← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مسألة: [وجوب الغسل بالتقاء الختانين] قال أبو جعفر: (ومن غابت حشفته في فرج: فعليه الغسل، أنزل أو لم ينزل، والفاعل المفعول به في سواء). وذلك لما روت عائشة وأبو هريرة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". وفي حديث أبي هريرة عن سهل بن سعد ﵁ قال: "إنما كان قول الأنصار: "الماء من الماء" رخصة في أول الإسلام، ثم أمرنا بالغسل". وقال ابن عباس ﵄: إنما قال: "الماء من الماء": في الاحتلام، فإذا رأى الماء اغتسل. وأجمع السلف عليه بعد اختلاف كان بينهم فيه، فسقط باتفاقهم بعده.

стр. 212

وكانت الأنصار ترى أن لا غسل إلا من الإنزال، ويروى فيه عن النبي ﷺ أنه قال: "الماء من الماء" يعني الاغتسال من الإنزال، فلما صح عندهم الخبر عن النبي ﷺ بوجوب الغسل من الإيلاج: رجعوا إليه. والأصول تشهد له أيضًا؛ لأن سائر الأحكام المتعلقة بالجماع إنما تتعلق بالإيلاج دون الإنزال. منها: وجوب البلد، وثبوت الإحصان، وإباحتها لزوجها الأول، وإيجاب الكفارة في الصوم، فوجب أن يتعلق به وجوب الغسل.

стр. 213

[مسألة: خروج المني من غير شهوة] قال أبو بكر: وأما المني إذا خرج من غير شهوة: فقياس قولهم أنه يوجب الوضوء، ولا يوجب الغسل؛ لأنهم يقولون: من ضرب على إليتيه، فخرج المني من ذكره: أنه يتوضأ، ولا غسل عليه. قال أبو بكر أحمد: الأصل في ذلك أن خروج المذي لا يوجب الغسل، ويوجب الوضوء، والمذي هو من أجزاء المني، إلا أنه لما لم يكن خروجه على وجه الدفق والشهوة: لم يوجب الغسل، فكذلك المني إذا لم يكن خروجه على وجه الدفق والشهوة. مسألة: [وجوب الغسل على الحائض والنفساء عند انقطاع الدم] قال أبو جعفر: (وإذا انقطع دم الحائض عنها فعليها الغسل، وكذلك النفساء). قال: (ولا غسل من جهة الفرض غير ما ذكرنا).

стр. 214

قال أبو يكر أحمد: يعني من الإنزال والإيلاج في الفرج أو الحيض أو النفاس. والأصل في وجوب الغسل من الحيض: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. وقال النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂: "إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي". وأما النفاس فهو مثل الحيض في وجوب الغسل منه، ولا خلاف بين المة فيه. مسألة: [صفة الغسل] قال أبو جعفر: (والغسل من الجنابة والحيض والنفاس أن يبدأ فيغسل ما به من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده إفاضة يصل بها الماء إلى شعره وبشره، ولابد في ذلك من المضمضة والاستنشاق). قال أبو بكر أحمد: روي عن النبي ﷺ أنه توضأ

стр. 215

وضوءه للصلاة في غسل الجنابة، ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثًا غير رجليه، ثم تنحى فغسل رجليه. وروي عنه ﷺ أنه قال: "أما أنا فأفيض على رأسي الماء ثلاثًا، فإذا أنا قد طهرت". وقال لأم سلمة ﵂: "إنما يكفيك أن تصبي الماء على رأسك ثلاثًا، ثم تغسلي سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت". وقال لأم سلمة ﵂: "إنما يكفيك أن تصبي الماء على رأسك ثلاثًا، ثم تغسلي سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت". وقال ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة. وقال لأبي ذر ﵁: "التراب كافيك، ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك". وقال علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ : "من ترك شعرة من جسده في الجنابة لم يغسلها: فعل بها كذا وكذا من النار".

стр. 216

فهذه الأخبار توجب غسل جميع البدن مما يلحقه حكم التطهير في الجنابة. وتدل على أن الوضوء ليس بواجب في الجنابة، وقد بينا الحجاج لوجوب المضمضة والاستنشاق في الجنابة فيما تقدم. مسألة: [أدنى ما يكفيه من الماء في الوضوء والغسل] قال أبو جعفر: (ولا نحب له أن يغتسل بدون الصاع، ولا يتوضأ منه بأقل من مد، وإن أسبغ بدونهما أجزأه). وذلك لما روى انس ﵁ أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع"، والمد رطلان. [مسألة: مقدار الصاع] قال: (والصاع في قول أبي حنيفة ومحمد: ثمانية أرطال بالبغدادي، وفي قول أبي يوسف: خمسة أرطال وثلث). والكلام في مقدار الصاع موضعه في باب صدقة الفطر.

стр. 217

مسألة: [طهارة سؤر الإنسان] قال أبو جعفر: (ولا بأس بأسآر بني آدم: مسلميهم ومشركيهم، وذكورهم وإناثهم، وطاهريهم وحيضهم، ومن سوى ذلك منهم). * أما سؤر المسلم فلا خلاف فيه. وأما سؤر المشرك فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: يوجب إباحة سؤرهم؛ لأنه لم يفرق بين طعامهم في أوانيهم التي شربوا فيها، وبين غيرها، وعمومه يقتضي إباحة الجميع. وأيضًا: فلا خاف بين فقهاء الأمصار أن سؤر المشرك ليس بنجس، وأنه لو أصاب منه الثوب وإن كثر: لم يمنع الصلاة". فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

стр. 218

قيل له: المراد به نجاسة الكفر، لا نجاسة العين؛ لأن عينه واحدة في حال الإسلام والكفر. وأيضًا: لو كان الكافر نجس العين، لما تركه النبي ﷺ في المسجد، وقد كان النبي ﷺ أنزل وفد ثقيف في المسجد، وهم كفار. ودخل أبو سيفان مسجد النبي ﷺ وهو كافر، فلم ينكره. فدل ذلك على أنه ليس بنجس العين، ألا ترى أن الكلب والخنزير لما كانا نجسين: لم يجز تركهما في المسجد. * وأما سؤر الحائض، فطاهر بمنزلة سؤر الطاهر، والأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة ﵂:

стр. 219

"ناوليني الخمرة"، فقالت: أنا حائض، فقال: "ليس حيضتك في بدك"، فدل على أنها في سائر الأعضاء كالطاهرة. * * * * *

стр. 220

باب التيمم [مسألة: الأمكنة التي يجوز فيها التيمم] قال أبو جعفر: (ويتيمم في غير الأمصار والقرى إذا أعوز الماء). قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. [مسألة: كيفية التيمم] قال أبو جعفر: (والتيمم أن يقصد إلى صعيد طيب، فيضرب بيديه عليه، ثم ينفضهما فيسمح بهما وجهه، ثم يضرب بهما ضربة أخرى، ثم ينفضهما فيسمح بهما ذراعيه إلى المرفقين ...) إلى آخر ما ذكر. قال أبو بكر: قد روي عن عمار بن ياسر ﵁ حديث التيمم على وجوه مختلفة. فروي عنه أنه قال: "تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب".

стр. 221

وهذا اللفظ ليس فيه دلالة على أن النبي ﷺ فعل ذلك، ولا على أن النبي ﷺ علم ذلك من فاعله، فلم ينكره عليه، إذ جائز أن يكون مراده: أنا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، ففعلنا ذلك. ومثل ذلك لا تقوم به حجة من فعل الصحابي حتى يعلمه النبي ﷺ ، فيترك النكير عليه، وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، وهذا أحد ما روي عن عمار ﵁ في التيمم. وروي عنه أن النبي ﷺ علمه التيمم حين أجنب، فتمعك في التراب، ثم سأل النبي ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك الوجه والذراعين إلى المرفقين". وروي: "الوجه والكفين:، روي: "الوجه والكفين إلى نصف

стр. 222

الذراع". ثم روي فيه أيضًا: "أنه فعل ذلك بضربتين"، وروي "بضربة واحدة". فهذه أحاديث عمار ﵁ قد رويت على هذه الوجوه. * فأما التيمم إلى المناكب، فقد بينا وجهه، وأنه لا تثبت بمثله حجة. * وبقي الكلام في جهة الأخبار الأخر، فنقول: إن الواجب الأحد بالزيادة، وهو إثباته: "إلى المرفقين"، و"بضربتين إحداهما للوجه، والأخرى لليدين"، إذ كان ذلك أكثر ما روي فيه. ومن اقتصر على ما دون المرفقين، وعلى ضربة واحدة، فقد ترك زيادة قد ذكرت فيه، لم يستعملها، وسبيل الأخبار أن تستعمل على أكثرها فائدة، وأعمها حكماً. * وقد روي في صفة التيمم غير حديث عمار ﵁: فمنها: حديث محمد بن ثابت العبدي عن نافع عن ابن عمر ﵄ "أن رجلا سلم على النبي ﷺ وهو في بعض سكك

стр. 223

المدينة، فلم يرد عليه حتى ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر" فذكر فيه ضربتين للتيمم، ومسح الذراعين. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي قال: حدثنا عمر بن محمد الأنماطي قال: حدثنا جرير عن عزرة عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ في التيمم: "ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين". قال إبراهيم: وحدثنا أبو نعيم قال: وحدثنا عزرة عن أبي الزبير عن جابر ﵁ مثله من قوله. قال أبو بكر: وهذا لا يفسده عندنا، بل يؤكده؛ لأنه يجوز أن يرويه عن النبي ﷺ في وقت، ثم يفتي في وقت آخر، فذكر فيه أيضًا ضربتين، ومسح اليدين إلى المرفقين. وروى الأسلع ﵁ أيضًا عن النبي ﷺ "أنه

стр. 224

علمه التيمم، فضرب ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". وهذه أخبار مشهورة تركت ذكر أسانيدها كراهة الإطالة. * وأما قوله: "ينفضهما"، فلأن في حديث الأسلع ﵁: "أن النبي ﷺ نفضهما". حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا الربيع بن بدر عن أبيه عن جده عن الأسلع ﵁ قال: لأراني كيف علمه رسول الله ﷺ التيمم، فضرب بكفيه على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أمر على لحيته، ثم أعادهما إلى الأرض، فمسح بهما الأرض، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما". وفي حديث عمار ﵁ عن النبي ﷺ "أنه نفضهما"، وفي بعضهما: "أنه نفخ فيهما"، وفي بعضها: "أنه ضرب

стр. 225

بإحداهما على الأخرى". وحديث الأسلع ﵁ يدل على أنه يحتاج أن يعم العضو بالمسح؛ لأنه قال: "مسح ظاهرهما، وباطنهما"، وهو موافق لما ذكره أبو جعفر في صفة التيمم. مسألة: [وجوب طهارة موضع الأرض الذي يتيمم منه] قال أبو جعفر: (ومن تيمم من موضع من الأرض غير طاهر: لم يجزئه). قال أبو بكر: وذلك لقوله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والمعنى –والله أعلم –طاهرًا، لأن النجس لا يسمى طيبًا، ولأن الله تعالى

стр. 226

قال: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَآئِثَ﴾، والنجاسات من الخبائث، فلا يجوز استعمالها للطهارة. وقال النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، والنجس لا يكون طهورًا، كما أن الماء النجس لا يكون طهورًا. مسألة: [ما يتيمم به] قال أبو جعفر: (وكل شيء يتيمم به من تراب أو طين أو جص أو نورة أو زرنيخ أو ما يكون من الأرض سوى ذلك من حجارة أو غبار ثوب، فإنه يجزيه في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يجزئ إلا بالتراب). قال أبو بكر: وجه قول أبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وقال لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال:

стр. 227

"الصعيد: الأرض، والصعيد: التراب، والصعيد: الطريق، والصعيد: القبر، فكل ما كان من الأرض فقد انتظمته الآية". فإن قيل: روي في حديث آخر: "جعلت لي الأرض مسجدًا، وترابها لنا طهورًا". قيل له: نستعملهما، فنقول: "ترابها طهور بهذا الخبر، وجميع أجزائها طهور أيضًا بقوله: "جعلت لي الأرض طهورًا". * ويدل على انه غير مقصور على التراب: حديث ابن عمر ﵄ الذي قدمنا، أن النبي ضرب بيديه على الحائط في بعض سكك المدينة، وتيمم، ثم رد ﵇، وقال: "ما منعني من الرد عليك إلا أني كنت على غير طهر". فإن قيل: ذلك التيمم لا اعتبار به؛ لأنه كان في المصر، وفي حال

стр. 228

وجود الماء من غير عذر، ولأن رد السلام لا تتعلق صحته بالطهارة. قيل له: ليس كذلك؛ لأن النبي ﷺ قد بين أن عده الطهارة كان منعه من رد السلام، وليس يمتنع من أن يكون النبي ﷺ قد كان متعبدًا بأن لا يرد السلام إلا وهو على طهارة، ولا يدري هل نسخ عنه هذا الحكم أم كان باقيًا إلى أن توفي. وأما جوازه في المصر فلخوف الفوات، لأن رد السلام إنما يكون على الفور، وهذا نظير ما يقوله في جواز التيمم في صلاة الجنازة في المصر؛ لخوف الفوات. فإن قيل: جوزه بالذهب والفضة، لأنهما من الأرض. قيل له: لا يجب ذلك؛ لأنهما ليسا من أجزاء الأرض، وإنما هي جواهر مودعة في الأرض، ألا ترى أن طبعهما مخالف لطبع الأرض. * وذهب أبو يوسف إلى ما روي من قوله ﷺ : "التراب كافيك، ولو إلى عشر حجج"، وقوله ﷺ : "وترابها لنا طهور". مسألة: [لا يجمع الجريح بين التيمم والغسل] قال أبو جعفر: (ومن كان به جرح يضره الماء في أي مكان كان من

стр. 229

جسده، ووجب عليه الغسل: غسل سائر جسده سواه، وليس عليه التيمم). وذلك لأن عليه غسل سائر مواضع الصحة؛ لإمكان غسلها إذا كان الأكثر من بدنه صحيحاً. * ولم يجب عليه التيمم؛ لأنه لا يجوز الجمع بين البدل والمبدل عنه، فإذا لزمه فرض الغسل: سقط حكم التيمم. ولأن التيمم لا يجب إلا مع عدم الماء، أو تعذر استعماله، فلما لزمه فرض الغسل في بعض الأعضاء، لم يجز لزوم التيمم فيها، لما وصفنا. * ويدل عليه أيضًا: ما روي أن النبي ﷺ أمر عليًا ﵁ بالمسح على الجبائر، ولم يأمره بالتيمم مع الوضوء. [مسألة:] قال: (فإن كان الأكثر من بدنه مجروحًا: جاز له التيمم، ولم يكن عليه غسل شيء من بدنه).

стр. 230

وذلك لأن الحكم متعلق في مثل ذلك بالأكثر، ألا ترى أنه لا يجب عليه إذا كان مجدورَا غسل ما بين الجدريين. * ولعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فسوى بين المرض وبين عدم الماء في جواز التيمم، وترك استعمال الماء. مسألة: [بقاء التيمم حتى يوجد ما ينقصه] قال أبو جعفر: (ومن وجب عليه أن يتيمم لعوز الماء، أو لعلة ببدنه، فتيمم، كان على تيممه ما لم يحدث، أو يجد الماء). قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فأباح التيمم لعدم الماء، وهذا المعنى قائم بعد فعل الصلاة كهو قبله، فلا فرق بين الحالين إذا كانت العلة التي لها جازت صلاته بالتيمم قبل الفراغ منه، موجودة بعد الفراغ منها. وأيضًا: قال النبي صلى الله علي وسلم لأبي ذر ﵁: "التراب كافيك، ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك".

стр. 231

وقال في حديث أبي هريرة ﵁: "التراب وضوء المسلم ما لم يجد الماء". فإن قيل: قوله: "التراب كافيك ولو إلى عشر حجج": ليس بتوقيت، لحصول اليقين بأن ذلك لا يبقى. قيل له: أجل، إلا أنه قد دل به على بقاء حكم التيمم ما لم يجد الماء، وأكده بذكر السنين العشر. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، لم يرد به العدد، وإنما أراد به تأكيد نفي الغفران. فإن قيل: قوله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، يقتضي إيجاب التيمم لكل صلاة. قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾: لم يرد به حقيقة اللفظ؛ لأنه لو أريد به ذلك، كانت الطهارة بعد الدخول فيها، وهذا لا يقوله أحد، فثبت أن اللفظ مجاز، والمجاز لا يستعمل إلا بدلالة تقوم عليه غير اللفظ.

стр. 232

وأيضًا: فإن: "إذا": لا يقتضي التكرار، وإنما يتناول مرة واحدة، وما بعدا إنما دخل في الحكم من جهة المعنى، لا ن جهة اللفظ. وأيضًا: لو جاز أن يقال ذلك في التيمم، لجاز أن يقال مثله في الوضوء؛ لأنه مذكور معه، فلما لم يكن إرادة القيام إلى الصلاة شرطًا في إيجاب الضوء: كذلك في التيمم؛ لأنهما جميعًا دخلا في حكم الآية بلفظ واحد. فإن قيل: اللفظ يقتضي التكرار فيهما جميعًا، إلا أنا خصصنا الوضوء بدلالة، ولم تقم الدلالة في التيمم. قيل له: ليس هناك لفظان: أحدهما للوضوء، والآخر للتيمم، وإنما هو لفظ واحد لهما، وقد صح نفي التكرار في أحدهما، فالآخر مثله. وأيضًا: فقد وافقنا بعض مخالفينا على جواز نفل وفرض بتيمم واحد، فلا يخلو هذا المتيمم بعد فراغه من الفرض، من أن يكون حكم تيممه باقيًا أو زائلًا، فإن كان باقيًا: جاز له أن يصلي به فرضًا آخر، وإن كان زائلًا: فالواجب أن لا يجزيه النفل؛ لأن النفل والفرض لا يختلفان في باب الطهارة. فإن قيل: قد يختلفان في باب جواز النفل قاعدًا من غير عذر، وعلى الراحلة حيثما توجهت به من غير خوف، ولا يجوز مثله في الفرض. قيل له: لا يجوز النفل على شيء من هذه الأحوال إلا ومثله يجوز في

стр. 233

الفرض في حال العذر، فلا فرق بين النفل والفرض في الأصول في باب الطهارة. فإن قيل: فقد جعلتم وضوء الاستحاضة مقدرًا بالوقت؛ لأنه لا يرفع الحدث، فهلًا كان التيمم مثله، لوجود هذه العلة. قيل له: الفصل بينهما: أنه لم يوجد بعد التيمم حدث، فيعتبر فيه الوقت، وقد وجد من المستحاضة سيلان الدم بعد الطهارة، وهو حدث، فرخص لها الصلاة بالحدث مادامت في الوقت، فإذا خرج الوقت ألزمناها الطهارة لحدث قد وجد منا بعد الطهارة، فلذلك اختلفنا. مسألة: [إبقاء الماء خشية العطش، وجواز التيمم] قال أبو جعفر: (إذا خاف العطش على نفسه، فله أن يتيمم، ويحبس الماء لنفسه). لأن الله تعالى قد أباح التيمم للمريض، لما يخشى على نفسه من ضرر استعمال الماء، فكذلك الخائف على نفسه العطش، يلحقه ضرر باستعمال الماء للطهارة: فجاز له العدول عنه إلى التيمم. وأيضًا: قال الله تعال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: يعني من ضيق.

стр. 234

[مسألة] قال: (ولا ينبغي لعادم الماء أن يعجل بالتيمم، ولكن يؤخره إلى آخر الوقت). وذلك لأنه عسى أن يجد الماء، فيصلي بطهارة الماء، ويخرج بها من الخلاف في إعادة الصلاة لو وجده في الوقت بعد الفراغ منها بالتيمم. [مسألة] قال: (فإن تيمم في أول الوقت، وصلى أجزأه). وذلك لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فتضمنت الآية إباحة فعل الصلاة بالتيمم في أول الوقت، ولا يكون ذلك إلا وقد تقدم فعل التيمم على الوقت. وأيضًا: عموم قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، يوجب جواز التيمم عند عدم الماء في أول الوقت، وهذا أيضًا يوجب جواز التيمم قبل دخول الوقت؛ لأنه لم يخصص في جوازه وقتًا من وقت، وإنما

стр. 235

علقه بعدم الماء فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾، ولا يصح القيام إليها قبل دخول الوقت. قيل له: هذا يدل على صحة قولنا؛ لأن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾: لا يخلو من أن يكون المراد به وجود القيام إلى الصلاة، أو إرادة القيام إليها، ومعلوم أنه لم يرد وجود القيام إليها، لن ذلك لا يكون إلا بعد وجود جزء منها، وشرط ذلك الجزء أيضًا تقديم الطهارة عليه، فانتفى بذلك أن يكون المراد وجود القيام، فإذا معناه: إذا أردتم القيام إليها. وهو قد يريد القيام إليها قبل دخول وقتها إذا دخل الوقت، كما يريد أن يصلي غدًا، وفي مستقبل عمره، فواجب أن يصح تيممه بحكم الآية قبل دخول الوقت. وكما جاز الوضوء قبل دخول الوقت: كان كذلك حكم التيمم الذي هو مشروط عند عدمه. * ويدل على جواز تقديمه على القوت: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ

стр. 236

لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، فأباح فعلها عقيب الزوال في أول وقتها. وقال:﴾ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فأباح الصلاة في أول وقتها بطهارة يقدمها عليها من وضوء أو تيمم، فصح جواز تقديمه على الوقت. وأيضًا: قول النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء"، وقال ﷺ : "التراب كافيك ولو على عشر حجج"، ولم يخصص به حالًا من حال، ولا وقتًا من غيره. مسألة: [بطلان التيمم بوجود الماء قبل القعدة الأخيرة قدر التشهد] قال أبو جعفر: (ومن تيمم، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أو بعد دخوله فيها قبل أن يقعد في آخرها مقدار التشهد: انتقضت طهارته، وتوضأ، واستأنف الصلاة).

стр. 237

قال أبو بكر: قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وظاهره يقتضي وجوب الغسل بعد القيام إلى الصلاة والدخول فيها، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فأوجب الغسل بعد القيام إلى الصلاة، وأسقطه عند عدم الماء بالتيمم، فمتى وجد الماء: لزمه الغسل بالظاهر. وأيضًا: قول النبي ﷺ : "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك". وقوله لأبي ذر ﵁: "التراب كافيك ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك"، ولم يفرق بين حاله بعد الدخول في الصلاة، وقبل دخوله. فإن قيل: قال النبي ﷺ في المصلي: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا". قيل له: قاله في الشاك في الصلاة.

стр. 238

وكذلك قوله: "لا وضوء إلا من صوت، أو من ريح". وأيضًا: حال الصلاة لا يمنع لزوم الطهارة، بدلالة أنه لو أحدث فيها لزمته الطهارة، وكذلك لا يمنع لزوم سائر الفروض التي هي من شرائط صحة الصلاة، مثل وجود الثوب للعريان، ولزوم الأمة تغطية الرأس بالعتق، ولزوم الطهارة بوجود الحدث. فلما كان رؤية الماء قبل الدخول في الصلاة ينقض التيمم، وجب أن لا يمنع كونه في الصلاة ينقض التيمم، وجب أن لا يمنع كونه في الصلاة من انتفاضة، ولزوم الطهارة به. فإن قيل: الفرق بين حال الصلاة وبين غيرها، أن فرض الطلب قائم عليه ما لم يدخل في الصلاة، فإذا صار فيها: سقط عنه فرض الطلب؛ لأنه ينافي فعل الصلاة، فسقط عنه من أجل ذلك فرض استعمال

стр. 239

الماء. قيل له: قولك بإيجاب فرض قبل الدخول في الصلاة، دعوى لا دلالة عليها، إلا أنا نقول لك مع تسليمه: خبرنا عنه: إذا طلب الماء، فلم يجده، فتيمم، هل سقط عنه فرض الطلب؟ فإن قال: نعم. قيل له: فإن وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أليس ينتقض تيممه مع سقوطه فرض الطلب عنه على قولك؟ فقد نقضت بذلك ما أصلت من أن سقوط فرض الطلب يمنع لزوم استعماله الماء. وإن قلت: إن فرض الطلب قائم عليه مع التيمم قبل دخوله في الصلاة. قلنا لك: فينبغي أن لا يصح تيممه؛ لن بقاء فرض الطلب يمنع صحة التيمم عندك. وإن جاز أن يقول: إن فرض الطلب قائم عليه مع صحة تيممه، وجواز دخوله في الصلاة، فهلًا قلت: إن فرض الطلب قائم عليه بعد دخوله في الصلاة. فإن قال: لأن كونه في الصلاة ينافي فرض الطلب عليه. قيل له: وجواز دخوله في الصلاة ينافي بقاء فرض الطلب، فواجب أن يسقط عنه فرض الطلب قبل دخوله فيها؛ لأنك قد أجزت له الدخول، وهو ينافي فرض الطلب.

стр. 240

* ودليل آخر: وهو أن وجود الماء لما كان مانعًا من صحة الابتداء. وجب أن يمنع البقاء، كالحدث لما منع الابتداء: منع البقاء. فإن قيل: العدة تمنع ابتداء عقد النكاح، ولا تمنع البقاء. قيل له: لا يخلو من أن تريد إلزامنا الفرق بين الابتداء والبقاء على علة أوجبت علينا ذلك، أو بسومنا القياس على النكاح. فإن أردت إلزامنا: فعلى أية علة وما اعتللنا به في الصلاة غير موجود في النكاح. وإن سمتنا قياسها على النكاح، فالواجب إظهار العلة التي من اجلها اختلف حكم الابتداء والبقاء في النكاح، وتدل على صحتها. ثم تسومنا قياس رؤية الماء عليها إن كانت موجودة فيها. فإما أن تقول: اختلف حكم الابتداء والبقاء في مسألة وجب أن يختلف في سائر المسائل، فإن هذا قول ساقط لا يستحق الجواب. وعلى أنا نسامحك فنقول: إن شرط صحة الصلاة وجود الطهارة فيها

стр. 241

في الابتداء والبقاء، فلما كان وجود الماء قبل الدخول فيها مانعًا من صحة الابتداء، ووقوعها بطهارة التيمم: وجب أن يكون البقاء مثله إذا كان شرط الجميع وجود الطهارة معه، وليس شرط بقاء النكاح خلوها من العدة، وإنما ذلك شرط في نفس العقد. فإن قيل: فقد فرقت أنت بين الابتداء والبقاء في نفس الطهارة، فقلت: لو ابتدأ الصلاة مع الحدث: لم يصح افتتاحه، ولو سبقه الحدث بعد الدخول: لم يبطل الافتتاح. قيل له: لا فرق بينهما على ما ذكرنا، لأنا قلنا: كل حال لا يصح الابتداء عليها: لا يصح البقاء معها، والمحدث لا يصح له البناء مع الحدث، لأنا نقول: لو فعل جزءًا من الصلاة بعد الحدث: بطلت صلاته، كما لو ابتدأها مع الحدث لم تصح. * ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن الصغيرة إذا اعتدت شهرًا، ثم حاضت: انتقلت عدتها إلى الحيض، فلم تختلف حال وجود الحيض في الابتداء وبعد وجوب العدة، ومحل الشهور من الحيض محل التيمم من الماء، وكونها معتمدة مثل كون المصلي في

стр. 242

الصلاة مع التيمم. وأيضًا: لو خرج وقت مسحه، وهو في الصلاة: لزمه فرض غسل الرجلين، فدل ذلك على معنيين: أحدهما: ان كونه في الصلاة: لا تأثير له في منع لزوم الطهارة. والثاني: أن خروج وقت المسح: يبطل حكم البدل، ويوجب الرجوع إلى حكم الأصل من غسل الرجلين، كما يبطل وجود الماء في حكم التيمم، فلما لم تختلف حاله قبل الصلاة وبعد الدخول فيها في لزوم غسل الرجلين، فخروج الوقت وجب أن لا يمنع لزوم التيمم، والعلة الجامعة بينهما: أن كل واحد منهما لا يثبت حكمه مع لزوم الآخر. وكذلك لو كان عريانًا، فوجد ثوبًا وهو في الصلاة: لزمه فرض الستر، ولم يمنع كونه في الصلاة من لزوم ذلك. وكذلك المستحاضة إذا انقطع دمها، وبرأت وهي في الصلاة، لم يختلف حكمها في ذلك قبل الدخول أو بعده. * ومن جهة أخرى: إن التيمم لما كان بدلًا عن الماء: لم يجز بقاء حكمه مع وجود المبدل عنه، إذ ليس في الأصول بقاء حكم البدل مع

стр. 243

الأصل. فإن قيل: فلو صام المتمتع ثلاثة أيام في الحج، وحل بالحلق، ثم وجد الهدي قتل السبعة الأيام: لم ينتقض صومه الأول، مع كونه بدلًا عنه. قيل له: الثلاثة بدل الهدي، لا السبعة، والدليل عليه أن الهدي هو الذي يقع به الإحلال، فوجب أن يكون بدله ما يقع الإحلال بعده، فلما وقع الإحلال بالثلاث: صار وقوع الإحلال به بمنزلة الفراغ من الصلاة، فلا يؤثر وجود الماء بعد ذلك في حكمها، ألا ترى أنا نقول إنه لو وجد الهدي في الثلاث، أو في أيام النحر قبل أن يحل: أنه ينتقل إلى الهدي، كما نقول في المصلي إذا وجد الماء قبل فراغه من الصلاة. مسألة: [وجود الماء بعد القعدة قدر التشهد، وتسمى المسائل الاثنا عشرية] قال أبو جعفر: (وإن وجده بعد ما قعد في صلاته مقدار التشهد: فإن أبا حنيفة قال: تفسد صلاته، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تفسد). قال أبو بكر: لهذه المسألة نظائر أجراها أبو حنيفة ﵀ على أصل واحد، مثل العريان إذا وجد ثوبًا، وخروج وقت

стр. 244

المسح، والأمي إذا برأ فقدر على الركوع والسجود، وإذا خرج وقت الجمعة، وإذا ذكر صلاة فاتته في اليوم والليلة، وخروج وقت المستحاضة، والأمي إذا علم سورة، وإذا برأت الجراحة في موضع الطهارة، وطلوع الشمس. وكان شيوخنا يحتجون في جميع المسائل لمذهب أبي حنيفة، لأن الخروج من الصلاة عنده بفعله فرض. والدليل على ذلك أنه منهي عن البقاء في الصلاة إلى دخول وقت

стр. 245

صلاة أخرى. قالوا: فكل ما طرأ على المصلي مما يخرجه من الصلاة بغير فعله: فإنه يفسد عليه صلاته، نحو المسائل التي ذكرنا. وأما أبو الحسن الكرخي فكان يحتج لذلك، بأن كل ما يغير الفرض، فوجوده في آخر الصلاة كوجوده في أولها. والدليل على ذلك أن مسافرًا لو نوى الإقامة في آخر الصلاة قبل التسليم، كانت نيته تلك موجبة عليه الإتمام، فكان وجودها في آخرها، كهو في أولها، فقسمنا على ذلك ما كان في حكمه وبمثابة، ووجود الماء يغير فرض التيمم، وكذلك وجود الثوب للعريان، وخروج وقت المسح، ونظائره من المسائل. فوجب أن يكون وجود ذلك في آخر الصلاة، كهو في أولها، فلما كان حدوث هذه الأشياء في أول الصلاة مفسدًا لها: وجب أن يكون ذلك حكمها إذا حدثت في آخرها. وهذا المعنى موجود في جميع هذه المسائل، إلا في طلوع الشمس؛ لأن طلوع الشمس لا يغير الفرض، إلا أنه صار في حكم ما ذكرنا بمعنى آخر، وهو انه ليس من فعله، كخروج وقت المسح، وخروج وقت المستحاضة، وخروج وقت الجمعة، فكذلك استوى حكمه وحكمها. فإن قيل: فالمأموم يخرج من الصلاة بتسليمة الإمام إذا كان قد أدرك أول صلاته، ولم يوجب ذلك فساد صلاته وإن خرج منها بغير فعله، فهذا يوجب فساد اعتلالك. قيل له: لا يوجب ذلك، لأنه لم يخرج من صلاة إمامة بسلامه إلا من حيث عقد صلاته بصلاته، فإنما خرج منها بفعله، لأنه عقد على نفسه

стр. 246

الصلاة الموجبة لخروجه منها بتسليم الإمام. قال أبو يكر أحمد: وليس كذلك ما يطرأ على المصلي من الأسبب المغيرة للفرض عند أصحابنا جميعًا، بمنزلة الأمة إذا أعتقت وهي في الصلاة مكشوفة الرأس، فتأخذ قناعها وتبني. وكذلك المجتهد في القبلة إذا أداه اجتهاده إلى جهة، فصلى إليها. لم أداه اجتهاده وهو في الصلاة إلى أن الجهة غيرها، فيتوجه إليها، ويبني. وذلك لأن الأمة لم يكن عليها فرض الستر قبل دخولها في الصلاة. وإنما هو فرض لزمها في الحال، فأشبهت أهل قباء حين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فأتاهم آت، فاخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا إليها، وبنوا، فصار ذلك أصلًا في حدوث الفرض. وما ذكرناه من المتيمم إذا وجد الثوب. ونظائرهما من المسائل، فإن الفرض كان متقدمًا عليهم في استعمال الماء، والستر، وغسل الرجلين، وما أشبه ذلك. وإنما أجيز لهم ترك الفرض للعذر، وحكمه باق عليهم، فإذا زال العذر: عاد إلى أصل فرضه، فصار كأنه جزءًا من الصلاة مع بقاء الحدث، ومع العري، ونحوه مع زوال العذر، فلذلك فسدت صلاتهم. وأما المجتهد إلى القبلة، فإنه لم يرجع من اجتهاده إلى يقين، وإنما صار من اجتهاده إلى اجتهاد مثله، والاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد، وينقض باليقين، وغنما نظيره مما ذكرنا أن يجتهد بمكة إلى جهة الكعبة في ليمة مظلمة، ثم يصير إلى اليقين في خلاف الجهة التي ابتدأ الصلاة إليها، بأن

стр. 247

عاين الكعبة، فهذا يجوز أن يقال إنه يستقبل، كما قلنا في المتيمم إذا وجد الماء، ونظائره من المسائل. مسألة: [جواز المسح على الجبائر] قال أبو جعفر: (ولا بأس بالمسح على الجبائر). وذلك لما روى زيد بن علي عن آبائه عن علي ﵃ أنه كسرت زنده يوم أحد، فقال: يا رسول الله! ما أصنع بالجبائر؟ قال: "امسح عليها". [مسألة] قال: (والمسح عليها كالغسل لما تحتها، وساء شدها وهو على طهارة، أو هو محدث، ولا يشبه ذلك المسح على الخفين). قال أبو بكر: كان أبو الحسن ﵀ يذكر أن من مذهب أبي حنيفة أن ترك المسح على الجبائر: لا يمنع صحة صلاته؛ لأن فرض الغسل ساقط عن موضع الجراحة، وليس كالمسح على الخفين، لن فرض غسل الرجل قائم عليه مع لبس الخفين، فالمسح بدل منه، فلم يجز تركه. * وأما وجه مسألة أبي جعفر التي ذكرها في الكتاب، في جواز المسح عليها، سواء شدها على طهارة أو على غير طهارة: فهو أن فرض

стр. 248

الطهارة ساقط عنه في موضع الجراحة، فلا فرق بين تقديم الطهارة على شدها أو تأخيرها عنه، وهو قولهم جميعًا، وليس كالمسح على الخفين لأن فرض الطهارة قائم في الرجل، فلا يجوز المسح إلا أن يكون قد لبسه على طهارة. [مسألة: سقوط الجبيرة] قال أبو جعفر: (وإن سقطت جبائره عن غير برء: كانت طهارته على حالها). وذلك لأن سقوطها لم يلزمه طهارة الموضع، ألا ترى أنه لو أبتما الصلاة بعد سقوط الجبائر: جاز، وليس كالمسح على الخفين؛ لأن نزع الخف يلزمه غسل الرجلين. قال أبو جعفر: (وإن كان سقوطها عن برء: غسل مكانها، ولم يجزه إلا ذلك). وذلك لأنه عاد إلى أصل فرضه قبل خروجه من الصلاة، فصار كأنه فعل جزءًا من الصلاة بالتيمم بعد البرء، وهو على ما بينا من وجود الماء للمتيمم، ونظائره من المسائل.

стр. 249

مسألة: [يصلي المريض بتيممه ما بقي العذر أو يحدث] قال أبو جعفر: (وقولهم جميعًا في المريض الذي يخاف ضرر الماء أنه يتيمم ويصلي بتيممه ما بقي العذر أو يحدث). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. الآية، فأباح التيمم مع المرض، وكان حكم العموم إجازة التيمم لكل مريض، إلا أن المسلمين متفقون على أن المريض الذي لا يخاف ضرر استعمال الماء: لا يجوز له التيمم، فخصصناه بالاتفاق، وبقي حكم العموم فيما عداه. وقد حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي قال: حدثنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، فاحتلم، فقال لصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة في التيمم، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات. فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: "قتلوه! قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل

стр. 250

سائر جسده". قال أبو بكر: هذا الحديث قد دل على معان من الفقه: أحدهما: جواز التيمم للمجروح إذا خاف ضرر الماء. ويدل أيضًا على جواز المسح على الجبائر. ويدل أيضًا على أن الغسل والتيمم لا يكونان جميعًا من فرضه، ولا يجتمعان في الوجوب؛ لن النبي ﷺ حين أجاز له المسح على الجبائر، لم يوجب عليه التيمم معه، ولم يأمره بالجمع بين التيمم والغسل، كما أمره بالجمع بين الغسل والمسح. * وقوله ﷺ : "يكفيه أن يتيمم": معناه إن ضره غسل باقي بدنه. * وقوله: "أو يمسح على الخرقة، ويغسل سائر جسده": يعني إن لم يضره غسل سائر البدن، وضره موضع الجراحة، لا على أنه مخير بين المسح وبين التيمم؛ لأنه إذا لم يضره غسل سائر جسده: فلا خلاف أنه يغسله. * وهذا الحديث يدل أيضًا على صحة قول أبي حنيفة في جواز التيمم
следующие страницы →