا ذوي سهام، فوجب اعتبار من يدلون بقربه من الميت دون أبدانهم، إذ ليس هم بأبدانهم
стр. 1695
يستحقون الميراث، لا من جهة التعصيب، ولا السهام.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ومن ترك جده أبا أمه، وبنت أخيه لأمه: فإن أبا حنيفة كان يقول: المال لجد أبي الأم، وقال أبو يوسف ومحمد: هو لبنت الأخ للأم، لأنها من ولد الأم).
قال أحمد: وكذلك روي عن أبي حنيفة في بنت أخت لأب وأم، أو لأب، وجد: أن المال للجد أبي الأم.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في ابن بنت، وجد لأبي الأم: أن المال لابن البنت، وروى أبو سليمان عن محمد عن أبي حنيفة: أن المال للجد.
فأما وجه قوله: إن الجد أبا الأم أولى من أولاد الأخوات، فهو أن الجد له ولاد، وليس لهؤلاء ولاد، فهو أولى، وهو سديد على أصله، في أن الجد أبا الأب أولى بالميراث من الإخوة والأخوات، لما اختص به من الولاية دونهم.
كذلك يجب هذا الاعتبار في الجد أبي الأم مع أولاد الأخوات.
стр. 1696
وأما وجه قوله في أن ولد البنات أولى من الجد أبي الأم في رواية الحسن بن زياد: فهو أن ولده أقرب إليه من أبيه، كذلك ولد ولده أقرب من جده.
ألا ترى أن ابن الابن وإن سفل، فهو أولى بالتعصيب من الجد أبي الأب.
وأما وجه رواية محمد في أن الجد أولى: [لأنه أقرب].
ووجه قول أبي يوسف ومحمد في أن ولد الإخوة أولى من الجد أبي الأم: فهو أنه من ولد الأم، والجد أبو الأم من ولد الجد، وكلهم يدلي بالأم، فولدها أقرب.
стр. 1697
باب الميراث بالموالاة
قال أبو جعفر: (وإذا والى الرجل الرجل، ثم مات الموالي ولم يترك وارثًا من عصبةٍ، ولا ذوي أرحام: فالمال للذي والاه).
والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم﴾.
نزلت في إيجاب المواريث بالحلف والمعاقدة، دون الأنساب، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾، فجعل ذوي الأرحام أولى من الحليف المعاقد.
فإذا لم يكن ذوو رحم: استحق الحليف الميراث، كما أن الابن أولى من ابن الابن، لا أن ميراث ابن الابن ساقط، فإذا عدم الابن: ورث ابن
стр. 1698
الابن، كذلك ما وصفنا.
وأيضًا: روى تميم الداري "عن النبي ﷺ في الرجل يسلم على يد الرجل: أنه أولى الناس بمحياه ومماته".
وظاهره يقتضي أنه أولى بميراثه بعد موته، كما قال الله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله﴾، وعنى به الميراث، إلا أن الكل متفقون على أنه إذا لم يواله: لم يستحق الميراث، فخصصناه بالاتفاق، وبقي حكم اللفظ في إيجاب الميراث في حال الموالاة والمعاقدة.
وأيضًا: فإن من لا وارث له يجوز عندنا أن يوصي بجميع ماله.
стр. 1699
وقال عبد الله بن مسعود: "يا معشر همدان: ما قبيلة العرب أولى بأن يموت الرجل منهم، ولا وارث له غيركم، فإذا كان كذلك فليضع أحدكم ماله حيث شاء".
وإذا كان ذلك من أصلنا، جاز له أن يوالي غيره، فيجعل له ماله بعد الموت، كما جاز أن يوصي له به.
وكذلك قالوا: إن له أن يرجع بولاية إلى غيره، ما لم يعقل عنه، كما يرجع في الوصية، فإذا عقل عنه، فقد تعلق بالموالاة حكم لا يمكنه فسخه، فلا سبيل بعد ذلك إلى إبطاله.
وعلى هذا قال أصحابنا فيمن أقر بأخٍ، ولا وارث له: أن نسبه لا يثبت، ويستحق ميراثه بعد الموت.
стр. 1700
باب ما يجوز من الدعوى للرجل والمرأة فيحجب من سواه من عصبة
قال أبو جعفر: (ولا يجوز دعوة الرجل إلا في أربعة: أن يقول هذا ابني، أو: هذا أبي، أو: هذا مولاي الذي أعتقني، أو: هذه زوجتي بعد أن يكون في دعوة البنوة [أو الأبوة] موهومًا ما قاله فيهما).
قال أحمد: الأصل في ذلك أن إقرار الرجل مقبول على نفسه، غير جائزٍ على غيره، وإقرار الرجل بالنبوة والأبوة إنما هو على نفسه، لا يتعلق ثبوته عليه بغيره، فجاز حكم ما يجوز إقراره كسائر الحقوق من الأموال وغيرها، وكذلك إقراره بالولاء والتزويج.
فإن قال قائل: عقد النكاح لا يصح به وحده، فينبغي أن لا يصدق عليه إلا بشاهدين.
стр. 1701
قيل له: لو صح هذا الاعتبار، لما صح الإقرار بالبيع وسائر العقود؛ لأنها لا تصح بإيجاب أحدهما إلا بقبول الآخر، ونحن لا نعلم أنه كان هناك عقد متقدم فيه إيجاب وقبول، فلو جاز إقرارهما: يكون عقد فيه إيجاب وقبول في أمة زعما أنهما عقدً فيها بيعًا، أو هبة فيما بينهما.
كذلك يجوز إقرارهما بعقد نكاحٍ صحيح؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة، ولا يجوز حملها على الفساد إلا أن يعلم.
وأيضًا: فلما كانا مالكين للمعقود عليه وللعقد، وجب أن يكون إقرارهما فيه جائزًا، كما جاز إقرار الإنسان بسائر العقود، إذ كان مالكًا له في الحال.
*ودليل آخر لجواز دعوى المقر على الوجه الذي نجيزها عليه: وهو أنه لا سبيل إلى معرفة ثبوت النسب من الرجل إلا من جهته، فصار قوله فيه كالبينة، كالحيض لما لم يكن لنا سبيل إلى معرفته إلا من جهة المرأة، صار قولها فيه كالبينة، وقد بينا ذلك فيما تقدم.
والمرأة مصدقة في جميع ذلك إلا في دعوى الولد، فإنها لا تصدق إلا بشهادة المرأة، تشهد على الولادة.
وفارقت الرجل من وجهين: أحدهما: أنه قد يمكننا الوصول إلى صحة دعواها من جهة غيرها، وهي القابلة التي تحضر الولادة، وكلفت البينة فيها على حسب الإمكان، ولا يكلف الرجال؛ لأنهم لا يحضرون ذلك الموضع.
والوجه الآخر: أنها حاملة للنسب على غيرها، ألا ترى أنا إذا ثبتنا النسب منها بقولها، ولها زوج، وجب إثباته من الزوج، فكان فيه حمل النسب على الغير.
стр. 1702
وهذا هو معنى "قول عمر بن الخطاب فيما كتب به إلى أمرائه: أن لا يورث الحميل إلا ببينة".
وليس هذا المعنى موجودًا في الرجل؛ لأنه ليس في إثبات النسب للولد منه حمل للنسب على غيره، ألا ترى أنا إذا أثبتناه منه، وله امرأة: لم يثبت من امرأته إلا أن تصدقه؛ لأن الرجل قد يكون له امرأتان، وثلاث، وأربع، ويستفرش بملك اليمين، وليس في إثبات النسب منه حكم بين بإثباته من امرأةٍ بعينها، وفي إثبات النسب من المرأة: إلزام الولد زوجها؛ لأنها لا تكون فراشًا إلا لواحد.
فإن قيل: فقد ثبت النسب منها، ولا يلحق بغيرها، بأن تلده من زنى، ولا زوج لها.
قيل له: قد يكون ذلك، ولكنه لا يجوز لنا حمل أمرها على الزنى؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة والجواز، حتى يتبين غيرهما.
стр. 1703
باب إقرار بعض الورثة بوارثٍ مجهول
مسألة: [إقرار أحد الابنين الوارثين بزوجةٍ لأبيهما]
قال أبو جعفر: (وإذا توفي الرجل وترك ابنين، فأقر أحدهما بزوجة لأبيه، وكذبه الآخر فيها: فإنها تقاسمه على ما في يده على تسعة أسهم، لها منها سهمان، وله سبعة أسهم).
وإنما شاركته في الميراث وإن لم تثبت الزوجية بقوله، من قبل انه اعترف بشيئين: أحدهما: زوجية كانت، والآخر: أن لها بعض ما في يده، فلا يصدق على الزوجية، ويصدق على ما في يده؛ لأنه ماله أقر به لغيره.
وليست صحة وجوب الشركة في المال متعلقة بثبوت الزوجية، فصدق فيما يملكه، ولم يصدق فيما لا يملكه.
والدليل على صحة ذلك: اتفاق الجميع على أنه لو أقر بأن امرأته أخته، وليس لها نسب معروف: لم يثبت النسب، ويثبت التحريم.
وكذلك لو اشترى عبدًا، ثم أقر أن البيع كان أعتقه: أعتق العبد، ولم يرجع على البيع بالثمن، فصدق على نفسه فيما يملكه، ولم يصدق فيما لا يملكه من الرجوع بالثمن، كذلك ما وصفناه.
ولو أقر رجل أنه باع نصيبه من داره من فلان، وأنكر المشتري وحلف: أخذ الشفيع نصيب المقر بالشفعة وإن لم يثبت البيع.
стр. 1704
وكذلك لو أقر أحد الوارثين بدين على الميت: جاز إقراره على نفسه، ولم يجز على أخيه.
وقد قال مخالفنا في العبد المحجور عليه: إذا أقر بسرقة عشرة دراهم في يده: أنه يقطع، ويدفع الدراهم إلى المولى، فصدقه على نفسه في القطع، ولم يصدقه على المولى فيما في يده، وهذا أبعد مما ذكرنا في جواز الإقرار بالمال؛ لأن القطع لا محالة متعلق بسرقة المال.
فإن قيل: فلو أقر أن له عليه عشرة دراهم من ثمن هذا الثوب الذي في يده، لم يستحقها إلا بتسليم الثوب إليه.
قيل له: ليس هذا مما قلنا في شيء، وذلك لأن إقراره تضمن ثبوت المال عليه بدلًا من الثوب، ولا يستحق الثمن إلا بسلامة المبيع له، فكان ذلك في مضمون إقراره، فلذلك لم يلزمه إلا بعد سلامة المبيع له.
وليس النسب الذي اعترف به عوضًا من المال الذي يأخذه، وكان بالتحريم الواقع من جهة الأخوة، أشبه منه بالإقرار بثمن الثوب، فلذلك ثبت وإن لم يثبت النسب أو الزوجية.
*وأما وجه قوله: فإنه يقاسمها ما في يده على تسعة: فمن قبل أنه زعم أن لها الثمن، واحد من ثمانية، ويبقى سبعة بين الابنين لا يصح، فاضرب أصل المال وهو ثمانية في سهمين: تصير ستة عشر، لها سهمان، ولكل ابن سبعة.
فالجاحد غاصب فيما تضمنه إقراره من نصيبها، فصار الباقي بعد نصيب الأخ بينهما على ما استحقاه في الأصل، ولا يكون هو أولى بدخول ضرر جحود الجاحد عليها من الابن المقر، وضربت فيما في يد
стр. 1705
المقر بنصيبها من الجملة، وهو سهمان، وضرب فيه المقر بنصيبه، وهو سبعة، فكان ما في يده بينهما على تسعة.
مسألة: [إقرار أحد الابنين الوارثين بأخٍ من أبيه]
قال أبو جعفر: (وإن لم يقر بزوجة، ولكنه أقر بأخٍ له من أبيه، وكذبه الآخر فيه: قاسم المقر له المقر بما صار إليه من الميراث نصفين).
وذلك لأنه زعم انه شريكه في المال على المساواة، فلا يستحق هو شيئًا إلا وله مثله، وإن الجاحد غاصب لما جحد، فصار كمال بين رجلين، غصب رجل منه بعضه، فيكون الباقي بينهما على حسب ما كان لهما فيه.
[مسألة]:
قال أحمد: وقال أصحابنا: لو لم يقر أحد الابنين بأخ، ولكنه أقر بأن الميت أوصى لهذا الرجل بثلث ماله، وصدقه الموصى له، وكذبه الأخ: أن الموصى له يأخذ من المقر ثلث ما في يده.
وسوى ابن أبي ليلى بين الإقرار بالوصية، وبأخٍ، فقال فيهما جميعًا: يأخذ المقر له ثلث ما في يدي المقر.
وجهة الفرق بينهما على مذهب أصحابنا: أن المقر بالأخ قد تضمن إقراره إيجاب الشركة بينه وبين المقر له في جميع المال، وإيجاب المساواة بينهما فيما يستحقانه، فلا يحصل في يده منه شيء إلا والآخر مساو له فيه، فلذلك أخذ منه نصف ما في يده.
стр. 1706
والمقر بالوصية لا يتضمن إقراره إيجاب المساواة بينهما وإن كان الموصى له بالثلث في هذه الحال لو صحت وصيته: استحق ثلث المال، واستحق المقر الثلث، من قبل أن الوصية مقصورة على الثلث، لا في جميع المال، ولا حق للموصى له في الثلثين.
ألا ترى أنه لو اوصى لرجلين، لكل واحدٍ منهما بالثلث على حدة: أنهما يقتسمان الثلث بينهما نصفين، ولم يكن لهما حق في الثلثين، وليس كذلك الوارث؛ لأن حقه ثابت في جميع المال.
ألا ترى أنهم لو كانوا جماعة بنين: تساووا جميعًا في المال، ولم يفضل واحد منهما على صاحبه.
وأنه لو أوصى لجماعةٍ، لكل واحدٍ منهم بالثلث: كان الثلث مقسومًا بينهم، والثلثان للورثة لا يشارك أحد من الموصى لهم سائر الورثة فيما يأخذونه.
فقد تبين ان الإقرار بالوصية لم يقتض إيجاب المساواة بينه وبين الموصى له، ولا إثبات الشركة بينهما في جميع ما يأخذه المقر.
وإذا كان هذا هكذا، قلنا: إن المقر بالوصية أقر له بثلث المال، نصفه وهو السدس في يده، ونصفه في يد أخيه، فيأخذ منه السدس الذي تضمنه إقراره، ولا يأخذ منه أكثر منه؛ لأنه يقول له: لا حق لك في أكثر من الثلث، وذلك الثلث الذي أقررت ل كبه نصفه في يدي، فأسلمه إليك، والنصف الذي في يدي أخي موقوف على تصديقه.
وأما المقر للأخ، فإنه زعم انه شريكه، ومساوٍ له في جميع المال، فلا يستحق احدهم شيئًا إلا وللآخر مثله، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا.
стр. 1707
مسألة:
قال أحمد: وقالوا في أحد الابنين إذا أقر بدين على الميت، وكذبه أخوه: أنه يأخذ جميع دينه مما حصل في يده، كأن الميت لو ترك مائتي درهم، فأخذ كل واحدٍ من الابنين مائة درهم، ثم أقر أحدهما بمائة درهم على الميت، وكذبه الأخ: أن المقر له يأخذ جميع المائة التي صارت للمقر.
والدين مفارق للوصية والميراث، وذلك لقول الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دينٍ﴾، فأوجب الميراث بعد الدين، فلا يجوز أن يستحق شيئًا من الميراث وهناك دين؛ لأنه حينئذ يكون قد استحق الميراث مع الدين، والله تعالى إنما أوجبه بعد الدين.
فإن قيل: قوله: ﴿أو دينٍ﴾: لفظ مذكور يتضمن استحقاق جواز الميراث بعد قضاء جزء من الدين الذي على الميت، ولا يصح لك الاحتجاج بالظاهر مع قضاء جزء من الدين.
قيل له: قد تضمنت الآية المنع من استحقاق الميراث مع بقاء الدين؛ لأن قوله: ﴿من بعد﴾: يقتضي الترتيب، وما دام هناك دين باق، فهو ممنوع من استحقاق المال مع بقائه.
وقضاء جزء من الدين غير مخرجٍ مخالفنا من مخالفة حكم الآية، إذ كانت الآية متضمنة لمنع الميراث مع بقاء شيء من الدين، قليلًا كان أو كثيرًا.
стр. 1708
ووجه آخر: هو أن الابن الجاحد بمنزلة الغاصب في حق الغريم على ما تضمنه إقرار المقر، ولو أن غاضبًا غصب بعض مال الميت: كان الباقي مصروفًا في دينه، دون ورثته، كذلك المقر يزعم أن الأخ الجاحد غاصب في حق الغريم، وأن حق الغريم ثابت في جميع ما أخذه، فلذلك سلم إليه جميع دينه من نصيبه.
وليس كالإقرار بأخٍ آخر، أو وصية بالثلث؛ لأن ذلك يقتضي الشركة بينهما، أما الأخ ففي جميع المال، وأما الموصى له ففي الثلث، والغريم لا يثبت بينه وبين الوارث شركة بحال، فلذلك اختلفا.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإذا أقر بأخوين لأبيه، فصدقه أخوه في أحدهما، وكذبه في الآخر، فإن أبا يوسف قال: يأخذ المصدق به من المقر بهما ربع ما في يده، فيضمه إلى ما في يد الذي أقر به خاصة، فيقسمان ذلك نصفين، ويرجع المكذب به إلى الذي أقر به خاصة، فيقاسمه ما في يده نصفين.
قال: هذا قياس قول أبي حنيفة.
وقال محمد: يأخذ المصدق به من يد المقر يهما خمس ما في يده، فيضمه إلى ما في يد المقر به خاصة، فيقاسمه إياه نصفين، ويرجع المكذب به على المقر به وبالآخر، فيقاسمه ما في يده نصفين.
قال: وقد روى الحسن بن زياد هذا القول عن أبي حنيفة، وهو الصحيح على مذاهبهم، وهذا الجواب إذا كان المقر بهما متكاذبين).
стр. 1709
وجه قول أبي يوسف: أن في يد كل واحدٍ من الاثنين نصف المال، فاعترف المقر بهما جميعًا أن كل جزء من المال حكمه أن يكون بينهم على أربعة، لكل واحدٍ منهم الربع، فقد اعترف للمتفق عليه بربع ما في يده، وربع ما في يد أخيه، وقد صدقه فيه، فأخذ الربع الباقي له في يده، ويضمه إلى ما في يد المصدق به خاصة، فيكون بينهما نصفين، لاتفاقهما جميعًا أن كل شيء يحصل لأحدهما، فهما متساويان فيه.
وقال محمد: يأخذ المتفق عليه خمس ما في يد المقر بهما، وذلك لأنه أقر لكل واحدٍ بسهمين من ثمانية، فزعم أن للمتفق عليه سهمين: أحدهما في يدي، والآخر في يد أخي، وقد صدقني أخي فيه، فتسقط عني مخاصمته، فيضرب ما في يدي بسهم، وأضرب أنا لنفسي بسهمين، وللذي أقررت به وحدي سهمين، فيكون ما في يدي بيننا على خمسة، فيأخذ خمس ما في يدي، والباقي بيننا نصفين.
مسألة: [حكم المسألة السابقة إذا كانا متصادقين]
قال أبو جعفر: (وإن كان المقر بهما متصادقين فيما بينهما، فإن محمدًا قال: يأخذ المكذب به من الذي أقر به خاصة ثلث ما في يده، فيضمه إلى ما في يد الآخر، ثم يقاسمه والمقر به الآخر بالسوية، قال: ولم يحك محمد في ذلك خلافًا).
وذلك لأنه أقر له بسهمين، فلما صدقه الآخر: سقط من إقراره له نصف ما أقر به له، وبقي من إقراره له سهم، ولنفسه سهمان، فلذلك قال: يأخذ من ثلث ما في يده.
стр. 1710
مسألة: [إقرار الورثة بابن للميت غبر معروف]
قال أبو جعفر: (ومن توفي، وترك ابنين معروفين، أو ورثة سواهم معروفين، فأقروا بابن للهالك غير معروف: قضي ينسبه من الهالك، وحصل ابنه.
قال: وإن كان الهالك لم يترك إلا وارثا واحدا، فأقر بابن للهالك، فأن أبا حنيفة ومحمدا قالا: يدخل في الميراث، ولا يثبت نسبه من الهالك، وهذا القول هو المشهور من قول أبي يوسف.
قال: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال: إذا كان وارث واحد، لا يعرف للهالك وارث غيره، وأقر بابن للهالك، قضي بنسبه من الهالك، وجعل إقرار هذا المقر، كإقرار ورثة لو كانوا للهالك جميعًا).
قال أحمد: كان أبو الحسين ﵀ يقول: إن من قولهم جميعًا: أنه لو وقع التجاحد من الورثة: لم يقبل في إثبات نسب من الميت إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين من الوارثة، أو من غيرهم.
وإذا لم يقع التجاحد، وأقروا جميعا بالنسب: ثبت النسب منه وإن كان واحدا، بعد أن لا يكون هناك وارث غيره فكذبه، على ما روى أبو جعفر عن أبى يوسف، وكان يجعل ما روي عن أبى يوسف قولهم جميعًا.
وما روى محمد في اعتبار رجلين، أو رجل وامرأتين قولهم جميعًا أيضا إذا تجاحدوا، فإذا لم يتجاحدوا: فلا اعتبار بذلك.
وكان يحتج لذلك: أن الورثة خصم على الميت يقومون مقامه في حقوقه، فيصير إقرار الوراثة جميعًا كإقراره، إذ ليس هناك آخر يتعلق عليه حق.
فإن قيل: فلم صدقت الوارث على الميت في إثبات منه؟
стр. 1711
قيل له: الميت لا يثبت له، ولا عليه حق، وإنما يتعلق بالميت من الحقوق ما كان حقا للحي، فإذا لم يكن فيه حق للحي: فلا اعتبار لحق الميت فيه؛ لأن الميت قد انقطعت حقوقه من الدنيا، فلذبك صدق الوارث إذا لم يكن حي يتعلق عليه الحق بجحده.
стр. 1712
كتاب الخنثى
مسألة: [ميراث الخنثى]
قال أبو جعفر: (قال أبو حنيفة: إذا هلك الرجل عن ولد خنثى، وعن ابن غير خنثى: أعطي للخنثى على أنه بنت حتى يعلم غير ذلك.
وقال أبو يوسف: المال بينهما على سبعة، للابن المعروف: منها أربعة، وللخنثى ثلاثة، وقال محمد: للخنثى خمسة من اثني عشر، وللابن سبعة).
وجه قول أبي حنيفة: أن نصيب النبت متيقن به، والزيادة عليها مشكوك فيها، ولا يستحقه إلا بيقين؛ لأنه لا يجوز توريثه بالشك.
وأما أبو يوسف: فأنه ضرب للابن بنصيب ابن كامل، وهو أربعة، وللخنثى بثلاثة أرباع نصيب ابن، وذلك لأنه ضرب لها بنصف ميراث ابن، سهمين من أربعة، وبنصيب ميراث بنت، سهما واحدا، فصار جميع ما يضرب لها ثلاثة، وضرب للابن بأربعة.
وأما محمد: فأنه جعل الخنثي مستحقًا لستة من اثني عشر في حال،
стр. 1713
ويستحق في حال أربعة؛ لأنه إن كان ذكرا: فله ستة، ولأخيه ستة، وإن كان أنثي: فله أربعة، ولأخيه ثمانية، فله في حال أربعة، وله في حال ستة، فذلك عشرة له في حالين، له نصف ذلك، خمسة من اثني عشر، والابن يستحق في حال ثمانية، وفي حال ستة، فذلك أربعة عشر في حالين، له نصفها سبعة.
وقد ذكر عن أبي يوسف رجوع إلى هذا القول.
وإن شئت قلت: إن أربعة متيقنة للخنثى، وما بينها وبين الستة مشكوك فيه، وهو سهمان، فثبت نصفه، فيحصل له خمسة من اثني عشر، والابن قد تيقنا له ستة، وما بينها وبين الثمانية مشكوك فيه، وهو سهمان، فثبت نصفه ويبطل نصفه.
وإنما جعل أبو حنيفة ما فضل عن ميراث البنت للابن، ولم يقفه: لأن ميراثه متيقن أنه نصيب ابن، والمزاحمة بينه وبين الخنثى في النقصان لا نعلمه، فلا يحطه عنه، ولا يقفه؛ لأن وقوفه معلوم بطلانه، إذ ليس فيه حق لأحد.
مسألة: [معرفة حال الخنثى ذكورة أو أنوثة]
قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة: إن بال الخنثى من حيث يبول الرجل: كان رجلًا، وإن بال من حيث تبول المرأة: فهو امرأة، وإن بال منهما جميعًا: فمن أيهما سبق البول، فالحكم له، ويرث به، وإن بال منهما جميعًا معًا، فإن أبا يوسف قال: لا علم لي به).
قال أحمد: قد روي عن أبي يوسف: أنه من أكثرهما بولًا يورث،
стр. 1714
وذكر محمد في كتاب الخنثى هذا القول عن أبي يوسف، ثم قال بعد ذلك: فإن بال منهما جميعًا: لا علم لي بهذا، وهو قول محمد، ولم يذكر أكثرهما بولًا.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا بال منهما: فهو مشكل.
وروى أبو يوسف عنه فيما حكاه بشر بن الوليد، أنه يعتبر أيهما سبق.
وذكر محمد في كتاب الدعوى: أنه إذا بال منهما جميعًا: قضيت به لأولهما نزل منه، ولم يذكر فيه خلافًا، ثم قال: بال منهما جميعًا معًا، لا يسبق واحد منهما صاحبه: قضي به للأكثر في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول أبي حنيفة: لا حكم للأكثر، فجعله مشكلًا مع كثرة أحد البولين.
*فأما اعتبار المبال: فإن الأصل فيه ما روي عن علي ﵁، وابن عباس، وجماعة من السلف أن الخنثى يورث من حيث يبول.
وروى أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي ﷺ "أنه سئل عن مولود ولد في قوم، وله ما للمرأة، وما للرجل، كيف يورث؟
стр. 1715
قال: قال رسول الله ﷺ : من حيث يبول".
ولأن ظهور البول منه يدل على أنه هو المجرى الأصلي، فاعتبر دون غيره.
وإذا سبق من أحدهما: فالاعتبار بالسابق؛ لأن سبقه يدل أيضًا على أنه المجرى في أصل البنية، وأن رجوعه إلى الموضع الآخر انصراف عن المجرى لعله، أو سبب عارض.
وأما أبو حنيفة: فلم يعرف حكمه إذا بال منهما معًا، ولم يعتبر كثرة البول؛ لأنه قد يقل ويكثر، لأجل ضيق المخرج وسعته، فلا دلالة فيه على حالة في الذكور والأنوثة.
فصل: [زوال إشكال الخنثى ببلوغه]
قال أبو جعفر: (وقالوا جميعًا إذا بلغ باحتلامٍ، أو حيضٍ، أو شيءٍ مما يدل على واحدٍ منهما: صار من أهل الدليل الذي وقف منه عليه، وانقطع عنه الإشكال).
وذلك لأن هذه من العلامات التي يختص بها أحد الصنفين من الذكور والإناث، ولا يصح اجتماعهما فيهما، فمن وجدت فيه: حكم
стр. 1716
له بما تقتضيه.
والذي ذكره أبو جعفر من الاحتلام، إنما هو فيمن يحتلم كما يحتلم الرجل، فيحكم له بحكمه، أو كما تحتلم المرأة، فيحكم لها بحكمها، [حيث] إن المرأة قد تحتلم.
قال: (وقال محمد بن الحسن: الإشكال فيمن لم يبلغ، فإذا كان البلوغ: ذهب الإشكال).
وذلك لأنه لا يخلو بعد الظهور من إحدى العلامات المبينة لأمره، من ظهور لحية، أو جماع كجماع الرجل، أو احتلام كاحتلام الرجل أو المرأة، أو حيض، أو خروج ثديين كثديي المرأة.
مسألة: [ختان الخنثى]
(فإن احتاج إلى الختان، فإن كان له مال اشتريت له جارية ختانة، فتختنه، وإن لم يكن له مال، اشترى له الإمام من بيت مال المسلمين ختانة، فتختنه، فإذا ختنته، باعها، ورد ثمنها في بيت مال المسلمين.
قال: ولم يحك محمد خلافا بينه وبين أبي يوسف).
ووجه ذلك: إنه إن كان ذكرا: لم يجز للمرأة أن تختنه، وإن كان أنثى: لم يكن للرجل أن يختنها، فاحتاط بأن تختنه ملك يمينه على الوجه الذي قال، لئلا يوقع به محظوراً.
قال أبو جعفر: (وسمعت ابن أبي عمران يقول: القياس عندنا في الخنثى إذا احتاج إلى الختان: أن يزوجه الإمام امرأة، فتختنه، فإن كان
стр. 1717
ذكراً، كانت زوجته وختنته، وإن كان أنثى: كان مباحا لها ذلك).
قال أحمد: ما حكاه أبو جعفر عن أصحابنا هو أصح من ذلك؛ لأنا إذا زوجناه، كان عقد النكاح مشكوكا فيه، فإن صح صارت المرأة معلقة، لا يمكنها الخلاص منه، ولا يتيقن وجوب المهر بالعقد، ولا وجوب الميراث إن مات، وهو مشكل لا يدري هل نلزمه بعتقها أم لا؟
وإذا اشترى له جارية، فإذا ختنته بعناها، وبقى ثمنها في ملكه، وإن كانت اشتريت من بيت المال، بعناها أيضا، ورددنا الثمن في بيت المال، فيكون قد قمنا بما يجب من سنة الختان من غير إضرار بأحد.
مسألة: [موقف الخنثى في صلاة الجماعة]
قال أبو جعفر: (وموقفه في الصلاة بين صفوف الرجال، وصفوف النساء، ولا يقف مع واحدٍ منهما).
وذلك لأنه إن كان رجلا: لم يجز له القيام في صف النساء، وإن كانت امرأة: لم يجز له القيام في صف الرجال، فوجب أن يقف بينهما.
********
стр. 1718
كتاب الوصايا
مسألة: [الوصية للوارث]
قال أبو جعفر: (ولا وصية لوارث، إلا أن يجيزها الورثة بعد موت الوصي، وهم أصحاء بالغون).
قال أحمد: قد روي أن الوصية كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول آية المواريث، بقول الله تعالي:﴾ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للولدين والأقربين ﴿، ثم نسخ وجوبها بآية المواريث، وهي قوله تعالي:﴾ إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ﴿إلى قوله:﴾ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ﴿.
فأوجب قسمة جميع ما ترك الميت بينهم بالميراث، فسقط به فرض الوصية والميراث في مال واحد.
стр. 1719
* ومن الناس من يقول: إنها ثابتة للوالدين والأقربين من غير أهل الميراث، نحو أن يكونا كافرين أو عبدين.
وآية المواريث التي ذكرناها تقضى ببطلان هذا القول من الوجه الذي ذكرنا.
* وأما جواز الوصية، فالأصل فيه: قول الله تعالي في ذكر المواريث:﴾ من بعد وصية يوصى بها أو دين ﴿، فأجاز الوصية، وجعل الميراث بعدها.
وروى ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "ما حق امرء مسلم يبيت ليلتين، وله مال يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده".
وقال في قصة سعد حين أراد أن يوصي بجميع المال، قال: "الثلث والثلث كثير"، وهو اتفاق من الأمة.
* فأما وجه بطلان الوصية للوارث: فما رواه ابن عباس، وعمرو بن خارجة، وأبو أمامة وغيرهم عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا وصية لوارث، إلا أن يجيزها الورثة". في لفظ حيث ابن عباس وعمرو بن خارجة.
стр. 1720
مسألة:
قال أبو جعفر: (ولا وصية لحربي وإن أجاز ذلك له الورثة).
قال أحمد: وهذا إنما هو في الحربي إذا كان في دار الحرب؛ لأن اختلاف الدارين يقطع العصمة، ويمنع إثبات الحقوق فيما بين الفريقين، أعني: أهل دار الحرب، ودار الإسلام.
والدليل على ذلك: أنا إنما نملك على أهل الحرب أموالهم بالغلبة والحيازة، وكذلك هم يملكون علينا بالغلبة وحيازة الأموال في دارهم، فلو جاز أن يثبت لنا حق في دارهم، أو يثبت لهم حق في دارنا، لمنع ثبوت ذلك من وقوع الملك بالغلبة والقهر.
ألا ترى أنهم إنما ملكوا علينا حين حازوه في دارهم، لانقطاع حقوقنا عن تلك الأموال، وكذلك نحن ملكنا عليهم لهذه العلة.
* وأما الحربي المستأمن: فإنه تجوز له الوصية؛ لأنه في دارنا محقون الدم بالأمان، كما تجوز هبتنا له، ومبايعتنا إياه.
مسألة:
قال: (ولا وصية لقاتل من المقتول).
وذلك لأنه حين منع الميراث لأجل قتله إياه، تعظيما لجرمه، وهو القتل، وكان معلوما أن الميراث أكد من الوصية، فالوصية أحرى أن تكون ممنوعة.
والدليل على أن جهة الميراث أكد من جهة الوصية: أن الميراث يدخل في ملك الوارث بغير قبول، والوصية لا تصح إلا بقبول.
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن علي المعمري
следующие страницы →