← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

له بما تقتضيه. والذي ذكره أبو جعفر من الاحتلام، إنما هو فيمن يحتلم كما يحتلم الرجل، فيحكم له بحكمه، أو كما تحتلم المرأة، فيحكم لها بحكمها، [حيث] إن المرأة قد تحتلم. قال: (وقال محمد بن الحسن: الإشكال فيمن لم يبلغ، فإذا كان البلوغ: ذهب الإشكال). وذلك لأنه لا يخلو بعد الظهور من إحدى العلامات المبينة لأمره، من ظهور لحية، أو جماع كجماع الرجل، أو احتلام كاحتلام الرجل أو المرأة، أو حيض، أو خروج ثديين كثديي المرأة. مسألة: [ختان الخنثى] (فإن احتاج إلى الختان، فإن كان له مال اشتريت له جارية ختانة، فتختنه، وإن لم يكن له مال، اشترى له الإمام من بيت مال المسلمين ختانة، فتختنه، فإذا ختنته، باعها، ورد ثمنها في بيت مال المسلمين. قال: ولم يحك محمد خلافا بينه وبين أبي يوسف). ووجه ذلك: إنه إن كان ذكرا: لم يجز للمرأة أن تختنه، وإن كان أنثى: لم يكن للرجل أن يختنها، فاحتاط بأن تختنه ملك يمينه على الوجه الذي قال، لئلا يوقع به محظوراً. قال أبو جعفر: (وسمعت ابن أبي عمران يقول: القياس عندنا في الخنثى إذا احتاج إلى الختان: أن يزوجه الإمام امرأة، فتختنه، فإن كان

стр. 1717

ذكراً، كانت زوجته وختنته، وإن كان أنثى: كان مباحا لها ذلك). قال أحمد: ما حكاه أبو جعفر عن أصحابنا هو أصح من ذلك؛ لأنا إذا زوجناه، كان عقد النكاح مشكوكا فيه، فإن صح صارت المرأة معلقة، لا يمكنها الخلاص منه، ولا يتيقن وجوب المهر بالعقد، ولا وجوب الميراث إن مات، وهو مشكل لا يدري هل نلزمه بعتقها أم لا؟ وإذا اشترى له جارية، فإذا ختنته بعناها، وبقى ثمنها في ملكه، وإن كانت اشتريت من بيت المال، بعناها أيضا، ورددنا الثمن في بيت المال، فيكون قد قمنا بما يجب من سنة الختان من غير إضرار بأحد. مسألة: [موقف الخنثى في صلاة الجماعة] قال أبو جعفر: (وموقفه في الصلاة بين صفوف الرجال، وصفوف النساء، ولا يقف مع واحدٍ منهما). وذلك لأنه إن كان رجلا: لم يجز له القيام في صف النساء، وإن كانت امرأة: لم يجز له القيام في صف الرجال، فوجب أن يقف بينهما. ********

стр. 1718

كتاب الوصايا مسألة: [الوصية للوارث] قال أبو جعفر: (ولا وصية لوارث، إلا أن يجيزها الورثة بعد موت الوصي، وهم أصحاء بالغون). قال أحمد: قد روي أن الوصية كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول آية المواريث، بقول الله تعالي:﴾ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للولدين والأقربين ﴿، ثم نسخ وجوبها بآية المواريث، وهي قوله تعالي:﴾ إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ﴿إلى قوله:﴾ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ﴿. فأوجب قسمة جميع ما ترك الميت بينهم بالميراث، فسقط به فرض الوصية والميراث في مال واحد.

стр. 1719

* ومن الناس من يقول: إنها ثابتة للوالدين والأقربين من غير أهل الميراث، نحو أن يكونا كافرين أو عبدين. وآية المواريث التي ذكرناها تقضى ببطلان هذا القول من الوجه الذي ذكرنا. * وأما جواز الوصية، فالأصل فيه: قول الله تعالي في ذكر المواريث:﴾ من بعد وصية يوصى بها أو دين ﴿، فأجاز الوصية، وجعل الميراث بعدها. وروى ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "ما حق امرء مسلم يبيت ليلتين، وله مال يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده". وقال في قصة سعد حين أراد أن يوصي بجميع المال، قال: "الثلث والثلث كثير"، وهو اتفاق من الأمة. * فأما وجه بطلان الوصية للوارث: فما رواه ابن عباس، وعمرو بن خارجة، وأبو أمامة وغيرهم عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا وصية لوارث، إلا أن يجيزها الورثة". في لفظ حيث ابن عباس وعمرو بن خارجة.

стр. 1720

مسألة: قال أبو جعفر: (ولا وصية لحربي وإن أجاز ذلك له الورثة). قال أحمد: وهذا إنما هو في الحربي إذا كان في دار الحرب؛ لأن اختلاف الدارين يقطع العصمة، ويمنع إثبات الحقوق فيما بين الفريقين، أعني: أهل دار الحرب، ودار الإسلام. والدليل على ذلك: أنا إنما نملك على أهل الحرب أموالهم بالغلبة والحيازة، وكذلك هم يملكون علينا بالغلبة وحيازة الأموال في دارهم، فلو جاز أن يثبت لنا حق في دارهم، أو يثبت لهم حق في دارنا، لمنع ثبوت ذلك من وقوع الملك بالغلبة والقهر. ألا ترى أنهم إنما ملكوا علينا حين حازوه في دارهم، لانقطاع حقوقنا عن تلك الأموال، وكذلك نحن ملكنا عليهم لهذه العلة. * وأما الحربي المستأمن: فإنه تجوز له الوصية؛ لأنه في دارنا محقون الدم بالأمان، كما تجوز هبتنا له، ومبايعتنا إياه. مسألة: قال: (ولا وصية لقاتل من المقتول). وذلك لأنه حين منع الميراث لأجل قتله إياه، تعظيما لجرمه، وهو القتل، وكان معلوما أن الميراث أكد من الوصية، فالوصية أحرى أن تكون ممنوعة. والدليل على أن جهة الميراث أكد من جهة الوصية: أن الميراث يدخل في ملك الوارث بغير قبول، والوصية لا تصح إلا بقبول. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن علي المعمري

стр. 1721

قال: حدثنا محمد بن مصعب قال: حدثنا بقية عن مبشر بن عبيد عن الحجاج عن عاصم عن زيد عن علي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: "ليس لقاتل وصية". [مسألة:] وقال أبو جعفر: (فإن أجازها الورثة: حازت في قول أبي حنيفة ومحمد، كما لو أجازوا الوصية للوارث جازت. وقال أبو يوسف: لا تجوز لقاتل وصية وإن أجازها الورثة). وذلك لأن جعل حرمان ميراثه ووصيته عقوبة له على قتله، لا لأجل حق الورثة، فلا تأثير لإجازة الورثة فيها.

стр. 1722

وأما الوارث فإنما منع الوصية؛ لأنه قد استحق الميراث، فلا يجوز تفضيله على سائر الورثة على ما سمي له من الميراث، لدخول النقص والضرر عليهم ممن قد شاركهم في ميراثهم، فإن أجازتها الورثة: جازت؛ لأن ذلك كان حقا لهم، فرضوا بإسقاطه. مسألة: [الوصية بأكثر من الثلث] قال أبو جعفر: (ومن أوصى بأكثر من ثلثه، فأجاز ذلك له ورثته في حال حياته: كان لهم أن يرجعوا عن ذلك بعد وفاته). وذلك لأنهم أجازوا ما ليس بحق لهم في الحال، ولا يملكونه، فلا تعمل إجازتهم، كمن سلم الشفعة قبل عقد البيع، ومن أبطل الخيار قبل البيع، وأبرأ من العيب قبل العقد، وبمنزلة الأمة إذا اختارت زوجها قبل العتق، فلا يصح شيء من ذلك، كذلك ما وصفنا. مسألة: [الأفضل لمن كان له مال قليل عدم الإيصاء] قال: (والأفضل لمن كان له مال قليل، وله ورثه أن لا يوصى فيه بشيء، وأن يبقيه ميراثا للورثة). وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وأبن أبي خلف قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: مرض مرضا شديدا – قال ابن أبي خلف: بمكة، ثم [اتفقا] –

стр. 1723

أشفى منه، فعاده رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بالثلثين؟ قال: لا. قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت فيها، حتى اللقمة ترفعها إلى فم امرأتك. قلت: يا رسول الله! أتخلف عن هجرتي؟ قال أن تخلف بعدي، وتعمل عملا تريد به وجه الله، لا تزداد به إلا رفعة ودرجة، لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. قال: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله صلي الله عليه وسلم

стр. 1724

أن مات بمكة". فدل هذا الخبر من وجهين على ما قلنا: أحدهما: قوله: "الثلث، والثلث كثير". وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن سعد عن النبي صلي الله عليه وسلم نحو هذه القصة في أمر الوصية وقال: "الثلث، والثلث كثير". قال أبو عبد الرحمن: فمن ثم كانوا يستحبون أن يدعوا من الثلث. والثاني: قوله: "إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. ويدل عليه أيضا: ما روى عن النبي صلي الله عليه وسلم: "إنما الصدقة عن ظهر غني، وابدأ بمن تعول". فإذا كان أهله محتاجين: فالبدء بهم بإيصال المال إليهم أفضل من الصدقة به على الأجانب. ويدل عليه أيضا: حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلي الله عليه

стр. 1725

وسلم قال: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" مسألة: [استحباب الوصية لمن كان له مال كثير] قال أبو جعفر: (والأفضل لمن كان له مال كثير الوصية بما لا يتجاوز الثلث، مما لا معصية فيه). وذلك لقول النبي صلي الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: "ما حق امرء مسلم يبيت ليلتين، وله ما يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده". فحملنا ذلك على الغني وكثرة المال؛ لأن حديث سعد قد دل على أن الأفضل ترك الوصية إذا لم يكن الورثة أغنياء. ويدل عليه أيضًا: حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم، زيادة في أعمالكم". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو عبد الله عبيد الله بن حاتم

стр. 1726

العجلي قال: حدثني عبد الأعلى بن واصل قال: حدثنا إسماعيل بن صبيح قال: حدثنا مبارك بن حسان قال: حدثنا نافع عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "يا ابن آدم! اثنتان ليست لك واحدة منهما: جعلت لك نصيب من مالك حين أخذت بكظمك، لأطهرك وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك". فهذه الأخبار تدل على استحباب الوصية لمن كان ذا مالٍ كثير. مسألة: [إجازة بعض الورثة للوصية بأكثر من الثلث] قال: (ومن أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبي، فأجاز ذلك بعض ورثته بعد موته، ولم يجز بقيتهم: جاز له من ذلك الثلث من مال الموصي، وكان له من نصيب من أجاز له ما كان يرجع إليه لو لم يجز له، ولم يجز له ما سوى ذلك). وذلك لأنه يستحق الثلث بغير إجازة، وما زاد عليه فهو موصى به، ومن كل واحدٍ من الورثة بقسطه، وإجازته نافذة في نصيبه، غير جائزة في نصيب الآخرين. مسألة: [موت الموصى له قبل الموصي] قال: (وإذا أوصى لرجلٍ، ثم مات الموصى له قبل الموصِي:

стр. 1727

بطلت وصيته). لأن صحة الوصية متعلقة بموت الموصِي، ألا ترى أن الموصي له أن يرجع في وصيته، ويتصرف فيما أوصَى به بسائر وجوه التصرف، فلما كان كذلك، وكان الموصَى له ميتًا قبل موت الموصى، لم تصح له وصيته. [مسألة: موت الموصَى له بعد الموصي قبل أن يقبل الوصية] قال: (وإن ماتَ بعد موت الموصِي، قبلَ أن يقبل الوصية: كانت له الوصية). وذلك لأن الوصية قد تمت من جهة الموصِي، وانقطع حقه عن ماله، وبقى موقوفًا على الموصَى له، فأشبه المشترى إذا اشترى على أنه بالخيار، وعليه قلنا: إن حق البيع لما انقطع، بقى موقوفا على المشتري، وكان موت المشتري مسقطا لخياره، ومتمما للشراء، كذلك الموصَى له، لما كانت الوصية موقوفة عليه مع انقطاع حق سائر الناس عنه، وجب أن يكون موته متممًا للوصية. مسألة: [جهالة قدر الوصية] قال: (ومن أوصى لرجلٍ بحظ من ماله، أو بشيءٍ من ماله: أعطاه الورثة ما شاؤوا).

стр. 1728

وذلك لأن هذا الاسم لا يختص بمقدار معلوم، بل يقع على القليل والكثير، وهو شيء مستحق من مال الورثة، فكان الخيار إليهم في أن يعطوه ما شاؤوا، كرجلٍ أقر لرجلٍ بشيء، فيكون القول قوله في مقداره، وذلك لأنا لا نتيقن أنه مستحق لأكثر مما بينه المقر. والأصل في جميع ذلك، أنا لا نُلزم المقر إلا ما تيقنا دخوله في إقراره، ولا يثبت من الوصية إلا ما تيقنا ثبوته؛ لأن الأصل أنه غير ثابت، حتى نعلم ثبوته. مسألة: [أوصى لرجلٍ بسهمٍ من ماله] قال أبو جعفر: (ولو أوصى لرجلٍ بسهم من ماله: فله مثل أقل نصيب أحد الورثة، إلا أن يزيد على السدس، فلا يكون له أكثر من السدس في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: له مثل أخس سهام الورثة في هذه الوجوه كلها، ما لم يجاوزها الثلث، فيجوز منه الثلث، ولم يجز ما زاد). قال أحمد: اسم السهم يتناول نصيب كل واحد من الورثة؛ لأنك تقول: لفلان سهم من كذا، وكذا سهما، فإذا كان كذلك، أعطي مثل نصيب أحدهم، ولم يجاوز به أبو حنيفة السدس، لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن سهل بن عبد الحميد بالبصرة قال: حدثنا سهيل بن إبراهيم الجارودي قال: حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا العرزمي عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود "أن رجلا جعل

стр. 1729

لرجل على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم سهمًا من ماله، ولم يدر ما هو، فرفع إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم، فجعل له السدس من ماله". وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود من قوله، وروي عن إياس ابن معاوية أن السهم في كلام العرب السدس. وأيضًا: فلو كان اسم السهم يقع على أكثر من السدس، وعلى السدس، كان النظر يوجب الثاني؛ لأنه متيقن، وما عداه مشكوكٌ فيه، فلا نثبته بالشك. * وفي قولهما: مثل نصيب أخس الورثة؛ لأنه يسمى سهمًا، إلا أ، يزيد على الثلث، فلا يُعطى أكثر منه؛ لأن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث.

стр. 1730

مسألة: [لو أوصى بمثل نصيب ابنه] قال أبو جعفر: (ومن أوصى لرجلٍ بمثل نصيب ابنه، وليس له وارث غير ابنٍ، فهذه وصية بنصف المال، فإن أجاز الورثة: أخذ، وإلا: فله الثلث). وذلك لأن مثل النصيب ينبغي أن يكون مساويًا للنصيب، فيأخذ نصيبًا، ويزيد عليه مثله، فيكون هو الوصية، وذلك نصف المال. وليس هذا كوصية بنصيب الابن: فلا يجوز؛ لأن نصيب الابن هو ميراثه وملكه، فلا تجوز الوصية به. مسألة: [لو أوصى بنصيب ابنٍ، ولا ابن له] (ولو أوصى له بنصيب ابن، ولا ابن له: كان له بحق الوصية مثل الذي كان يكون للابن لو كان له، من تركته). وذلك لأن معنى ذلك: نصيب ابن لو كان، فليس ذلك وصية بالميراث، وكذلك لو أوصى بنصيب ابن لو كان. مسألة: [لو أوصى لرجل بربع ماله، ولآخر بنصفه] قال: (ومن أوصى لرجل بربع ماله، ولآخر بنصفه، وأجازت الورثة: أخذا وصيتهما). وذلك لأن المال يتسع لهما، وقد أجازته الورثة، لأن الوصيتين صحيحتان، وإنما لم يكن تنفيذهما إلا من الثلث لحق الورثة، فإذا أجازتها الورثة: نفذت.

стр. 1731

* (وإن لم يجيزوا: كان الثلث بينهما على سبعةٍ في قول أبي حنيفة؛ لأن الموصى له بالنصف يضرب بالثلث، أربعة من اثني عشر، والموصى له بالربع، يضرب بثلاثة من اثني عشر). وإنما لم يضرب صاحب النصف بما زاد على الثلث، من قبل أن ما زاد عليه فهو نصيب الوارث، ولا تجوز الوصية بمال الوارث، ولا يضرب الموصى له بما لا تصح الوصية. وقد بينا هذه المسألة ونظراءها، في غير هذا الموضع من الكتاب. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضرب كل واحد بجميع وصيته في الثلث، فيكون الثلث بينهما على على ثلاثة"، وجعلاه كالقول في الفرائض. وفرق أبو حنيفة بينهما، من قبل أن سهامهم صحيحة قد استحقوها، فيضاربون بها. وأما الوصية بأكثر من الثلث، فليست بصحيحة؛ لأنه حق الوارث، فلذلك لم يضرب. مسألة: [الوصية بما جاوز الثلث] قال أبو جعفر: (ولا يضرب في قول أبي حنيفة أحًد ممن أوصِى له

стр. 1732

بشيءٍ ما جاوز الثلث منه، إلا بالدراهم المرسلة، وبقيمة نفسه إن كان معتقًا في المرض، أو موصَى بعتقه، وبمحاباةٍ في البيع).

стр. 1733

قال أحمد: ذكر أبو جعفر الدراهم المرسلة، والمال المرسل كله مبنزلة الدراهم، مثل عشرة أثواب، وأربعين شاة، ونحو ذلك. وفرق بين هذه الوصايا، وبين الوصية بجميع المال، وذلك لأن ما زاد على الثلث إلى النصف، أو الجميع، فهو نصيب الوارث، فلا تصح له المضاربة بها، وأما الوصية بالمال المرسل، فليست وصية بمال الوارث. ألا ترى أن ذلك قد يجوز أن يخرج من الثلث، فلا يكون للوارث فيه حق، وكذلك يضرب برقبته في العتق في المرض، وفي الوصية بالعتق؛ لن حق الوارث ساقط عن الرقبة عن العتق، وصار إنما يضرب بقيمتها، والقيمة بمنزلة الدراهم المرسلة، فيضرب بها. وكذلك المحاباة في البيع؛ لأنه وصية بالثمن، لأن الورثة لا حق لهم في أعيان التركة، إلا أنه لو ترك عبدًا عبدًا واحدًا، وأوصى ببيعه من فلان بمثل قيمته، جازت الوصية بالبيع وإن لم يكن للورثة أن يمنعوا منه، فلما لم يكن لهم في عين الرقبة الموصَى ببيعها حق، وكانت وصية صاحب المحاباة إنما هي بالثمن، صار بمنزلة الوصية بالدراهم المرسلة. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضرب أصحاب الوصايا بوصاياهم

стр. 1734

كلها)، كقول الفرائض. مسألة: [الوصية بالحمل وللحمل] قال أبو جعفر: (والوصية بالحمل وللحمل جائزة، إذا علم أنه كان حملاً يوم الوصية). وذلك لأن الوصية بالمجاهيل جائزة، ألا ترى أنه لو أوصَى له بثلث ماله، جازت مع جهالة مقدار ماله وقت الموت. ويدخل فيه ما يستحدث ملكه إلى وقت الموت، وهو مجهول. فكذلك الوصية بالحمل. ولأنها تتعلق على الأخطار أيضًا، ألا ترى أنها تنتظم ما يستفيده بعد الوصية إلى وقت الموت، فلما تعلقت على الأخطار، جازت بالمجاهيل، وبالحمل، ومن حيث تعلقت على الأخطار جازت للحمل أيضًا. وكما جاز أن يوصِى لغائب، ويكون بعد الموت موقوفًا على قبوله، وكما يوصى لزيدٍ إن خرج إلى مكة، ونحو ذلك. وأيضًا: كما جاز أن يثبت الميراث للحمل، جازت الوصية له، لأنهما جميعًا يتعلقان بالموت، وصحة الميراث في الحمل، يدل على صحة الوصية به أيضًا.

стр. 1735

مسألة: [لو أوصى لرجل بأمةٍ، ثم أوصى بها لآخر] قال أبو جعفر: (وإذا أوصى بأمةٍ لرجل، ثم أوصى بها لآخر: كانت بينهما نصفين). وذلك لأنه ليس تمتنع الوصيتان جميعًا لهما، على جهة الاشتراك فيها، وليس في اللفظ دلالة على الرجوع عن الأول. ألا ترى أنه لو أوصَى لرجل بثلث ماله، ثم أوصى لآخر بثلث ماله: جازت الوصيتان جميعًا، ولم تكن الثانية رجوعًا عن الأولى وإن لم يملك إلا ثلثًا واحدًا. [مسألة:] قال: (ولو قال: الأمة التي كنت أوصيت بها لفلان، فقد أوصيت بها لفلان: كان رجوعًا عن الأولى، وإثباتًا للثانية). وذلك لأنه لما ذكرها في لفظ، واستأنف ذكرها للثانية بالفاء، دل على الرجوع، هكذا يقتضيه ظاهر هذا اللفظ. وليس هذا بمنزلة قوله: وقد أوصيت بها لفلان: فتكرون بينهما نصفين؛ لأن الواو للجميع، فصار كأنه قال: هي لهما جميعًا. مسألة: [تصرف الموصِى فيما أوصَى به ببيعٍ ونحوه] قال أبو جعفر: (وإذا أوصَى بأمةٍ لرجل، ثم باعها، أو تصدق بها، أو أخرجها عن ملكه، بوجهٍ من الوجوه، أو كانت حنطًة فطحنها: فهذا رجوع عن الوصية). وذلك لأنه قد فعل ما لا يصح معه بقاء الوصية؛ لأن حصولها في ملك الغير بالبيع والهبة، وكونها مكاتبة يمنع صحة الوصية بها، فلا فرق

стр. 1736

بين أن يقول: قد رجعت عن الوصية، وبين أن يفعل ما لا يصح إلا مع الرجوع. ألا ترى أن المشتري إذا كان بالخيار، لم يختلف حكم قوله: قد أجزت البيع، وبين أن يفعل ما لا يصح إلا مع الاختيار في باب لزوم الشراء، مثل الوطء، والبيع. وكذلك الزوج إذا طلق امرأته رجعيًا، فلا فرق بين قوله: قد راجعتها، وبين أن يفعل ما لا يصح إلا مع الرجعة، مثل الوطء، واللمس، والقبلة للشهوة. والأصل في ذلك كله: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن يحيي الأحول الحلواني قال: حدثنا محمد بن الحكم أبو عمرو الشهروزوري قال: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن هشان بن عروة عن أبيه عن عائشة "أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لبريرة: إن قربك، فلا خيار لك". وفي بعض الألفاظ: "إن وطئك، فلا خيار لك".

стр. 1737

فجعل النبي صلي الله عليه وسلم رضاها بالوطء، ومطاوعتها إياه عليه، بمنزلة قولها: قد اخترتك، فكذلك ما وصفنا. وأما الحنطة إذا طحنها، فإنما بطلت الوصية فيها؛ لأن صحة الوصية متعلقة بالموت، فإن لم تكن الحنطة موجودة وقت الموت، لم تصح الوصية. وكذلك سائر الأفعال الحادثة في الموصَى به، إذا أزالت الاسم وعظم المنافع. ألا ترى أن الغاصب يستحقه على المالك بإحداث هذه الأفعال فيه، ويبطل حقه عنه، فحق الموصَى له أولى بأن يبطل عنه بإحداث هذه الأفعال فيه. مثل أن يوصى بهذا الكفرى، الذي في هذا النخل لفلان، فيصير بسرا، قبل أن يموت الموصى. أو يوصى بهذا البيض لفلان، فتحضنه دجاجة، ويخرج منه فرايج: فإن الوصية تبطل في جميع هذه الوجوه، لزوال اسم ما تعلقت عليه الوصية، مع عظم منافعه. قال أحمد: قال محمد في الزيادات: لو قال: أوصيت بهذا الرطب

стр. 1738

لفلان، فصار تمرًا قبل أن يموت الموصي: كانت الوصية باطلة، ولكني أستحسن أن أخير هذا. وقال: ولو قال أوصيت بهذا العنب لفلان، فصار زبيبا قبل أن يموت الموصِي، كانت الوصية باطلة. قال: ألا ترى أن رجلاً لو غضب رجلاً عنبًا، فجعله زبيبًا: لم يكن لصاحبه عليه سبيل، وأخذ منه عنبًا مثله، أو قيمته إن لم يوجد مثله. ولو غصب رطبًا، فجعله تمرًا، كان صاحب الرطب بالخيار: إن شاء أخذ التمر، وإن شاء ضمنه مثل رطبه. قال أحمد: ففرق بينهما في الوصية، من حيث افترقا في الغصب، من قبل أن زوال عظم منافع العين، يقطع حق المغصوب منه في أخذه، على حسب ما بينا في مسائل الغصب. والأصل فيه: حديث النبي صلي الله عليه وسلم في قصة الشاة المشوية: "أطعموها الأسرى"، وكانت غصبًا. وإذا كان هذا الأصل صحيحًا، قلنا في مسألة الرطب إذا صار تمرًا في يد الغاصب: إن حق صاحبه قائم في أخذه، من قبل أن عظم منافع الرطب قائم في التمر، من كون الدبس، والخل، والنبيذ منه، كما يكون من الرطب. وأما العنب إذا صار زبيبًا، فقد زال به عظم منافعه، فانقطع حق صاحبه عنه.

стр. 1739

مسألة: [تصرف المريض مرض الموت] قال: (وتصرف المريض إذا اتصل به الموت: بمنزلة الوصية فيما يعتبر فيه الثلث). وذلك لقول النبي صلي الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص حين قال: أتصدق بجميع مالي؟ فقال: لا، إلى أن رده إلى الثلث. وجعل النبي صلي الله عليه وسلم عتق الذي أعتق ستة أعبد له في مرضه، من الثلث. وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم، زيادة في أعمالكم". فجعل تصرفه في ماله في المرض من الثلث. وفي حديث ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم: يقول الله تعالي: "يا ابن آدم! اثنتان ليست لك واحدة منهما، جعلت لك نصيبًا من مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك وأزكيك، وصلاة عبادي علكي بعد انقضاء أجلك". فأخبر أن الذي له من ماله في المرض، نصيب منه دون جميعه وقال أبو بكر الصديق في مرضه الذي مات فيه لعائشة: "إني كنت

стр. 1740

نحلتك جداد عشرين وسقا بالعالية، وإنك لم تكوني حزتية، ولا قبضيته، وإنما هو مال الوارث". فأضاف المال إلى الوارث، وأبان أن هبته في المرض لوارثه غير جائزة، وذلك بحضرة الصحابة من غير نكير من أحد من السلف عليه، وفيه الدلالة من وجهين على ما وصفنا: أحدهما: انه لو جازت الهبة في الحال لوهبها، لقوله: "إن أحب الناس إلى غناء أنت". والثاني: قوله: "إنما هو مال الوارث"، فأضاف المال إلى الوارث في حال مرضه، لثبوت حقه فيه. فصل: [المرض غير المميت غالبًا بمنزلة الصحة] قال: (والمرض الذي لا يخاف فيه الموت، مثل الفالج، والسل الذي قد تطاول، بمنزلة الصحة). لأنه ليس الغالب منه خوف الموت، فهو بمنزلة الصحة، وإن لم يكن أحد من الناس على ثقةٍ من الحياة طرفة عينٍ، في صحة أو مرض، إلا أنه يعتبر فيه الغالب من أمره في العادة. * قال: (والمرأة إذا ضربها الطلق: بمنزلة المريض). لأن غالب حالها الموت في العادة، كالمريض المدنف.

стр. 1741

* (وكذلك من قدم للقتل في قصاصٍ أو رجمٍ). [مسألة:] قال: (فأما عقود المرتد وتصرفه: فغير جائز في قول أبي حنيفة، إذا قتل أو مات). لأن الردة تزيل ملكه، وقد بينا ذلك في مواضع. (وقال أبو يوسف: هو كالصحيح)، بمنزلة من وجب عليه القصاص (وقال محمد: هو كالمريض)؛ لأن خوف التلف عليه أغلب من خوفه على المريض، إذ هو مباح الدم في حال الردة. قال: (ومن أوصى بوصايا في مرضه، وأعتق عبيدًا له: بدئ بالعتق على سائر الوصايا إن لم تخرج من الثلث، تقدم أو تأخر). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عن حيوة قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن "سعيد بن المسيب قال: "مضت السنة أن نبدأ بالإعتاق في الوصية". وأيضَا: لما كان العتق مما لا يلحقه الفسخ، وسائر الوصايا يلحقها الفسخ، صار العتق آكد منها، ومتى اجتمع أمران لا يمكن إجازتهما

стр. 1742

جميعًا، وأحدهما ينفسخ، والآخر لا ينفسخ: فالذي لا ينفسخ أولى بالثبات، وما ينفسخ أولى بالبطلان. ألا ترى أن رجلاً لو أعتق عبد رجلٍ بغير أمره، وباعه آخر، فأجاز الأمرين: جاز العتق، وبطل البيع. وكذلك لو وكل رجلاً بعتق عبده، وآخر ببيعه، فأوقعا الأمرين معًا: جاز العتق، وبطل البيع. مسألة: [تقديم الوصية بالمحاباة على العتق] قال: (ولو أعتق وحابي في المرض، فإن بدأ بالمحاباة فهي أولى، وإن بدأ بالعتق: تحاصا في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: العتق أولى، قدم أو أخر). وذلك إذا لم يسعهما الثلث. وجه قول أبي حنيفة: أن المحاباة حق الآدمي، قد ثبت بعوض، فصارت مثل الذي يقر به المريض، فيكون أولى مما إذا بدأ بها، إذ كان مخرجه مخرج المعاوضة. ألا ترى أن من أقر في مرضه بدين، كان مصدقا على الورثة، وجعل في الحكم كأنه قد ملك بدله، لولا ذلك لما جاز إقراره إلا من الثلث، كذلك المحاباة، لما أشبهت الدين من هذا الوجه، وجب أن يبدأ بها على العتق إذا بدأ بها. فإن قيل: فالجزء الذي فيه المحاباة، ليس بإزائه عوض. قيل له: هو قد جعل الثمن عوضًا لجميع العبد، وأخرجه مخرج المعاوضة، وكذلك الدين المقر به، يجوز أن لا يكون بدلاً من شيء، إلا

стр. 1743

أنه لما أخرجه مخرج ما فيه عوض، كان أولى، فكذلك ما ذكرنا. فإن قيل: فالعتق لا يلحقه الفسخ، والبيع يلحقه الفسخ. قيل له: الدين مما يلحقه الفسخ، ومع ذلك فهو أولى من العتق الذي لا يجوز فسخه. فإن قيل: لو كانت المحاباة بمنزلة الدين، لجازت على الورثة، ولم تكن من الثلث، كما أن الدين ليس من الثلث. قيل له: افترقهما من هذا الوجه، لا يمنع الجمع بينهما في وجوب البدء به على العتق. ألا ترى أن العتق في المرض من الثلث، ومع ذلك يبدأ به على الوصية بالمال، لتأكد حاله، كذلك المحاباة لما تأكدت بما وصفنا من شبهها بالدين، من الوجه الذي ذكرنا، وجب أن يبدأ بها على العتق إذا بدأ بها. وأيضًا: فإن المحاباة لما ساوت العتق في باب أن كل واحدٍ منهما قد صح في المرض، انقطع حق الميت في الرجوع فيها، ثم وجدنا للمحاباة فضل مزية من جهة وقوعها على العوض، ومن جهة البدء بها، وعدمنا ذلك في العنق، وجب أن تكون المحاباة مقدمة عليه. ألا ترى أن الجميع متفقون على وجوب تقديم العتق على الوصية بالمال، لوقوعه وصحته في حياته، وانقطاع حقه في الرجوع فيه، كذلك المحاباة، لما صار لها من المزية ما وصفنا، كانت أولى من العتق.

стр. 1744

فإن قيل: فالصدقة في المرض لا رجوع فيها، ولم تكن في معني العتق. قيل له: يصح الرجوع في الصدقة بعد الموت، إذا لم تخرج من الثلث، ولا يصح في المحاباة والعتق. فإن قيل: المحاباة قد يصح فسخها، والعتق لا يصح فسخه، فالعتق أولى. قيل له: المحاباة لا يصح فسخها من جهة الميت، ولا من جهة الورثة؛ لأن للمشتري أن يقول: أنا أزيد في الثمن إلى تمام ثلثي القيمة، فلا يكون لهم سبيل إلى فسخها، وإنما يصح فسخها من جهة المشتري، لا من جهة الميت أو الورثة، وإنما يحتاج إلى أن يعتبر ما يصح فسخه من جهة الميت أو الورثة، فيستدل بانقطاع حقهم في الفسخ على تأكده، فأما وقوع الفسخ من جهة الموصى له، فلا اعتبار به. * وأما إذا بدأ بالعتق، ثم المحاباة، فإنهما يتحاصان؛ لأن العتق له مزية البدء، ووقوعه قبل الموت، من غير حق فسخ فيه لأحد، والمحاباة لها مزية العوض، فإنها لا يلحقها الفسخ أيضًا، فتساويا جميعًا، ولم يكن لأحدهما مزية على صاحبه، فلذلك تحاصا. * ولأبي يوسف ومحمد: أن المحاباة قد يلحقها الفسخ، إذا لم يرض المشتري بزيادة الثمن، والمعتق لا يلحقه الفسخ بحال، فكان أولى منها، كما كان العتق أولى من الوصية بالمال. مسألة: [اجتماع عدة فرائض في الوصية] قال: (ومن أوصى بوصايا لقوم بأعيانهم، وأوصى بزكاة عليه، وكفارات أيمان، وحج، والثلث يقصر عن جميع ذلك: ضرب بالوصايا

стр. 1745

كلها في الثلث، فما كان منها حقًا لآدمي دفع إليه، ثم ينظر إلى القرب، فيبدأ منها بالزكاة، ثم يثني بالحج المفروض عليه، ثم يثلث بما أوصى به من ذلك في كفارات أيمانه، يبدأ في ذلك بالأولي من الأشياء، على ما هو أولى منها، فإن تساوت: بدئ منها بما بدأ به الموصِى في وصيته). قال أحمد: ذكر أبو جعفر أنه يبدأ بالزكاة، ثم بالحج الفريضة، وذكر أبو الحسن الكرخي ﵀ أنه إذا اجتمع في الوصية فرائض ذكرها، بدئ بالأول فالأول في لفظه. فأما وجه المسألة في أنه يضرب بجميع وصايا الميت في الثلث أولا: فلأن الوصية للآدمي لا تمنع المضاربة معه في القرب الموصى بها. ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ماله للمساكين، وأوصى بثلثه للآدمي، أن الثلث مقسوم بين المساكين، والموصى له بالثلث، فكذلك سائر القرب مع الآدمي، تصير كل واحدة منها بمنزلة إنسان، قد أوصَى له بعينه بثلث المال. فإذا تضاربوا بها، استوفى ما كان من حصة الآدمي، فدفع إليه، ثم نظر إلى ما بقى لجهات القرب، فيصير كأن الميت أوصَى به في هذه الوجوه، فيبدأ أولاً بالفروض؛ لأنها أهم وأولي من النوافل، قدم أو أخر؛ لأنا لا نحمل أمره على أنه قصد تضييع الفرض بتقديم النافلة، ولأن من

стр. 1746

شأن المؤمن أن تأدية الفرض أهم عنده من فعل لنافلة وإن أخره في لفظ الوصية عنها. * وذكر أبو حنيفة تقديم الزكاة على حجة الفريضة، ووجهة: أن الزكاة في الأصل مما جعل أخذها إلى الإمام، وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر يأخذونها، كما يأخذون صدقة المواشي، على أن قال عثمان في خطبته في شهر رمضان: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، ثم ليزك بقية ماله". فوكل الأداء إلى أرباب الأموال، من غير سقوط حق الإمام في أخذها. وقاتل أبو بكر الصديق في سائر الصحابة أهل الردة على منع الزكاة، فصارت لها هذه المزية، فكانت أولى بالتقديم من الحج؛ لأن الإمام لا مدخل له في جبر الناس على الحج. ثم بعد الزكاة حجة الإسلام؛ لأنها فرض، ثم الواجبات، من كفارات الإيمان ونحوها.

стр. 1747

* وإنما قدم الحج على كفارات الإيمان، لما جاء من الوعيد في ترك الحج، ولم يجئ مثله في كفارات الإيمان، وهو ما روى عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "من مات ولم يحج حجة الإسلام، فليمت يهوديا أو نصرانيا". وروى هشام في نوادره عن محمد: في الحج الفريضة والزكاة: أنه يبدأ بما بدأ به الميت. قال أحمد: هذا أصح على أصولهم مما رواه أبو جعفر. * ثم يبدأ من الواجبات بعد الحج، بما بدأ به الميت في لفظ الوصية؛ لأن بدأه بها في لفظ الوصية يدل على أنها كانت أهم عنده من غيرها. ثم بعد ذلك بما بدأ به من النوافل، حتى تستوفي وصاياه إن أمكن وإن لم يمكن اقتصر بها على ما أمكن، كما وصفنا. مسألة: [مراتب الأوصياء] قال أبو جعفر: (والأوصياء الأحرار البالغون على ثلاث مراتب:

стр. 1748

فوصي مأمون على ما أوصى به إليه، مضطلع بالقيام به: فلا ينبغي للحاكم أن يعترض عليه. ووصى مأمون غير مضطلع بالقيام به: أيده الحاكم بغيره. ووصى مخوف على ما أوصى به: فيخرجه الحاكم من الوصية، ويقيم فيها من يؤمن عليها، ويضطلع بالقيام بها). والأصل في ذلك: أن الوصي منصوب لحفظ مال الميت، والاحتياط للصغاب. قال الله تعالي:﴾ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴿، وقال﴾ وأن تقوموا لليتامي بالقسط ﴿، وقال:﴾ ويسألونك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير ﴿. فإذا كان الوصي مضطلعًا بها، مأمونًا عليها: لم يتعرض له الحاكم؛ لأن الميت قد أوصى إليه وصية للقيام بأمرٍ، فلا يزال عنها، إلا بسببٍ يوجب زواله. وإن كان مأمونًا غير مضطلع بالقيام بها: أيده بغيره؛ لئلا يقع عليه غبن فيما يتصرف فيه، ولا يجري به عليه تضييع. وإن كان مخوفًا عليها: أخرجه الحاكم، وأقام فيها من يؤمن عليها؛

стр. 1749

لأن الحاكم منصوب لحفظ أموال الناس وحقوقهم، وخاصة الأموات والصغار منهم، فإذا خاف من الوصى الخيانة: أخرجه من الوصية، وأسندها إلى غيره. مسألة: [الوصية إلى العبد] (ومن أوصى إلى عبده، والورثة صغار: فالوصية جائزة إلى أن يبلغوا في قول أبي حنيفة). وذلك لأن الصغار يولي عليهم، ولا ولاية لهم في أنفسهم، فإذا لم يكن فيمن خلف الميت من الورثة ذو ولاية في نفسه، جاز أن يلي عليهم التصرف، كما يلي عليهم الحر لو أوصى إليه. * (ولو كان فيهم كبير: لم يجز) لأن الكبير يلي على العبد، ويتصرف فيه، فلا تصح للعبد ولاية ولا تصرف، مع كونه مولى عليه محجورًا. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا تصح الوصية إلى العبد). لأن موت المولى يوجب حجرًا عليه، فكيف تثبت له ولاية وهو محجور عليه؟. مسألة: [وصية الوصى إلى غيره] (وللوصى أن يوصي إلى غيره بما أوصى به إليه، أطلق ذلك له الوصى، أو لم يطلقه). وذلك لأنه قائم مقام الميت، فيتصرف في ماله من طريق الولاية، ألا ترى أنه يتصرف في حال انقطاع أمر الميت وتصرفه، فصار بمنزلة الجد. وإن استحق الولاية على الصغير بواسطة هو الأب: جاز له أن يوصى

стр. 1750

إلى غيره، فيقوم وصية في مال الصغير مقامه. وليس الوصي في هذا كالوكيل، في أنه لا يجوز له أن يوكل غيره فيما وكل به، إلا أن يطلق له فيه؛ لأن تصرف الوكيل من طريق الآمر، لا من طريق الولاية، ألا ترى أن وكالته تبطل بانقطاع أمر الميت لموته. ويدل على ما ذكرنا أيضًا من حال الوصي: أنه يتصرف على الصغير في سائر وجوه التجارات، وفي الكتابة، وما شابهها، فصارت الوصية إليه مقتضية لعموم التصرف من الميت، ومن وجه التصرف عليه: أن يوصي بما أوصى به إليه إلى غيره، ويقيمه في مقام نفسه، كما كان له أن يوكل بالتصرف على الصغير في حال حياته من شاء وإن لم ينص له عليه في لفظ الوصية إلى غيره. وفارق الوكيل أيضًا من هذا الوجه؛ لأن الوكيل لا يوكل غيره، والوصي يجوز توكيله. ويدل على اختلاف حكمهما في التصرف: أن لفظ الوكالة على الإطلاق لا يستحق به التصرف في العقود، ألا ترى أن من قال لرجل: وكلتك بمالي: كان وكيلاً في حفظ ماله، ولم يملك به البيع والشراء، أو سائر وجوه التصرف عليه. ولو قال له: قد أوصيتُ إليك بعد موتي: جاز له التصرف فيه على العموم، فأشبه من هذا الوجه الإذن للعبد في التجارة، أنه لما صح بإطلاق اللفظ من غير ذكر وجوه التصرف، جاز له أن يأذن لعبده أيضًا في التجارة. كذلك الوصي لما استفاد جواز التصرف بإطلاق لفظ الوصية، كان له أن يوصى إلى غيره.

стр. 1751

فإن قيل: فقد تصح المضاربة بإطلاق لفظها، بأن يقول: دفعته إليك مضاربة، ومع ذلك لا يدفعه مضاربة إلى غيره. قيل له: لا تصح المضاربة بهذا اللفظ، وإنما تكون إجازة فاسدة، يستحق فيها أجر المثل، وإنما تصح إذا قال: بالنصف أو الثلث ونحوه. وأيضًا: فإنه قد دخلت تحت اللفظ جميع وجوه تصرف المضارب، وإنما لم يجز له دفعه إلى غيره مضاربة، لما فيه من إثبات شركة للثاني في مال رب المال، وليس ذلك من التصرف الذي يقتضيه عقد المضاربة في شيء. فأما ما كان من طريق التصرف، فله أن يفعله، ألا ترى أنه لو دفعه إلى غيره مضاربةً فاسدةً: لم يضمن، وهو متصرف فيه، كما يتصرف في المضاربة الصحيحة، إذ لم يكن في إثبات شركة للغير، وليست من طريق التصرف. مسألة: [تصرف أحد الوصيين دون الآخر] قال: (وليس لأحد الوصيين أن يشتري للورثة إذا كانوا صغارًا، إلا الكسوة والطعام، وليس له أن يشتري لهم خادمًا إن احتاجوا إليه، إلا بأمر صاحبه، في قول أبي حنيفة ومحمد. قال أبو جعفر: وقال محمد بن الحسن في نوادره: ليس لأحدهما أن يفعل شيئًا دون صاحبه، إلا ستة أشياء، فإنها تجوز له دون أمر صاحبه، وهي: ١ - شراء كفن للميت ٢ - وقضاء ديونه ٣ - وإنفاذ وصيته فيما أوصى به من صدقة، أو نحوها ٤ - أو شيء لرجل كان له بعينه في يد الميت، يدفعه إليه ٥ - وفي الخصومة فيما يدعي على الميت ٦ - وفي الخصومة للميت

стр. 1752

فيما يدعيه له من الحقوق قبل الناس. فأما غير ذلك من شراء أو بيع: فإنه لا يجوز له دون صاحبه). قال أحمد: ولم يذكر شراء الكسوة والطعام للصغير في هذه الرواية، وهو مما يجوز لأحدهما أن يفعله، في قولهم جميعًا. وليس ما ذكره في النوادر، مخالفًا لما في الأصول، وإنما هو تفسير لما أجمل ذكره في الأصول. (وقال أبو يوسف: فعل أحد الوصيين جائز، كقولهما جميعًا). وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن الميت لما أسند الوصية إليهما معًا، فلم يرض إلا باجتماعهما على الرأي في التصرف، ولم يرض برأي أحدهما دون صاحبه. ألا ترى أنه لو وكل رجلين بالبيع: لم يكن لأحدهما أن يعقد دون الآخر. وأما شراء الطعام والكسوة، فهو مما لابد للصبي منه، وفي تأخيره انتظارًا للآخر: ضرر عليه، ولا ولاية لهما فيما فيه ضرر على الصغير، فلذلك جاز لأحدهما أن يشتريه. وأما الخادم، فليست الحاجة إليها ضرورة، وليس في انتظار الآخر ضرر على الصغير، فلذلك لم يجز أن يشتريه دون الآخر. وأما شراء الكفن، فلا يمكن تأخيره انتظارًا للآخر؛ لأنه مأمور

стр. 1753

بتعجيل الدفن. وأما قضاء الدين، فلأن الغريم لو قبضه بغير إذنه: صح قبضه وأما إنفاذ الوصية، فإن ابن رستم قد ذكر عن محمد وعن أبي حنيفة أنه جائز لأحدهما دون الآخر، ولم يفصل بين شيء منهما، وهو يقتضي جواز نفاذ الوصية لإنسانٍ بعينه، وللمساكين وغيرهم. فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أيضًا: أن لحد الوصيين إنفاذ وصية الميت، سواء كانت لرجل بعينه أو للمساكين، ذكره أبو الحسن ﵀ في كتابه. ووجه ذلك: أن الوصية إن كانت لرجلٍ بعينه، فإنه لو استوفاها الرجل بغير إذنه، جاز كما قلنا في الدين، وإن كانت وصية بالعتق، جاز أيضًا، كرجل وكل رجلين بعتق عبده، فلأحدهما أن يعتقه دون صاحبه. وإن كانت وصيةٍ لمساكين ونحوها، فوجه جواز تصرفه: أنها لا يتعلق بها حق على أحد، وإنما فيه نقل ملك الميت إلى المساكين، فصارت كالوصية لإنسانٍ بعينه، وكمن وكل رجلين بهبة عبده أو بعتقه، فلأحدهما أن يفعله.

стр. 1754

وأما الخصومة فلا تتأتي منهما لو حضرا، وإنما كان يخاصم أحدهما، فلذلك جاز لأحدهما أن يخاصم، ولأحد الوكيلين بالخصومة أن يخاصم دون صاحبه. ووجه قول أبي يوسف: أنهما يتصرفان من طريق الولاية؛ لأنهما يتصرفان مع انقطاع أمر الميت، وفارقا الوكيلين من هذه الجهة. مسألة: [إسناد أحد الوصيين قبل موته الوصية إلى الوصي الآخر] (وإن مات أحد الوصيين، وقد أوصى إلى صاحبه، فإن محمدًا قال: هو جائز. قال: وهو قياس أبي حنيفة. وقال أبو جعفر: قد روي عن أبي حنيفة من غير هذا الوجه، أن ذلك لا يجوز، لأن الميت رضي برأي اثنين، ولم يرض برأي واحد). وجه القول الأول: أنه لما جاز له أن يوصي إلى آخر، ويقيمه في مال الميت مقام نفسه، كذلك جاز له أن يسند ما كان إليه إلى صاحبه. ألا ترى أنه قد كان له في الحياة أن يوكل صاحبه بالتصرف في الشراء والبيع في مال الميت. ووجه القول الثاني: أن الميت الأول إنما رضي بتصرف اثنين واجتماعهما على الرأي فيه، فلا يجوز الاقتصار به على رجلٍ واحد.

стр. 1755

مسألة: [تصرف الوصي قبل أن يعلم أنه أوصى إليه] قال: (وإذا أوصى إلى رجل، ثم مات، فباع الوصي شيئًا من تركة الميت، ولم يعلم بالوصية: جاز بيعه، ولزمته الوصية). وذلك لأن حق الميت قد انقطع، وبقي موقوفًا على قبول الوصي، فأشبه البيع إذا شرط الخيار للمشتري، فإنه لما انقطع حقه، وبقي موقوفا على حق المشتري، كان تصرف المشتري فيه مبطلاً لخياره، وملزمًا له البيع، سواءً علم أنه المشتري، أو لم يعلم. ألا ترى أنه لو باع العبد المشتري، وهو لا يعلم أنه الذي اشتراه: أنه يبطل خياره، ويلزمه البيع، كذلك مسألة الوصي، لما لم يبق هناك غير حقه: نفذ بيعه، ولزمته الوصية؛ لأنه يستحيل أن يجوز بيعه إلا وهو وصي، إذ كان غير الوصي لا يجوز بيعه. مسألة: [الوصية الخاصة] قال: (ومن أوصى إلى رجلٍ في خاص من ماله: كان وصيًا في كل ماله في قول أبي حنيفة). وذلك لأن الوصي يتصرف من طريق الولاية، فصار ثبوت ولايته في شيءٍ من مال الميت، موجبًا له الولاية في جميعه، كما أن الأب لما كان تصرفه على الصغير من طريق الولاية، جاز تصرفه في جميع ماله. (وفي قول أبي يوسف ومحمد: هو وصي فيما أوصى به إليه خاصة، دون ما سواه). لأن الوصية إنما تجوز أن تختص بوقت دون وقت، وبحال دون حال، ألا ترى أنه لو قال: فلان وصيي حتى يقدم فلان، ثم الوصية إلى
следующие страницы →