Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
فإن قيل: فقد تصح المضاربة بإطلاق لفظها، بأن يقول: دفعته إليك مضاربة، ومع ذلك لا يدفعه مضاربة إلى غيره.
قيل له: لا تصح المضاربة بهذا اللفظ، وإنما تكون إجازة فاسدة، يستحق فيها أجر المثل، وإنما تصح إذا قال: بالنصف أو الثلث ونحوه.
وأيضًا: فإنه قد دخلت تحت اللفظ جميع وجوه تصرف المضارب، وإنما لم يجز له دفعه إلى غيره مضاربة، لما فيه من إثبات شركة للثاني في مال رب المال، وليس ذلك من التصرف الذي يقتضيه عقد المضاربة في شيء.
فأما ما كان من طريق التصرف، فله أن يفعله، ألا ترى أنه لو دفعه إلى غيره مضاربةً فاسدةً: لم يضمن، وهو متصرف فيه، كما يتصرف في المضاربة الصحيحة، إذ لم يكن في إثبات شركة للغير، وليست من طريق التصرف.
مسألة: [تصرف أحد الوصيين دون الآخر]
قال: (وليس لأحد الوصيين أن يشتري للورثة إذا كانوا صغارًا، إلا الكسوة والطعام، وليس له أن يشتري لهم خادمًا إن احتاجوا إليه، إلا بأمر صاحبه، في قول أبي حنيفة ومحمد.
قال أبو جعفر: وقال محمد بن الحسن في نوادره: ليس لأحدهما أن يفعل شيئًا دون صاحبه، إلا ستة أشياء، فإنها تجوز له دون أمر صاحبه، وهي:
١ - شراء كفن للميت ٢ - وقضاء ديونه ٣ - وإنفاذ وصيته فيما أوصى به من صدقة، أو نحوها ٤ - أو شيء لرجل كان له بعينه في يد الميت، يدفعه إليه ٥ - وفي الخصومة فيما يدعي على الميت ٦ - وفي الخصومة للميت
стр. 1752
فيما يدعيه له من الحقوق قبل الناس.
فأما غير ذلك من شراء أو بيع: فإنه لا يجوز له دون صاحبه).
قال أحمد: ولم يذكر شراء الكسوة والطعام للصغير في هذه الرواية، وهو مما يجوز لأحدهما أن يفعله، في قولهم جميعًا.
وليس ما ذكره في النوادر، مخالفًا لما في الأصول، وإنما هو تفسير لما أجمل ذكره في الأصول.
(وقال أبو يوسف: فعل أحد الوصيين جائز، كقولهما جميعًا).
وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن الميت لما أسند الوصية إليهما معًا، فلم يرض إلا باجتماعهما على الرأي في التصرف، ولم يرض برأي أحدهما دون صاحبه.
ألا ترى أنه لو وكل رجلين بالبيع: لم يكن لأحدهما أن يعقد دون الآخر.
وأما شراء الطعام والكسوة، فهو مما لابد للصبي منه، وفي تأخيره انتظارًا للآخر: ضرر عليه، ولا ولاية لهما فيما فيه ضرر على الصغير، فلذلك جاز لأحدهما أن يشتريه.
وأما الخادم، فليست الحاجة إليها ضرورة، وليس في انتظار الآخر ضرر على الصغير، فلذلك لم يجز أن يشتريه دون الآخر.
وأما شراء الكفن، فلا يمكن تأخيره انتظارًا للآخر؛ لأنه مأمور
стр. 1753
بتعجيل الدفن.
وأما قضاء الدين، فلأن الغريم لو قبضه بغير إذنه: صح قبضه وأما إنفاذ الوصية، فإن ابن رستم قد ذكر عن محمد وعن أبي حنيفة أنه جائز لأحدهما دون الآخر، ولم يفصل بين شيء منهما، وهو يقتضي جواز نفاذ الوصية لإنسانٍ بعينه، وللمساكين وغيرهم.
فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أيضًا: أن لحد الوصيين إنفاذ وصية الميت، سواء كانت لرجل بعينه أو للمساكين، ذكره أبو الحسن ﵀ في كتابه.
ووجه ذلك: أن الوصية إن كانت لرجلٍ بعينه، فإنه لو استوفاها الرجل بغير إذنه، جاز كما قلنا في الدين، وإن كانت وصية بالعتق، جاز أيضًا، كرجل وكل رجلين بعتق عبده، فلأحدهما أن يعتقه دون صاحبه.
وإن كانت وصيةٍ لمساكين ونحوها، فوجه جواز تصرفه: أنها لا يتعلق بها حق على أحد، وإنما فيه نقل ملك الميت إلى المساكين، فصارت كالوصية لإنسانٍ بعينه، وكمن وكل رجلين بهبة عبده أو بعتقه، فلأحدهما أن يفعله.
стр. 1754
وأما الخصومة فلا تتأتي منهما لو حضرا، وإنما كان يخاصم أحدهما، فلذلك جاز لأحدهما أن يخاصم، ولأحد الوكيلين بالخصومة أن يخاصم دون صاحبه.
ووجه قول أبي يوسف: أنهما يتصرفان من طريق الولاية؛ لأنهما يتصرفان مع انقطاع أمر الميت، وفارقا الوكيلين من هذه الجهة.
مسألة: [إسناد أحد الوصيين قبل موته الوصية إلى الوصي الآخر]
(وإن مات أحد الوصيين، وقد أوصى إلى صاحبه، فإن محمدًا قال: هو جائز.
قال: وهو قياس أبي حنيفة.
وقال أبو جعفر: قد روي عن أبي حنيفة من غير هذا الوجه، أن ذلك لا يجوز، لأن الميت رضي برأي اثنين، ولم يرض برأي واحد).
وجه القول الأول: أنه لما جاز له أن يوصي إلى آخر، ويقيمه في مال الميت مقام نفسه، كذلك جاز له أن يسند ما كان إليه إلى صاحبه.
ألا ترى أنه قد كان له في الحياة أن يوكل صاحبه بالتصرف في الشراء والبيع في مال الميت.
ووجه القول الثاني: أن الميت الأول إنما رضي بتصرف اثنين واجتماعهما على الرأي فيه، فلا يجوز الاقتصار به على رجلٍ واحد.
стр. 1755
مسألة: [تصرف الوصي قبل أن يعلم أنه أوصى إليه]
قال: (وإذا أوصى إلى رجل، ثم مات، فباع الوصي شيئًا من تركة الميت، ولم يعلم بالوصية: جاز بيعه، ولزمته الوصية).
وذلك لأن حق الميت قد انقطع، وبقي موقوفًا على قبول الوصي، فأشبه البيع إذا شرط الخيار للمشتري، فإنه لما انقطع حقه، وبقي موقوفا على حق المشتري، كان تصرف المشتري فيه مبطلاً لخياره، وملزمًا له البيع، سواءً علم أنه المشتري، أو لم يعلم.
ألا ترى أنه لو باع العبد المشتري، وهو لا يعلم أنه الذي اشتراه: أنه يبطل خياره، ويلزمه البيع، كذلك مسألة الوصي، لما لم يبق هناك غير حقه: نفذ بيعه، ولزمته الوصية؛ لأنه يستحيل أن يجوز بيعه إلا وهو وصي، إذ كان غير الوصي لا يجوز بيعه.
مسألة: [الوصية الخاصة]
قال: (ومن أوصى إلى رجلٍ في خاص من ماله: كان وصيًا في كل ماله في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن الوصي يتصرف من طريق الولاية، فصار ثبوت ولايته في شيءٍ من مال الميت، موجبًا له الولاية في جميعه، كما أن الأب لما كان تصرفه على الصغير من طريق الولاية، جاز تصرفه في جميع ماله.
(وفي قول أبي يوسف ومحمد: هو وصي فيما أوصى به إليه خاصة، دون ما سواه).
لأن الوصية إنما تجوز أن تختص بوقت دون وقت، وبحال دون حال، ألا ترى أنه لو قال: فلان وصيي حتى يقدم فلان، ثم الوصية إلى
стр. 1756
فلان: كانت كما أوصى في قولهم جميعًا، فأشبهت الوكالة من هذا الوجه، فجاز أن يخصها ببعض التصرف دون بعض.
فإن قيل: لما صحت بإطلاق لفظٍ من غير تعيين لوجوه التصرف، وجب أن لا يصح تخصيصها ببعض التصرف، كالإذن في التجارة، وفارقت الوصية من هذا الوجه.
قيل له: هذا فاسد؛ لأن المضاربة تصح بإطلاق لفظها، من غير تعيين وجوه التصرف، ولو خصها بالتصرف في بعض التجارات، دون بعض: صحت على ما شرط من التخصيص.
قال أحمد: ذكرا أبو جعفر أبا يوسف مع محمد، وهو مع أبي حنيفة في هذه المسألة.
مسألة: [قبول الوصي الوصية قبل موت الموصي يلزمه الوصية]
(ومن أوصى إلى رجل، فقبل وصيته في حياته، ثم مات الموصِى: فقد لزمته الوصية).
لأنها قد صحت بالموت، وصارت بحيث لا يلحقها الفسخ؛ لأن فسخها إنما كان يصح بمحضر الموصي، كالخروج من الوكالة وفسخها، لا يصح إلا بمحضرٍ من الموكل، وكما لا يصح فسخ المضاربة والشركة إلا بمحضرٍ من رب المال والشريك، فلما فات ذلك في مسألتنا بموت الموصِي، صحت الوصية، ولزمته، ولم يكن له سبيل إلى فسخها.
فصل: [قبول الوصي الوصية وقد رفضها بعد موت الموصى]
قال: (ومن أوصى إلى رجل، ثم مات، فقال الوصى: لا أقبل، ثم قبل: جاز قوله).
стр. 1757
لأن الوصية قد تمت من جهة الموصي، وبقيت موقوفه على قبول الموصَى له، فلم يصح فسخه لها، وكما لو فسخ المضارب المضاربة بغير محضرٍ من رب المال، لم يصح فسخه لها، وكما لو فسخ المشتري البيع وله فيه الخيار بغير محضر من البيع، لم يصح فسخه.
مسألة: [قبول الموصى له للوصية بعد أن ردها وعزله القاضي]
قال: (فإن أخرجه القاضي من الوصية حين ردها: لم يكن له أن يقبلها بعد ذلك).
لأن القاضي قد قام مقام الميت في التصرف عليه، فجاز له أن يخرجه منها حين ردها.
مسألة: [تصرف الوصي في بيع عروض الميت لقضاء الدين]
قال: (وللوصي أن يبيع عروض الميت، لقضاء ديونه، بغير محضر من غرمائه).
لأنه قائم فيها مقام الميت، فكما جاز للميت بيع ماله بغير محضرٍ من الغرماء، كذلك الوصي؛ لأنه يملك البيع وإن كره الغرماء.
مسألة: [تصرف الوصي في بيع مال الميت بما يتغابن الناس فيه]
قال: (ولا يجوز بيع الوصي لمال الميت إلا بما يتغابن الناس فيه).
وذلك لأنه يتصرف على الميت على وجه الاحتياط، فلا يجوز له إتلاف ماله، إذ كان منصوبًا لحفظه.
وأيضًا فإن تصرفه في ماله من طريق الحكم؛ لأن أمر الميت منقطع، فأشبه الأب في تصرفه على الصغير، أنه مقصور على ما يتغابن فيه.
стр. 1758
مسألة: [تكرار لفظ الوصية]
قال: (ومن أوصى لرجل بسدس ماله، ثم أوصى بعد ذلك بسدس ماله في مجلس أو مجلسين: فهو سدس واحد).
لأنه لما احتمل اللفظ التكرار، واحتمل استباق السدس آخر، لم تثبت الوصية بالشك.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإذا أوصى له في أحد الوصيتين بثلث ماله، كان له ثلث ماله، ودخل فيه السدس).
لأنه إذا احتمل دخول السدس فيه، واحتمل غيره: لم تثبت الزيادة بالشك، وجعلناه داخلاً في الثلث.
مسألة: [للوصى أن يحتال بمال اليتيم]
قال: (وللوصي أن يحتال بمال اليتيم، إذا كان خيرًا له).
لقول الله تعالي:﴾ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴿، فإذا رأى ذلك خيرًا لليتيم، فهو من الأحسن المأمور به.
وقال النبي صلي الله عليه وسلم: "من أحيل على ملئ فليحتل"،
стр. 1759
وعلى عمومه ينتظم مال اليتيم وغيره، ولأن الخطاب لمن له حق المطالبة بنصيبه.
وأيضًا: فإن الوصي يتصرف في مال اليتيم على وجه الاحتياط، فإن كان ذلك إصلاحًا لليتيم فعل، وكما كان له أن يبيع ماله، وينقل حق اليتيم من العين إلى الذمة بالولاية، جاز له أن يحتال به كالأب.
مسألة: [أوصى بثلث ماله لرجلين وكان أحدهما ميتًا]
قال: (ومن أوصى بثلث ماله لرجلين، فكان أحدهما ميتًا: فالثلث للحي، علم الموصى بموته، أو لم يعلم).
وذلك لأن الميت لا تصح له الوصية بحال، فلم يزاحم به الحي الذي هو من أهل الوصية، فصار كقوله: ثلث مالي لفلان، وللحائط، فلا يمنع ذلك من استحقاق الثلث.
مسألة: [أوصى بثلث ماله بين فلان وفلان وأحدهما ميت]
قال أبو جعفر: (ولو قال: ثلث مالي بين فلان وفلان، وأحدهما ميت: لم يكن للحي إلا النصف).
لأن لفظ الوصية لم يوجب له غير النصف، وليس ذلك كقوله: لفلان وفلان؛ لأن الثلث هاهنا موصى به لفلان، والآخر ملحق به على جهة المزاحمة به، فصار كقوله: ثلث مالي لفلان. إذا سكت عليه.
ويدلك على ذلك: أنه لو قال: ثلث مالي لفلان، كانت وصيته صحيحة بالثلث، ولو قال: ثلث مالي بين فلان، وسكت: لم يستحق
стр. 1760
الثلث بهذا القول.
قال أبو جعفر: (وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا لم يعلم بموته: فللحي نصف الثلث، والثلث الباقي لورثة الموصى).
وذلك لأنه إذا لم يعلم بموته، فقد قصد إلى إيجاب نصف الثلث للحي؛ لأن الآخر كان عنده من أهل الوصية، وإذا علم بموته: فوصيته لغو، فلم يعط الأول من وصيته شيئًا.
مسألة: [أوصى بثلث ماله لأجنبي ولأحد ورثته]
قال أبو جعفر: (وإذا أوصى بثلثة لأجنبي ولأحد ورثته: فللأجنبي نصف الثلث).
لأن الوصية للوارث واقعة، وتلحقها الإجازة من بقية الورثة.
مسألة:
قال: (ووصي الجد بمنزلة الجد).
لأنه قائم مقامه، فيجوز تصرفه حسبما كان يتصرف الجد، كما أن وصي الأب بمنزلة الأب في التصرف، كذلك الجد.
стр. 1761
مسألة: [تصرف وصي الأب على الكبير الغائب]
قال: (ولوصي الأب أن يبيع العروض على الكبير الغائب، ولا يبيع العقار).
وذلك لأن ولاية الوصي في هذه الحال، مقصورة على حفظ مال الميت، لا علي التصرف؛ لأن تصرفه غير جائز على الكبير، وكل ما كان فيه حفظ لمال الميت: جاز تصرفه فيه؛ لن فيه حقًا للميت، يجوز أن يلحق الميت دين، فيحتاج إلى قضائه من المال.
ولا يبيع العقار؛ لأنه محفوظ لا يخشى عليه التلف، ومن أراد تحصين ماله وحفظه صرفه في شراء العقار، وأما العروض فيسرع إليها التلف، وحفظ بدلها من الدراهم والدنانير أيسر وأبعد من التوى والفساد.
* (وليس للوصي أن يتجز في شيءٍ من مال الميت إذا كان الوارث كبيرًا وإن كان غائبًا).
لما وصفنا من عدم ولايته على الكبير، فإن تصرفه محصور على حفظ المال فحسب.
مسألة: [تصرف وصي غير الأب والجد]
قال: (ووصي غير الأب والجد بمنزلة وصي الأب على الكبير الغائب).
يعني مثل وصي الأم، والأخ، والعم، ونحوهم، وذلك لأنهم لا
стр. 1762
يملكون التصرف على الصغير؛ لأن كل واحد منهم قائم مقام الميت الموصي، والميت لم يكن يملك التصرف على الصغير، فوصية أجرى أن لا يملك، وإذا كان كذلك، كانت ولايته مقصورة على حفظ مال الميت، على النحو الذي بيناه في وصي الأب على الكبير الغائب.
مسألة:
قال: (ولوصي الأب أن يتجر في مال الصغير)
لقول الله تعالي:﴾ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴿، وقوله تعالي:﴾ ويسألونك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير ﴿، وقوله تعالي:﴾ وأن تقوموا لليتامي بالقسط ﴿.
وأيضًا: فإنه قائم مقام الأب، وكما كان للأب أن يتجر في مال الصغير، كذلك وصية.
مسألة: [الوصية بالمنافع]
قال أبو جعفر: (والوصية بخدمة العبد، وبسكنى الدار، وبثمرة النخل، وبغلة العبيد، والعقار جائزة).
قال أحمد: يعني في خدمة العبيد، وبسكنى الدار إذا كانت الوصية بها لإنسان بعينه.
стр. 1763
قأما إن أوصى بها للفقراء والمساكين: فإن الوصية لا تصح بهما في قول أبي حنيفة، وتصح في قول محمد.
وأما بغلة العبيد، والدار: فتصح في قولهم جميعًا.
وفرق أبو حنيفة بين الوصية بالمنافع لفقراء بغير أعيانهم، وبينها إذا كانت بالمال، من قبل أن الوصية بالمنافع للفقراء جارية مجرى الإباحة والعارية، إذ لم يستحقها واحدٌ بعينه.
ألا ترى أن الوصي لو أسكنها فقيرًا، أو أخدمه العبيد ساعة: كان له أن يأخذها منه، فلم يستحق السكنى والخدمة إلا على سبيل العازية، والعارية لا يستحق بها شيء، ألا ترى أنه لو أوصى بعارية عبده أو داره لغير معين لم تصح.
وأما إذا كانت وصية لإنسان بعينه، فإنه يستحق المنافع، دون سائر الناس، وليس للوصى إخراجه منها، ولا صرفها إلى غيره، فجرى مجرى المنافع المستحقة بالعقود الموجبة لها.
وإنما جازت الوصية بالمنافع لما كانت لأعيان، لقول الله تعالي:﴾ من بعد وصية يوصى بها أو دين ﴿، وعمومه يقتضى جوازها بالمنافع وغيرها.
وكما جاز تمليك المنافع بعقد الإجارة، جاز تمليكها بالوصية، وجهالتها لا تمنع صحة الوصية؛ لأنها تجوز بالمجاهيل، ألا ترى أن الوصية بالثلث جائزة، وهو لا يدري كم يكون مقداره وقت الموت.
стр. 1764
مسألة: [الوصية بثمر البستان]
قال: (ولو أوصى لرجل بثمرة بستانه، ثم مات وفيه ثمرة: فلا شيء للموصى له غيرها).
وذلك لأن هذه العين قد صحت الوصية فيها لا محالة، إذ كان الاسم ينتظمها، وما يستقبل حدوث منها ليس في اللفظ دلالة عليه، فلم يدخل في الوصية.
*قال: (وإن مات وليس فيه ثمرة: فله ثمرته فيما يستقبل مادام حيا، ولا يورث ذلك عنه).
وإنما كان له ثمرته فيما يستقبل، من قبل أنه لما لم تكن هناك في حال الموت، وفي حال صحة الوصية ثمرة، لم تنصرف الوصية إلا في المستقبل؛ لأنا متى أمكننا تصحيح الوصية على حسب ما انتظمت من لفظها، لم نبطلها، وصرفت الوصية، إذ كانت مما تصح الوصية به.
ولا تورث عنه؛ لأن الوصية كانت له، فلا يستحقها غيره، ألا ترى أنه لو أوصى لرجل بخدمة عبده: لم يرثها عنه ورثته بعد موته.
مسألة: [الوصية بغلة بستان]
قال أبو جعفر: (ولو أوصى له بغلة بستان: له ثمرتها الموجود منها، والمستقبل جميعًا).
وأما الثمرة، فإن اللفظ يتناول الموجود منها، ولا ينصرف إلى
стр. 1765
المستقبل، إلا بدلالة ما قال
مسألة:
قال: (ولا تجوز وصية المسلم إلى الذمي).
وذلك لأن الوصي يتصرف من جهة الولاية، ولا ولاء للكافر على المسلم، قال الله تعالي:﴾ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴿.
وأيضًا: فإن الوصي قائم مقام الأب، ولو كان الأب كافرًا، والصغير مسلمًا: لم تكن له ولاية عليه، كذلك الوصي إذا كان كافرًا.
وليست الوصية كالوكالة، لما وصفنا من أن الوصية ولاية، والوكالة ليست بولاية، وإنما يتصرف الوكيل فيها من جهة الآمر؛ لأن أمر الموكل باق.
قال أحمد: وقد قال محمد في كتاب القسمة: الوصي الذمي جائز على الصغير المسلم، ما لم يخرجه القاضي منها.
فهذا يدل على أن قوله: لا تجوز وصية المسلم إلى الذمي: على معني الكراهة، كما تكره شركة المسلم الذمي؛ لأنه يستحل في دينه ما هو محظور في الشريعة، وتصرف الوصي عام، كتصرف الشريك والمضارب، فإذا تصرف: جاز تصرفه، كما يجوز تصرف المضارب
стр. 1766
والشريك الذميين.
وتفارق الكراهة في باب الوكالة؛ لأن الوكالة مقصورة على ما سمي فيها من التصرف.
مسألة: [أكل الوصي من مال اليتيم]
قال أبو جعفر:"وليس للوصي أن يأكل من مال اليتيم قرضا ولا غيره".
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارًا أن يكبروا﴾.
وذلك عموم في النهي عن أكل مال اليتيم في سائر الأحوال.
وقال: ﴿وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾، وقال ﴿قل إصلاح لهم خير﴾، وقال تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، وذلك ينفي أكل مال اليتيم قرضا، وغيره.
فإن قيل: روى ابن لهيعة قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: حدثنا أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني "أنه سأل ناسا من الأنصار من أصحاب
стр. 1767
النبي ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ الآية، فقالوا: " فينا نزلت، إن الوصي كان إذا عمل في نخل اليتيم، كانت يده مع يده ".
قيل له: يحتمل أن يكون مراده أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل نزول الآية، ثم نزلت الآية، فمنعوا.
وعلى أن الحديث لم يرو إلا من هذا الوجه، وهو إسناد مطعون فيه، من جهة ابن لهيعة؛ لأنه ضعيف عندهم.
والأصول أيضا ترد هذا التأويل؛ لأنهم لو أبيح لهم الأكل لأجل عملهم، لما اختلف الغني والفقير فيه، كما يختلفون في استحقاق أجرة ما يستأجرون عليه، فهذا تأويل لا معنى له.
وقد روي عن أبن عباس في تأويل هذه الآية غير ما في حديث ابن لهيعة، وه و" ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو عامر الأسدي قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾ قال: أمر والي اليتيم أن يستعفف بغناه، فلا يأكل من مال اليتيم شيئا، ومن كان فقيرًا، فليقوّت على نفسه
стр. 1768
من ماله، حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم".
وروى نحو هذا التأويل عن مجاهد أيضا من قوله.
فهذا يدل على أن ما روي في حديث ابن لهيعة معناه: أنهم كانوا يأكلون من مال اليتيم إذا عملوا في نخله، حتى نزلت الآية، فنهتهم عن أكله.
وقد دلت سنة رسول الله ﷺ على صحة ما قلناه، وهو: ما حدثنا محمد بن أبي بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني قال: حدثنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله! وما هنّ؟
قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".
فعمّ ﵊ تحريم مال اليتيم، ولم يخصص فيه حالا من غيرها.
ويدلّ عليه أيضا: قول النبي ﷺ : " لا يحل مال امرئٍ
стр. 1769
مسلم إلا بطيبة من نفسه ".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن عبد الحميد الموصلي وخلف بن عمر وقالا: حدثنا مُعَلَّى بن مهدي قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضَّبعي عن أبي عامر الخزّاز عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله " أن رجلا قال: يا رسول اللهّ ممَّ أضرب يتيمي؟
فقال: ممَّا كنت ضاربًا ولدك، غير واقً مالك بماله، ولا متأثل من ماله مالا ".
стр. 1770
فإن قيل: روى حسين المعلّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلا قال: يا رسول الله! إني فقير ليس لي شيء، ولي يتيم، فقال: كل من مال يتيمك، غير مسرف، ولا مباذر، ولا متأثل".
فقد أباح له أكل مال اليتيم في حال الفقر.
قيل له: يحتمل أن يكون كان ولده، وسمَّاه يتيما لفقده أمه، لأنه قد يسمَّى يتيما من فقد الأم صغيرًا، ويسمَّى به من فقد الأب؛ لأن اليتيم هو المفرد من أحد أبويه.
وكذلك سمّيت المرأة التي لا زوج لها: يتيمة، إذا كانت مفردة عن زوج.
وإذا كان كذلك، اقتضى ظاهر اللفظ أن يكون ولده؛ لأنه قال: لي يتيم، فهو كقوله: لي ولد لا أم له، فأباح له الأكل من ماله؛ لأنه فقير، ولولده مال، فاستحق عليه النفقة من ماله، وكذلك قولنا فيه.
فإن قيل: قد روي عن ابن عباس: أنه إذا احتاج: وضع يده، فأكل من
стр. 1771
طعامه، ولا يلبس منه ثوبًا.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: " يا يرْفا: إني أنزلت مال الله بمنزلة مال اليتيم، إن احتجت أخذت منه، وإن يسرت رددته، وإن استغنيت استعففت ".
وروي عن عبيدة السَّلماني وأبي العالية أنه يأخذه قرضًا، واستشهدوا بقوله: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾.
وقال الشعبي: " هو بمنزلة الميتة، يتناولها عند الضرورة، فإذا أيسر قضاه، وإذا لم يوسر، فه وفي حِلٍّ ".
قيل له: يحتمل أن يكونوا أباحوا أخذه قرضًا عند الضرورة، وكما
стр. 1772
يأخذه من مال غيره حين يخاف التلف على نفسه، وكذلك نقول فيمن خاف على نفسه التلف من الجوع، ووجد مال يتيم، لم يجد غيره، فله أن يتناوله ويضمنه.
وقد روى أبو جعفر في كتابه في أحكام القرآن عن أبي حنيفة: أنه يأخذه قرضًا عند الحاجة، ثم يقضيه، كما روي عن عمر وعبيدة وأبي العالية.
ولا أعرف هذه الرواية إلا من جهة أبي جعفر، فأولى الأشياء بنا، حمل معنى الآية إذ كانت متشابهة على المحكم الذي لا تشابه فيه، وهو قوله: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا﴾
* قال أبو جعفر:"وروي عن أبي يوسف: أنَّ قوله تعالى: ﴿فليأكل بالمعروف﴾، يجوز أن يكون منسوخا بقوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، ذكره في أحكام القرآن.
стр. 1773
مسألة: [تصرف الوصيّين في مال اليتيم]
قال أبو جعفر:"وللوصيّين أن يأخذوا مال اليتيم، فيكون في يد كل واحد منهما النصف إن كان مما يقسم، وإن كان مما لا يقسم: كان في يد كل واحد منهما يوما بالمهايأة، ولهما أن يودعاه إن شاءا ذلك".
وذلك لأنهما مأموران بالامتثال والحفظ، فلهما أن يحفظاه على حسب الإمكان.
*****
стр. 1774
كتاب الوديعة
مسألة:
قال أبو جعفر:"والوديعة أمانة غير مضمونة".
قال أبو بكر أحمد: ولا اختلاف فيه بين فقهاء الأمصار، وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضيل قال: حدثنا قُتَيْبَة قال: حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ رسول الله ﷺ قال:
" من استودع وديعة، فلا ضمان عليه ".
وروى أبو الزبير عن جابر " أن رجلا استودع متاعا، فذهب من بين متاعه، فلم يضمنه أبو بكر الصديق، وقال هي أمانة ".
فإن قيل: روى الشعبي عن أنس قال: " استحملني رجل بضاعة،
стр. 1775
فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب ".
وروى هشام بن حسان عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك قال: " استودعت ستة آلاف، فذهبت، فقال عمر: ذهب لك معها شيء؟ قلت: لا، فضمنني".
قيل له: يحتمل أن يكون خالف أمر المودع خلافًا يوجب عليه الضمان، فأخذه عمر باعترافه بالخلاف، وألزمه الضمان.
ويدل على نفي ضمانها: قول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، وهو محسن في حفظ مال أخيه المسلم إذا استحفظه إياه.
وقال: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾.
مسألة: [ضمان المودع إن لم يرد الوديعة بطلب المودع]
قال أبو جعفر:"ومن أودع رجلا شيئًا، ثم سأله الردَّ إليه، فأبى ذلك عليه، ومنعه: ضمنه".
وذلك لأنه صار غاصبًا بالمنع، إذ ليس له الإمساك في هذه الحال،
стр. 1776
كما ليس للغاصب ذلك، فضمن، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها﴾.
وقال رسول الله ﷺ : "المنحة مردودة"، فإن لم يردها عند المطالبة بالرد، صار بمنعه ضامنا.
مسألة: [سفر المودع بالمال]
قال:"وللمودع أن يخرج بالمال".
لأنه قد أمره بالحفظ على الإطلاق، فله أن يحفظه كيف شاء، في السفر والحضر.
قال أحمد: قد روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن له أن يحملها معه في السفر وإن كان لها حمل ومؤنة.
وقال أبو يوسف: إن كان شيئا كبيرا يلزم في حمله مؤنة عظيمة: ضمنه إن أخرجها إلى بلد آخر.
وروى هشام عن محمد: أنه إن كان له حمل ومؤنة، ضمن بالإخراج إلى سفر، وإن لم يكن له حمل ولا مؤنة: لم يضمن.
مسألة: [دفع المودع الوديعة إلى عياله]
قال أبو جعفر:"وله أن يدفعها إلى من شاء من عياله".
стр. 1777
وذلك لأنه مأمور بالحفظ، وهو لا يصل إليه إلا بعياله، فقد تضمن أمره بالحفظ دفعه إلى عياله.
مسألة: [مخالفة المودَع المودِع]
قال:"وإن نهاه المودع أن يخرج به، فخرج به: ضمن".
وذلك لأن لنهيه فائدة، فعمل النهي، ألا ترى أن حال السفر أكثر غررًا من الحضر، فإذا خرج به: لم يكن ممسكا له بالأمر، فضمن.
* قال:"وإن نهاه أن يدفعه إلى أحد من عياله، فدفعه إليه، فإن كان لا بد له منه: لم يضمن، وإن كان له منه بدٌّ: ضمن".
وذلك أنه إذا لم يكن له منه بد، فنهيه لغو مع الأمر بالإمساك والحفظ، إذ لا يصل إلى حفظه إلا بذلك، ألا ترى أنه لو نهاه أن يضعه في بيته، أو في صندوقه: لم يعمل نهيه؛ لأنه لا يصل إلى الحفظ إلا من هذا الوجه.
وإن كان له من بد، صار كالأجنبي، فعمل نهيه، كما يعمل في دفعه إلى الأجنبي.
* قال:"فإن أمره أن يجعلها في داره، ونهاه أن يجعلها في دار أخرى: عمل نهيه".
لأنه قد يتوصل إلى حفظها بوضعها في الدار المأمور بوضعها فيها، والداران قد تختلفان في الحرز والحصانة.
ويدل على اختلاف حكمهما: أنه لو سرق من إحدى الدارين، فأخرجه إلى الأخرى: قطع، فصارتا حرزين مختلفين.
وليس ذلك مثل البيتين في دار واحدة، فلا يعمل نهيه؛ لأنهما لا
стр. 1778
يتفاوتان في كونهما حرزين، بل هما حرز واحد، فكأنهما بيت واحد.
ألا ترى أنه لو سرق من أحد البيتين، فأخرجه إلى الآخر: لم يقطع، فكانا جميعا حرزا واحدا، فصار كقوله: ضعها في هذا الجانب من البيت، ولا تضعها في الجانب الآخر، فلا يعمل نهيه، كما لو قال: ضعها في هذا الموضع من الصندوق، ولا تضعها في الجانب الآخر، أو قال: أمسكها بيمينك دون يسارك: لم يعمل نهيه، ولم يضمن لمخالفته إياه.
مسألة: [حكم الوديعة إن مات المودع مجهلا لها]
قال أبو جعفر:"من مات وعنده وديعة لا تعرف بعينها، ولم يعلم لها ضياع منه في حياته، ولم يعلم من الذي كانت في يده دعوى للضياع، أو الرد: فقد صارت دينا في ماله".
قال أبو بكر أحمد: وذلك لأن الأصل أنها باقية في يده إلى أن مات؛ لأنّا لا نعلم الهلاك، بل قد حكمها به مالا للميت؛ لأنا في حكمنا بجميع ما في يده ملكا له، فقد ملكناه الوديعة، ولا يجوز أن نملكه مال الغير بغير بدل، فلذلك لزمه ضمانه.
وأيضا: فإنه حين أمكنه البيان في حياته، فلم يبين، صار مضيعا لها، والمودع يضمن بالتضييع.
قال أبو جعفر:"ولو علم سلامتها بعد موت المودع، ووقوعها في يد وصيه: صار الوصي مؤتمنا فيها، وكان في الأمانة فيها كالميت في ذلك".
وذلك لأنها لما عرفت بعينها بعد الموت، لم يحكم لها مالا للميت، ولم يقع من الميت أيضا تفريط يؤدي إلى تلفها، ولما حصل في يد الوصي، قام مقام الميت في حفظها؛ لأن يده يد الميت، وله إمساكها، فلم تضمن.
стр. 1779
مسألة: [طلب أحد المودعين نصيبه من الوديعة]
قال أبو جعفر:"ومن استودعه ثلاثة نفر ألف درهم، ثم جاء أحدهم يطلب حصته فيها، ولم يحضر صاحباه: لم يكن عليه أن يعطيه منها شيئا في قول أبي حنيفة".
قال أحمد: قد ذكر أبو الحسن ﵀ في "المختصر" الدواب والثياب والعبيد على الخلاف بمنزلة الدراهم، وذلك لأن كل جزء منه بينهم فليس يخل وما يأخذه الحاضر من أن يكون نصيبه، فيتميز بالأخذ نصيبه من نصيب صاحبه، وتقع القسمة فيه، وأن يكون كل جزء مما يأخذه بينه وبين صاحبه على ما كان، فإن أوقعنا القسمة، كنا قد قسمناها على الغيب من غير حضور وكيل لهم في القسمة، ولا يجوز للمودع أن يقاسم عليهم؛ لأنه لم يوكل بالقسمة.
وإن كان ما يأخذه الحاضر بينهم على الشركة، فقد أعطاه نصيب الغائب بغير إذنه، وهذا لا يجوز.
* "وقال أبو يوسف ومحمد: يعطيه نصيبه"، على شريطة سلامة الباقي للغائبين، فإن حضرا، فأخذا نصيبهما، سلم للأول ما أخذه، وإن تلف الباقي قبل أن يقبضا حقهما: شاركا الأول فيما قبضه.
كدين بين ثلاثة رجال على رجل، فحضر أحدهم، فإنه يقضي له بنصيبه، فإن حضر الغائبان، فأخذا نصيبهما من الغريم: فذاك، وإلا: رجعا على القابض فشاركاه فيما قبض.
والانفصال لأبي حنيفة من مسألة الدين: أن ما يأخذه الحاضر من العين: فهو بينهما، وما يأخذه من الدين: فهو نصيبه خاصة، إلا أن لصاحبه فيه حق الشريك.
стр. 1780
ألا ترى أن هذه العين كانت ملكا للغريم قبل تسليمها إلى الحاضر، فإذا ملكها إياه على أنها نصيبه، كانت ملكا له، ولصاحبه حق الشركة، لامتناع جواز قسمة الدين.
وكان شيخنا أبو الحسن ﵀ يحكي عن محمد أنه قال: قول أبي حنيفة في هذه المسألة أقيس، وقول أبي يوسف أوسع.
مسألة: [ضمان وديعة أودعها المودع آخر، فضاعت]
قال أبو جعفر:"ومن استودع رجلا وديعة، فأودعها المودع رجلا آخر، فضاعت منه: فإن لصاحبها أن يضمنها المودع الأول، وليس له أن يضمنها المستودع الثاني في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يضمنها أيهما شاء، فإن ضمن الأول: لم يرجع على الثاني، وإن ضمن الثاني: رجع على الأول".
وجه قول أبي حنيفة: أن قبض الثاني واقع للأول، بدلالة أن ما يلحقه به من الضمان يرجع به عليه، ولا يجوز أن يتعلق بقبض واحد ضمان على اثنين، وذلك لأن الضمان سبب يتعلق به حكم التمليك، فلا جائز تعلق هذا المعنى على اثنين بقبض واحد، كما لا يجوز أن يتعلق بعقد واحد حكم الملك لاثنين في جميع المعقود عليه.
وليس هذا كالغاصب إذا أودع، فيكون للمغصوب منه أن يضمن أيهما شاء في قولهم، من قبل أن هناك قبضين، تعلق الضمان فيه بكل واحد على حدة، وفي مسألتنا قبض واحد.
فإن قال قائل: هلاّ ضمنت المودع الأول بالتسليم، والثاني بالقبض.
قيل له: تسليمه إليه لا يوجب الضمان ما لم يقبض الثاني، فعلمنا أن الموجب للضمان هو قبض الثاني.
стр. 1781
وأيضا: فلما كان قابضا له، سقط فيه اعتبار الضمان بالتسليم، وتعلق الضمان بالقبض، وقد وقد وجب به الضمان على الدافع، فامتنع وجوبه على المدفوع إليه، كما وصفنا.
فإن قيل: فلو دفع إلى رجل دراهم يشتري له بها عبدا، فاشترى بها أمة، أو دابة، أو شيئا مما يخالف فيه الآمر، وسلمها إلى البيع، كان للموكل أن يضمن إن شاء الوكيل، وإن شاء البيع، ومعلوم أن الوكيل إنما ضمنها بقبض البيع، وكذلك البيع تعلق عليه الضمان بذلك القبض بعينه، فقد صار قبضا واحدا، موجبا للضمان على اثنين.
وكذلك لو أن رجلا أكره رجلا حتى يسلم ماله إلى رجل، فسلمه، والقابض غير مكره، كان للمكره أن يضمن أيهما شاء، إن شاء ضمن الذي أكره، وإن شاء ضمّن القابض، فقد تعلق بقبض واحد الضمان على اثنين.
قيل له: ليس هذا من مسألتنا في شيء، من قبل أنّا قد بينّا في بدء اعتلالنا، أن المودع الثاني قابض للأول، فامتنع أن يجب بقبضه الضمان على الثاني، وقد وجب به الضمان على الثاني، وفيما سألت: البيع قابض لنفسه على الأول.
ألا ترى أن ما يلحقه من الضمان لا يرجع به على الآخر، فلم يمنع وجوب الضمان على القابض بقبضه، وعلى الآخر، وكذلك القابض من المكره قبضه لنفسه بالتسليم، إذ لم يكن تسليمه واقعا لنفسه.
وفي مسألة المودع، التسليم واقع للأول، وقد وجب الضمان عليه
стр. 1782
بقبض الآخر، فسقط اعتبار حكم التسليم، فلذلك افترقا.
"وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن الأول بالتسليم، والثاني بالقبض".
مسألة: [شك المودع في مدعيين لوديعة أيهما أودعه؟]
قال أبو جعفر:"ومن كان في يده ألف درهم، فحضره رجلان، كل واحد يدعي أنه أودعه، فقال: أودعني أحدكما، ولا أدري أيكما هو؟ فإنه يستخلف لهما".
وذك أن كل واحد منهما لو أقر له به على انفراد، صح إقراره له.
* "فإذا حلف لهما: برئ، ولم يكن لهما غير الألف التي في يده".
لأنه لم يقر بغيرها.
* قال:"فإن أبى أن يحلف لهما: كانت الألف بينهما، وغرم لهما مثلها، وكانت بينهما".
وذلك لأن النكول بمنزلة الإقرار، فصار كإقراره لكل واحد منهما، فيستحقانه نصفين، ثم يغرم لهما ألفا أخرى؛ لأن كل واحد منهما يقول: قد استهلكت عليّ ما أقررت به للآخر.
*****
стр. 1783
باب قسمة الغنائم والفيء
مسألة: [في الغنيمة الخمس]
قال أبو جعفر:"وفي الغنيمة الخمس التي ذكر الله تعالى فيها، يوضع في مواضعه التي يجب وضعه فيها".
وذلك لقول الله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية.
مسألة: [قسمة الخمس]
قال أبو جعفر:"والمشهور عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنه يقسم على ثلاثة أصناف، وهي: اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل.
قال: وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: " أنه يقسم في ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل ".
стр. 1784
قال أحمد: اختلف السلف في قسمة سهام الخمس في الأصل.
فقال قائلون: كانت القسمة علي ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول صلي الله عليه وسلم، وسهم لذوي القربى , وسهم لليتامى , وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل.
فقالوا: السهم الذي كان لله ,: يصرف إلي الكعبة.
وقال آخرون: لم يكن لله سهم مفرد في الخمس , وذكر الله له في هذا الموضوع له وجهان:
أحدهما: علي جهة التبرك بذكر الله , وافتتاح الكلام به , كما يبتدأ باسم الله في سائر الأمور تبركا , بذكر اسم الله لنفعل مثله في أمورنا تبركا به.
والآخر: أنه أخبر أن الخمس لله , بمعني أنه مصروف في جهات القربة إلي الله , ثم بين جهات القربة إليه , وفسرها بما ذكر بعد , قالوا: فكانت القسمة في الأصل على خمسة.
[قسمة سهم الرسول ﷺ ]
ثم اختلفوا بعد ذلك في سهم الرسول ﷺ بعد موته، فقال قائلون من السلف: هو لقرابته من بعده.
وقال آخرون: هو لخليفته من بعده.
стр. 1785
وقال الحسن بن محمد بن علي ﵃: أجمعوا على صرف هذين السهمين في السلاح والكراع في سبيل الله , يعني سهم الله , وسهم الرسول ﷺ .
وقال آخرون: سقط سهم الرسول ﷺ بموته , كما سقط سهمه من جملة الغنيمة , ومن الصفي , ولأن السهم إنما يستحقه الحي , ثم يورث عنه بعد صحة ملكه , أو يموت حقه فيه , فأما بعد الموت , فلا يستحق أحد سهما , لاتفاق الجميع على سقوط سائر ما كان له في حياته من السهام.
[قسمة سهم ذوي القربى]
ثم اختلفوا في سهم ذوي القربى:
فكان من أصحابنا من يقول: إنما كان ذلك لقرابة النبي ﷺ , الذين نصروه , فكانوا يستحقون السهم لمعنيين: النصرة ,
стр. 1786
والقرابة جميعا.
واستدل من قال ذلك: بأن "عثمان بن عفان , وجبير بن مطعم لما سألا النبي ﷺ عن اختصاصه بذلك بني المطلب, دون بني عبد شمس, وبني نوفل, وقالا: أما بنو هاشم فلا ينكر فضلهم, لقرابتهم منك, ونحن وبنو المطلب سواء في القرب منك؟
فقال النبي ﷺ : إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام".
فأخبر أنهم استحقوا السهم بالنصرة والقرابة جميعا، فلما لم يجتمعا, لم يستحقوه, فمن جاء بعد ذلك من القرابة, فقد عدمت منه النصرة , فحينئذ إنما يستحقه بالفقر دون غيره, ولا حق للأغنياء فيه.
стр. 1787
وقال آخرون من أصحابنا: إن السهم ذوي القربى في الأصل لم يجب إلا للفقراء منهم, ولم يكن قط مستحقا باسم القرابة, دون الفقر.
قالوا: والدليل على ذلك أن النبي ﷺ أعطى بني المطلب, ولم يعط بني عبد شمس, بني نوفل وهم جمعيا في محل واحد من القرابة , ولو كان مستحقا بالقرب , لاستحقه الجميع , لتساويهم فيه.
ومن الدليل عليه أيضا: أن الخلفاء الراشدين , وهم الخلفاء الأربعة , لم يعطوا من سهم ذوي القربى الأغنياء منهم , وإنما أعطوا الفقراء قال ابن عباس فيما كتب به إلى نجدة:"وسألت عن سهم ذوي القربى لمن هو؟ [وهو لنا أهل البيت] , وقد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا
стр. 1788
ويحذي منه عائلنا، ويقضي منه غارمنا , فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا , وأبى ذلك علينا قومنا".
وقال محمد بن إسحاق:"سألت أبا جعفر محمد بن علي ﵁ فقلت: ما صنع علي في سهم ذي القربى حين ولي؟ فقال: سلك به سبيل أبي بكر وعمر".
وإذا ثبت ذلك عن الخلفاء الراشدين، صار بحيث لا يمتنع خلافه، لقول النبي ﷺ "عليكم بسنتي , وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي , تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ".
فلو لم يكن فيه غير اتفاق هؤلاء , لكان فيه غناء وكفاية عن الاحتجاج بغيره , وهذا عندنا مما لا يسوغ الاجتهاد في مخالفته.
ويدل عليه قول النبي ﷺ :"اقتدوا بالذين من بعدي
стр. 1789
أبي بكر وعمر".
فما اتفقا عليه فهو الحق، بقول النبي ﷺ .
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وللرسول ولذي القربى واليتامى﴾.
يقتضي عمومه وجوب السهم للفقراء والأغنياء منهم.
قيل له: هذا عندنا ليس بعموم , بل هو مجمل لا يصح الاحتجاج به , لما نبينه إن شاء الله.
وعلى أنه لو كان عموما, لكان ما قدمناه من الدلائل يخصه.
وإنما قلنا إنه ليس بعموم, وأنه مجمل موقوف الحكم على البيان , من قبل أن قوله: ﴿ولذي القربى﴾: لا يختص بقرابة النبي ﷺ دون قرابة غيره , إذ كان الاسم يتناول الجميع , ألا تري أن قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى﴾ , لم يختص بقرابة نبي, دون غيره من الناس.
وقد كان يجوز أن يكون المراد به: قرابة الخليفة, أو قرابة الغانمين,
стр. 1790
أو أمير الجيش.
وروى قتادة عن الحسن أن المراد به قرابة الخلفاء.
فلما لم يكن في الآية دلالة علي تخصيص قرابة النبي ﷺ بذلك دون غيرهم , حصل اللفظ مجملا , مفتقرا إلي البيان , فسقط الاحتجاج بعمومه.
فإن قيل: قد "أعطى النبي ﷺ العباس من سهم ذوي القربى, وكان من الأغنياء".
فدل أن الغني منهم يستحقه، وأنه غير مخصوص بالفقراء.
قيل له: ليس معنا يقين بأن العباس كان غنيًا في الحال التي أعطاه النبي ﷺ من سهم ذوي القربى، وليس كونه كان غنيا في وقت ما، يوجب أن يكون غنيًا أبدًا.
وأيضاً: فجائز أن يكون أعطاه ليفرقه على فقراء بني هاشم.
وإن صح أنه أعطاه وهو غني، وأنه أخذه لنفسه: كان وجهه أنه اجتمع له النصرة، والقرابة، فاستحقه في حال الغنى والفقر.
* ومن الدليل على أنه مستحق بالفقر دون غيره بعد النبي ﷺ : أنا وجدنا سائر من ذكر مع ذوي القربى في الآية لم يستحقوه إلا بالفقر، وهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، والمعنى فيه أنه سهم
следующие страницы →