Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
وقال أبو يوسف: ينظر القاضي في ذلك، فإن كان غير كفؤ لها: فسخ نكاحها عليها، وأصله غير جائز عليها، وإن كان كفؤًا لها: أمر وليها بإجازة نكاحها، فإن أجازه: جاز، وإن أبى أن يجيزه: أجازه القاضي.
وقال محمد مثل ذلك، إلا في إباء وليها إجازة نكاحها، فإنه قال: يخرجه القاضي بذلك من ولايتها، ويبطل العقد المتقدم، ويستأنف عقد النكاح عليها).
قال أبو بكر: وما ذكره أبو جعفر من قول محمد، أنه إذا لم يجزه الولي، أخرجه من الولاية، ويبطل العقد المتقدم، ويستأنف عقدًا ثانيًا: لا نعرفه من قول محمد، بل المشهور عنه أن الولي إذا لم يجزه: أجازه القاضي.
والحجة لأبي حنيفة في جواز عقدها بغير إذن الولي، من وجوه ثلاثة: الكتاب، والسنة، والنظر.
فأما الكتاب فقوله: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾.
وهذه الآية تدل من وجهين على صحة ما قلنا:
стр. 1822
أحدهما: قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾، فأجاز عقد النكاح بفعلها، وصححه، حتى أجاز طلاق الزوج لها بعده.
والآخر: قوله: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾، فأضاف التراجع – وهو عقد مستأنف – إليها أيضًا.
ومن أبى جواز ذلك، فقد خالف الآية من هذين الوجهين.
ويدل عليه أيضًا: قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾، فأجاز فعلها في نفسها بالمعروف، من غير شرط الولي.
فإن قيل: فينبغي أن يدل أن هذا فعل بالمعروف، حتى يصح لك الاحتجاج باللفظ، وما أنكرت أن يكون المعروف معه أن يكون بولي، ومتى كان بغير ولي، فليس بمعروف.
قيل له: الذي يقتضيه ظاهر اللفظ، أن يكون المعروف المذكور فيه شرطًا في البدل؛ لأن الباء تصحب الأبدال، كقولك: تزوجها بألف درهم وبثوب، ونحو ذلك، فإذا كان هذا مقتضى اللفظ، فمتى تزوج بمال معلوم، فقد قضينا عهدة الآية، وصح لنا الاحتجاج بظاهر اللفظ في جواز عقدها.
стр. 1823
وعلى أنه مهما كان المعروف من شيء، فلا جائز أن يكون شرط الولي، وذلك لأن تزويج الولي إياها، لا يكون فعلاً منها في نفسها، والله تعالى إنما أجاز فعلها في نفسها، فغير جائز أن يكون المعروف المذكور في الآية رافعًا لحكم اللفظ، ومانعًا من إجازة ما اقتضى اللفظ جوازه من فعلها في نفسها.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فيما فعلن في أنفسهن﴾: اختيار الأزواج.
قيل له: عمومه يقتضي جواز الكل، ومن قصره على اختيار الزوج دون العقد، فهو تارك لحكم الآية بغير دلالة.
وأيضًا: فاختيارها الزوج لا يحصل به فعل في نفسها، فلا يجوز أن تتأول الآية على معنى لا يقتضيه اللفظ، ولا يحصل به حكم.
ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾.
وفيه الدلالة من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: إضافته فعل العقد إليها بقوله: ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾، لأنه سواء قلت: نكحت أو عقدت، فاقتضى اللفظ جواز عقدها على نفسها.
والوجه الثاني: نهيه الولي في عضلها إذا تراضوا بينهم بالمعروف،
стр. 1824
فإذا عضلها، ومنعها العقد، وهي قد وضعت نفسها في كفؤ، لم يكن له ولاية فيما عضلها فيه؛ لأن أحدًا لا يستحق الولاية على غيره فيما عليه فيه ضرر.
ألا ترى أن الأب لا ولاية له على الصغير في هبة المال وإتلافه، لما عليه فيه من الضرر.
وإذا زالت ولايته في حال العضل، صار كالأجنبي، ولا يجوز للقاضي المنع من مثل هذا العقد، الذي صار الولي بعضله إياها عاصيًا، فجعل العقد جائزًا، لا حق لأحد في فسخه، فجاز.
فإن قيل: إنما نهاه عن العضل إذا كان بالمعروف، فدل على أن عقدها بغير ولي، ليس من المعروف.
قيل له: قد أجبت عن ذلك في صدر المسألة، مما فيه كفاية، فتأمله.
وفساد هذا السؤال في هذا الدليل أوكد منه في الأول؛ لأنه قال: ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾، واختيار الزوج لا يسمى نكاحًا بحال، ولا يجوز أن يقال لمن اختارت أن تزوج من هذا، أنها قد نكحته.
وأيضًا: قد ذكر في الآية الاختيار مع النكاح؛ لأنه قال: ﴿أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا﴾، فانتظمت الآية ذكر العقد، والاختيار جميعًا، وكل ذلك مضاف إلى الزوجين، دون الأولياء.
فإن قيل: لو جاز عقدها، لم يكن لنهي الولي عن العضل معنى، وكان ذلك بمنزلة الأجنبي، فدل على نهيه عن العضل، على أنه يملكه، وأن عقدها غير جائز مع عضله.
قيل له: هذا كلام ساقط؛ لأنه لا يجوز أن يستدل بالنفي على إثبات
стр. 1825
الحق له في العضل، وإنما يدل النهي على سقوط حقه في منعها عن العقد.
وإنما خص الأولياء بالنهي، لجريان العادة بكونها في بيت الولي، أو تحت يده، فقد يمكنه أن يحبسها، ويمنعها الخروج للعقد، أو المراسلة فيه، فهذا وجه نهيه عن العضل إن كان الخطاب متوجهًا إلى الأولياء.
وأيضًا: فلا دلالة في لفظ الآية على أن ذلك خطاب للأولياء، لأنه قال تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾، فظاهر اللفظ، يدل على أنه خطاب للأزواج في النهي عن تطويل العدة عليها، بأن يراجعها في آخر عدتها، ثم يطلقها، ثم يراجعها في آخر عدتها، وهو كقوله: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾.
ومعنى قوله: ﴿فبلغن أجلهن﴾: أي قاربن البلوغ، كما قال: ﴿فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾، ومعناه مقاربة البلوغ.
فإن قيل: روي أن الآية نزلت في شأن معقل بن يسار حين عضل أخته أن يزوجها من زوج لها قد كان طلقها، فدعاه النبي ﷺ ، وأمره بتزويجها.
стр. 1826
قيل له: لا يمتنع أن يكون قد كان من معقل بن يسار منع لأخته من التزويج، وأن النبي ﵊ دعاه، وأمره بتزويجها.
ولا دلالة في ذلك أن خطاب الآية متوجه إليه، لأنه ليس يمتنع أن تكون الآية قد نزلت في منع الزوج، وتطويل العدة عليها، ثم لما بانت خطبها، فعضلها أخوها معقل، فأمره النبي ﷺ بأن يزوجها.
وعلى أنه لو صح أن الخطاب توجه إلى الآباء، فدلالتنا قائمة؛ لأن معقلاً عضلها، فنهاه النبي ﵊ عن العضل، وأجاز عقدها.
فإن قيل: فما معنى أمر النبي ﵊ إياه بتزويجها؟
قيل له: لأنه لم يحب أن يبتذلها للحضور عند الرجال، والخطاب بالتزويج.
ومن أولى بالحق من الفريقين، من اعتصم بحكم الآية، وما تضمنته من نهي معقل بن يسار عن العضل، أو من أقام على جواز العضل، ومنع النكاح به على ما كان فعله معقل، فنهي عنه؟
وأيضًا: ليس يمتنع أن يكون قوله: ﴿فلا تعضلوهن﴾: خطابًا للناس كلهم، بأن لا يعتقدوا بطلان عقدها، ولا الحكم بفساد نكاحها؛ لأن العضل هو المنع، فيجوز أن يطلق على من اعتقد من حكمه بطلانه أن يقول: منع فلان الفقيه هذا العقد.
* ودليلنا من جهة السنة: ما حدثنا محمد بن بكر قال: ثنا أبو داود قال: ثنا الحسن بن علي قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنا معمر عن صالح بن كيسان عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله
стр. 1827
عليه وسلم قال: "ليس للولي مع الثيب أمر".
قال أبو داود: وحدثنا القعنبي قال: ثنا مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها".
فمنع أن يكون له حق في منعها العقد على نفسها، كقوله ﵊ "الجار أحق بسقبه"، وقوله لأم الصغير: "أنت أحق به ما لم تزوجي"، فنفى بذلك كله أن يكون له معها حق.
ويدل عليه أيضًا: حديث الزهري عن سهل "في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﵊، فقال النبي ﵊: ما لي في النساء حاجة، فقام رجل فسأله أن يزوجها، فزوجها".
ولم يسألها: هل لها ولي؟ ولم يشترط الولي في جواز عقدها.
وحديث النبي ﷺ حين "خطب أم سلمة، فقالت: ما أحد من أوليائي شاهدًا.
стр. 1828
فقال النبي ﷺ : ما أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكرهني.
فقالت لابنها، وهو غلام صغير: قم فزوج رسول الله ﷺ ، فزوجها".
فقد تزوجها رسول الله ﷺ بغير ولي.
فإن قيل: لأن النبي ﷺ كان وليها، وولي المرأة التي وهبت نفسها، لقول الله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾.
قيل له: هو أولى بهم فيما يلزمهم من اتباعه وطاعته فيما يأمرهم به، فأما أن يتصرف عليهم في أنفسهم وأموالهم، فلا.
ألا ترى أنه لم يقل لها حين قالت: ليس أحد من أوليائي شاهدًا: وما عليك من أوليائك، وأنا أولى بك منهم، بل قال: ما أحد من أوليائك يكرهني.
* قال أبو بكر: واحتج مخالفنا بأخبار ثلاثة رويت عن النبي ﷺ أنه قال:
"أيما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها، فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها، فإن
стр. 1829
اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".
وبحديث يروى عن علي، وعن أبي موسى، وجابر، وعمران بن حصين وأنس بن مالك كلهم عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح إلا بولي".
والحديث الثالث: حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
وهذه الأخبار كلها واهية ضعيفة.
فأما حديث عائشة فأصح ما عندهم فيه حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة.
стр. 1830
وذكر ابن علية عن ابن جريج أنه قال: ثم لقيت الزهري فذكرت له حديث سليمان بن موسى، فلم يعرفه، فالزهري في حفظه وإتقانه لم يعرف هذا الحديث، فكيف تثبت به الرواية عن النبي ﷺ ؟
أرأيت رجلين لو شهدا عند حاكم على شهادة شاهدين، فلم يحكم الحاكم بشهادتهما حتى حضر الأولان، فقالا: ما أشهدناهما على شهادتنا، وما نعرف هذه الشهادة، هل كان يجوز للحاكم الحكم بشهادة من شهد على شهادتهما، وهما حاضران لها؟
فإذا كان هذا غير جائز قبوله، فكذلك ما وصفنا.
فإن قيل: يجوز أن يكون الزهري رواه ثم نسيه.
قيل له: ويجوز أن يكون سليمان بن موسى نسي، فروى عن الزهري ما لم يسمعه، وسليمان أولى بذلك؛ لأنه شيخ غير موصوف بفقه ولا إتقان، والزهري أعلم أهل الحجاز في وقته، فالنسيان على سليمان أجوز منه على الزهري.
стр. 1831
* ويدل على فساد هذا الحديث: أن عائشة قد كانت ترى النكاح جائزًا بغير ولي، ولذلك "زوجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب.
فلما قدمت عبد الرحمن غضب، وقال: أمثلي يفتات عليه في بناته!
فقالت عائشة للمنذر: اجعل أمرها في يده، ففعل، فقال: قد أجزت ما صنعتيه".
فلو كان عندها عن النبي ﵊ في ذلك شيء، لما خالفته إلى غيره.
ومن مذهب الزهري أيضًا جواز النكاح بغير ولي.
وذكر محمد بن شجاع قال: حدثنا معلى عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري قال: "سألته عن المرأة تزوج بغير إذن وليها؟ قال: إن كان كفؤًا جاز".
стр. 1832
وأيضًا: فلو صح هذا الحديث، كان معناه في الأمة تزوج نفسها بغير إذن المولى.
كما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :
"أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل. ثلاث مرات، فإن دخل بها، فلها المهر بما أصاب منها، وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".
وذكره: الموالي: يدل على أن المراد: الأمة تزوج بغير إذن مولاها؛ لأن المولى على الحقيقة هو مالك الرقبة، حتى يقوم الدليل على غيره.
وقوله في الأخبار الأخر: بغير إذن وليها: لا يمنع ذلك؛ لأن المولى ولي إذا كان هو الذي يلي التصرف عليها، في عقد نكاح أو غيره.
فإن قال قائل: وروى هذا الحديث مع سليمان بن موسى عن الزهري، جماعة منهم: جعفر بن ربيعة، وقرة بن عبد الرحمن،
стр. 1833
والحجاج بن أرطأة، وعثمان بن عبد الرحمن.
قيل له: كل هؤلاء دون سليمان بن موسى، فإذا لم تصح رواية سليمان، للعلة التي ذكرناها، فهؤلاء أولى بذلك.
* وأما ما روي من قوله ﵊: "لا نكاح إلا بولي": فأصح ما فيه عندهم حديث أبي موسى وهو عندهم مرسل، وإنما الصحيح منه عن أبي بردة عن النبي ﵊.
وقد حدثنا أبو الحسن الكرخي قال: حدثنا أبو عون الفرائضي قال: ثنا العباس الدوري عن "يحيى بن معين قال: ثلاث لا يصح فيها حديث: أحدها: لا نكاح إلا بولي".
стр. 1834
* وأما حديث علي، فرواه الشعبي عن الحارث عنه، وقد كان من مذهب علي جواز النكاح بغير ولي.
وروى الشيباني عن عبد الرحمن بن مروان "أن امرأة زوجت ابنتها رجلاً بغير ولي، فارتفعوا إلى علي، فأجاز النكاح".
وقد كان من مذهب الشعبي وهو راوي الحديث أيضًا جواز النكاح بغير ولي.
على أنه لو صح الخبر عن النبي ﵊ بذلك، لما دل على موضع الخلاف بيننا؛ لأن تزوج المرأة البالغة نفسها: نكاح بولي؛ لأن الولي هو الذي يملك الولاية في العقد، فإذا قامت الدلالة على أن للمرأة ولاية في العقد، فنكاحها نكاح بولي.
وإنما النكاح بغير ولي، نكاح الصغير، والأمة، والعبد، والمجنون، ونحوهم ممن لا ولاية لهم في أنفسهم.
стр. 1835
ألا ترى أن قوله: "لا نكاح إلا بولي": لم يخص به المرأة دون الرجل، والرجل إذا عقد لنفسه عقد نكاح، كان نكاحه نكاحًا بولي؛ لأنه يلي على نفسه، ويتصرف عليها، وكذلك المرأة.
ألا ترى أن ما احتيج فيه إلى الولي، لا يختلف فيه حكم الرجل والمرأة؛ لأن العبد، والمجنون، والصبي، لا يصح عقدهم إذا لم يكن عقدهم بولي.
وقد يصح أن يجعل هذا الخبر أصلاً لصحة قولنا، وذلك لأنه قد أجاز النكاح بولي، والمرأة ولي؛ لأنها تلي أمر نفسها، فظاهر الخبر يقتضي جواز عقدها على نفسها.
* وأما حديث أبي هريرة عن النبي ﵊: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها": فليس ذلك على وجه التحريم، وإفساد العقد، وإنما وجهه: أن عقد النكاح لما كان شرطه الشهود، وحضور الرجال، كره ﵊ للمرأة أن تحضر ذلك، ولاسيما وقد كان النبي ﵊ يأمر بإعلان النكاح، وجرت العادة بعقده في المحافل العظام، بمشهد من الجماعات، وحكم النساء أن يكن مصونات عن حضورها، فلذلك استحب ﵊ للمرأة أن لا تحضر عقد النكاح.
وأيضًا: قد روى الفضل بن موسى هذا الحديث عن هشام بن حسان بإسناده، وقال فيه: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا
стр. 1836
بولي، أو سلطان".
حدثنا به عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا هدية ابن عبد الوهاب قال: حدثنا الفضل بن موسى.
فيجوز أن يكون هذا أصل الحديث، وأن من قال: "لا تزوج المرأة المرأة": إنما نقل المعنى من عنده.
* وأما قوله: "فإن الزانية هي التي تزوج نفسها": فليس من قول النبي ﵊، وإنما هو من قول أبي هريرة، أدرجه في الحديث.
ويدل على ذلك: ما حدثنا دعلج بن أحمد قال: ثنا موسى بن هارون قال: ثنا أبي قال: ثنا محمد بن سعيد الأصفهاني قال: ثنا عبد السلام بن حرب عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رفعه إلى النبي ﷺ قال: "لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح نفسها".
قال أبو هريرة: كان يقال: الزانية تنكح نفسها.
وأبين من ذلك: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا عبيد بن يعيش قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد البخاري قال: ثنا عبد السلام بن حرب عن هشام بن حسان بإسناده مثله، قال أبو هريرة: وكنا نقول: التي تزوج نفسها هي الزانية.
فأخبر أن ذلك من قوله، لا من لفظ النبي ﷺ ،
стр. 1837
فأخبر في هذا الحديث أنه ليس من قول النبي ﷺ ؛ لأنه يمتنع أن يقول فيما قد حفظه عن النبي ﷺ : كان يقال.
وعلى أنه لا خلاف بين المسلمين أن نفس النكاح ليس بزنى، محال لأسمائه مجازًا ولا حقيقة، وإنما يقع الوطء حينئذ محرمًا على قول من لا يجيزه.
والنبي ﷺ لم يذكر الوطء، وإنما ذكر العقد، والعقد لا يكون زنى بوجه.
وعلى أن الواجب حمل اللفظ لو ثبت على حقيقته، وحقيقة النكاح هي الوطء، فيكون حينئذ معنى اللفظ: الزانية هي التي تمكن من الوطء من غير عقد، وكذلك نقول، إذ ليس في اللفظ ذكر العقد.
* وعلى أنه لو ثبت أن المراد العقد، كان معناه: أن تزوج نفسها بغير شهود، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الزانية التي تنكح نفسها بغير بينة.
* وهذه المعاني كلها إنما نعتبرها، ونتكلم عليها، على تسليم الخبر،
стр. 1838
فأما إذا اعتبرنا أصل الخبر ومخرجه، فإنا نجده ضعيفًا واهنًا، لو احتج على مخالف بمثله، لما قبله؛ لأن الذين يروونه عن هشام بن حسان قوم لا تثبت بهم حجة، وذكره يطول.
ومثل هذا الخبر لا يجوز الاعتراض به على ظاهر الآي التي تلونا، ولا على السنن الثابتة التي قدمنا.
فإن قيل: لو لم يكن للولي ولاية في العقد، لما كان له الاعتراض إذا زوجت نفسها من غير كفؤ.
قيل له: لم يتعلق حقه بنفس العقد، وإنما تعلق حقه بما يدخل عليه من العضاضة في وضعها نفسها في غير كفؤ.
وثبوت حقه بعد وقوع العقد على هذا الوجه، لا يدل على بطلان العقد في الأصل، ألا ترى أن الشفيع ثبت له الحق في العقد بعد وقوعه، ولا يوجب ذلك بطلان العقد بدءًا، وكذلك وجود العيب بالعبد يوجب للمشترى الخيار في الرد، ولا يدل ثبوت خياره في الفسخ بعد وقوعه على بطلان العقد.
* والذي يدل من جهة النظر على صحة قولنا، اتفاق الجميع على جواز نكاح الرجل إذا كان جائز التصرف في ماله، كذلك المرأة، لما كانت جائزة التصرف في مالها، وجب أن يجوز عقد نكاحها.
والدليل على أن العلة في جواز نكاح الرجل ما وصفنا: أن الرجل إذا كان مجنونًا، غير جائز التصرف في ماله، لم يجز نكاحه، فدل على صحة ما وصفنا.
فإن قيل: الفرق بينهما أن الرجل وإن تزوج غير كفء، لم يكن للأولياء فسخ نكاحه.
стр. 1839
قيل له: اختلافهما من هذا الوجه، لا يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرنا، وإنما اختلفنا من قبل أن تزويج الرجل غير كفء، لا يدخل غضاضة على أوليائه، وتزويج المرأة غير كفء، تدخل الغضاضة على أوليائها.
مسألة: [عدم انعقاد النكاح بشهادة عبدين]
قال: (ومن تزوج بشهادة عبدين: لم ينعقد نكاحه).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أن كل من جاز أن يكون وليًا في عقد النكاح، جاز وقوع العقد بشهادته، وذلك لأن وجود الولي فيه بعض العقد، كالشهادة، فلما لم يجز أن يكون العبد وليًا في العقد، لم يجز أن يكون شاهدًا فيه.
ولهذه العلة لم ينعقد بشهادة الصغيرين، والكافرين.
وأما المحدود في القذف، والأعمى، والفاسق، فكل هؤلاء يصح أن يكون وليًا في العقد، فجاز أن يكون شاهدًا.
وإن شئت قلت: إن كل من صح العقد بقبوله، جاز مثله أن يكون شاهدًا فيه، والعبد ممن لا يصح العقد بقبوله، وإنما يصح بالمولى.
وكذلك الصبي والكافر في عقد المسلم، وإنما وجب أن تكون الشهادة معتبرة بالقبول، لأن العقد مفتقر في صحته إلى الشهادة والقبول.
وأما المحدود في القذف والفاسق ونحوهم، فكل هؤلاء يصح العقد بقبولهم، فجاز أن يكونوا شهودًا فيه.
فإن قيل: لما لم يصح إثبات العقد عن الحاكم بشهادة هؤلاء، وجب أن لا ينعقد بحضورهم.
стр. 1840
قيل له: ليس حال تحمل الشهادة معتبرة بالأداء، والدليل على صحة ذلك: أنه قد يصح أن يتحمل الرجل شهادة في حال الكفر والرق، فيؤديها في حال الإسلام، والبلوغ، والحرية، وتكون شهادته مقبولة، فدل على أن التحمل غير معتبر بالأداء.
ويدل على ذلك أيضًا: أنه لو تزوج امرأة بشهادة ابنيه منها: جاز العقد، ولم يقدح فيه امتناع إثبات هذا الحق بشهادتهما.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل".
يروى ذلك في حديث عائشة، وعن عمران بن حصين، وجابر، وأنس كلهم عن النبي ﷺ .
قيل له: طريق هذه الأحاديث ضعيفة واهية جدًا، ولولا كراهة التطويل لبيناها.
وعلى أنها لو ثبتت، لما جاز الاعتراض بها على ما قدمنا، ولا أوجب منع النكاح وفساده إذا لم يكن الشهود عدولاً، وذلك لأن سائر الأخبار الواردة عن النبي ﷺ في ذلك، توجب جواز النكاح بحضور الفاسقين؛ لأن قوله: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين"، وقوله: "لا نكاح إلا بولي وشهود"، يقتضي جواز النكاح بحضور الفاسقين.
стр. 1841
واللفظ الذي فيه ذكر العدالة، لو حملناه على نفي الأصل، كان فيه تخصيص اللفظ المطلق الذي ليس فيه شرط العدالة، فقد يمكننا استعمال اللفظ من غير تخصيص، بأن يجعل الخبر الذي فيه شرط العدالة، محمولاً على نفي الكمال، لا نفي الأصل، ويكون معناه: لا نكاح تام، إلا بشهادة عدلين، إذ لا يمكن أحدًا إثباته مع التجاحد عند الحاكم إلا بالشهود.
وأيضًا: لا يجوز لنا تخصيص اللفظ بلفظ يحتمل التخصيص، ويحتمل غيره، ولأنا متى أمكننا استعمال اللفظين على فائدتين، لم يقتصر بهما على فائدة واحدة.
مسألة: [صحة عقد الكافرين بشهادة كافرين]
قال أبو جعفر: (فإن كان الزوجان كافرين، انعقد النكاح بحضور شاهدين كافرين).
قال أحمد: وذلك لما بينا، أن كل من جاز أن يكون وليًا في العقد، جاز أن يكون شاهدًا فيه، والكافر يكون وليًا للكافر في عقد النكاح.
وعلى العلة الأخرى، أن النكاح قد يصح بقبول الكافر، فجاز أن يكون مثله شاهدًا فيه.
وأيضًا: فإن نكاح أهل الذمة يجوز عندنا بغير شهود، ولو أسلموا: لم يفرق بينهم.
مسألة: [زواج المسلم من نصرانية بشهادة كافرين]
قال: (وإذا تزوج المسلم نصرانية بشهادة كافرين: جاز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف).
قال أحمد: وهذا صحيح لما قدمنا من الأصل، من أن كل من جاز
стр. 1842
أن يكون وليًا في عقد، جاز أن يكون مثله شاهدًا فيه، والكافر يصح أن يكون وليًا في هذا العقد.
وأيضًا: فإن هذا العقد قد صح بقبول الكافر، وهي المرأة، فجاز أن يكون الكافر شاهدًا فيه على النحو الذي بينا.
وأيضًا: فقد أتى الرجل من الشهود بما يثبت به العقد على المرأة لو أراد إثباته عند الحاكم لو جحدته، فإذا جاء من الشهود من عليه إثبات العقد به عند الحاكم، صح العقد؛ لأن جحد المرأة لا تحتاج فيها إلى الشهود؛ لأن نكاح أهل الذمة جائز بغير شهود.
* وقال محمد: لا يصح؛ لأن الشهود في هذه الحال، بمنزلة من [لم] يسمع لفظ الزوج بالعقد؛ لأن حضورهم في عقد المسلم، كلا حضور.
قال أحمد: ليس حضورهم عقد المسلم، بمنزلة من لم يسمع قوله، والدليل على ذلك: أنه لو كان معها رجلان كافران، وحضرا العقد، ثم أسلما، فشهدا بالعقد، وقالا: كان معنا مسلمان، حكم بالعقد، ولم يكونا بمنزلة من لم يسمع لفظ المسلم بالعقد.
مسألة: [استئذان البكر في زواجها]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للرجل أن يزوج ابنته البكر البالغ
стр. 1843
الصحيحة للعقل حتى يستأذنها، فإن سكتت: كان ذلك كإذنها بالقول، وإن أبت: لم يجز تزويجه إياها).
قال أحمد: يحتج فيه من جهة الظاهر بقوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾، وبقوله: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾.
وجميع ما قدمنا في جواز النكاح بغير ولي، يدل على ذلك أيضًا؛ لأنها إذا جاز لها تزويج نفسها، لم يجز عقد الأب عليها بالاتفاق.
ومن جهة السنة: ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثني محمد بن عمرو قال: أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت، فهو إذنها، وإن أبت، فلا جواز عليها".
ومعلوم أن المراد باليتيمة في هذا الموضع البكر، لاتفاق الجميع على أن السكوت لا يكون إذنًا إلا في البكر خاصة.
стр. 1844
ويدل لفظ الخبر على أنها بالغ؛ لأن الصغيرة لا اعتبار بإذنها.
فإن قيل: معناه: اليتيمة التي لا أب لها، فيزوجها ولي غير الأب.
قيل له: الكبيرة لا تسمى يتيمة من جهة فقد الأب، وإنما تسمى من جهة أنها مفردة عن زوج، كما أنشد أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي:
إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى
فسماهن يتامى وهن بالغات، إذ كن مفردات عن الأزواج.
ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبان قال: حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح الثيب حتى
стр. 1845
تستأمر، ولا البكر إلا بإذنها، قالوا: يا رسول الله! ما إذنها؟ قال: أن تسكت".
ويدل عليه حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها".
وفي بعض الألفاظ: "وصمتها إقرارها".
وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: استأمروا النساء في أبضاعهن قال: قلت: فإن البكر تستحيى فتسكت، قال: فهو إذنها".
فهذه الأخبار كلها تدل على أن تزويج البكر لا يجوز بغير إذنها.
وروى أبو إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ : "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أنكرت، لم تزوج".
وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي
стр. 1846
شيبة قال: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية بكرًا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها، وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ ".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو العباس علي بن محمد المروزي الطهماني قال: حدثنا عمر بن محمد البخاري قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبدان بن عثمان عن أبي حمزة عن سوار بن داود البصري عن ثابت عن أنس بن مالك قال:
"جاءت جارية إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول اللهّ! إن أبواي زوجاني ولم يستأمراني، فهل لي من شيء؟ فقال لها رسول الله ﷺ : اتق الله في أبويك، مرتين يرددها، قالت: قد خرجت من عنده، ففرق بينهما النبي ﷺ ".
стр. 1847
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن علي العمري قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم – دحيم – قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً زوج ابنته بكرًا، فكرهت، وأتت النبي ﷺ ، فرد نكاحها.
وروى محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ ينزع النساء من أزواجهن ثيبات وأبكارًا إذا كرهن ذلك بعد ما يزوجهن آباؤهن وإخوتهن.
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عمر الزئبقي قال: حدثنا عبدة بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن الحارث الحارثي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن البيلماني بذلك.
قال أحمد: وقد اختلف في قصة خنساء بنت خدام فقال بعضهم: زوجها أبوها وهي ثيب بغير أمرها، فرد النبي ﷺ نكاحها حين كرهته.
وقال بعضهم: زوجها وهي بكر.
стр. 1848
وهو ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن عنبسة بن لقيط بن أوفى الضبي قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن وديعة عن خنساء بنت خدام قالت: أنكحني أبي، وأنا بكر، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: "لا تنكحها وهي كارهة".
وقد يجوز أن يصح الخبران جميعًا، بأن يكون زوجها وهي بكر، فرد نكاحها، ثم تزوجت برضاها، وطلقها زوجها بعد الدخول، فزوجها وهي ثيب، فرد نكاحها.
فقضت هذه الأخبار على صحة قولنا، وبطلان قول مخالفنا.
فإن قيل: إنما أمر باستئمار البكر، تطييبًا لنفسها، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "استأمروا النساء في بناتهن".
ولو زوجها الأب بغير إذن الأم: جاز، وكان أمره باستئمارهن على جهة تطييب أنفسهن.
стр. 1849
قيل له: هذا خلف من القول، لا تحتمله الأخبار التي روينا؛ لأن النبي ﷺ في حديث ابن عباس، وأنس، وابن عمر، فرق بينهما، ولم يجز العقد عليها، فهذا تأويل ساقط في هذه الأخبار.
وقال في حديث أبي هريرة، وأبي موسى: "وإن أبت، فلا جواز عليها".
وأما لفظ حديث ابن عباس: "والبكر تستأمر في نفسها".
وحديث عائشة: "استأمروا النساء في أبضاعهن".
فإن ظاهرة يقتضي الوجوب، ولا يجوز حمله على الندب، وتطييب النفوس، إلا بدلالة.
ولو ساغ هذا التأويل في البكر، ساغ في قوله: "والثيب تشاور" مثله.
وعلى أن قوله ﵊ في حديث ابن عباس: "الأيم أحق
стр. 1850
بنفسها من وليها"، قد انتظم البكر والثيب؛ لأن الاسم يتناولهما، واستئنافه لذكر البكر، لا يمنع دخولهما في اللفظ الأول، لأنه استأنف ذكرها، لأجل الحكم الذي اختصت به، من كون سكوتها رضًا.
وإذا كان كذلك امتنع احتمال التأويل في قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها": أن يكون المراد فيه استطابة نفسها.
فإن قيل: لو كانت البكر ممن يعتبر إذنها، لما كان إذنها إلا بالقول، كالثيب.
قيل له: الذي أوجب علينا اعتبار إذنها، والرجوع إلى قولها، هو الذي قال لنا: سكوتها رضاها، ولا يجوز لأحد الاعتراض على السنة بالنظر.
وعلى أن ذلك إخلاف في كيفية الإذن، وذلك لا يقدح في وجوب اعتبار الإذن في الأصل.
وقد يكون السكوت بمنزلة القول في كثير من الأصول.
ألا ترى أن سكوت الشفيع بعد العلم بالبيع، بمنزلة قوله: قد سلمت الشفعة.
وقال النبي ﷺ لبريرة حين أعتقت وخيرها: "إن قربك زوجك، فلا خيار لك"، فجعل سكوتها عن الاختيار حتى يقربها، بمنزلة قولها: قد رضيتك.
стр. 1851
وليس إذًا اختلاف البكر والثيب في كيفية الإذن من مسألتنا في شيء.
ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على امتناع جواز عقد نكاح الثيب البالغ عليها إلا بإذنها، والمعنى فيه: أنها تلي على نفسها التصرف في الشراء والبيع، وهذا المعنى موجود في البكر، فوجب أن يكون مثلها.
ويدل عليه اتفاق الجميع على أن الأخ ونحوه لا يزوج البكر بغير إذنها؛ لأنها تلي أمر نفسها، فلا يستحق غيرها الولاية عليها.
مسألة: [نكاح البكر بغير إذنها موقوف على إذنها]
قال أبو جعفر: (فإن زوجها، ولم يستأذنها، فإن بلغها وسكتت: جاز عليها، وإن ردت: بطل).
قال أحمد: يحتج في جواز النكاح الموقوف من جهة الظاهر بقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾، واقتضى ذلك جواز إيقاع العقد لكل أحد؛ لأن النكاح هو الإيجاب والقبول، فقد أباحت الآية ذلك، وتضمنت معنيين: وقوع العقد ونفاذه، فلما اتفق الجميع على أن من لا ولاية له في العقد لا ينفذ عقده على المعقود عليه، خصصنا ذلك من الآية، وبقي حكمها في وقوعه حتى تلحقه الإجازة من جهة المعقود عليه.
ويدل عليه من جهة السنة: ما قدمنا من حديث جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس في البكر التي زوجها أبوها بغير أمرها،
стр. 1852
فخيرها النبي ﷺ .
وكذلك حديث أنس بن مالك، وقد تقدم ذكره.
ويدل عليه حديث كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة - وذكر بعضهم عن ابن بريدة عن يحيى بن معمر عن عائشة – قالت: جاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أبي – ونعم الأب – زوجنى ابن أخيه، يرفع من خسيسته بي.
قال: فجعل الأمر إليها، قالت: فإني قد اخترت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء".
فهذا كان عقدًا موقوفًا، جعل النبي ﷺ الأمر فيه إليها، في الإجازة أو الفسخ، فأجازته.
ويدل عليه: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله ﷺ على صداق أربعة آلاف درهم، فكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقبل".
стр. 1853
هذا عقد عقده النجاشي على النبي ﷺ بغير أمره، ثم أجازه النبي ﷺ ، ولو كان قد تقدم من النبي ﷺ به أمر قبل ذلك، لما احتاج إلى القبول.
وهذا الحديث يدل أيضًا على جواز النكاح بغير ولي، لأن أم حبيبة لم يكن لها ولي بأرض الحبشة فيما نعلم، إذ لا نعلم أحدًا من أهلها هاجر إلى أرض الحبشة.
وفي بعض الأخبار: أن النجاشي أصدقها ذلك عن النبي ﷺ ، وأعطاها إياه.
وهذا يدل على جواز تبرع الرجل بقضاء دين غيره بغير أمره.
وأيضًا: قد ثبت عندنا جواز البيع الموقوف، وقد بيناه في غير هذا الموضع.
وهذا يدل أيضًا على جواز النكاح الموقوف، والمعنى الجامع بينهما: أن ذلك عقد له مجيز، فيقف على إجازة مجيزه.
مسألة: [القول قول البكر عند الاختلاف في إجازتها النكاح]
قال أبو جعفر: (في البكر إذا بلغها النكاح، ثم اختلفا، فقالت: رددته
стр. 1854
حين بلغني، وقال الزوج: سكت: فالقول في ذلك قولها).
قال أحمد: وقال زفر: القول قول الزوج؛ لأن النكاح يجوز عليها بالسكوت، والأصل أنها كانت سكتت، لأن الرد لا يكون إلا بالقول، وهو معنى حادث لا يعلم وجوده، فلذلك كان قول الزوج عنده.
قال أحمد: ووجه القول الأول: أنها وإن كانت يجوز عليها النكاح بسكوتها عند البلاغ، وأن الأصل السكوت حتى يعلم حدوث الرد من جهتها، فإن الأصل أن البضع لم يملك عليها، ولا يصدق الزوج على أنه قد ملكه عليها، إلا أن تعلم بذلك.
* واختلفوا أيضًا على هذا الوجه: في الرجل يقول: عبدي حر إن لم أدخل الدار اليوم، ثم مضى اليوم، فادعى العبد الدخول، وجحد المولى: أن القول قول المولى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ لأن الأصل بقاء الرق حتى يعلم زواله بالحنث، والحنث غير معلوم، فلا يزول رقه إلا بيقين.
وقال زفر: القول قول العبد؛ لأنا لا نعلم الدخول، فلا يحكم به، وإذا لم يقع الحكم بالدخول، حصل العتق.
مسألة: [استحلاف المرأة على ما ادعي على صمتها]
قال أبو جعفر: (فإن طلب يمينها على ما ادعى من صمتها: لم تستخلف عند أبي حنيفة، وتستخلف في قول أبي يوسف ومحمد).
قال أحمد: قد بينا هذه المسألة، ونظائرها في كتاب الدعوى.
وكذلك مسألة النكول، والله أعلم.
стр. 1855
مسألة: [استئذان الثيب في النكاح]
قال أبو جعفر: (والثيب لا يجوز النكاح عليها إلا برضاها، ولا يكون ذلك إلا بالقول).
لقول النبي ﷺ : "والثيب تشاور"، والمشاورة لا تكون إلا بالكلام.
ولأن النبي ﷺ إنما جعل سكوت البنت رضًا؛ لأنها تستحيى، على ما روي في خبر عائشة ﵂، وهذه العلة منتفية من الثيب، فهي مقيسة على سائر من تعقد عليه سائر العقود بغير أمره، فلا تكون إجازتها إلا بالقول.
مسألة: [تزويج الولي الصغيرة من كفؤ بدون صداق مثلها]
قال أبو جعفر: (ومن زوج ابنته وهي صغيرة من كفؤ بدون صداق مثلها، أو زوج ابنه بأكثر من مهر مثلها: جاز في قول أبي حنيفة، ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد).
وجه قول أبي حنيفة: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا تغالوا بصداقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق أحدًا
стр. 1856
من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش".
قال أحمد: وذلك خمس مائة درهم، وقد كان النبي صلى الله علي وسلم تزوج عائشة وهي صغيرة، ومعلوم أنه لم يكن مهر مثلها خمس مائة درهم، بل أكثر بأضعاف ذلك.
وقد تزوجها النبي ﷺ بهذا المقدار من المهر أو بأقل، وقد كان زوجها إياه أبو بكر ﵁، فدل على جواز تزويج الأب الصغيرة بأقل من مهر مثلها.
وأيضًا: فإن النبي ﷺ زوج فاطمة من علي ﵄ على أربعمائة درهم، ومعلوم أنه لم يكن ذلك مهر مثلها، بل أكثر منه بأضعاف أضعافه، ولا جائز لأحد أن يقول إنها قد بخست حظها حين زوجت بهذا القدر من المهر؛ لأن الذي حصل لها من الحظ بعلي ﵁، كان أكثر من الدنيا وما فيها.
وهذا يدل على أنه ليس القصد من النكاح تحصيل الأعواض، وإنما المقصد منه أن يضعها في منصب حسن، وفيمن يحسن عشرتها ولا يشينها، ونحوها من المعاني المقصودة بعقد النكاح.
وإذا كان كذلك، فجائز أن يستوفي لها من الحظ من جهة الزوج، ما
стр. 1857
هو أجدى عليها، وأنفع لها من كثير من المال.
وليس النكاح في هذا كالبيع، فلو باع أمة لها بأقل من قيمتها بما لا يتغابن فيه: لا يجوز، من قبل أن المقصد في عقود البياعات تحصيل الأعواض.
وكذلك لا يجوز له تزويج أمتها بأقل من مهر مثلها، لهذه العلة، إذ لا نفع لها فيما يحصل للأمة من حظ الزوج، وإنما منفعتها في تحصيل عوض بضعها.
* وأما أبو يوسف ومحمد، فلم يجيزا العقد عليها إلا أن يكون بمهر المثل، أو أقل أو أكثر مما لا يتغابن الناس فيه.
وذكر هشام عنهما: أن النكاح باطل، لا يجوز إذا زوجها بأقل من مهر المثل بمثل ما لا يتغابن فيه.
مسألة: [تزويج الأولياء الصغار]
قال أبو جعفر: (ولسائر الأولياء تزويج الصغار، ويتوارثان بذلك).
قال أحمد: أما الأب والجد، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن لهما أن يزوجا الصغار، إلا شيء يحكى عن عثمان البتي، وابن
стр. 1858
شبرمة، أنهما قالا: لا يزوج الأب الصغيرة، وهو قول شاذ في الأمة قد سبقهما بخلافه الصدر الأول.
ودليل الكتاب يقضي ببطلانه، وهو قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم يحضن﴾.
فقضى بصحة طلاق الصغيرة، وأوجب عليها العدة إذا كانت مدخولاً بها، والطلاق لا يقع إلا في عقد صحيح.
ومن جهة السنة: أن النبي ﷺ تزوج عائشة ﵂، وهي صغيرة، زوجها إياه أبو بكر.
فصل: [تزويج غير الأب والجد الصغار]
قال أحمد: وأما تزويج غير الأب والجد من الأولياء، فهو على قسمين:
فما كان من تزويج العصبات، فلا خلاف بين أصحابنا في جواز الأقرب فالأقرب، وإنما الخلاف في الخيار بعد البلوغ.
(قال أبو حنيفة ومحمد: لهما الخيار إذا بلغا إذا زوجهما غير الأب والجد من الأولياء، نحو الأخ والعم، وقال أبو يوسف: لا خيار لهما).
стр. 1859
وأما تزويج غير العصبات: فإن أبا حنيفة يجيزه إذا لم يكن عصبة، نحو الأم والأخت والخال، والرجل من عرض العشيرة.
فأما الدليل على جواز تزويج العصبات، وإن لم يكن أبًا أو جدًا: ما روي عن ابن عباس وعائشة ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية.
فالآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، ويريد أن يتزوجها، ولا يقسط لها في صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا بالقسط.
قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾.
قالت: هي رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط".
فقد دلت هذه الآية على تزويج العصبات للصغار؛ لأن أقرب الأولياء إليها ممن يجوز له نكاحها ابن العم.
стр. 1860
فإن قيل: يحتمل أن يريد الكبيرة، وهو قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، وقول النبي ﷺ : ﴿اليتيمة تستأمر في نفسها﴾، والمراد: الكبيرة.
قيل له: روى علي بن أبي طالب ﵁ وغيره عن النبي ﷺ قال: "لا يتم بعد الحلم".
فإن سميت الكبيرة يتيمة، فإنما تسمى به مجازًا لا حقيقة؛ لأن الاسم لو كان حقيقة فيها، لما انتفى عنها بحال، إذ من شأن الحقائق أن لا تنتفي عن مسمياتها بحال، وإذا كان كذلك، فحكم اللفظ أن يكون محمولاً على الحقيقة، حتى تقوم الدلالة على المجاز.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾: إنما سماهم يتامى على ما كان عليه حالهم قبل ذلك.
كما "أمر النبي ﷺ بلالاً أن يرجع حين أذن قبل
следующие страницы →