Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
والقرابة جميعا.
واستدل من قال ذلك: بأن "عثمان بن عفان , وجبير بن مطعم لما سألا النبي ﷺ عن اختصاصه بذلك بني المطلب, دون بني عبد شمس, وبني نوفل, وقالا: أما بنو هاشم فلا ينكر فضلهم, لقرابتهم منك, ونحن وبنو المطلب سواء في القرب منك؟
فقال النبي ﷺ : إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام".
فأخبر أنهم استحقوا السهم بالنصرة والقرابة جميعا، فلما لم يجتمعا, لم يستحقوه, فمن جاء بعد ذلك من القرابة, فقد عدمت منه النصرة , فحينئذ إنما يستحقه بالفقر دون غيره, ولا حق للأغنياء فيه.
стр. 1787
وقال آخرون من أصحابنا: إن السهم ذوي القربى في الأصل لم يجب إلا للفقراء منهم, ولم يكن قط مستحقا باسم القرابة, دون الفقر.
قالوا: والدليل على ذلك أن النبي ﷺ أعطى بني المطلب, ولم يعط بني عبد شمس, بني نوفل وهم جمعيا في محل واحد من القرابة , ولو كان مستحقا بالقرب , لاستحقه الجميع , لتساويهم فيه.
ومن الدليل عليه أيضا: أن الخلفاء الراشدين , وهم الخلفاء الأربعة , لم يعطوا من سهم ذوي القربى الأغنياء منهم , وإنما أعطوا الفقراء قال ابن عباس فيما كتب به إلى نجدة:"وسألت عن سهم ذوي القربى لمن هو؟ [وهو لنا أهل البيت] , وقد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا
стр. 1788
ويحذي منه عائلنا، ويقضي منه غارمنا , فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا , وأبى ذلك علينا قومنا".
وقال محمد بن إسحاق:"سألت أبا جعفر محمد بن علي ﵁ فقلت: ما صنع علي في سهم ذي القربى حين ولي؟ فقال: سلك به سبيل أبي بكر وعمر".
وإذا ثبت ذلك عن الخلفاء الراشدين، صار بحيث لا يمتنع خلافه، لقول النبي ﷺ "عليكم بسنتي , وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي , تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ".
فلو لم يكن فيه غير اتفاق هؤلاء , لكان فيه غناء وكفاية عن الاحتجاج بغيره , وهذا عندنا مما لا يسوغ الاجتهاد في مخالفته.
ويدل عليه قول النبي ﷺ :"اقتدوا بالذين من بعدي
стр. 1789
أبي بكر وعمر".
فما اتفقا عليه فهو الحق، بقول النبي ﷺ .
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وللرسول ولذي القربى واليتامى﴾.
يقتضي عمومه وجوب السهم للفقراء والأغنياء منهم.
قيل له: هذا عندنا ليس بعموم , بل هو مجمل لا يصح الاحتجاج به , لما نبينه إن شاء الله.
وعلى أنه لو كان عموما, لكان ما قدمناه من الدلائل يخصه.
وإنما قلنا إنه ليس بعموم, وأنه مجمل موقوف الحكم على البيان , من قبل أن قوله: ﴿ولذي القربى﴾: لا يختص بقرابة النبي ﷺ دون قرابة غيره , إذ كان الاسم يتناول الجميع , ألا تري أن قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى﴾ , لم يختص بقرابة نبي, دون غيره من الناس.
وقد كان يجوز أن يكون المراد به: قرابة الخليفة, أو قرابة الغانمين,
стр. 1790
أو أمير الجيش.
وروى قتادة عن الحسن أن المراد به قرابة الخلفاء.
فلما لم يكن في الآية دلالة علي تخصيص قرابة النبي ﷺ بذلك دون غيرهم , حصل اللفظ مجملا , مفتقرا إلي البيان , فسقط الاحتجاج بعمومه.
فإن قيل: قد "أعطى النبي ﷺ العباس من سهم ذوي القربى, وكان من الأغنياء".
فدل أن الغني منهم يستحقه، وأنه غير مخصوص بالفقراء.
قيل له: ليس معنا يقين بأن العباس كان غنيًا في الحال التي أعطاه النبي ﷺ من سهم ذوي القربى، وليس كونه كان غنيا في وقت ما، يوجب أن يكون غنيًا أبدًا.
وأيضاً: فجائز أن يكون أعطاه ليفرقه على فقراء بني هاشم.
وإن صح أنه أعطاه وهو غني، وأنه أخذه لنفسه: كان وجهه أنه اجتمع له النصرة، والقرابة، فاستحقه في حال الغنى والفقر.
* ومن الدليل على أنه مستحق بالفقر دون غيره بعد النبي ﷺ : أنا وجدنا سائر من ذكر مع ذوي القربى في الآية لم يستحقوه إلا بالفقر، وهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، والمعنى فيه أنه سهم
стр. 1791
من الخمس، وكل جزء من الخمس لا يجوز أن يستحق إلا الفقر.
* ويدل عليه أيضا: ما روي في الأثر:"أن آل محمد لمال منعوا الصدقة، جعل لهم سهم من الخمس".
فلما أبدلوا من الصدقة سهمًا، وكانت الصدقة مقصورة على الفقراء، وجب أن يكون السهم الذي أقيم مقامه، مقصورًا على الفقراء منهم دون غيرهم.
ويدل على ما ذكرنا أيضا: ما روي أنه "قيل: يا رسول الله! ما تقول في الغنيمة؟ قال: خمسها لله، وأربعة أخماسها للجيش".
فقوله "الخمس لله": يدل على أنه مصروف في الفقراء؛ لأن ما أطلق
стр. 1792
أنه لله من الأموال، فهو ما سبيله أن يصرف إلى الفقراء، لقوله تعالى ﴿وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم﴾.
قيل: إن المراد به الزكاة.
وقال النبي ﷺ في اللقطة:"فإن جاء صاحبها، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء"، يعني أنها تصرف إلى الفقراء.
مسالة: [قسيمة الفيء]
قال أبو جعفر:"وأما الفيء فيقسم كله كذلك على ما ذكرنا، مما يقسم عليه الخمس من الغنائم، في كل واحد من القولين الذي ذكرنا".
قال أحمد: قال أبو يوسف في جواب المسائل التي سأل عنها الرشيد:"إن الفيء: الخراج عندنا خراج الأرض، لقول الله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى﴾، ثم
стр. 1793
قال: ﴿للفقراء المهاجرين﴾، ثم قال: ﴿والذين تبوء والدار والإيمان من قبلهم﴾ وهم الأنصار، ثم قال: ﴿والذين جاء ومن بعدهم﴾، فهذا لمن جاء بعدهم إلى يوم القيامة".
فجعل الفيء عائدًا على كافة المسلمين، حسب منازلهم في استحقاقهم.
وأجمع عمر الخطاب في جماعة من الصحابة على وضع الخراج على الأرضين، وقد كان خالفة منهم الزبير وبلال، فاحتج عليهم بهذه الآية، فرجعوا إلى قوله، وتبينوا طريق الحق فيه.
قال أحمد: فإذا كان الفيء عنده الخراج، فليس هو إذا مقسومًا على ما يقسم عليه الخمس، لأن الخمس لا يستحقه إلا الفقراء، والخراج مصروف فيما يعود نفعه على كافة أهل الإسلام.
стр. 1794
مسألة: [مصارف الفيء]
قال أبو جعفر:" وما أخذ من مال المشرك، وما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو من خراج الأرضين، أو من خراج رقاب المشركين، أو من المختلفين من أهل الذمة، وأهل الحرب في التجارات في بلدان المسلمين، فإن في ذلك كله أرزاق القضاة، وسد الثغور، وأرزاق المقاتلة، ولإصلاح الجسور والقناطر، وبناء المساجد، فما فضل بعد ذلك قسمة الإمام بين المسلمين".
قال أحمد: الأصل فيه ما قدمنا من الآيات، وهي قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ إلى آخرها.
فجعل الفيء عائدًا على الكافة، فينبغي أن يصرف في هذه الوجوه التي ذكرها.
وكذلك فعل عمر بحضرة الصحابة، واتفقوا معه عليه.
مسألة: [الغنيمة لمن شهد القتال]
قال أبو جعفر:"ولا يدخل في ذل العبد، ولا الأعراب الذين لا يحضرون القتال".
وذلك "لأن النبي ﷺ لم يكن يسهم للعبد، وكان
стр. 1795
يرضخ لهم".
وفي حديث علقمة بن مرثد عن أبي يزيد عن أبيه "أن النبي ﷺ قال في وصية الجيش: فإن أسلموا فلا شيء لهم في القسمة حتى يشهدوا القتال".
مسألة: [إعطاء الإمام الناس على قدر الحاجة]
قال أبو جعفر: (ويعطى الناس على مقدار الحاجة)
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال:"والله الذي لا إله إلا هو، ما أحد إلا وله في هذا المال حق، أعطيه أو منعه, وما أحد أحق به من أحد إلا عند مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجته".
стр. 1796
مسألة: [للإمام التفضيل بين الناس في العطية]
قال أبو جعفر: (وله أن يفضل إن رأى التفضيل، أويسوى بينهم إن رأى ذلك).
قال أحمد: هذا موكول إلى رأي الإمام واجتهاده في توخي المصلحة، وقد روي أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يسوي بينهم، ثم رأى عمر ﵁ التفضيل، ثم حكي عنه أنه قال: إن عشت إلى قابل لأجعلن الناس بنانًا واحدًا، يعني شيئًا واحدًا، وهذا يدل على أنه رأى التسوية حين قال ذلك.
وروى عن علي ﵁ أنه قال: يسوى بينهم العطاء.
وهذا عندنا على أنه رأى المصلحة في التسوية في ذلك الوقت.
مسألة: [تقييم أربعة أخماس الغنيمة مما سوى الأرضين]
قال أبو جعفر: (وأما أربعة أخماس الغنيمة مما سوى الأرضين، فيقسم بين الغانمين، ويرضخ للعبيد والنساء إذا حضروا القتال بأمر الإمام).
стр. 1797
وذلك لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾.
فجعله غنيمة لهم، واستثنى منها الخمس، فيثبت أن الباقي بعد الخمس للغانمين، كما قال الله تعالى: ﴿وورثه أبواه فأمه الثلث﴾، علم أن الباقي للأب، وقد أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾.
ولا يسهم للعبيد والنساء، ويرضخ لهم، لما روي عن رسول الله ﷺ .
ومسألة سهر الفارس والراجل، قد بيناها بعد هذا الموضوع في أبواب السير، وكذلك مسألة اعتبار حال الدخول في سهم الفارس.
مسألة: [سهم من مات من الغانمين في دار الحرب]
قال أبو جعفر: (ومن مات في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام، أو بيعها، أو قسمتها: فلا سهم له).
قال أبو بكر احمد: الغنيمة حكمها على ثلاثة منازل:
ما لم تحرز: لم يثبت فيها حق للغانمين، فإذا أحرزت: ثبت فيها الحق، ولم تملك، فإذا قسمت: ملكت.
стр. 1798
وإنما كان كذلك؛ لأنه صح عندنا أن جيشا لو لحقهم في هذه الحال قبل الإحراز: شركهم فيها.
فإن مات منهم واحد بعد إحراز الغنيمة في دار الإسلام: كان نصيبه لورثته؛ لأنه وإن لم يملك، فقد ثبت له فيها حق.
والحقوق قد يجوز أن تنتقل إلى الورثة، مثل العبد الجاني، قد يثبت فيه الحق لولي الجناية، بأن يدفع أو يفدي، ولم يملكه بعد، ثم إذا مات انتقل ذلك الحق إلى وارثه، وقام فيه مقامه، كذلك ما وصفنا.
فإذا قسمت: ملك كل واحد منهم نصيبه، لتعين حقه فيه، وانقطاع حق غيره عنه.
فإذا قسمت: في دار الحرب، أو بيعت: تثبت حقوقهم فيها، وانتقلت بالموت إلى ورثتهم؛ لأن جيشا لو لحقهم بعد البيع، أو القسمة: لم يشركهم فيها، وذلك لأن بيع الإمام وقسمته جائزة، إذا كانت مسألة اجتهاد ينفذ فيها حكم الحاكم إذا حكم به، وفي بيعه وقسمته حكم منه يقطع حق كل واحد غيرهم عنه، فتثبت حقوقهم فيه.
مسالة: [غنيمة من لحق الإمام في دار الحرب]
قال: (ومن لحق الإمام في دار الحرب قبل خروجه منها، طالبا للقتال: استحق معهم الغنيمة).
قال أحمد: وروي نح وذلك عن عمر، ولأمه لا يستغنى عن القتال إلى أن يحصلوا في دار الإسلام ومنعتها، فلما كانت الحاجة إلى القتال
стр. 1799
قائمة في إحراز الغنيمة، استحق السهم وإن لم يقاتل، كما لو وقف رداءا لهم ولم يقاتل: استحق السهم، وقد بينا هذه المسألة أيضا في السير؟
مسألة: [ليس للإمام قسمة الغنائم في دار الحرب]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للإمام أن يقسم الغنائم في دار الحرب).
وذلك لأن جيشا لو لحقهم: شركهم فيها على ما بينا، وإذا قسم جازت قسمته؛ لأنها مما يسوغ الاجتهاد فيه، فينفذ حكم الإمام فيها.
فإن قيل:"قسم رسول الله ﷺ غنائم بني المصطلق قبل رجوعه إلى المدينة".
قبل له: لأن الموضع صار مظهورا عليه، وصار من حيز الإسلام.
مسألة: [قسمة ما غنمه المسلمون من الأرضين]
قال أبو جعفر: (وما غنمه المسلمون من الأرضين، كان إلى الإمام أن يقسمها على ما تقسم عليه الغنائم إن رأى ذلك حظا، وله أن يوفقها إلى المسلمين، ويجعلها أرض خراج، ويكون خراجها مصروفا إلى ما ذكرنا وجهه في هذا الكتاب.
стр. 1800
فإن شاء أن يمن على أهلها المغنومة عليهم، كما فعل عمر بن الخطاب في السواد، فتكون الأرض إذا فعل ذلك ملكاً لهم، يتوارثونها كما يتوارثون سائر أموالهم.
وإن شاء أن ينقل إليها قوما من أهل الذمة سواهم، فيجعلهم في ذلك كلهم لو من عليهم فيها.
وإن شاء قسمها بين الغانمين، وكانت أرض عشر.
وإن وفقها، أو من على أهلها، أنقل قومًا من أهل الذمة: فهي أرض خراج).
قال أحمد: قوله: وإن شاء وقفها: لا أعرفه عن أصحابنا، وإنما المشهور عنهم في سائر كتبهم، وما سمعناه من شيوخنا أن بالخيار: إن شاء قسمها بين الغانمين بعد إخراج خمس، وتكون حينئذ أرض عشر.
وإن شاء من على أهلها، ووضع عليهم [الجزية]، وعلى الأرضين الخراج، ويكونون ذمة أحراراً، وأرضوهم ملكا لهم يتوارثونها ويتبايعونها.
وإن شاء استرق أهلها، أو قتلهم، ونقل إليها قومًا من أهل الذمة، فيجعل الأرضين ملكًا لهم، وتكون أرض خراج.
стр. 1801
والذي ذكره أبو جعفر من وقفها يجوز أن يكون من رواية وقعت إليه عنهم، ولم تبلغنا.
والأصل في ذلك:"أن النبي ﷺ فتح مكة عنوة ومن عليهم، وأقرهم على ديارهم وأموالهم".
"وقد قسم بعض حصون خيبر، ولم يقسم بعضها"، فعلمنا أن الإمام مخير بين القسمة، وبين المن والإقرار على أموالهم وأرضيهم.
"وفتح عمر السواد، وشاور عليًا وغيره من الصحابة، فأشاروا عليه بإقرار أهلها، ووضع الخراج، وخالفه الزبير وبلال ونفر آخرون، واحتج عليهم بقول الله تعالى: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾، ثم قال:
стр. 1802
﴿للفقراء المهاجرين﴾ إلى قوله: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ ".
فقد دلت هذه الآيات على أنه لا يجوز أن تكون الغنائم دولة بين الأغنياء، ويبقى الفقراء بغير شيء، وأوجبت أيضًا الحق لمن يجيء بعدهم.
وذلك لا يكون إلا بإقرار أهلها، ووضع الخراج، ليشاركهم فيها من جاء بعدهم، فرجعوا جميعًا إلى قوله، وصاروا محجوجين بما نبههم عليه من دلالة هذه الآيات على صحة ما ذهب إليه، فتبينوا ورضوا بحكمه فيما حكم به في السواد، فصار إجماعًا.
وقد تكلمنا في مسألة فتح مكة في أبواب السير من هذا الكتاب، بجملة كافية لمن تدبرها، وكان الحق طليبه معها.
مسألة: [بيع أرض الخراج]
ويجوز بيع أرض الخراج؛ لأنها ملك لمن أقر عليها، والدليل عليه: أن المواريث تجري فيها، ولا يجوز لأحد أخذها من أيديهم، ولا أن يحول بينهم وبينها، كما أن من أقرهم النبي ﷺ من أهل مكة، ومن عليهم، كانوا مالكين لأموالهم التي كانت لهم قبل الظهور والغلبة.
فإن قال قائل إنما أقر عمر أهل السواد على حكم الفيء.
стр. 1803
قيل له: لو كان كذلك، كان من أسلم منهم لا يكون حرًا، ولا كانت الجزية واجبة عليه، مثل العبد، وكان يكون بعد إسلامه بمنزلة العبد إذا أسلم.
* وأما ما ذكر أبو جعفر في وجوب العشر إذا قسم، والخراج إذا لم يقسم: فإن الأصل فيه أن المسلم لا يبتدأ بالخراج؛ لأنه فيء، والكافر لا يبتدأ بالعشر الذي هو صدقة؛ لأن الصدقة قربة، ولا قربة للكافر.
وقد يجوز إيجاب العشر في أرض الخراج إذا أقر الإمام أهلها عليها، ورأى ذلك، ولا يكون صدقة، بل يوضع موضع الخراج، ذكره محمد في الزيادات.
مسألة: [خراج أرض باعها ذمي لمسلم]
قال أبو جعفر: (ومن باع من أهل الذمة أرض خراج من مسلم: فعليه الخراج بحال).
وذلك لما "روي أن الرفيل أسلم، فقال علي ﵁: إن أقمت على أرضك، فعليك الخراج".
وروي نحو ذلك عن عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك، حين أسلمت.
стр. 1804
وأيضًا: فإن الخراج يعود نفعه على كافة المسلمين، وقد ثبت ذلك في الأرض، فلا يجوز نقله إلى العشر، الذي هو حق لخاص من المسلمين ببيعه إياها، إذ لا سبيل لهما على إبطال ما قد ثبت من الحق فيها للكافة.
مسألة: [شراء الذمي أرض عشر من مسلم]
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى الذمي أرضا من أرض العشر من مسلم: فعليه الخراج في قول أبي حنيفة، ثم لا يعود إلى العشر أبدًا وإن ملكها مسلم.
وقال أبو يوسف: على الذمي فيها عشران، ويوضعان موضع الخراج.
وقال محمد: هي أرض عشر على حالها، وتوضع في مواضع العشر).
قال أحمد: يعني أنه يوضع موضع الصدقة.
قال أحمد: روى ابن سماعة عن محمد: أنه يوضع موضع الخراج، إلا أنه فيما تخرج الأرض.
والأصل في ذلك: أن الواجب كان عليها في المسلم: العشر، وهو صدقة، ولا جائز أخذ الصدقة من الذمي؛ لأن الصدقة قربة، ولا قربة للذمي، فوجب أن يسقط العشر بملك الذمي، ثم يسقط العشر، واحتجنا إلى إثبات الحق فيها، إذ لا يجوز إخلاء الأرض من وجوب حق فيها، فوجب أن يكون ذلك الحق هو الخراج؛ لأن الكافر لا يبدأ بالعشر.
ألا ترى أن الإمام إذا أقر أهل الأرض عليها بعد الظهور عليها، أن الواجب عليهم هو الخراج، فلا يمتنع من نقلها من العشر إلى الخراج؛ لأن الخراج عائد على كافة المسلمين، فلم يسقط حق مستحقي العشر
стр. 1805
الذي كان فيها، وهم الفقراء.
وليس ذلك كأرض الخراج إذا أسلم أهلها، واشتراها مسلم، لأن فيه إسقاط حق الكافة إلى الخاصة.
وأصل أبي حنيفة: أنها إذا وجب فيها خراج أو عشران، لم تنتقل إلى العشر الواحد أبدا، وقد يجوز أن تنتقل من العشر إلى الخراج، وإلى العشرين.
فقال في تغلبي اشترى أرض عشر: أن عليه عشرين.
فإذا اشتراها من التغلبي ذمي: فعليه عشران في رواية أبي يوسف ومحمد عن أبي حنيفة.
وفي رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: عليه الخراج.
* وأما أبو يوسف فإنه يقول: إنه قد ينقل من عشر إلى العشرين بشراء الذمي والتغلبي، ثم يعود إلى عشر واحد إذا اشتراها مسلم.
وجعلها أبو يوسف بمنزلة أموال الزكاوات بسنته، لو مر بها مسلم، وعلى العاشر أن يأخذ منه ربع العشر وهو زكاته، ولو كانت لذمي أخذ منه نصف العشر: مثلي ما يؤخذ من المسلم، فإن عاد إلى المسلم: عاد إلى ربع العشر.
стр. 1806
وكذلك الأرضون عنده إذا كان أصلها العشر، فأما إذا كانت خراجية في الأصل، فإنها لا تنتقل إلى العشر أبدا.
* وأما أصل محمد: فإنه يعتبر ما ابتديت به الأرض، فإن ابتديت بالخراج: لم ينتقل أبدا، وإن ابتديت بالعشر: لم ينتقل أبدًا، لا إلى الخراج، ولا إلى عشرين بشراء ذمي، ولا تغلبي نصراني.
وروى ابن سماعة عنه أيضًا: أنها تنتقل بشراء التغلبي لها إلى عشرين، توضع موضع الخراج، إلا أنها تكون فيما تخرجه الأرض.
وقال محمد: إذا ابتدئ التغلبي، بأن جعل على أرضه عشران، ثم أسلم، أو باعها من مسلم أو ذمي: فالعشران على حالهما في قول محمد.
قال أحمد: والصحيح الذي استقر عليه قوله المشهور: أنه يعتبر ما تبتدأ به الأرض، ثم لا يتغير أبدًا.
ووجه قوله ذلك: أن ذلك حق قد تعلق بالأرض، فلا يتغير بانتقال الملك؛ لأن الأملاك لا تأثير لها في إسقاط الأرضين.
ألا ترى أن العشر قد يجب في أرض الوقف التي لا مالك لها، كما تجب في أرض لها مالك، وقد يجب الخراج أيضًا في أرض الوقف، فدل على اعتبار ثبوت الحق ابتداء في الأرض، ولا اعتبار بالملك فيه.
ومن هذا الوجه فارق ذلك عنده المال الممرور به على العاشر، في أنه يجب تارة ربع العشر إذا كان لمسلم، وتارة نصف العشر إذا كان لذمي؛ لأن هذا الحق يتعلق حكمه بالمالك، ألا ترى أنه لو مر به غير مالك: لم يجب فيها شيء، بأن يكون مودوعًا، أو مضاربًا، وأن الصبي والمجنون لا يؤخذ ذلك من مالهما، فدل على اعتبار المالك فيه، وسقوطه في الأرضين.
стр. 1807
ولأبي حنيفة في إفساد هذا القول، واعتبار حكم المالك: أنهم جميعا اعتبروا حكم المالك في الابتداء، فإن كان مسلمًا: كان في أرضه العشر، وإن كان كافرًا: فالخراج، فلما اختلف الحكم في الابتداء فيما يجب من الحق، كان كذلك حكمه عند انتقال الملك الذي قدمنا.
* * * * *
стр. 1808
كتاب النكاح
مسألة: [لا نكاح إلا بشاهدين]
قال أبو جعفر: (ولا نكاح إلا بشهود أحرار، مسلمين، بالغين، شاهدين أو أكثر، أو رجل وامرأتين).
قال أحمد: لا نكاح إلا بشهود، روي عن عمر ﵁، وعبد الله بن عباس ﵄، من غير مخالف لهما من الصحابة.
وقد روي عن النبي ﷺ أخبار بألفاظ مختلفة في نفي النكاح بغير شهود، وروي عن علي وابن مسعود، وعمران بن حصين، وجابر، وأنس بن مالك، وأبي موسى الأشعري، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي هريرة كلهم عن النبي ﷺ :"لا نكاح إلا بشاهدين"، بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد.
стр. 1809
وهذه الأخبار كلها عند أهل الحديث ضعيفة، بعضها من جهة الرجال، وبعضها من جهة الإرسال، والصحيح عندهم منها ما يروى عن الحسن مرسلاً عن النبي ﷺ ، فيصححونه عن الحسن، وهو مرسل عن النبي ﷺ ، فلا يقبلونه لأجل الإرسال.
وهي عندنا صحيحة من أكثر الوجوه التي رويت فيه، وليس طريقة الفقهاء في قبول الأخبار طريقة أصحاب الحديث، ولا نعلم أحدًاً من الفقهاء رجع إليهم في قبول الأخبار وردها، ولا اعتبر أصولهم فيها.
وإذا كان كذلك، فالأخبار المروية عن النبي ﷺ في أن:"لا نكاح إلا بشهود"، و:"بشاهدين"، صحيحة يجب قبولها إذا لم
стр. 1810
يردها أصل، وجاءت من الوجوه التي تقبل فيها أخبار الآحاد.
وعلى أنه لا فرق عندنا بين المرسل والموصول من أخبار الآحاد، فإذا ثبت من جهة الإرسال بالاتفاق: لزم حكمه، ووجب العمل به.
وقد روي في ذلك لفظ آخر موصول عن النبي ﷺ ، وهو: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن حسان الديباجي التستري قال: حدثنا يوسف بن حماد المعني قال: حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:"البغايا: اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة".
وأيضًا قد اتفق الفقهاء على أن عقد النكاح مخالف لسائر العقود، في افتقاره إلى معنى يضامه، من إعلان أو شهود، فكان حضور الشهود عندنا أولى بكونه شرطًا من الإعلان والإشهاد؛ لأن من شرط الشهادة جعلها مقارنة للعقد، ومن شرط الإعلان أن لا يحصل مقارنًا للعقد، وما يقارن العقد أولى بأن يكون شرطًا فيه مما لا يقارنه ويتراخى عنه.
وأيضًا:"نهى النبي ﷺ عن نكاح السر"، وإذا لم يحضرهما، فهو نكاح السر، فلا يجوز
стр. 1811
مسألة [جواز النكاح بشهادة رجل وامرأتين]
وإنما جاز النكاح بشهادة الرجل والمرأتين، لما روى نوح بن ميمون المضروب عن قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال:"لا نكاح إلا بولي، وشهود".
وذلك يتناول الرجل والمرأتين؛ لأن اسم الشهود يتناولهم جميعًا.
وقال النبي ﷺ فيما روي عنه:"لا نكاح إلا بولي وشاهدين"، وذلك ينتظم جوازه برجل وامرأتين، لوجود الشاهدين.
وأيضًا: فإن اسم الشاهدين في البيوع، يتناول الرجل والمرأتين.
والدليل عليه: قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾.
معناه والله أعلم: فإن لم يكن الشاهدان رجلين، فالشهيدان رجل وامرأتان، فسمى الرجل والمرأتان شهيدين؛ لأن قوله تعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾: معلوم أنه لم يرد به: فإن لم يوجد الاثنان، لاتفاق المسلمين على جواز شهادة النساء مع رجلين، فعلم أن المراد تسمية الرجل والمرأتين شهيدين، ليعتبر ذلك في سائر الحقوق.
стр. 1812
وإذا صح ذلك، تناوله قوله:"لا نكاح إلا بولي وشاهدين".
ومن جهة النظر: إن النكاح حق لا يسقط بالشبهة، فأشبه سائر الحقوق من الأموال وغيرها، مما لا يسقط بالشبهة، فوجب أن يجوز في لإثباته بشهادة الرجل والمرأتين، جوازها في كل حق لا تسقطه الشبهة.
وإذا جاز إثباته بهم، فالعقد أولى أن يثبت بحضورهم، وينعقد بهم.
وأيضاً: فإن البضع حق يملك بالعقد، فأشبه الأموال، وسائر العقود على المنافع.
مسألة: [ولي المرأة في تزويجها]
قال أبو جعفر: (وولي المرأة في تزويجها أبوها، ثم من فوقه من الآباء، درجة بعد درجة، لا ولاية لأحد منهم مع من هو أقرب إليها منه.
فإن كان لها أب وابن: فإن أبا يوسف قال: وليها ابنها، دون أبيها. وقال محمد: وليها أبوها، دون ابنها)
قال أبو بكر: فإما اعتبار الآباء في ولاية النكاح، فلا خلاف فيه بين الفقهاء فيما أعلم.
стр. 1813
وأما إذا اجتمع أب وابن، فإن جهة قول أبي يوسف فيه: أن الولاية في النكاح مستحقة بالتعصيب، وأقرب العصبة الابن، فكان أولى بالولاية في النكاح من الأب، وكذلك ابن الابن وإن سفل.
وقال محمد: الأب أولى؛ لأنه أولى بالتصرف عليها في حال الجنون في الشراء والبيع، فكذلك في النكاح.
* قال: (ثم بعد هؤلاء: الأخ من الأب والأم، ثم الأقرب فالأقرب من العصبات، ثم مولى العتاقة؛ لأنه عصبة، والمرأة المعتقة والرجل سواء؛ لأنها عصبة).
* قال: (ومن كان مجنوناً: فه وكالميت).
لأنه لا ولاية له على نفسه، فكيف يستحقها على غيره؟.
مسألة:
قال: (ولا ولاية لكافر على مسلمة في النكاح).
لقول الله تعالى ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾، وقال: ﴿وللمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾.
стр. 1814
مسألة:
قال:"ولا يكون المسلم وليا للكافرة".
لقول الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، ولأنه لا توارث بينهما، والولاية في النكاح مستحقة بالتوارث، ألا ترى أن العبد لا يزوج ابنته، لخروجه من أن يكون من أهل الميراث.
مسالة: [سقوط حق الولاية بالغيبة المنقطعة]
قال أبو جعفر: (ومن كان منهم غائبًا غيبة منقطعة: فلا ولاية له).
لأن انتظاره ضرر على المرأة؛ لأنه ربما أتاهم من يرغب في تزويجه، فيفوت بانتظار الولي، ولا يستحق أحد الولاية على غيره فيما عليه فيه ضرر.
* قال جعفر: (وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف: أن الغيبة المنقطعة مثل ما بين بغداد والري، وهي عشرون مرحلة).
стр. 1815
وهذا اجتهاد في تقدير الغيبة المنقطعة.
قال أبو بكر: وروى محمد: ما بين الري والكوفة، أوما بين الرفة والبصرة.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ولأحد الوليين أن يزوج دون الآخر).
لأن الولاية في النكاح لا تتبعض، إذ كان عقد النكاح لا يتبعض، فإذا ملك بعض العقد، ملك جميعه، كالطلاق ونحوه.
وأيضاً: لا نعلم فيه خلافًا بين الفقهاء.
وأيضاً: قول النبي ﷺ :"لا نكاح إلا بولي"، يقتضي جوازه بأيهما وجد.
مسألة: [امتناع الولي من تزويج موليته]
قال: (وإذا امتنع ولي المرأة من تزويجها: زوجها الحاكم إذا كان كفؤًا).
لقول النبي ﵊:"أيما امرأة تزوجت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له".
стр. 1816
مسألة: [وجوه الكفاءة]
قال أبو جعفر: (وقريش بعضها أكفاء لبعض، والعرب بعضها أكفاء لبعض، والموالي: من كان له أبوان فصاعدًا أكفاء بعضهم لبعض).
قال أبو بكر: الدليل علي اعتبار الكفاءة: قول الله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾، وليس من المعروف في العادات والأخلاق، أن تضع الشريفة نفسها عند حارس أو زنجي، بل هو من المنكر في أخلاق المسلم.
وقد روي عن ابن عمر وعائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "العرب بعضها أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، وحي بحي، ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، وحي بحي، ورجل برجل".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حامد بن الشاذي الكشي ثقة
стр. 1817
قال: ثنا علي بن حجر قال: ثنا بقية بن الوليد قال: ثنا مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء وعمرو بن دينار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا يزوجن النساء إلا الأكفاء، ولا مهر دون عشرة دراهم".
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم".
ويدل على ذلك أيضًا: ما روي أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁: "ثلاث لا تؤخرهن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤًا".
стр. 1818
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لأمنعن النساء ذوات الأحساب تزوجهن إلا من الأكفاء".
وكان ذلك بحضرة الصحابة، ومن غير مخالف له فيه.
فإن قيل: روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة "أن أبا هند حجم النبي ﵊، فقال النبي ﷺ : يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه".
وروي "أن بلالاً خطب إلى قوم من الأنصار، فلم يزوجوه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال النبي ﵊: مر إليهم: فقل لهم: إن رسول الله ﷺ يقول لكم: زوجوني، فذهب فقال لهم، فقالوا: قد فعلنا".
стр. 1819
فهذان كانا موليين قد أمر النبي ﵊ الأنصار بتزويجهما، فدل على سقوط اعتبار الكفاءة.
قيل له: إنما أمرهم أن يزوجوهم برضاهم، لما رأى فيه من الحظ في الدين، ونحن نجيز ذلك، ولا نكرهه إذا كان برضا الأولياء.
* وإذا ثبت اعتبار الكفاءة، كان ذلك محمولاً على المتعارف المعتاد عند الناس، ولذلك جعل قريشًا بعضهم لبعض أكفاء، ثم سائر العرب بعضهم لبعض أكفاء، لجريان العادة به عندهم.
* قال: (ولا يكون هذا في شيء مما ذكرنا إلا بوجود المهر والنفقة).
وذلك لأن المهر بدل من البضع، والنفقة مستحقة بتسليم نفسها في بيت الزوج، والكفاءة هي المساواة، ولا يكون هذا لها مع وجود ذلك من جهتها إذا لم يجد هو بدل ذلك.
قال أبو بكر: وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: الكفؤ في الحسب والمال والدين، وهو قول أبي يوسف.
قال أبو يوسف: إن كان فاسقًا معلنًا: فليس بكفؤ، وإن كان مستترًا: فهو كفؤ.
* (واعتبر أبو يوسف الكفاءة في الصناعات أيضًا في العرب والموالي، فقال: لا يكون الحجام، ولا الكناس، ولا الحائك كفؤًا
стр. 1820
لصيرفي، ولا لخزاز، ولا لصاحب جوهر).
وقال ابن سماعة عن محمد: الكفؤ في الحسب، وفي المال، ألا ترى أن الرجل قد يكون ذا حسب ومال، ولا ينال من فعله، وتكون المرأة صالحة، ولا أفرق بينهما إذا كان له جاه وقدر، فإذا كان له حسب، وكان يشرب ويسكر، حتى يسخر منه الصبيان، ويضحك منه، والمرأة صالحة: فرقت بينهما، وذنب هذا أيسر من ذنب ذلك، فليس الدين من هذا في شيء.
قال أبو بكر: وكان أبو الحسن الكرخي يخالف أصحابنا في اعتبار الكفاءة من جهة النسب والصناعات، وقال: هم أكفاء في الأنفس والقصاص، ففي النكاح أولى بأن يكونوا أكفاًء، وكان يقول: إن صح اعتبار الكفاءة، ففي المهر والنفقة؛ لأن المهر بدل البضع، والنفقة مستحقة بتسليم نفسها.
مسألة: [جواز نكاح المرأة بغير أمر وليها]
قال أبو جعفر: (وإذا تزوجت المرأة البالغة، الصحيحة العقل بغير أمر وليها: فالنكاح جائز، وإن كان كفؤًا لها، لم يكن للأولياء أن يفرقوا بينهما، وإن كان غير كفؤ لها: كان لوليها أن يفرق بينهما.
стр. 1821
وقال أبو يوسف: ينظر القاضي في ذلك، فإن كان غير كفؤ لها: فسخ نكاحها عليها، وأصله غير جائز عليها، وإن كان كفؤًا لها: أمر وليها بإجازة نكاحها، فإن أجازه: جاز، وإن أبى أن يجيزه: أجازه القاضي.
وقال محمد مثل ذلك، إلا في إباء وليها إجازة نكاحها، فإنه قال: يخرجه القاضي بذلك من ولايتها، ويبطل العقد المتقدم، ويستأنف عقد النكاح عليها).
قال أبو بكر: وما ذكره أبو جعفر من قول محمد، أنه إذا لم يجزه الولي، أخرجه من الولاية، ويبطل العقد المتقدم، ويستأنف عقدًا ثانيًا: لا نعرفه من قول محمد، بل المشهور عنه أن الولي إذا لم يجزه: أجازه القاضي.
والحجة لأبي حنيفة في جواز عقدها بغير إذن الولي، من وجوه ثلاثة: الكتاب، والسنة، والنظر.
فأما الكتاب فقوله: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾.
وهذه الآية تدل من وجهين على صحة ما قلنا:
стр. 1822
أحدهما: قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾، فأجاز عقد النكاح بفعلها، وصححه، حتى أجاز طلاق الزوج لها بعده.
والآخر: قوله: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾، فأضاف التراجع – وهو عقد مستأنف – إليها أيضًا.
ومن أبى جواز ذلك، فقد خالف الآية من هذين الوجهين.
ويدل عليه أيضًا: قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾، فأجاز فعلها في نفسها بالمعروف، من غير شرط الولي.
فإن قيل: فينبغي أن يدل أن هذا فعل بالمعروف، حتى يصح لك الاحتجاج باللفظ، وما أنكرت أن يكون المعروف معه أن يكون بولي، ومتى كان بغير ولي، فليس بمعروف.
قيل له: الذي يقتضيه ظاهر اللفظ، أن يكون المعروف المذكور فيه شرطًا في البدل؛ لأن الباء تصحب الأبدال، كقولك: تزوجها بألف درهم وبثوب، ونحو ذلك، فإذا كان هذا مقتضى اللفظ، فمتى تزوج بمال معلوم، فقد قضينا عهدة الآية، وصح لنا الاحتجاج بظاهر اللفظ في جواز عقدها.
стр. 1823
وعلى أنه مهما كان المعروف من شيء، فلا جائز أن يكون شرط الولي، وذلك لأن تزويج الولي إياها، لا يكون فعلاً منها في نفسها، والله تعالى إنما أجاز فعلها في نفسها، فغير جائز أن يكون المعروف المذكور في الآية رافعًا لحكم اللفظ، ومانعًا من إجازة ما اقتضى اللفظ جوازه من فعلها في نفسها.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فيما فعلن في أنفسهن﴾: اختيار الأزواج.
قيل له: عمومه يقتضي جواز الكل، ومن قصره على اختيار الزوج دون العقد، فهو تارك لحكم الآية بغير دلالة.
وأيضًا: فاختيارها الزوج لا يحصل به فعل في نفسها، فلا يجوز أن تتأول الآية على معنى لا يقتضيه اللفظ، ولا يحصل به حكم.
ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾.
وفيه الدلالة من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: إضافته فعل العقد إليها بقوله: ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾، لأنه سواء قلت: نكحت أو عقدت، فاقتضى اللفظ جواز عقدها على نفسها.
والوجه الثاني: نهيه الولي في عضلها إذا تراضوا بينهم بالمعروف،
стр. 1824
فإذا عضلها، ومنعها العقد، وهي قد وضعت نفسها في كفؤ، لم يكن له ولاية فيما عضلها فيه؛ لأن أحدًا لا يستحق الولاية على غيره فيما عليه فيه ضرر.
ألا ترى أن الأب لا ولاية له على الصغير في هبة المال وإتلافه، لما عليه فيه من الضرر.
وإذا زالت ولايته في حال العضل، صار كالأجنبي، ولا يجوز للقاضي المنع من مثل هذا العقد، الذي صار الولي بعضله إياها عاصيًا، فجعل العقد جائزًا، لا حق لأحد في فسخه، فجاز.
فإن قيل: إنما نهاه عن العضل إذا كان بالمعروف، فدل على أن عقدها بغير ولي، ليس من المعروف.
قيل له: قد أجبت عن ذلك في صدر المسألة، مما فيه كفاية، فتأمله.
وفساد هذا السؤال في هذا الدليل أوكد منه في الأول؛ لأنه قال: ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾، واختيار الزوج لا يسمى نكاحًا بحال، ولا يجوز أن يقال لمن اختارت أن تزوج من هذا، أنها قد نكحته.
وأيضًا: قد ذكر في الآية الاختيار مع النكاح؛ لأنه قال: ﴿أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا﴾، فانتظمت الآية ذكر العقد، والاختيار جميعًا، وكل ذلك مضاف إلى الزوجين، دون الأولياء.
فإن قيل: لو جاز عقدها، لم يكن لنهي الولي عن العضل معنى، وكان ذلك بمنزلة الأجنبي، فدل على نهيه عن العضل، على أنه يملكه، وأن عقدها غير جائز مع عضله.
قيل له: هذا كلام ساقط؛ لأنه لا يجوز أن يستدل بالنفي على إثبات
стр. 1825
الحق له في العضل، وإنما يدل النهي على سقوط حقه في منعها عن العقد.
وإنما خص الأولياء بالنهي، لجريان العادة بكونها في بيت الولي، أو تحت يده، فقد يمكنه أن يحبسها، ويمنعها الخروج للعقد، أو المراسلة فيه، فهذا وجه نهيه عن العضل إن كان الخطاب متوجهًا إلى الأولياء.
وأيضًا: فلا دلالة في لفظ الآية على أن ذلك خطاب للأولياء، لأنه قال تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾، فظاهر اللفظ، يدل على أنه خطاب للأزواج في النهي عن تطويل العدة عليها، بأن يراجعها في آخر عدتها، ثم يطلقها، ثم يراجعها في آخر عدتها، وهو كقوله: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾.
ومعنى قوله: ﴿فبلغن أجلهن﴾: أي قاربن البلوغ، كما قال: ﴿فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾، ومعناه مقاربة البلوغ.
فإن قيل: روي أن الآية نزلت في شأن معقل بن يسار حين عضل أخته أن يزوجها من زوج لها قد كان طلقها، فدعاه النبي ﷺ ، وأمره بتزويجها.
следующие страницы →